الأربعاء، 18 فبراير 2026

 

علينا أن لا ننسى

صعْبٌ محْوُ الذاكرة

كتب: بشير خلف

      أيّها القارئ الكريم ما ستقرأه ليس نصًّا سرديًّا خياليا، بل واقعة من جرائم الاستعمار الفرنسي.

        .. أهٍ يا عمّي إبراهيم يرحمك الله؟

     في شهر أوت سنة 1960 ألْقت السلطات الفرنسية القبض عليّ بتهمة أني فلّاّق..إرهابي، فكان التعذيب، والاستنطاق في عدّة أماكن، ومنها القلعة العسكرية الرهيبة المتمركزة في وسط مدينة عنابة في الجهة الغربية من الساحة المعروفة حينذاك( الكور)، ساحة الثورة حاليا.

     الثكنة التي نُقل إليها المعتقلون طوال سنوات الثورة للاستنطاق والتعذيب، وحشْرهم في زنزانات ضيّقة طولها أربع أمتار، وعرضها ثلاث أمتار.

    حُشِرْتُ في إحداها، إذ سبقني إليها (عمّي إبراهيم 90 سنة)، شيخٌ مجاهد مدني من "حيّ القبّة" بغربي المدينة، عُذّب العذاب الأكبر أثناء اعتقاله، في الليل لا ينام، يقضي الليل كلّه يئنّ، يكُتُّ من الألم يتحرّك ذهابا وإيابا من الباب الموصد حتى الجدار المقابل، مسافة أربعة أمتار.

    عمّي إبراهيم عُذِّب في مناطق حسّاسة بالضرب، والركل ، وصدمات الكهرباء في أعضائه الحسّاسة، فانتفخت خسيتاه، وتضخّمتا، فأعاقتاه عن الجلوس، وبسبب شراسة التعذيب تكسّرت عضلات من عموده الفقري يمينا ويسارا، ممّا صعّب عليه قضاء الحاجة البشرية أيضًا.

     في تلك الزنزانة وشبيهاتها لا يوجد مرحاض، بل في كل زاوية زنزانة وراء الباب توجد علبة حديدية..علبة طماطم أو زيتون فارغة، نقضي فيها الحاجة أمام بعضنا، وصباحا ، يفتح الحُرّاس أبواب الزنزانات، فيُــسارع المعتقلون إلى الاصطفاف وراء بعضهم في الممرّ الخارجي حاملين العلب الحديدية الملأى بالفضلات لتفريغها في المصبّ الوحيد.

    يرحمك الله عمّي إبراهيم.. ما أكثر أمثالك دافعوا، وقاوموا الاستعمار، وعُذّبوا، ونُكّل بهم من أجل الجزائر الحبيبة.

     ليت قومي يعرفون هذه التضحيات، وذلك التعذيب، والإبادة الجماعية، والفردية من طرف الاستدمار الفرنسي للشعب الجزائري.

     الرحمة، والمجد للشهداء، والأحرار، والغيورين الذين احتضنوا الجزائر أمًّا حنونة.. تحي الجزائر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

  علينا أن لا ننسى صعْبٌ محْوُ الذاكرة كتب: بشير خلف       أيّها القارئ الكريم ما ستقرأه ليس نصًّا سرديًّا خياليا، بل واقعة من جرائم ...