‏إظهار الرسائل ذات التسميات ثقافة الطفل وتربيته. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ثقافة الطفل وتربيته. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 14 يونيو 2015

الغش في البكالوريا ظاهرة عالمية

الغش في امتحانات الباكالوريا ظاهرة عالمية
        الغش في الامتحانات ظاهرة كونية، وان اختلفت حِدّتها وسبُل وجدّية مواجهتها من بلد لآخر، كما أنه قديم قِدم الامتحانات نفسها، فقد كتب عنها محمد الطاهر بن عاشور المولود بتونس في 1879م، في كتابه " أليس الصبح بقريب ؟ – التعليم العربي الإسلاميّ – دراسة تاريخيّة وآراء إصلاحيّة"، وأسماه " الإخلال في الامتحانات"، مُرجعا انتشاره وسط طلاب جامعة الزيتونة آنذاك إلى "سوء يقظة المراقبين، بسبب اتّخاذ المراقبين من عامّة أعوان دار الشّريعة، وعامّة مستخْدَمي خزائن الكتب، وبيت النّظارة بالجامع، فهم ـ لجَهْلهمْ ـ لا يتفطنون لطرق استعانة الممتَحَنين بعضهم ببعض." وأيضا "لقلّتهمْ ـ أي المراقبين ـ إذ تجد خمسة أو ستّة من المراقبين أقيموا لحراسة مائة تلميذ"، وكذلك لظروف إجراء الامتحان حيث «يُجمع الممتحَنون ببيت قد مُلئ بغير نظام، وغلب بحجب وازْدحام."
       الأرقام والإحصائيات المرتبطة بهذه الآفة باتت مرعبة في بعض الأحيان، بل ومهدِّدة بإفْقاد شهادة الباكالوريا ببعض البلدان مصداقيتها وقيمتها، مع تسجيل فوارق كبرى بين العديد من التجارب. وهكذا فبالشقيقة تونس، بلغ عددُ حالات الغشّ التي تمّ الإعلانُ عنها في دورة بكالوريا 2012، ما مجموعه 539 حالة، أي ما يُمثل نسبة %0،40 من مجموع المترشّحين، وهو رقم محدود نسبيا مقارنة بالجزائر والتي أعلنت عن 3180 حالة في دورة 2013، أي بنسبة 0،84%، فيما سجل المغرب في دورة 2014 ما مجموعه 2722 حالة.
        بالضفة الأخرى وبالضبط بفرنسا، قدّرتْ نسبة حالات الغشّ المؤكّدة في امتحان البكالوريا بما نسبتُه:0،05 %  في دورة 2010، علما أن بحثا ميدانيا نُشر سنة 2009 بيّن أن 70،5% من الطلبة سبق لهم أن مارسوا الغشّ في مرحلة من مراحل دراستهم.
        ولمواجهة هذه الظاهرة تعمد غالبية البلدان لتعزيز ترسانتها القانونية، وتشديد العقوبات في حق الغشاشين أو من يساعدهم، وهو النهج الذي سلكه المغرب منذ سنوات بعقوبات قد تصل لسلب الحرية، وغرامات مالية ثقيلة، إلا أن الملفت هو بعض التجارب الدولية في هذا المضمار، ومنها:
ساحل العاج أو الكوت دي فوار استنبطت طريقة فريدة تتمثّل في انتداب مراقبين في هيئة مترشّحين للامتحان، ليتمكّنوا من دخول القاعة مُتَخفّين تحت تلك الصّفة، وليرفعوا، في نهاية الامتحان، تقارير تشمل سلوك إدارة المركز والمراقبين والمترشّحين.
       النموذج الثاني من الدانمارك، حيث قرّرت السّلطات سحب البساط من تحت الغشّاشين، وذلك بالسّماح باستعمال الإنترنت أثناء الامتحان، على سبيل التجريب، واستعمال «طريقة تقييم تقوم على التفكير والبحث واستعمال المعلومات في إطارها الصّحيح "، مع أخذ بعض الاحتياط كَمنع البريد الإلكترونيّ. وقد انطلقت التجربة في بعض المؤسّسات سنة 2010، وشملت 1300 مترشّح، وفي سنة 2011، تمّ تعميمُها على كلّ المؤسّسات لتشمل 6000 طالب.
       أما في الصّين فقد عمدت السّلطات التربويّة إلى توظيف أعوان شرطة لمراقبة المترشّحين، علاوة على استعمال أجهزة المراقبة والتشويش على الاتّصالات وأجهزة كشف المعادن.




الأحد، 6 يوليو 2014

 ثقافة الطفل قِــــوامها الأدب


          ثقافة الطفل قِــــوامها الأدب
بقلم : بشير خلف
      عندما نتكلم عن ثقافة الطفل فإننا نتكلم عن مكوناتها ووسائطها ومصادرها و  من بين هذه المكونات الأساسية :
الأدب: الأدب الذي هو ركيزة ثقافية أساسية، و هو تشكيل أو تصوير تخيلي للحياة والفكر والوجدان من خلال أنساق لغوية، وهو فرع من فروع المعرفة الإنسانية العامة، ويُعني بالتعبير والتصوير فنيا و وجدانيا عن العادات و التقاليد و السلوكات الحياتية للناس وكذا الأفكار و القيم والآمال و المشاعر و غيرها من عناصر الثقافة … أي أنه تجسيد فني تخيلي للثقافة.
ويشمل هذا المفهوم الأدب عموما بما ذلك أدب الأطفال، بيد أن أدب الأطفال يتميز عن أدب الكبار بمراعاته لحاجات الطفل وقدراته وخضوعه لفلسفة الكبار في تثقيف أطفالهم وإعدادهم للحياة المستقبلية.… وهذا يعني أن لأدب الأطفال من الناحية الفنية مقومات الأدب العامة نفسها غير أن اختيار الموضوع وتكوين الشخصيات، وخلْق الأجواء والاستخدامات اللغوية، والأسلوب التي تُبلغ به الفكر أو الأفكار في أدب الطفل تخضع لضوابط خاصة تناسب قدرات الطفل.
ذلكم أن أدب الطفل يُسهم في نقل جزء من الثقافة الهامة إلى الأطفال بصورة فنية متميزة قوامها الإمتاع و التثقيف والتنشئة الاجتماعية المنشود في المجتمع.
يـمكن القول واستنادا إلى ما سبق إن المقصود بأدب الطفل ذاك الإنتاج ذو الطابع  الأدبي الذي يُـكتب خصيصا لجمهور الأطفال من سن ما قبل المدرسة إلى سن الثامنة عشر.
     وبالطبع تُـقسم هذه السنوات إلى مراحل متدرجة حددها علماء النفس والتربية بدقة من حيث النمو العقلي والبدني والوجداني ... وهي أقرب ما تكون إلى مراحل التعليم المعروفة، حيث لكل فئة ما يناسبها.
وقوام أدب الأطفال يتمثل في الكلمة الجميلة وعماده الخيال، وغرضه إمتاع و تهذيب وتعليم هذا الطفل وذاك الفتى؛ ويشمل مـختلف فنون القول المعروفة " كالشعر والقصة والرواية والمسرحية والأنشودة ". ويتخذ أشكالا أخرى عبْـر وسائط متنوعة  أهمها الرسوم المتحركة والأشرطة  السينمائية، والغناء الهادف، والشرائط المصورة ومسرح العرائس ...
وأخيرا حتى الأقراص المحوسبة.. أقراص تتضمن بالكاد كل هذه الفنون فضلا عن فيض من شتّى المعارف الإنسانية المختلفة متوافقة مع المستوى العمري والمعرفي للطفل في إطار التثقيف الأدبي، أو العلمي أو حتى التكويني استنادا إلى المناهج التعليمية المعروفة وفي شتى  المواد العلمية، والأدبية، والفنية، والاجتماعية و غيرها.

الخميس، 5 يونيو 2014

كتب وبرامج جديدة للسنتين الأولى والثانية ابتدائي

كتب وبرامج جديدة للسنتين الأولى والثانية ابتدائي
فيما تم تقليص عدد المواد بدمج بعضها

  وزارة التربية تطبع كتابين جديدين لتلاميذ الطور الثانوي
  قررت وزارة التربية الوطنية، إجراء جملة من التعديلات على برامج السنة الأولى والثانية ابتدائي من خلال مراجعة جميع المواد والكتب والمواد مع دمج بعض المواد مع بعضها البعض، على أن يجري تطبيقها ابتداء من الموسم الدراسي المقبل، موازاة مع مقترحات جديدة قدمتها الوزارة  بشأن التعليم المتوسط والثانوي على أن يتم الفصل فيها خلال الجلسات الوطنية للتربية المزمع تنظيمها شهر جويلية المقبل.
      وكشف مدير التعليم الثانوي بوزارة التربية عبد القادر ميسوم، أن الوزارة أقرت جملة من الإجراءات فيما يخص الطور الابتدائي التي سيتم تطبيقها ابتداء من الدخول المدرسي المقبل، مشيرا إلى أنه سيتم مراجعة كتب السنة الأولى والثانية ابتدائي بصفة كلية وسيتم إصدار كتب أخرى وبرامج أخرى، كما سيتم تخفيف البرامج من خلال دمج بعض المواد لتخفيف الاستيعاب لدى التلميذ وهو ما سيعني التقليص من عدد المواد لهتين السنتين، موضحا أن الخبراء والبيداغوجيين سيفصلون في مقترحات أخرى فيما يخص الطورين الثاني والثالث، قبل إصدار القرارات المناسبة خلال الجلسات الوطنية للتربية المقررة شهر جويلية المقبل.
      وقال ميسوم إنه بالنسبة إلى الطور المتوسط تم اتخاذ إجراءات بيداغوجية من نوع آخر تخص تخفيف الحجم الساعي مع إدخال الأعمال التوجيهية في عدة مواد كاللغة العربية والرياضيات واللغة الفرنسية لتمكين التلاميذ من الاستيعاب أكثر. أما بالنسبة إلى الطور الثانوي، ذكر المتحدث أنه سيتم إدخال إجراءات بيداغوجية ذات طابع نوعي وكذا التركيز على المطالعة وتعميق استعمال اللغة الشفوية والتركيز أيضا على المناظرة والمحاجة في القسم مع تعميق الأعمال التطبيقية اليدوية وتعميق تدريب التلاميذ على استعمال المعلوماتية، إلى جانب تكوين الأساتذة في المجال البيداغوجي التي جاءت بها الإصلاحات.

إمكانية العودة إلى نظام الست سنوات
 مع إلغاء الدورة الاستدراكية 

       أما فيما يخص مراجعة الامتحانات الرسمية، فأشار المتحدث إلى عدد من الفرضيات التي هي محل فحص واستشارة تخص الرجوع إلى البطاقة التركيبية الاعتماد على الامتحانات المسبقة المعمول به في عدد من الدول الأوروبية، إلى جانب الدورة الاستدراكية أو الدورة الثانية التي اعترف بتأثيراتها السلبية على السنة الدراسية، مشيرا إلى إمكانية العودة إلى نظام الست سنوات في الابتدائي التي كانت الوزارة قد أرجأت تطبيقها هذا العام إلى العام المقبل.

“الإصلاح التربوي مهمته استهداف اللغة العربية فقط”

“الإصلاح التربوي مهمته استهداف اللغة العربية فقط”
“الإصلاحات استغرقت 9 أشهر فقط والجلسات الوطنية بلا معنى”
        أفاد وزير التربية الوطنية الأسبق، علي بن محمد، أن الإصلاح التربوي الذي يتحدّث عنه الجميع، بمن فيها وزيرة القطاع نورية بن غبريط، لم يبق فيها ما يطبّق. وفجّر بن محمد قنبلة من العيار الثقيل من خلال كشفه أن الإصلاحات التربوية كانت مهمتها استهداف اللغة العربية عن طريق مساواتها باللغة الفرنسية، وحذف مادّة التربية الإسلامية من المناهج التربوية.
ذكر وزير التربية الأسبق علي بن محمد في تصريح أن الجلسات الوطنية المرتقبة شهر جويلية الخاصة بتقييم الإصلاحات التربوية، لا تستند إلى تقرير واضح يتم مناقشته، متسائلا عن الأساس الذي تم بناء عليه إقرار جلسات وطنية.
      ويرى المتحدث أن إصلاحات 2001 و2002 لم يطبق منها حرف واحد، مشيرا إلى أن حديث وزيرة التربية نورية بن غبريط عن فتح ملف الإصلاحات الغرض منه “التسخين” فقط، نظرا لكون الإصلاحات التي لم تطبق منذ 12 سنة، معناها أنّها غير قابلة للتطبيق، ووصف الجلسات الوطنية بمثابة “إحياء الجثة الميتة”.
      وأشار بن محمد إلى أن الإصلاح التربوي لم يتم بالطريقة الصحيحة لغياب المشاركة الشعبية، وإنّما اسند إلى لجنة رفض ربط اسمها برئيسها “علي بن زاغو”، باعتبارها لجنة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وأعطيت لأعضائها التسعة تعليمات بالاجتماع في نادي الصنوبر لإجراء إصلاحات على المنظومة التربوية في مدة 9 أشهر.
        وأعلن بن محمد تحديه لأي عضو عمل في لجنة الإصلاحات، تحصل على نسخة من التقرير النهائي عن الإصلاح، ماعدا أعضاء مكتب اللجنة فقط، مضيفا أن الأصلح كان فتح نقاش عام وواسع يشارك فيه كل الفاعلين، فيما يقتصر دور اللجنة الوطنية على حوصلة الاقتراحات.
       وعن مسألة طلبه اعتذارا من وزيرة التربية بشأن منعه من إلقاء محاضرة، أوضح بن محمد أنه يملك معلومات مؤكدة تفيد بأن الوزيرة نورية بن غبريط كلّفت شخصا من محيطها لمنعي من إلقاء المحاضرة، مشيرا إلى أنه حتى ولو لم يكن للوزيرة دخل في القضية، كان واجبا عليها من الناحية الأخلاقية تقديم اعتذار، اعتبارا لكوني سفيرا ووزيرا سابقا وأستاذا جامعيا.
       وكان وزير التربية الأسبق، علي بن محمد، طالب وزيرة التربية نورية بن غبريط، بالاعتذار رسميا إثر إلغاء محاضرته حول اللغة العربية، حيث حمّلها مسؤولية ما وقع، منتقدا التبريرات التي قدمتها والتي وصفها بغير الواقعية.
       وأصدر بن محمد بيانا قال فيه إنه كان عليها عدم الاكتفاء بمحاولة “سلّ نفسها من الورطة كما تسل الشعرة من العجين”، بل كان من واجبها أن تبدي شديد التأسف لما وقع وتقدّم اعتذاراتها، باسمها، وباسم القطاع كله، إلى الجمعية المنظّمة وإلى ضيوف الجمعية، وإلى المُحاضر، وإلى كل من شعر بالإهانة من أهل التعليم والفكر والثقافة.
      وكانت وزيرة التربية قد نفت تدخلها لإلغاء محاضرة الوزير الأسبق علي بن محمد، وأشارت إلى أن الوزارة تؤكد أن الندوة أجلت ولم تلغ، بقرار تم الاتفاق عليه محليا في ولاية معسكر.



الأربعاء، 12 يونيو 2013

عيد العلم 16 أفريل 1986

عيد العلم 16 أفريل 1986

الاحتفاء بعيد العلم 16 أفريل 1986 بمتوسطة خليفة بن حسن بقمار وقبل قطع الشريط:
ـ من اليمين : بشير خلف
ـ في الوسط : المرحوم محمد بوتماجة، أول والٍ لولاية الوادي.
من اليسار : الأستاذ محمد حساني أوّل مدير تربية لولاية الوادي

السبت، 27 أبريل 2013

التعليم والاقتصاد: في البحث عن الحلقة المفقودة


التعليم والاقتصاد: في البحث عن الحلقة المفقودة
أسماء بن قادة
       قبل نصف قرن من الزمان، كان العالم الأمريكي هانس مورغانتو   Hans J Morgenthau رائد المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، يقول بأن القوة هي المصلحة والمصلحة هي القوة، ويقصد بالقوة مكوّناتها العسكرية والاقتصادية المادية، وما يتيحانه من قدرة على التأثير وممارسة للنفوذ، ولو شهد مورغانتو، اليوم، التسارع المذهل لتفاعلات الانفجار المعرفي ومنجزاته، لربما قال ''القوة هي المعرفة والمعرفة هي القوة''، فمفهوم مورغانتو للقوة كان يتحدد في مركباتها المادية الملموسة، المتمثلة في المواد الخام والثـروات والمصانع الثقيلة أو المصانع ذات المداخن المرتبطة بالموجة الثانية للاقتصاد، كما يعبر عنها عالم المستقبليات ألفين توفل Alvin Tofler.
       لكن هذا المعنى الكلاسيكي المادي للقوة يشهد تحولا هائلا، بعد أن أصبحت المعرفة هي الخلفية الرئيسية للقوة وباتت قوة اقتصاد الدولة تقوم على التصاميم الإلكترونية للمهندسين وتراكيب المعادلات الرياضية وأنظمة وبرامج الكمبيوتر المتجددة، وما أدت إليه من ابتكار لمواد جديدة، تجعل القوى الدولية التي تستثمر في المعرفة تنتج أكثـر بمواد أولية وعمالة أقل وحيّز أضيق وفي زمن أسرع، كما مكنتها المعرفة من تحسين وتكثيف المنتج الزراعي ومن اعتماد الفورية في التعامل مع التبادلات التجارية ومن الاستفادة من تطورات التقنية الحيوية.
       كل ذلك جعل من المعرفة المصدر الأهم لخلق الثروة، ومن أهم متغيرات القوة، فجوائز نوبل وبراءات الاختراع وعدد العلماء والخبراء والفنيين المتخصصين وعدد ونوعية مراكز البحوث ومراتب الجامعات وتصنيفاتها، تمثل، اليوم، المعايير التي يقوم عليها توزيع القوى في العالم، أكثر مما يقوم على ما تمتلكه من مواد خام ومن مصانع ذات مداخن، الأمر الذي يضعنا أمام إشكالية تمثل تحديا استراتيجيا يفرض علينا تساؤلا أساسيا يدور حول مردودية التعليم ويبحث في العوامل التي تحول دون الاستثمار في رأس المال الفكري والمعرفي عندنا، وتمنع تحوّله إلى قيمة مضافة تسهم بنسبة معتبرة في الناتج الإجمالي المحلي، إضافة إلى ضرورة التركيز على المفارقة بين الميزانية الضخمة الموجّهة للتعليم من جهة والمردودية على مستوى الاقتصاد الوطني من جهة ثانية، ما يفرض علينا البحث عن الحلقة المفقودة بين مخرجات التعليم والاقتصاد الوطني عندنا.
       لقد أدى الاستخدام المكثف للمعرفة إلى تحوّلات عميقة في المسلمات التي كان يقوم عليها الاقتصاد العالمي، فبسبب التحول التدريجي لرأس المال إلى معرفة، وما استلزمه من تخفيض لاستخدام المواد الخام والعمالة التقليدية والحيّز ورأس المال، تحددت مؤشرات وأسس جديدة لتوزيع القوى على مستوى النظام الدولي، وتوفرت أدوات جديدة أيضا لإدارتها. فبإحلال الحاسوب محل التقنيات القائمة على المجهود العقلي، بدأ الكومبيوتر يدخل في العملية الصناعية من الداخل، كما أدت الثورة في المعلوماتية وفي التكنولوجيا الحيوية وتطبيقاتهما، لابتكار مواد جديدة في الصناعة وفي الهندسة الوراثية، الأمر الذي أحدث تحولا كبيرا في المجال الاقتصادي في العقدين الأخيرين، فباستبدال الأجيال الجديدة من الألياف الصناعية والألياف البصرية بالمواد الخام في مجالات صناعة السيارات والطائرات وتوظيفها والبناء والمنسوجات والطب والاتصالات والهندسة الوراثية.. تكون المعرفة قدمت قيمة مضافة تحولت إلى أصول غير ملموسة لها اعتبارها في الحسابات الدفترية 
         وتبذل الدول الصناعية، حاليا، ميزانية مرتفعة جدا تصل إلى مليار دولار سنويا، من أجل تطوير تطبيقات النانو تكنولوجي في المجال العسكري وفي صناعة السيارات والشرائح الإلكترونية وفي الطب والجراحة وصناعة الأدوية، كما تستثمر شركات الكومبيوتر الكبرى ما يصل إلى ثلث المبالغ المخصصة للبحوث العلمية في تكنولوجيا النانو.    

       كما أن نفقة إنتاج حاسب آلي ترجع في %70 منها إلى قيمة البحوث والتطوير، في حين أن اليد العاملة لا تمثل أكثـر من %12 فقط من تكلفة المنتج النهائي، وفي صناعة الأدوية تمثل نفقة البحوث العلمية والتطوير والتجربة %60، واليد العاملة أقل من %15 من تكلفة المنتج النهائي. وفي صناعة السيارات وباستخدام التصاميم التي يضعها الكومبيوتر، أصبحت اليد العاملة لا تمثل أكثـر من %20 من تكاليف الإنتاج، وبذلك أصبحت الإمكانات العلمية والقدرة على التطوير أهم عامل من عوامل الإنتاج.
       وفي نفس السياق، أخذت المعلومات تحلّ محل تكاليف التخزين المرتفعة، حيث يتيح التصميم بالكومبيوتر وبث البيانات عبر الأقمار الصناعية بين الشركة وفروعها في مناطق مختلفة، تجاوب المصنع مع السوق. ومع فورية المعلومات، أصبح التصنيع المحلي الموضعي ممكنا في عين مكان الفروع، ما مكّن الشركات من تخفيض %60 من تكاليف التخزين لديها، وتسعى البحوث حاليا إلى خفض قوائم المخزونات إلى الصفر.
       ولقد أصبحت الأعمال التجارية تعترف بشكل متزايد بقيمة الأصول التجارية غير المادية الكامنة في المعرفة، فرأس مال المؤسسة التجارية الذي كان يتكون من أصول تجارية من المباني والآلات والبضائع، تحوّل إلى معرفة في شكل قيمة مضافة، تتمثل في مهارات الإدارة وتصاميم المهندسين وولاء المستهلكين.
       إن هذه المعطيات تؤكد بأننا في سباق رهيب للسرعة والتجديد المستمر في آن، وذلك على عدة مستويات، أولها البرامج والمناهج الخاصة بكل مراحل التعليم، بما فيها المخابر ومراكز البحوث، انتهاء بالبحث عن الحلقات المفقودة بين مخرجات التعليم والبحث العلمي والمؤسسات الاقتصادية في القطاعين العام والخاص وما يتبعها من ضرورة وضع استراتيجية استثمار لتلك المخرجات باعتبارها رأس مال فكري لابد من تحويله إلى قيم مضافة تسهم في الناتج الإجمالي المحلي للدولة، ولا يمكن أن يتم ذلك كله إلا في قلب ثقافة تستثيرها الأفكار الجديدة والتصاميم الجديدة والتوالد المتجدد للمعرفة والتجربة والاختبار المستمر، وذلك موضوع آخر نتركه للحلقات القادمة!

المصدر: يومية الخبر/ الأحد 21 أفريل 2013

الاثنين، 15 أبريل 2013


التعليم في المستقبل …ونحن من أين نبدأ؟
بقلم: بشير مصيطفى
      أفاد مؤشر التربية للأمم المتحدة للعام 2011  حول ترتيب الدول على سلم جودة التعليم أن 7 دول عربية ـ فقط ـ ترتبت ضمن قائمة المائة دولة الأولى، وتراوح ترتيب الدول العربية ـ على الترتيب ـ بين الرتبة 37 لصالح الإمارات العربية المتحدة والرتبة 93 لصالح المملكة الغربية، وبين الرتبتين هناك: تونس، المملكة العربية السعودية، الجمهورية الجزائرية، سوريا وأخيرا المملكة المغربية.
      ويعني ذلك أنه على سلم جودة التعليم في العالم للعام 2011 ـ والذي ينحصر بين النقطة 4 فوق الصفر والنقطة 6 تحت الصفر ـ لا تتمتع الدول العربية بأكثر من علامة 1.3 لصالح الإمارات ويتراجع تنقيط باقي الدول العربية إلى 0.14 للسعودية وفي الأخير نجد المغرب بـ 2.2 تحت الصفر.
     وللمقارنة مع الدول المتقدمة على سلم جودة التعليم تحتل أستراليا المرتبة الأولى بتنقيط 3.29 فوق الصفر، كوريا الجنوبية في المرتبة 6 بتنقيط 2.72 ، ماليزيا في المرتبة 46 بـ 0.84 نقطة فوق الصفر.
       فماذا يعني ألا تظهر 15 دولة عربية أي 60 بالمائة من تعداد الدول العربية على قائمة الـ 100 دولة الأولى ضمن ترتيب الدول على سلم جودة التعليم؟ ولماذا تحتل دولتان عربيتان فقط مراتب ضمن الخمسين دولة الأولى من القائمة المذكورة؟ وما المطلوب عمله حتى يتقدم التعليم في بلداننا العربية؟

التعليم في المستقبل
      يتوجه التعليم في المستقبل نحو الرقمنة مسايرة لأنماط الاتصال الحديثة، وليس بعيد المنال أن تتقمص مدرسة المستقبل اللون الأخضر لتصبح مدرسة بدون ورق وفي ذلك أيضا مسايرة للبيئة النظيفة. ومع الرقمنة هناك الإرشاد التربوي في كل أطوار التعليم مسايرة أيضا للانعكاسات المحتملة للتطبيقات التقنية في مجال التعليم، وهناك التعليم للجميع كتطبيق آخر من تطبيقات تكنولوجيا الإعلام والاتصال حيث بات واضحا أن التعليم يسير نحو تشكيل سوق مفتوح على المادة التربوية لا تشكل المدرسة الحالية منها سوى زاوية واحدة وستتقاسم الزوايا الأخرى فضاءات المجتمع المتعددة.
      التعليم في المستقبل سيقترب أكثر من أسواق الاقتصاد، ومادام القرن الواحد والعشرون هو قرن الفكرة الاقتصادية وأن التفوق بين  الأمم سيحسمه التفوق لاقتصادي و التجاري فمن الطبيعي أن تتكيف مخرجات التعليم المستقبلي مع  حاجات هذا النوع من التفوق بشكل أقوى مما هو عليه الحال الآن. و في هذا الاتجاه سيتعزز دور تعليم المهن و خاصة تلك المهن المتمتعة بأسواق ناشئة كالتكوين في الطاقات المتجددة و الصناعات المتفرعة عنها، والبناءات الصديقة للبيئة، والصناعات الغذائية المصاحبة للطبيعة، والأدوية الجنيسة. وعن الوجه المستقبلي للتعليم ننتظر أن تقترب العلوم التربوية من المعالجة الديناميكية بدل المعالجة النمطية أو الساكنة ويعني ذلك أن تخضع السياسات التعليمية في المستقبل القريب  إلى “الدراسات الدينامكية للنظم” أي إلى نفس النظرية المطبقة في نماذج الإحصاء، والأمر في ذلك يعود إلى تطور الدراسات في هذا المجال و إمكانية تطبيقها في مجال العلوم الاجتماعية.
      وتعني الدراسات الديناميكية للنظم في مجال التعليم أن تتمتع الدول بقاعدة بيانات دقيقة عن مؤشرات الأداء الأكثر تأثيرا في العملية التعليمية ومن ثمة قياس تلك المؤشرات في المستقبل للوصول إلى توقع  نموذج الطلب على التعليم قد تصل فعاليته إلى نصف قرن من الزمن.

نموذج التعليم في المستقبل
     كيف وصلت كوريا إلى الرتبة السادسة عالميا في قياس جودة التعليم وإلى أين هي ماضية في الأفق المنظور؟
      تخصص كوريا الجنوبية للعملية التربوية 21 بالمائة من ميزانية الدولة لديها، وأثبتت القياسات أن سرعة النمو في المستعمرة اليابانية القديمة تساير بشكل مباشر سرعة الإنفاق على التعليم. وينتظر أن يبلغ عدد المدارس الرقمية في كوريا الجنوبية 11 ألف مدرسة بحلول عام 2015، وتعني المدرسة الرقمية أن يتخلص التلاميذ والطلاب من الورق وأقلام الحبر والرصاص لصالح التعليم بالوسائط الرقمية.
     وستركز المنظومة التربوية مستقبلا على إعداد الإنسان الاجتماعي بدل الاكتفاء بإعداد الإنسان المتعلم، والفرق بين هذا وذاك هو درجة الاندماج في أهداف التنمية للدولة بما في ذلك صيانة وترسيخ الهوية، وسينجر عن ذلك حتما جانب المسؤولية الاجتماعية والوطنية والاستعداد لمتغيرات المستقبل عن وعي كامل.
     والمتأمل في هذه الآفاق تتبادر إلى ذهنه الآليات المناسبة للتقييم والتأهيل، حيث ينتظر أن يتطور مفهوم الامتحان في كوريا ليصبح مفهوما ثانويا من حيث الحجم الساعي للاختبارات أو من حيث المحتوى والأهداف منها لصالح تنمية الوعي لدى الطلاب بفضيلة التفوق والتعلم بكل الوسائل بغض النظر عن مواعيد الامتحانات.
      وربما سيخضع النموذج الكوري في التعليم إلى التقييم والملاحظة على سلم الفعالية  قبل أن يتحول إلى النمطية العالمية.

نحن إلى أين؟
        ليس لجوءا مبالغا فيه للتاريخ أن نشير إلى الريادة العربية في مجال التعليم بدليل مستوى الأمية الذي بلغ مؤشر الصفر في مرحلة ما قبل الاستعمار الغربي للدول العربية، ولكن الحاضر الذي بيناه في مقدمة المقال و الذي يؤكد معنى معاكسا يدفع بنا إلى تصور جديد تماما للمستقبل. الموضوع يقتضي نظرة نفعية و مستعجلة لاستدراك الوضع من خلال:
 أولا ـ حصر محددات النظام التعليمي في آفاقه المستقبلية من خلال مؤشرات قابلة للقياس.
ثانيا ـ تقييم المحددات المذكورة وفق دراسات محايدة واستنادا إلى المعايير الدولية في مجال التعليم.
ثالثا ـ استثمار نظرية النظم المتحركة (الديناميكية) في بناء نموذج الطلب على التعليم في كل دولة عربية على حدة في آفاق لا تقل عن 20 عاما.  هذه العمليات الثلاث تسمح لواضعي السياسات التعليمية في الدول العربية بتكييف نظم التعليم في بلدانهم مع محددات التعليم الجيد من جهة و مع احتياجات العصر من جهة ثانية، كما تسمح لهم بالتمتع برؤية أكثر دقة للواقع التربوي و قياس المتطلبات المستقبلية.
       حقيقة، مبادئ ثلاثة تحكم التعليم للمستقبل: شمولية وتكامل الرؤية للعملية التربوية في أبعادها المتصلة بأطوار وأنماط التعليم، ديناميكية التصور لبناء سياسة الغد التربوية، وأخيرا الطابع الاجتماعي للتعليم في أبعاد الهوية والتنمية ولكن في السياق نفسه.


الأربعاء، 13 مارس 2013

تلاميذ ينتقلون إلى الثانوي بمعارف دراسية دون المستوى



تلاميذ ينتقلون إلى الثانوي بمعارف دراسية دون المستوى


تلاميذ في الثانوي يصدمون بتفاوت المستوى
تلاميذ في الثانوي يصدمون بتفاوت المستوى


       كشف التقرير الذي أعدته لجنة التعليم الثانوي غياب تكامل بين البرامج التعليمية في المراحل الثلاث: ابتدائي، متوسط وثانوي، بحيث، التلميذ لما ينتقل إلى الثانوي يبدأ من الصفر بسبب نقص الكفاءات القبلية.
وأوضح أعضاء لجنة التعليم الثانوي بأنه بالنسبة إلى مرحلة التعليم الثانوي، حسب المنشور الوزاري، فإنها غير معنية بالتقويم الإلزامي لأنه مخصص للتعليم الإلزامي فقط. ورغم ذلك، فقد أكدت في تقريرها الذي سيرفع إلى وزير التربية الوطنية، على ضرورة بحث الانسجام بين البرامج التعليمية، لأن الملاحظ أن بعض المعارف القبلية لتلاميذ مرحلة التعليم الثانوي يعود أساسا إلى نقص الكفاءات القاعدية، وبالتالي فالتلميذ لما ينتقل إلى الطور الثانوي يجد نفسه مجبرا على البدء من نقطة الصفر، بسبب وجود "قطيعة" بين البرامج. 
      وبخصوص ظروف التمدرس، أبرزت اللجنة نقاطا للقوة تتعلق بوجود مؤسسات تعليمية مجهزة بمخبرين للإعلام الآلي، مع توفر الكتاب المدرسي ووجود وحدات للكشف والمتابعة، كما تمت ملاحظة تحسن لظروف التمدرس بسبب التجهيزات الحديثة. أما نقاط الضعف، فقد تطرقت اللجنة إلى الاختلالات في الحجم الساعي لبعض مواد التدريس المكثف وغير المتوازن، والذي يكاد يكون السبب الرئيس في ضعف مستوى التلاميذ. 
        أما طرق التدريس، التي تعتمد على "المقاربة بالكفاءات"، فتترجمها تقويمات تقليدية، أي بالاعتماد على مقاربات تقليدية في إعداد وصياغة مواضيع الفروض والاختبارات، وبالتالي فاعتماد هذه المقاربة يبقى "شكليا" لا أكثر ولا أقل. فيما كشفت لجنة التقويم عن وجود لبس كبير في الوثائق المرفقة للمناهج التي يعتمد عليها الأساتذة في التدريس، بحيث اعتبرتها غير واضحة، إلى درجة وجود بعض الوثائق تضم نصوصا ودروسا محذوفة كمادة الأدب العربي، الفيزياء والعلوم الاجتماعية، رغم أنها موجودة في المقرر السنوي. 
    واقترحت، اللجنة الاعتماد على التوازيع السنوية للقضاء كلية على ما يعرف بعتبة الدروس، مع المطالبة بتوحيد المعاملات في مواد التدريس وفي مختلف المستويات الثلاثة، بالإضافة إلى تثمين معامل مادة اللغة العربية، لأنها تعد مادة أساسية و قاعدية، بحيث اقترح بعض المفتشين رفع المعامل من 4 إلى 6.

الاثنين، 11 مارس 2013

لقد‮ ‬خرّبتم‮ ‬المدرسة‮


لقد‮ ‬خرّبتم‮ ‬المدرسة‮!‬ 

"كارثة حقيقية" هو الوصف الملائم للتقرير الذي انتهت إليه عملية تجميع آراء الأسرة التربوية، حول الإصلاحات التي نفذت في القطاع على مدار السنوات الماضية، والتي تفسّر بصدق تراجع المستوى العام للتلاميذ مقارنة بمستوى تلاميذ المدرسة الأساسية.

لقد أرادوا تحسين مستوى التلاميذ فكثّفوا البرامج وزادوا عدد الساعات الدراسية في الأسبوع، وأدخلوا طرائق جديدة في التدريس، يجهلها الأساتذة والمعلمون، وعلى رأسها المقاربة بالكفاءات، وقلّبوا الرموز المستخدمة في المواد العلمية من العربية إلى الفرنسية، وأصبح التلميذ‮ ‬يضطر‮ ‬إلى‮ ‬الكتابة‮ ‬من‮ ‬اليمين‮ ‬إلى‮ ‬اليسار‮ ‬ثم‮ ‬من‮ ‬اليسار‮ ‬إلى‮ ‬اليمين‮ ‬في‮ ‬نفس‮ ‬السطر‮!‬

وكانت أكبر نتيجة "للإفسادات" التي وصفت بالإصلاحات، تلك الظاهرة التي برزت مباشرة بعد تطبيقها، وهي الدروس الخصوصية التي انتشرت في كل المدن والقرى وحتى في الأرياف، وأصبحت تؤدي دور المدرسة، بل إن النّجاح في الامتحانات الرسمية لن يكون إلا بالتسجيل في صفوف الدروس‮ ‬الخصوصية‮ ‬التي‮ ‬تقدم‮ ‬في‮ ‬البيوت‮ ‬والدهاليز‮ ‬وحتى‮ ‬في‮ ‬الإسطبلات‮.‬
لقد كان الانتقاد الكبير الذي وجّه للإصلاحات عند انطلاقها أنها دخيلة على القطاع، ولم يشرك فيها أفراد الأسرة التربوية من أستاذ ومعلم وإداري ومستشار وولي تلميذ، وإنما تم تعيين لجنة تضم أساتذة وباحثين وحتى سياسيين، وبعضهم كانت له خلفيات إيديولوجية ظهرت في الإصلاحات‮ ‬التي‮ ‬حملت‮ ‬بعض‮ ‬الميولات‮ ‬الغريبة‮ ‬عن‮ ‬المجتمع‮ ‬الجزائري‮.‬
إن الخطوة التي قامت بها وزارة التربية، برميها للكرة لأفراد الأسرة التربوية الذين يبدو أنهم قاموا بتشخيص صادق لوضع المدرسة الجزائرية بعد تنفيذ الإصلاحات، فهل تواصل الوزارة على نفس النهج وتطبّق التّوصيات التي خرجوا بها؟ أم أنها ستستمر في سياسة تجاهل العنصر التربوي،‮ ‬وفرض‮ ‬إصلاحات‮ ‬غريبة‮ ‬ومرفوضة‮ ‬من‮ ‬الأسرة‮ ‬التربوية‮.‬
قبل عقدين من الزمن اقترح الوزير الأسبق علي بن محمد، إدخال الإنجليزية كمادة أجنبية أولى على أن تكون إختيارية بينها وبين الفرنسية، فقامت القيامة عليه ووصل الأمر بالتيار التغريبي في الجزائر إلى اللعب بأقدس امتحان وهو البكالوريا، وأسقط الوزير بفضيحة التسريب، ثم‮ ‬عاد‮ ‬هذا‮ ‬التيار‮ ‬مع‮ ‬الإصلاحات‮ ‬وأراد‮ ‬تعزيز‮ ‬مكانة‮ ‬اللغة‮ ‬الفرنسية‮ ‬في‮ ‬المدرسة،‮ ‬فنسفها‮ ‬كليا‮ ‬ونسف‮ ‬معها‮ ‬العملية‮ ‬التعليمية‮ ‬برمّتها‮.‬
نعم.. لقد خرّبوا المدرسة ورهنوا مستقبل 8 ملايين تلميذ من أبناء هذا الشعب المسكين، الذي لم يتمكن من توفير رغيف الخبز فما بالك إنفاق الملايين على تعليم أبنائه في المدارس الخاصة، كما يفعل الميسورون أو إرسالهم إلى الخارج كما يفعل أغلب المسؤولين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشروق اليومي: 11/03/2013

الجمعة، 1 مارس 2013

ثقافة الطفل ليست هي التعليم


ثقافة الطفل ليست هي التعليم
بقلم  : بشير خلف
إن الطفولة مرحلة نموٍّ يتصف بها الأطفال بخصائص ثقافية ، وعادات ، وتقاليد تشرّبوها من مجتمعهم ، وكذلك ميول وأوجه نشاط ، وأنماط سلوكية أخرى تميّزهم عن الكبار .إن طفل اليوم إنسان له جميع حقوقه التي أقرّها ديننا الإسلامي بالدرجة الأولى ، ومواثيق الأمم المتحدة بالدرجة الثانية . ومن حقّ الطفل إكسابه " هوية " مستمدّة من ثقافته . فالنبي الكريم محمد صلّى الله عليه وسلّم أول مَنْ أشار إلى دور الأهل والمجتمع في إكساب الطفل هذه "الهوية " حيث قال :(( كلّ مولود يولد على الفطرة فأبواه يُهوّدانه أو يُمج ـ ّسانه . ))
إن الأطفال في أيّ مجتمع لا يشكّلون جمهورا متجانسا ، فهم يختلفون أولا باختلاف أطوار نموّهم ..لذا قُسّمت مراحل الطفولة وكما سبق إلى أطوارٍ متعاقبة ، لكلّ منها ثقافةٌ خاصةٌ تتوافق مع خصائص وحاجات الطفل في كل مرحلة .كما أن ثقافة الأطفال تختلف في مجتمع ما عنها في مجتمع لآخر تبعا لإطار الثقافة العامة السائدة والموجّهة للأفراد والجماعات ، وما يرتبط بذلك من وسائل التواصل والاتصال الثقافي بالأطفال . كما يسهل على الباحث التعرّف في ثقافة الأطفال على الملامح الكبيرة لثقافة المجتمع ؛ فإنْ كان المجتمع يُولي أهمية كبيرة لقيمة ما من القيم ، فإنها عادة تظهر في ثقافة الطفل وسلوكه .
إن الثقافة مهما كانت وسيلتها ، ومهما تنوّعت أدواتها تبقى نتاجا اجتماعيا . والثقافة التي تُقدّم للطفل مسؤولية مجتمعية ؛ إلاّ أن الدراسات والأبحاث التي تتناول ثقافة الطفل ما زالت شحيحة في العالم العربي ومنعدمة عندنا في الجزائر .لم تصدر لحدّ الآن أعمالٌ مطبوعة ببلادنا تتناول هذا الجانب بصورة علمية منهجية ، تستند إلى إحصاءات دقيقة ، رصدت واقع ثقافة الطفل من منظار تحليلي نقْدي . وقد لا نعدم وجود أبحاث ودراسات في الجامعات قام بها طلبة في مجال تحضير رسائلهم وأطروحاتهم الجامعية ، إنما في رأينا طالما لم تُنشر ، ولم تتوفر بين يدي القارئ العادي فهي غير موجودة . بكلّ أسفٍ لا يزال الكتاب والباحثون يهتمّون بثقافة الكبار على اختلاف وسائلها ومضامينها ، متناسين ومتجاهلين في آنٍ واحدٍ ما لتوجيه الأطفال وحُسْن تنشئتهم ، وحُسْن رعايتهم فكريا من أهمية وفعالية .
بناء الإنسان ثقافيا يبدأ منذ الطفولة
إن عملية التثقيف عملية مستمرّة لا تتوقّف عند سنٍّ معيّنة ، إلاّ أنّ اللّبنة الأولى في بناء الإنسان ثقافيا تبدأ منذ الطفولة ، وما يُعْطى في هذه المرحلة من مراحل النموّ يعتبر أكثر أهمّية من غيره ، فالطفولة تُسْهم إسهاما هامّا ، ورئيسًا ، وحاسما في بناء الشخصية من شتّى النواحي الاجتماعية ، والنفسية ، والعقلية ، وبالطبع الثقافية .
أسئلة تفرض نفسها ونحن نتكلّم عن بناء الشخصية لدى الطفل :
ـ كيف ينظر المجتمع العربي بما في ذلك المجتمع الجزائري إلى أطفاله من خلال إنتاجه لثقافتهم ؟
ـ هل ينظر إليهم على أنهم أطفالٌ لهم عالَمٌ مختلفٌ ؟ أم على أنهم نماذج مصغّرةٌ أو صُورٌ مصغّرةٌ عن الكبار ؟ أم أدْنى من ذلك ؟
ـ هل يرى مجتمعنا حين يُـنـتج ـ ذلك النزر اليسير ـ من ثقافة الأطفال ، أنّ لهؤلاء الحرية والحقّ في أن يشبّوا ، ويكبروا بمرونة مع احترام براءتهم .. ثقافة تتيح لهم أن لا يكونوا نموذجا طِبْق الأصل عن الكبار ، أي أن يكونوا شخصيات مختلفة 
تنعدم الدراسات التتبعية الإحصائية التحليلية ببلادنا للطفولة وقضاياها ومشاكلها ، وحاجاتها ، حتّى ما يُسمّى " بجمعيات الطفولة " وما أكثرها ببلادنا ، أغلبها يتخذ الجمعية مأْربا ، ولا يقدم شيئا للطفولة وإذا قدّمها تكون للتمظهر والتموقع ليس إلاّ ..جمعيات مناسباتية ، تستجدي الإعانات التي تُصْرف لغير صالح الطفولة . وحسْب علمي فالهيئة الرسمية الوحيدة التي تقدّم بين الحين والآخر دراسات قيّمة عن عالم الطفولة ومشاكله ، من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية هو " المجلس الاقتصادي والاجتماعي " .
عندنا  الطفل وعاءٌ فحسب
الطفل في بلادنا لا يُعْطى أهمّية حتّى فيما يهمّه .. البرامج التعليمية التي من خلالها يُعـِدُ المجتمع أبناءه ويكوّن شخصياتهم ، يُعدّها الكبار عندنا بعد أن يكونوا زاروا عدّة بلدان غربية وبخاصة فرنسا ، بلجيكا ، كندا ، واستقوْا منها طُرق المناهج ، والطرائق وأساليب التبليغ ..وحتّى إذا قبلْنا بهذا اعتبارا لِما تقتضيه ظروف المعاصرة والتحاكك الحضاري ، ونجاعة التثاقف والمثاقفة ؛ فإن غير المقبول أن تُطبّق تلكم المناهج والطرائق دون تجربة قبْلية على عيّنات من الأطفال في مناطق مختلفة من الوطن .. التجارب القبْلية منعدمة وانعدمت في الإصلاح التربوي الحالي ، لا في كيْفيته المغايرة لِما كان مألوفا ومطبّقا في مناهج وطرائق المدرسة الأساسية ، ولا في إدخال اللغة الفرنسية في السنة الثانية الابتدائية كلغة أجنبية شُرع في تطبيقها في كلّ مناطق الوطن بمنهاج موحّد وبكتاب موحّد دون مراعاة خصوصيات المناطق ، ودون مراعاة استعمال هذه اللغة في الوسط الذي يحيا فيه الطفل ، أو عدم استعمالها البتّة في هذا الوسط .موضوع الكتاب لا يسمح بالتحدّث عن أفضلية لغة أجنبية ما ، أو التحدث عن السنّ المناسبة للطفل لبداية تعلّم اللغة الثانية ، أو تأخير ذلك إلى سنّ معيّنة ..
الفرد لا يُنتج ذاته بدْء ا
الفرد في أيّ مجتمعٍ لا يُنتج ذاته ، ولا ينتج وعْيه بذاته ..إنه يتلقّاه من مجتمعه . والمواطن في مجتمعنا ليس مسؤولاً عن قصوره بالنسبة لذلك الإنسان المتطوّر في مجتمعاتٍ أخرى مسؤولية مباشرة . فهل أوْلاه المجتمع من العناية والرعاية حين كان طفلاً مثلما يُوليه المجتمع الآخر المتطوّر لطفله؟
من المفترض وهذا من الأساسيات في تنشئة الأطفال أن يبذل المجتمع جهودا صادقة ومُمنهَجَة ، ودائمة في التعرّف على الطفل بخصائصه ، وتمايزاته ، وعلاقاته بالمجتمع ، ودوْر المجتمع في إعداده ، وإنمائه جسديا وعقليا وثقافيا … وكيف يُؤمّن له هذا الإعداد واحتياجات النموّ . فهل يتمّ ذلك بشكلٍ منظّمٍ ؟ أو بشكلٍ غير منظّمٍ ؟ وما هي المؤسّسات التي يقع عليها عبْء القيام بهذه المهمّات ؟ (1)
في مجتمعات أخرى ومنها قلّة عربية ، توجد مؤست أخرى تتكفّل بتدعيم تنشئة الطفل وتربيته وتثقيفه كالمجلس الأعلى للطفولة ، المجلس الأعلى لثقافة الطفل …
هل لِثقافةِ الطفل خصائصُ ؟
وللأطفال في كل مجتنع مفرداتٌ لغويةٌ خاصة بعالمهم ، ورصيدٌ لغوي يتصلون به مع الغير ، وكذا قيمٌ ومعاييرُ وطرقٌ خاصة في اللعب والترفيه ، وأساليب خاصة في التعبير عن أنفسهم ، ومع غيرهم ، وفي إشْباع حاجاتهم ، فضلا عن المواقف ، والاتجاهات ، والانفعالات ، والقدرات الخاصة …إضافةً إلى ما لهم من نتاجات فنية ومادية وأزياء ، وأشياء محبّبة إليهم وما إلى ذلك … أي من هذا وذاك كلّه ؛ لهم خصائص ثقافية ينفردون بها ، ولهم أسلوبٌ حياة خاصٌّ بهم ؛ وهذا يعني أن لهم ثقافة مميّزة ، هي ثقافة الأطفال . (2)
كما أن للكبار وللمراهقين ثقافة خاصة في أساليبهم الخاصة في السلوك والملبس وطرق الاتصال والتواصل والقيم والمعايير والاتجاهات والآمال وغيرها .
الثقافة .. بين المضمون و ا لحاجة
إن الحديث عن ثقافة الطفل وأهميتها ليس حديثا من باب الترف الفكري ، وإنما هو حديث عن ضرورة من ضروريات الحياة ..وفي هذا الإطار لا بدّ من التطرّق إلى مفهوم الثقافة في المجتمع قبل تعريف ثقافة الطفل . فالثقافة هي أسلوب الحياة السائد في أي مجتمع ، حيث تشمل قيم َ ه الروحية والفكرية ، وعاداته ، وتقاليده ، واتجاهاته ، وقيمه ، وأدواته ، وأزياءه ، ومنجزاته الفكرية والفنية ، وكلَّ ما يتميّز به أسلوب الحياة السائد في هذا المجتمع أو ذاك من النواحي المادية والمعنوية .
ثقافة أي مجتمع هي قيمه السلوكية والذوقية والخلقية وغيرها التي يستمدّها من عقيدته الدينية ومن إبداعات الصفوة من أفراده في مجال الفكر والعلم والأدب والفن ، وممّا يستمدّه أيضا ممّـا أنتجته العبقريات الأخرى لخير الإنسانية .
وقد تعدّدت تعاريف الثقافة إلى درجة صعُب فيها المسْك بتعريف يمكن الركون إليه ، إلاّ أنّ هناك تعريفا بالكاد وقع عليه إجْماعٌ . صدر هذا التعريف عن المؤتمر العالمي بشان السياسات الثقافية المنعقد بمدينة ـ مكسيكو ـ بالمكسيك ما بين تاريخ 06 جويلية و 06 أوت 1982 تحت إشراف منظمة اليونيسكو ، جاء ما نصّه : (( إن الثقافة بمعناها الواسع ، يمكن أن يُنْظر إليها اليوم على أنها جُماعُ السّمات الروحية ، والمادية ، والفكرية ، والعاطفية التي تميّز مجتمعا بعينه ، أو فئة اجتماعية بعينها . وهي تشمل الفنون ، والآداب ، وطرائق الحياة ؛ كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان ، ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات ..وإن الثقافة هي التي تمنح الإنسان قدرته على التفكير في ذاته ، والتي تجعل منّا كائنات تتميّز بالإنسانية المتمثّلة في العقلانية ، والقدرة على النقد والالتزام الأخلاقي ، وعن طريقها ـ الثقافة ـ نهتدي إلى القيم ونمارس الخيار . وهي وسيلة الإنسان للتعبير عن نفسه ، والتعرّف على ذاته كمشروعٍ غير مكتملٍ ، وإلى إعادة النظر في إنجازاته ، والبحث دون توازنٍ عن مدلولاتٍ جديدةٍ ، وإبداع أعمالٍ يتفوّق فيها على نفسه . ))
والثقافة من خلال التعريف السابق هي الطابع العام الذي يميّز شخصية أية مجموعة من السكان القاطنين في رقعة جغرافية معيّنة ، ويرسم السّمات النفسية للفرد أو الجماعة ، والتواصل المعنوي والفكري بين الأفراد القاطنين داخل الوطن الواحد ، المعبَّر عنهم بالمواطنين . وأساليب تفاعلهم مع البيئة وطرق استغلال ما في هذه البيئة لصالحهم
لماذا ينفرد الطفل بثقافة خاصّة ؟
ثقافة الطفل هي مجموعة العلوم والفنون والآداب والمهارات ، والقيم السلوكية ، والعقائدية التي يستطيع الطفل استيعابها وتمثُّلها في كل مرحلة من مراحل عمره ، ويتمكّن بواسطتها من توجيه سلوكه داخل المجتمع توجيها سليما .
ويقوم بنقل هذه المعارف والقيم صفوةٌ مبدعةٌ من المجتمع ، مسترشدين بالمبادئ الروحية والدينية ، والإنجازات الفكرية والفنية للمجتمع ، مستعينين أيضا بالعلم فيما يتعلق بخصائص الطفولة ومراحل نموّها واحتياجاتها .
إذن ثقافة الطفل هي إحدى الثقافات الفرعية في أي مجتمع ، وهي تنفرد بمجموعة من الخصائص والس ّـ مات العامة …ثم إن الأطفال لا يشكّلون مجتمعا متجانسا ، بل يختلفون اختلاف أطوار نموّهم هذا في المجتمع الواحد ، فما بالك إذا اختلفت المجتمعات وتباينت البيئات ؛ لذا قُسّـمت الطفولة إلى مراحل متعاقبة ومتداخلة في بعضها البعض وكل مرحلة تؤثر في الأخرى أي ّ ما تأثير سلبا أو إيجابا ..لكل منها ثقافة خاصّة تتوافق مع خصائص وحاجات الطفل في تلك المرحلة الطفولية .
كما أن ثقافة الطفل تختلف في مجتمع ما عنها في مجتمع آخر تبعا لإطار الثقافة العامة ، وما يرتبط بذلك من وسائل الاتصال الثقافي بالأطفال . كما يسهل التعرّف في ثقافة الطفل على الملامح الكبيرة لثقافة المجتمع ، فإذا كان المجتمع يُولي أهمية كبيرة واعتبارا لقيمة معيّنة من القيم أو اتجاه محدّد من الاتجاهات ، فإن ذلك يظهر عادة في ثقافة الطفل .
وسائل الاتصال المعاصرة أداة التشكيل
تستغل وسائل الاتصال المتطورة في الدول المتقدمة خصوبةَ عالم الطفولة ، واستعداد الأطفال لتقبّل كثير مما يتميّز بالإثارة والجاذبية ، في ُـ مطر ُ الأطفال في البلدان المتخلفة بفيض من العناصر الثقافية التي لا يتوافق الكثير منها مع سياق عالم الطفل ، ولا تنسجم مع قيم مجتمعات هذه البلدان . ويُراد البعضُ من هذا الفيض الاتّصالاتي زعزعةَ خصوصيات الثقافات المحلية ومنها ثقافة الطفل ، باعتباره عمدة المستقبل.
لكن تلكم المعارف وتسارعها كمّا وكيفا ، وتدفّقها في أيامنا هذه ، وهي في تسارع أكثر بتوالي الأيام عبْر العديد من الوسائط ، صار من العسير على أي مجتمع بما في ذلك الخلية الأساسية في المجتمع ونعني بها الأسرة ..القدرةَ على الحراسة والتحكّم في دقة انتقاء وسائل ثقافة الطفل .
ثقافة الطفل ومنجزات العصر
أَثّــرَ في ثقافة الطفل خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين وبداية القرن الحالي عددٌ من المتغيرات والتحدّيات ، من بينها وخاصة في مجال التنشئة الأسري والمدرسي ولو في نطاق ضيّق ولكنه آخذٌ في الاتساع .. ثقافةُ الحوار والسّـماع والاستماع ، والمشاركة ، والإبداع ، بدلا من أساليب الحفظ وحشْـو العقول بالمعلومات ، والتلقين ، والتسلط ، واعتماد التعليم بدلا من التعلّم .وإعادة صياغة الثقافات الموروثة بما يتماشى ومنجزات العصر ، مع اتضاح الدور الرئيسي للحواس في تنمية قدرات الأطفال خاصة الصغار منهم بدلا من الاعتماد على الكلمة الشفاهية وحدها ، ومنافسة البرامج التلفزية العديدة ، والكمبيوتر ، والإنترنيت في العديد من الدول العربية ، وفي نطاق لا يزال محدودا ببلادنا .. تحدّياتٌ للكتاب المدرسي ، ومكوّنات أدب الطفل عموما ، لما تتضمّنه هذه الوسائل العصرية من تفاعل بين الشاشة والطفل .
كما تنبهت المجتمعات إلى قضايا الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة من المعوّقين جسميا وعقليا وحتى نفسيا، وكذا الأطفال ذوي الظروف الخاصة كالمشرّدين .. أطفال الشوارع ، وضحايا الخلافات الأسرية ، والمصابين بأمراض مزمنة ..تنـبّهت العديد من المجتمعات إلى تسخير العلم لمساعدة هذا النوع من الطفولة وحمايته ليس هذا فحسب ،ولكن لجعل هذه الطفـولة تستفيد بدورها من ثمار العلم وتكنولوجيا كسْب المعارف على غرار الأطفال الأسوياء. (3)
وتعاونت في ذلك الهيئات الرسمية والمجتمع المدني بأغلب مكوّناته مستعينة بالخبراء ، ومستفيدة من الدعم المعنوي والمادي المُقدم ..حتى تهيّأت ظروف مناسبة جدّا لهؤلاء الأطفال ذوي الاحتياجات ساعدتهم على أن يكونوا أحسن حالا من حيث الرعاية الصحية والتكوين والاندماج في المجتمع ، من حال الأسوياء عندنا .
انفجار معرفي نَـوّعَ .. وسائل التثقيف !!
دوْر العلم تعاظم ويتعاظم في حياتنا ممّا يحتّم علينا ترْك التردّد والشك وولوج هذه الفضاءات الجديدة لأخْذ ما هو مفيد ونافع ، واقتناء الوسائل المتاحة والمتوفرة ، وبقدْر إمكاناتنا أفرادا وجماعات لتنمية التفكير العلمي ، والمعرفة العلمية خاصة لدى أطفالنا .
هذا الانفجار المعرفي وتعدّد وسائط المعرفة ساعد على ضرورة التأكيد على نفْـض الغبار عن قيم إنسانية سامية أكدت عليها قيمنا الروحية ، ولكن تغافلنا عنها جهلا وعمْدا معا ، مثل عدم التمييز بين أهمية أدوار الفتى وأدوار الفتاة ، وقبول الآخر ، وتقوية الشعور بالانتماء إلى الوطن ، وتأكيد قيمة الوقت والعمل ، والحفاظ على البيئة من طرف الجميع الكبار والصغار ، وتنمية روح الإبداع والابتكار ، والاعتماد على النفس في التعلّم الذاتي المستمرّ في عصْر أصبحنا نسمّيه " عصر انفجار المعلومات .(4)
تكنولوجيا المعلومات وتثقيف الطفل
إن التقدم الذي نشهده حاليا في جميع المجالات ، وتأثيرات المعرفة الحديثة واضحة فيه قد ضيّق المسافة بين الطفل وبين العلم والتكنولوجيا بصورة تستوجب تربية جديدة مغايرة تماما للتربية التي لا تزال سائدة في مجتمعاتنا ولم تترك المكان للتربية الحديثة والمعاصرة إلاّ في نطاقات ضيّقة وبصعوبة . وعلى أية حال فالعلاقة متينة بين التربية والثقافة ..والتربية هي عنصرٌ هامٌّ من عناصر الثقافة باعتبارها الأداة الأولى في التنشئة الاجتماعية ، لا بدّ أن تكون غاياتها واضحة .
لقد أصدرت " اليونيسكو " دراسة قيّمة بعنوان : " التعليم ذلك الكنز المكنون" وهي :
· تعلّمْ لتعرف .
· تعلّمْ لتعمل .
· تعلّمْ لتكون .
· تعلّمْ لتشارك الآخرين .
وقد قام الدكتور نبيل علي الخبير في مجال المعلوماتية بصياغة هذه الغايات الأربع الأساسية فيما يخصّ تربية الطفل العربي إلى أربعة أهداف أساسية لاستخدام تكنولوجيا المعلومات وهي :
1. تنمية قدرات الطفل العربي في اكتساب المعرفة .
2. تنمية القدرات الذهنية لدى الطفل العربي .
3. تنمية القدرات الإبداعية لدى الطفل العربي .
4. تنمية مهارات التواصل مع الآخرين لدى الطفل العربي .(5)
أيقنت كل المجتمعات ضرورة اللجوء إلى تكنولوجيا المعلومات لمواجهة ظاهرة الانفجار المعرفي ، وهو ما يستوجب إكساب الطفل العربي القدرة على التعلّم الذاتي مدى الحياة ، والتعامل المباشر مع مصادر المعرفة دون وسيط بشري في هيئة مدرّسٍ أو كتاب مدرسيٍّ . يتطلب ذلك إكساب الطفل مهارات البحث والإبحار في الشبكة العالمية " الإنترنيت " ..ومن حقّنا أن نطرح نحن السؤال التالي :
أيمكن أن يتحقّق هذا عندنا في الأمد القريب أو حتى المتوسط ؟ ..(الآتي من الزمن عنده الإجابة .)
إن مهمة التعليم لم تعد تنحصر في تحصيل المادة التعليمية بالدرجة الأولى ، فأسلوب التلقين والتحفيظ واستظهار المعلومات حرفيا ، أسلوبٌ يتناقض تناقضا جوهريا مع ظاهرة الانفجار المعرفي ؛ بل الغاية تنمية مهارات الحصول على المعارف وتوظيفها ، وأكثر من ذلك توليد المعارف الجديدة وربطها بما سبقها
مصادر ثقافة الطفل تعدّدت !!
إن مصادر ثقافة الطفل تتمثّل في الأسرة ، الجيران ،المسجد ،المدرسة ، جماعة الأقران ، وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة ، والمرئية ويتصدّرها التلفزيون ، أدب الطفل ، الوسائط الحديثة للتثقيف .نكتفي هنا بالحديث عن عوامل ثلاثة من عوامل التربية والتثقيف أوّلا ، وهي : الأسرة ،المدرسة ، أدب الطفل .
الأسرة :هي أساس التنشئة ومصدر الاستقامة أو الانحراف في فطرة الطفل وعقيدته التي هي مبعث ثقافته . وفي مراحل النموّ يتعرّض الطفل لنماذج سلوكية مباشرة في أسرته ، والمحيطين به ، أو نماذج سلوكية رمزية من وسائل الإعلام ومن القصص والحكايات التي تُقدّم في الأسرة من كبارها وصغارها معا . وفي هذا النوع من التعليم يلاحظ الطفل الشخص النموذج ، ويصوغ ما يشاهده ويختزنه ، وينتظر الوقت المناسب لكي ينتج نفس السلوك.
الأسرة هي الوعاء التربوي والثقافي الذي تتبلور داخله شخصية الطفل تشكيلا فرديا واجتماعيا ودينيا ، وهي بهذا تمارس عمليات تربوية تثقيفية هادفة من أجل تحقيق نموّ الفرد نموّا سليما … وممّا لا ريب فيه أن الوضْع الثقافي والتعليمي للأسرة يؤثّر في تنشئة الطفل وتربيته تأثيرا مباشرا ، وبخاصة في سلوكه الديني والاجتماعي والثقافي .. فالميل إلى القراءة ، والمشاركة في الأنشطة الثقافية المحلية والوطنية ، وحضور المحاضرات والندوات الفكرية ، والمساهمة في المسابقات ، وممارسة الحوارات الفكرية داخل الأسرة ، ووجود المجلّة والكتاب والصحيفة اليومية وانكباب أفراد الأسرة عليها ..كلها عوامل ذات تأثير إيجابي في تنمية الوعي الثقافي لدى الطفل ، وكذلك تساعد على النموّ السليم والتنشئة التي تسمح بسرعة التكيّف الاجتماعي والثقافي مع الوسط المدرسي من ناحية ، ومع الوسط الاجتماعي الثقافي من ناحية أخرى .
دوْر الأسرة حسّاسٌ وخطيرٌ جدّا .. تلبية الحاجات البيولوجية ، تربية ، تنشئة ، تهذيب ، غرْس الفضائل والقيم ، إدماج في المحيط ، تثقيفٌ . والتثقيف يدعونا إلى استعراض نقاط مهمّة منها :
ـ هل حركية الكتاب الغير المدرسي داخل الأسرة متوفرة وتمسّ كل مجالات المعرفة ؟
ـ كيف هي نظرة الأبويْن وأفراد الأسرة إلى الكتاب ؟
ـ هل توجد مكتبة منزلية ؟ كمية الكتب بها ؟ نوعيتها ؟ استثمارها ؟ طريقة العناية بها ؟
ـ ما نصيب الطفل منها ؟
ـ هل عُوّد ويُعوّد هذا الطفل منذ صغره على المطالعة خارج الواجبات المدرسية ؟
ـ هل الأسرة لها ارتباط بالصحافة ؟ وهل هذه العلاقة يومية ؟
لمّا نطرح مثل هذه الأسئلة كي نؤكّد بأن المدرسة عندنا على غرار العديد من البلدان التي تشابهنا عجزت عن دورها التثقيفي ، بل وحتى التعليمي في بعض مراحل التعليم ..المطالعة ثم عادة المقروئية التي من المفترض أن تتعاضد الأسرة والمدرسة على غرسهما لدى أبنائنا وبناتنا كوسيلتين رئيسيتين للتثقف وإثراء المعارف والاندماج في المحيط القريب والبعيد، و أداتين للبحث والتقصّي وليس فقط في المؤسسة التعليمية .. فشلتا في ذلك وكلتاهما تنحى باللائمة على الأخرى .
المسجد : من أهمّ مصادر ثقافة الطفل ، حيث يتعلم منه التقيّد بالمواعيد والانتظام في الصفوف ، واحترام الكبار والسلام عليهم ، والتعرّف على الجيران وتفقّدهم ، والمساواة والعدل بين جميع أفراد المجتمع ، والاهتمام بالطهارة من نظافة الجسم والهندام ، وتعلّم التلاوة السليمة وحفظ كتاب الله ، وتشرّب المبادئ الروحية ، والارتباط الدائم بالله عزّ وجلّ ، والانقياد للقيادة المسجدية ، ومراعاة آداب الطريق والمشي باحترام وسكينة .
وفي ظلّ وجود المدارس النظامية وتعدّد وسائل المعرفة وسهولة الحصول على المعلومات من مصادرها المتنوّعة ، نجد أن دوْر المسجد بالنسبة للأطفال قد تقلّص بشكل واضح ، ولم يعد يقوم بالدور الذي كان يؤديه في السابق ..لذا في اعتقادنا ينبغي التعاون بين الأسرة والمدرسة والمسجد من أجل تحقيق نوع من التكامل ما بينها ، فإذا كانت المناهج التعليمية في مادة التربية الإسلامية توازن ما بين محاور القرآن الكريم ، الأحاديث النبوية ، العقيدة ، العبادات ، السلوك الأخلاقي ، من المفترض أن يركّز المسجد على تحفيظ القرآن الكريم للأطفال والطّلاّب بصفة أساسية في العُطل ، لأن ما يقدم منه في المدرسة يقتصر على السُّور القصار ، وعلى الآيات ذات الأحكام .
المدرسة : امتدادٌ للأسرة وتكميل لدورها في تثقيف الطفل ، وهي تُكْسبه قيما إيجابية تؤهّله ليكون فردا عاملا مؤثّرا في مجتمعه . وقد تُكْسبه قيما سلبية تؤهله كي يكون رقما في إحصائيات التعداد فقط …تُعتبر المدرسة مؤسسة اجتماعية ثقافية من أهدافها إعداد الفرد كي يكون مواطنا مستنيرا قادرا على القيام بدوره الثقافي تجاه نفسه وتجاه المجتمع ، والإسهام في دفعه نحو الرقيّ والتحسّن في عصر يتميّز بالتطوّر السريع في جميع مجالات الحياة ، ممّا يتطلّب كفاءات ومهارات لدى الأجيال الجديدة لكي تستطيع مواكبة ما يطرأ من تغيّر وتحديث ونموٍّ لا يتوقف ..فإن المدرسة بحكم وظيفتها الاجتماعية واستمداد أهدافها من مجتمعها ، تعمل على إعداد الفرد الذي يتميز بخصائص أهمّها :
1 ـ الشعور بقيمة كينونته وأهميتها العلمية والثقافية في المجتمع .
2 ـ الشعور بأنه عضْوٌ فعّـالٌ منتج له قيمته في المجتمع الذي يعيش فيه .
3 ـ الإحساس بمشكلات مجتمعه ، والسعي الجاد والصادق في حلّ تلك المشكلات بشكل إيجابي مع غيره ، وذلك باستخدام الأساليب العلمية .
المدرسة بتشكيلتها المعروفة من مدرس وإدارة ومبنى ومرافق وكتاب مدرسي ووسائل تعليمية ، وفضاء للتعليم والتعلّم مع الرفاق ، تستطيع أن تفعل الكثير ، وإنْ كانت إمكاناتها محدودة وبخاصّة : المدرسة الابتدائية التي تأنف وزارة التربية احتضانها ماديا ، وتُولي البلديات وجهها عنها . في المدرسة يكتسب الطفل المعارف ، ويتقن المهارات ، ويتشرّب القيم السلوكية التي تساهم في تشكيل شخصيته .
أدب الطفل ..أداة جيّدة للتربية والتثقيف
الأدب ركيزة ثقافية أساسية ، وهو تشكيل أو تصوير للحياة والفكر والوجدان من خلال أبنية لغوية ، وهو فرْعٌ من فروع المعرفة الأنسانية العامة ، يُعنى بالتعبير والتصوير فنيا ووجدانيا عن العادات والتقاليد ، والآراء ، والقيم ، والآمال ، والمشاعر ، وغيرها من عناصر الثقافة ؛ أي أنه تجسيد فنّيٌ تخيّلي للثقافة .
ويشمل هذا المفهوم الأدب عموما ، بما في ذلك أدب الطفل ؛ لكن أدب الطفل يتميّز عن أدب الكبار في مراعاته لحاجات الطفل وقدراته ، وخضوعه لفلسفة الكبار في تثقيف أطفالهم . وهذا يعني أن لأدب الطفل من الناحية الفنية مقوّمات الأدب العامة نفسها ؛ غير أن اختيار الموضوع ، وتكوين الشخصيات ، وخلْقَ الأجواء ، والاستخدامات اللغوية ، وتحديد الأسلوب المناسب في أدب الطفل تخضع لضوابط خاصّة تناسب قدرات الطفل ومستوى نموّه .أدب الطفل أداةٌ أساسيةٌ في بناء ثقافة الطفل ، إذْ يُسْهم في نقْل جزء من الثقافة العامة إلى الطفل بصورة فنّية .(6)
ذلك أن التجسيد الفنّي عملية لازمة في التوجّه الاتصالي عموما ، و ا لأدب فرْعٌ من الثقافة والثقافة نوْعٌ من الاتصال سواء كان إلى الراشدين أو إلى الأطفال ، غير أنّ لزومه لأدب الأطفال أشدّ ، لأن حوّاسّ الطفل شديدة الاستجابة لعناصر التجسيد .
ولا شكّ أن أدب الطفل من الوسائل الثقافية والتربوية الهامّة التي ينبغي توظيفها بفعالية لتحقيق أغراض بيّنة ومحدّدة . وإذا كان البعض من الكُتّاب وكذا المهتمّين بأدب الطفل ما زالوا يعتقدون أن الكتابة للأطفال هيّنةٌ ، ليّنةٌ ، سهْلة المنال ..فإن هذا الاعتقاد خاطئٌ .. فمن المتّفق عليه أدبيا وتربويا أنّ ما يُكتبُ للطفل لا يكون للتسلية والاستمتاع الآني فحسب ، بل لتقديم خبرات وقيمٍ ومواقف سلوكية تُسْهم في تهذيب شخصيته وبلْورة سماته الذاتية والاجتماعية ، في إطار بناء الشخصية المتكاملة ..وذلك لأن كاتب ثقافة الطفل وأدبه هو مُــربٍّ شاء أم لم يشأ . وما يُقدم إلى الطفل من أعمال ثقافية .. أدبية لها أبعادٌ تربوية بما يتناسب مع طبيعة كلّ عملٍ شعري كان أم نثريٍ .
ثقافة الطفل مجالها واسعٌ جدّا ولا ينحصر في المصادر المعروفة عندنا كالأسرة ، المسجد ، المدرسة ، أدب الطفل بمكوّناته العديدة ، بل هناك المكتبات العامة والخاصة ، النوادي العلمية ،الجمعيات الثقافية والشبابية ، المتاحف ، وسائل الإعلام المختلفة ، قاعات تعلّم الحاسوب ، قاعات الإنترنيت ..ولكن انضافت هذه الوسائط والتكنولوجيات الحديثة ، فقلّبت عملية التنشئة والتثقيف رأسا على عقب ، ومكّنت الطفل من أن يكون مبدعا ، منتجا للثقافة ، مبدعا للنصوص ، متذوّقا للأدب والفنّ ، ناقدا ..
كيف يمكن لنا التعامل مع هذا الباحث الصغير ، مع هذا المبدع ؟ أمَا كان لنا من الأفضل له ولنا أن نطلّق تلك المقولة التي لا تزال تكبّلنا : بأن عملية التربية والتنشئة هي إعداد النشء للحياة المستقبلية ؛ لنحلّ بدلها مقولة : لنتركْ أطفالنا ينعمون بحياتهم الآنية ، فاتحين المجال أمامهم لاكتشاف المجاهيل دون خوْف عليهم من ناحية ، ودون وصاية تتّسم بالتسلط .
أنعتبر هذا المبدع الصغير متلقيا للمعرفة ونحن الذين نختار ونقرّر ؟ أم نعتبره مبدعا ومنتجا للثقافة بدوره ؟ ما هي المجالات التثقيفية التي نعتبره فيها متلقيا ، فنختار له نحن ما نراه أصلح له ولنا ؟ وما المجالات التي نراه فيها مبدعا وناقدا ومنتجا للثقافة ؟
لِنتحدّثْ قليلا عن هذه الوسائط التثقيفية العصرية والتي فتحت آفاقا معرفية واسعة أمامنا فاستفاد منها الطفل أيّما استفادة وجعلت منه في حالات كثيرة ليس المتلقّي الصغير للمعرفة فحسب ، بل المتلقّي والمنتج وحتّى المبدع.
الوسائط العصرية في تثقيف الطفل
تسهم تكنولوجيا المعلومات الحديثة بصورة فعّالة في إكْساب الطفل القدرة على توظيف معارفه عمليا .وكما هو معروف ن هناك فرْقٌ كبيرٌ بين تحصيل المعرفة وتطبيقها عمليا لحلّ المشاكل .فالعلم في أيامنا هذه ن هو ممارسة العلم .كما ان الثقافة هي الالتزام بسلوكياتها ، لا مجرّد ترديد مقُولاتها .
إن توظيف المعرفة يحتاج من المتعلّم أن ينْفُذ بصورة أعمق إلى هيكليتها الداخلية ، أي يجب أن يعيد بناء المعرفة من عناصرها الأولية . وهناك سوء فهم يردّده البعض في عالمنا العربي عن " ثقافة الصورة " على أساس أنها تعني عدم حاجتنا إلى التعامل مع النصوص ، وهو مفهوم خاطئ ، فما زالت النصوص وستظلّ أداة فعّالة للمعرفة الجادّة ، خاصّة في مجال العلوم الإنسانية التي يسودها طابع السرد .إن النصوص ما زالت هي الوسيلة الفعّالة لتناول الأفكار المجرّدة ، إلى الحدّ الذي جعل البعض يردّد الشعار المعكوس : " الكلمة خيرٌ من ألف صورة . " (7)
إن حياة البشر تزداد تعقّدا يوما بعد يوم ، ونجاح الفرد في عصر المعلومات رهْنٌ بقدرته على مواجهة تعقّد الحياة من حوله ، سواء على المستوى الفردي أو الأسري أو الاجتماعي . لقد كان المتعلّم في الماضي يكفيه عددٌ محدودٌ من طرق التفكير كالتعليل ، والتسلسل المنطقي ، والتحليل المتتالي ، بدءا من الكليات وانتهاء بالعناصر الأولية ..الآن أمام الكمّ الهائل من الظواهر المعقّدة ، لم يعد هذا العدد القليل من أساليب التفكير كافيا ، ويجب أن يُزوّد المتعلم بعُـدّةٍ معرفية جديدة قد تُفاجئ المعلم عندنا في الجزائر ، والذي لا يزال في صراع مع صياغة الأهداف الإجرائية ، والتدريس بالكفاءات ، ويعرض عن وسائل التثقيف الحديثة ، ويتنكّر لفوائد الحاسوب لعجزه الفكري وجموده الذهني ، مردّدا بالمقابل : " لولانا لما قامت قائمة للمدرسة الجزائرية . كوّنا الأجيال وهي التي تتبوّأ أعلى المراتب في جميع المجالات ، داخل البلد وفي كل القارات ، وما كانت هذه الوسائط التثقيفية الحديثة موجودة . "
من جانب آخر فإذا كانت أغلب البرمجيات في هذه الوسائط التثقيفية الحديثة باللغة الأنقليزية ، فإن هناك جهودا صادقة ومخلصة في العديد من الدول العربية وخاصة دول الخليج في إعداد الكثير من البرامج التثقيفية للطفل باللغة العربية ، وبكل أسف في بلادنا ما زلنا بعيدين عن تلكم البرمجة أو حتى الترجمة…ذلك أن للغة الأم كما هو معروف دورا مهما في تنمية الفكر واستيعاب العالم من حولنا ؛ لذا هناك شقٌّ لغوي لكل من التحدّيات التربوية التي تواجه تربية عصر المعلومات ، فمعظم دول العالم تُولي اهتماما كبيرا للغاتها القومية في إطار تهيئة مجتمعاتها لمطالب عصر المعلومات .ونحن لا نزال نتأرجح بين الأخذ باللغات في سنّ مبكّرة أم نترك ذلك لمزاج النخبة السياسية .
فعالية وسائط التثقيف الحديثة
لئن كان الأمر واقعيا يتّصف بهذه النظرة ، فإنه لن يفتّ من عضدنا كي نتكلم عن ثقافة الطفل في شكلها التقليدي ، وشكلها الحديث ، وشكلها المعاصر من خلال الوسائط الجديدة ، وتكنولوجيا المعلومات التي إذا ما وُظّفت بوعي ، ووفق خطة تتماشى وخصائص مراحل نموّ الطفل ، ليس في المدرسة فحسب ولكن في كل ما له دوْرٌ في تنشئة الطفل في المجتمع ..من أجل معرفة :
× إيجابيات استخدام تكنولوجيا المعلومات في تنمية القدرات الذهنية .
× نجاعة الكمبيوتر أساسا بصفته أداة مثْلى لمواجهة ظواهر التعقّد ، بما يوفّره من إمكانات هائلة للسيطرة على الكمّ الهائل من البيانات والعلاقات .
× أسلوب البرمجة الذي يساعد على تنمية التفكير المنطقي المنهجي ؛ حيث تُعتمدُ البرمجة أساسا على تسلسل الخطوات ، وتحليل المشكلة إلى عناصرها الأولية يتوفّر حاليا العديد من البرامج لتقوية ذاكرة المدى القصير والطويل .
× أن الألعاب الإلكترونية تساعد على تنمية التفكير المتوازي ، حيث يواجه الطفل اللاعبُ عدّةَ مواقف ، عليه أن يتعامل معها في ذات الوقت .
× أن تكنولوجيا المعلومات توفّر إمكانات عديدة لتجسيد المفاهيم المجرّدة ؛ حتى يسهل استيعاب الطفل لها .
× أن الإنترنيت توفّـر فضاءات رحبة في التعلّم والاكتشاف والتواصل مع الغير في مناطق أخرى من الكرة الأرضية ، وكذلك اختيار صحة الأفكار والفروض ، وإيجاد الحلول المختلفة للقضايا المطروحة ، وصياغة تلك الحلول بوسائل اتصالية مختلفة قد تكون لغة شفوية ، وقد تكون بيانية ، وقد تكون رسومية ، وقد تكون لغة مكتوبة (8)
× استخدام تكنولوجيا المعلومات في تنمية مهارات التواصل .
× توفر العديد من مجالات التعليم وتعل ّم اللغة الأم واللغات الأجنبية .
× تكوين وتثقيف الطفل في التعامل مع الرمزية والتشكيلية ، حيث تتيح تكنولوجيا المعلومات وسائل عديدة لعرْض تقنيات عديدة لقراءة الرسوم ، والخرائط ، وتنمية الإبداع والتذوّق التشكيلي والأدبي
× أن تكنولوجيا المعلومات توفّر وسائل عديدة لتنمية المواهب الفنية لدى الطفل في جميع مجالات الفنون : أدبا وتشكيلا وموسيقى .
× إتاحة شبكة الإنترنيت فرصة الإبحار عبر مواقع عديدة خاصة بالطفولة ، تزخر بنوافذ الثقافة العامة بما في ذلك مساعدة الطفل على المساهمة العملية ، وتغذية هذه المواقع بما عنده وبما جادت به قريحته .الطفل في هذه الحالات مبدع ، والإنترنيت يمكّنه من نشْر أفكاره .
× التوسّع في استخدام الكمبيوتر واستثمار تكنولوجيا المعلومات من شأنه شحْذ موهبة الطفل المبدع ، وتشجيعه على البحث والاكتشاف ، ومواصلة التجريب ، وإعادة المحاولة .
الطفل في كلّ هذه الحالات هو مبْحرٌ في تكنولوجيا المعلومات من خلال وسائطها المختلفة ، وباحث ومكتشف للمعرفة في إطارها المتجاوز لبيئته المحلية الضيّقة ، وهو مبدعٌ للحلول والأفكار ، بعبارة أوضح هو ـ منتجٌ للثقافة ـ قد يقول قائل : (( مهّلا يا هذا !..لقد ذهبتَ بنا بعيدا ..تحدّثنا عن تكنولوجيا المعلومات ووسائط المعرفة الحديثة ، ومدارسنا تعاني الأمرّيْن في أغلب ولاياتنا ، مما يدفع في كثير من الأحيان المعلم أو المعلمة إلى شراء الطبشور من جيبه ..)) ، بلى ، هذا موجود ولا ننكره .. لكن بالمقابل تواجد الكمبيوتر ( الحاسوب ) آخذٌ بالتوسّع والاستعمال في مدارسنا في كل المراحل ، وإن كان نمط التفكير الأبوي لدى مربّينا الأُحادي لا يزال يُلْقي بظلاله على تقبّل الجديد ، أو تركه في متناول الأطفال .
لا بأس أن نتوقف قليلا هنا عند مَـنْ يقول : إن تكنولوجيات المعلومات ليست في متناول الجميع ، نظرا لارتفاع أسعار الأجهزة المتعلقة بها من ناحية ، وارتفاع أسعار الارتباط بشبكة الإنترنيت في بلادنا ، وانعدام النية الصادقة لدى أولي الأمر عندنا في استفادة المواطن العادي ، والطفل من هذه الفضاءات المعرفية الشاسعة من ناحية أخرى .وبالتالي فإن تكنولوجيا المعلومات ستجعل من الإبداع والتفتح على هذه العوالم الشيّقة الممتعة ( حكْرا على النخبة ) . في حين يرى المتفائلون أن التثقيف أخذا وعطاء ، والإبداع اللامحدود سيكون متاحا للجميع ، وسوف ينمو بصورة تلقائية وهذا ما نلاحظه عمليا في حياتنا . ومرّة أخرى ينطوي ذلك على تحدٍّ قــاسٍ للتربية عامّة ، وتربية الطفل العربي خاصّة في عصْر المعلومات ؛ في ضرورة تصدّيها لطبقية المعرفة .
إن مجال هذه التكنولوجيا الحديثة واسع ومعقّد وهو في اتساع مستمرّ متسارع ، نلاحظ ذلك في هذه الوسائل العديدة المختلفة الأشكال والوظائف التي تمتلئ بها المحلاّت المتخصّصة ..ما يهمّنا كمربّين وأولياء ما كان منها بسيطا وضروريا كالحاسوب مثلا ، ولا أحسب أن العديد من الأسر في عجْزٍ عن اقتنائه ..ولا في عجْز عن إنشاء مكتبة ملحقة به تتكوّن من تلك الأقراص المضغوطة التي بإمكان أي طفل ، حتى في الرابعة من العمر تشغيلها ..وهي متوفرة لكل المراحل الطفلية . موسوعات مختلفة …منها ما هو خاص باللغة العربية وآدابها ، وما هو خاصٌّ بالقرآن الكريم وعلومه ، وما هو خاصّ بالسيرة النبوية ، وما هو خاصّ بالعلوم الطبيعية والرياضيات ، وما هو خاصّ بتعلم اللغات الأجنبية ، وما هو خاصٌّ بجسم الإنسان وأجهزته ووظائفها ،وما هو خاصّ بالحيوان والطبيعة والعمران وما هو خاصٌّ بأدب الطفل ، وما هو خاصٌّ بالفن التشكيلي ، والموسيقى والألعاب الفكرية المختلفة . فضْلاً عن برامج كتابة النصوص ومعالجتها ، هذا المقام لا يسمح لنا باستعراض كل هذه البرامج التي لا تكلّف إلاّ النزر القليل ماديا .
أبعْـدَ استعراض هذه الفوائد الجمّة لهذه الوسائط المعرفية والتكنولوجيات الحديثة ، لا يزال التردّد والفكر الأبوي العمودي والأفقي يستولي علينا ؟
العديد من جمعيات الطفولة والمنظمات الكشفية ، ودُور الثقافة فتحت المجال واسعا للأطفال في التعامل مع هذه التكنولوجيات ، بما في ذلك الإنترنيت ، ورأينا بأم أعيننا أطفالا في مناطق عديدة من الوطن شماله وجنوبه ، اندمجوا مع هذه العوالم السحرية بثقة في النفس عالية ..

  مجلة فكر المجلة الثقافية الفصلية في عددها الجديد قراءة وعرْض بشير خلف     صدر العدد الجديد من مجلة " فكر" الثقافية، الفصلية ...