‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 21 مايو 2019

قصة قصيرة جدا

ق.ق.ج 
"خارج السِّرْبِ"
 رفاقه في الدّراسة..
اندمـجوا في سوق العمل والوظيف..
 تـماهُـوْا مع الحياة في حركيتها..
 يُروْن مرافقين أبناءهم إلى الـمدارس..
رياض الأطفال صباحا..
لا يزال يتصدّر كل احتجاجٍ اجتماعيٍّ..

يطالب بتسليم الحكم إلى الشباب..

الجمعة، 14 ديسمبر 2018

احتفائية القصة القصيرة بجامعة الجزائر ـ 2 ـ



احتفائية القصة القصيرة بجامعة الجزائر ـ 2 ـ
جزيل الشكر والتقدير لكلية اللغة العربية وآدابها بجامعة الجزائر ـ 2 ـ على الاحتفاء بالقصة القصيرة وروّادها في الجزائر يوم الخميس 13/12/2018..
شكرا وتحية للدكتورعلي ملاحي صاحب المبادرة، ومسؤول تخصّص دكتوراه الخطاب السردي المعاصر. شكرا لطلبة وطالبات دكتوراه الطور الثالث. تحية لإدارة الجامعة: نائب مديرة الجامعة، عميد الكلية، مدير مخبر الخطاب الصوفي بالجامعة، رئيسة القسم .


شكرا جزيلًا  للجميع على الحفاوة والتكريم.

الثلاثاء، 7 نوفمبر 2017

إصداران جديدان في القصة القصيرة جدًّا لبشير خلف

إصداران جديدان في القصة القصيرة جدًّا لبشير خلف
       صدر عن دار الكلمة لصاحبها الكاتب القاص المبدع ينينة عبد الكريم بالجزائر، مجموعتان في (القصة القصيرة جدا) للكاتب والقاص بشير خلف، الذي يُعدّ من ضمن الأوائل الذين كتبوا في هذا النوع الممتع من القص، فمن 1987 في مجموعته " القرص الأحمر" إلى 2017 بعد 30 سنة من كتابتها يعود بشير خلف بقوة من خلال مجموعتيه اللذيذتين : " ترانيم في حضرة القبح" و" لا قليل من الفرح".
        المجموعتان من الحجم الصغير، 12 سم في 21 سم، تصميم وإخراج ينينة عبد الكريم.

المجموعة الأولى الموسومة بــ ( ترانيم في حضرة القبح)،فضْلاً عن المقدّمة،  تتكون من51 نصًا ومضيا قصصيا، مقسّمة إلى" تغاريد قصصية، لوحات سردية، لقطات فيسبوكية"  تضمّها ستة وتسعون صفحة. المجموعة الثانية ( لا قليل من الفرح)، تتكون من 59 نصًّا مقسّمة إلى " شذرات سردية، منمنمات قصصية".
      ممّا جاء في المقدّمة:
«  القصّةُ القصيرةُ جدّا ابنةُ هذا العصرِ، خاصّة أنّ عالمَ يومياتِنا مليءٌ بالملاحظاتِ العابرةِ، باللّقطاتِ السّريعةِ، برصْدِ الـمفارقاتِ والـمواقفِ؛ لذلك تكيّفتْ مع إيقاعِ العصرِ، فركبتْ لغةَ الاختزالِ، على أنّ الإنسانَ نفسَه لم يعدْ قادرًا على الإنصاتِ لكلِّ تفاصيلِ الحياةِ اليوميّةِ، ولـم يعدْ يـملكُ التّرفَ القِرائيَّ في ظلِّ التطوّرِ الرقميِّ، وانبثاقِ النّصِّ الشّبكيِّ، وتزايدِ الأزماتِ العالـميّةِ الـمتعدّدةِ المـتسارعةِ، وميلِ الإنسانِ المعاصرِ إلى تـجريبِ كتابةِ مـخالِفةٍ، تتلاءم مع التـحوّلاتِ الـمُعاصرة؛ لذلك كانتِ القصّةُ القصيرةُ جدّا مُـحاولةً فنيّةً ذاتَ دلالةٍ احتجاجيّةٍ.
      القصةُ القصيرةُ جدًّا مُصطلحٌ اختزاليٌّ لنصٍّ روائيٍّ، أو حكايةٍ، أو قصّةٍ بشكلٍ مُــوجزٍ جدًّا وتكون مُكثَّـــفةً وخاليةً من الزوائدِ، والحشْوِ الوصْفيِّ، والاستطراداتِ، وترتكز على الجملة الفعلية أكثر..»
نصًّ أول بعنوان " كيدهنّ " من مجموعة " ترانيم في حضرة القبح:
(استدرجه لونُ البحرِ في عينيها.
 شدّته مشيتُــها الــهيفاء..
 أبـهره غنجُــها..
تـمايُلها..
هزّته تضاريسُ الجسدِ الغضِّ..
ارتـجف..
تـــفطّنت إلى احــتـــراقه..
 أوهمته بقُربِ امتلاكها..
اقترب..
الـــتـصقتْ بغــــيره مبتــــعدة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نصٌّ ثانٍ من نفس المجموعة بعنوان: " الكبير كبير" :
قرأ في أحدِ الكُتُبِ أن بيكاسو كان بعــيْنيْه لصًّاً كبيرا..
قال عنه الرسّام هنري ماتيس:
" إن الأسدَ هو مـجموعُ الخرافِ التي الْـتهمَها..
 غير أنهُ يظل في النهاية أسداً"
 كان الفنّانون يُـخفون لوحاتهم الجديدة أثناء زيارة بيكاسو لمراسمِهم..
 خوفاً من سرقاته -غير المباشرة-
لـمـّا أقام معــرضَه في قاعةِ ابن خلدون.. احتاط..
حظي بزيارة تلاميذ المدارس في نزهة ترفيهية..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نصٌّ أولٌ من المجموعة الثانية" لا قليل من الفرح"..نص بعنوان ( وهْــمٌ):
       حلُم أنْ يكون شاعرًا مـُجدِّدًا.. كاتبا كبيرا مشهورا. في بداية كل شهرٍ يُـمنّي نفسه أن يبدأ. مرّت الشهور.. السنوات.. ما خطّ جملة واحدة.
     ذات يوم وجد في وُريْــــــــقةِ يوميةٍ مقولةً للجاحظ:
" لا يزال الـمرْء في فُسْحةٍ من عقْله.. ما لــمْ يقلْ شعْــرًا.. أو يُــؤلِّــفْ كـــــتَابًا."
      هــتـف:
ـــ رحِــمكَ اللهُ أبا عثمان ..أنْـــقذْتني
              ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نصٌّ ثانٍ من المجموعة الثانية بعنوان ( رجولة ؟):

     وقف في الصفّ الطويل في الـمطار أمام مكتب مراقبة جوازات السفر. وصل دورُه. طلب منه الشرطي وضْع كلَّ ما في جيوبهِ.. وسترته. في الصندوق. طلب منه وضْع الحذاء والجورب. حرقه الشرطي بنظرة غضب . تـجمّد  في مكانه. الصفّ وراءه يتحرّك بنرفزة. تقدّم كي يـجتاز بوّابة الـمراقبة الإلكترونية:
ـــ انزعْ حزامَ السروالِ.. صرخ فيه الشرطي.
ـــ نزعته منذ عشرين سنة.. 


                       

الأربعاء، 7 يونيو 2017

  متعة الحكي وجمالية السّرْد

                                        متعة الحكي وجمالية السّرْد
                                    في نصوص : نسيمة بن عبدالله، أحمد ختاوي
بقلم: بشير خلف
         عــشتُ هذه الأيام الرمضانية المباركة، إضافة إلى الصيام والقيام، وتلاوة القرآن الكريم..عشتُ مع متعة السرد القصصي، والروائي لكاتبة متميزة، ولكاتب قدير أهدياني أعمالا إبداعية سردية خلال لقائنا أخيرا في منتصف شهر ماي 2017 بمدينة تلمسان في الملتقى الوطني الأول للقصة القصيرة، آليت على نفسي أن أفي بديني لهما، وهما يهدياني أجمل ما كتباه، وأنا أعدهما بالقراءة؛ كما أكون وفيا لقيم الصداقة، وقدسية الارتباط بالقلم: كتابة وقراءة لأصدقائي.  
 
حُبٌّ في كفّ الريح  
         تمتعت بجمالية السرد القصصي الأخّاذ، والمفعم بالإنسانية، واللغة الانسيابية الجميلة، والأسلوب السلس، والتقنية الخبراتية في الحكي للكاتبة القاصة، والمربية المدرّسة نسيمة بن عبد الله( زهرة الريف). من خلال مجموعتها القصصية الموسومة بــ ( حبٌّ في الكفّ).
        قصصٌ تأخذ بلبّ القارئ، فيبحر في نصوصٍ أغلبها يركّز على مكانة المرأة في المجتمع، وصراعها مع الآخر: أسرة، بيئة ريفية، بيئة مدينية، علاقات عاطفية، مقاومة من أجل إثبات الذات، بدءا بالقصة الأولى من المجموعة : " أنوثة " إلى آخر قصة " لحظة انعتاق"..( الليلة أغادر معبدك الورقي، أتخلّى عن إقامة الصلوات المهداة لك كل صباح، أتوقّف عن حفظ التراتيل التي أقدّمها لك كامرأة فاضلة كل مساء عندما تعود متعبا، وأجثو عند قدميْك أقدّم لك قرابين الحبّ والوفاء..)
         فعلى الرغم من كمّ هذه  المعاناة والأوجاع تبقى المرأة هي الحاضن للجميع، وبلسم الشفاء، والتي جعلت القاصة منها رمزاً مركزياً متعدد المستويات الدلالية التي تتجاوز التركيب، والجملة السردية ضمن النسيج القصصي الذي يجعل القارئ يغوص في الأعماق الدلالية، ويكتشف الأبعاد الإنسانية التي يحملها هذا الرمز( المرأة)، المشعّ في كل نصوص المجموعة.
      القاصة، بقدر ما هي وفية للكتابة السردية، ومتمكّنة منها، بقدر هي متمكنة من تشكيل لوحات السرد الأخّاذ المفعم بالجمالية، وسحْر فن الحكي؛ فإن نسيمة بن عبد الله وفية أيّما وفاء لوالديها اللذيْن خصّتهما بالإهداء:( إلى الذين أحببتهم نبْع عطائي ..إلى أبي وأمّي فخري واعتزازي. إلى إخوتي رياحين حياتي .)

أيّوب يختلس أوجاعه
المدينة بدمٍ كذبٍ
      وأن تقرأ للكاتب القدير أحمد ختاوي الموسوعي، عليك أن تكون ملمًّا بالتاريخ، والجغرافيا، وأدب الرحلات، وتاريخ الأدب العربي، وأعلامه، وكذا الآداب العالمية.. لمّا تقرأ سرديات أحمد ختاوي عليك أن ترافقه، وأن يكون رصيدك المعرفي متينا، وحيًّا، ومعاصرا حتى تكون مرافقتك له ذات جدوى.
       أحمد ختاوي تألق في الإعلام، والكتابة، والإبداع السردي قصة ورواية، عشتُ في دوحة إبداعه المشبع بتقنية عالية، ولغة جميلة، وزُخْم من المعارف المختلفة، ومواقف حيوات شخصيات إنسانية من الشرق والغرب كانت لها مكانتها في المتن السردي، كما تناصت أقوالها مع النصين القصصي والروائي، إنه الإعلامي، والقاص، والروائي " أحمد ختاوي".
         بدءا بمجموعته القصصية " أيوب يختلس أوجاعه " المجموعة ذات التسع نصوص التي تأخذ بلبّك منذ البداية عتباتها :عناد في منتصف الوجع، شبْرٌ من ضحكٍ ، تحت المضلّة، أيّوب يختلس أوجاعه، أنثى السماء، الشمس تتوسّط صدْر الأشياء،  الدقائق التي لاذت بالفرار، عشرة رجال في كفّ امرأة، الودق.
       جمل فعلية مكثفة تتحرّك من خلالها الشخصيات على فضاءات مكانية تصنع مصائرها، تتصدّى للفجائعية اللامتناهية في حياتها، كما حيوات البشر عبر حقب التاريخ، تقدمها لغة شفافة أخذت من الشعر الجمالية، ومن السرد سحْر الحكي الانسيابي، وهذا التماهي الجميل مع التاريخ، وصانعيه شرقا وغربا: " ...أجل أنا الموصوف في أخاديد ( الموناليزا) من قبل بقية الجيران، أجل أنا المروّض كأسد السرك في سفوح الجبال. تمرّدْ، هكذا تثير نزوتي للانتقام، تطعمني برائحة يومياتك على سطح الليل، تسلبني رائحتي وشغفي إلى الانتقام..".
      " ..وبدت الأرض تدور كما يدور ( أسبال) في الوادي ..تدور كالغول في صحراء " تدمر" في ـ عبقر ـ ..كل النوافذ كانت موصدة ما عدا جرأة نوال السعداوي وتمردها ..سقط الوحل ..والتاريخ من التاريخ ."
      القدرة على الحكي المشبع بانسيابية اللغة، وسحر جماليتها، وهي تأتي مطواعة لدى أحمد ختاوي كي تتفجّر لتتشظّى منها عوالم تركيبية تنهل من ينابيع اللغة العربية الأصيلة، هذه القدرة نلمسها في متْن رواية : " المدينة بدم كذب" فضاؤها المكاني مدينة باريس حيث يعتور أبطالها بشاعة واقعهم في مدينة عجيبة تبتلع الجميع، وتقبل الكل، لكن فيها عيش الملوك، والأمراء، كما فيها عيش المنبوذين المسحوقين الذين يحلمون بعوالم أخرى خيالية بعيدا عن هذه المدينة.
         الرواية فضاؤها المكاني حانة بباريس: « سفوح القرية تتوسّد شموسها.. وأطيافها، كما الصمت والصخب تماما في ( لوفالو) وباريس بأحزمتها وتواريخها، وأطيافها. الضباب يتوسّد الأخلاق، وميتافيزيقا سارتر الوجودي، ودسائس العشائر الطوطمية..قريتنا وباريس آنستان لم تتزوجا .»
          « ..أبحث عنها في " كوّة سليمان" بأفغانستان، هي ذي الجبال المتفرّعة من سلسلة الجبال المتجهة من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، كجبال الأطلس التي تشقّ المغرب، تونس مرورا بالجزائر تماما. وعانقت جبال سليمان / كابول ..وأفــلت اللحية. تتكلم لحية التيس لغة ( البشتو)، وأتكلم لغة ( التاجيك)، والشرطة تستقري أوضاع الحانة التي انهارت ( المقصود هنا شرطة باريس).»
        لغة جميلة شفّافة، أسلوب سلسٌ يأخذك كقارئ إلى عوالم لم ترها، ولم تطأ فضاءاتها المكانية، لكن الروائي أحمد ختاوي يأخذك على بساط الريح ويحطّ بك في تلك العوالم كي تعرفها، وتعايش أحداثها التاريخية وتتحاور مع شخصياتها؛ بل ربّما تساهم في صُنع مصائرها.



   

السبت، 22 أبريل 2017

  مؤامرةٌ

ق . ق . ج                                       
                                                مؤامرةٌ
بقلم: بشير خلف
       ترشّح للانتخابات التشريعية بعد دفْـْــع الكثير من ماله المشبوه. زكّـــوا ترشيحه. تنقّـــل إلى مسقط رأسه الذي يزوره إلا في المناسبات العائلية. قبل يوم الانتخاب بأيام جال، وصال في الحواضر، والبوادي، والأرياف مُـــبشٍّرا بعهد جديد.
      من تجمّع بهم حدّثهم بحميمية. التقاهم افرادا، وجماعات بتواضع. صافحهم بحرارة . شاركهم موائدهم المتواضعة. وعدهم بأن يحقق مبتغاهم الاجتماعي .رفعّ من معنوياتهم. بات ليلة فرْز الأصوات راضيا . رأى فيما يرى النائم أنه في جنّة فــيْحاء، كل ما فيها مُغْــرٍ وجميل.
      التفت يمينا ويسارا بحثًا عن أصدقائه ممّن دفعوا مثله. يشاركونه هذا النعيم . لكن حين استيقظ في اليوم الموالي للانتخاب، وفرْز الأصوات خاب حلمه. صرخ إنها مؤامرة خارجية.


الخميس، 28 فبراير 2013

قصة زمن الخوف



قصة قصيرة                            
زمن   الخــوف
                                                                                                                              بقلم : بشير خلف

                                 إن ما يسعى  إليه الإنسان السامي يكْمن في
                              ذاته هو ، أمّا الدنيء فيسعى لِما لدى الآخرين .
                                                                                                                                                       (  كونفوشيوس  )                                                                                                               
 ـ ألست أنت الذي زرعت الأمن والطمأنينة في نفوس أبناء القرية ؟ أأنت أم غيرك الذي جذّر في ناسها البسطاء حبّ الحياة والتعلق بالبقاء ؟ أما فتئت تكرر في كل مناسبة.
ـ الحياة يا ناس نعمة ..لننعمْ بها ..في مواساتك لغيرك تكرر دوما : النوائب امتحان لنا ..لِنتَحَدَّ هذا الامتحان ..لا نستسلمْ بسهولة ..لا نبكي ..إن بكاء الرجال ضعفٌ ومهانةٌ
                  ها أنك بكيتَ وأبكيتَ ..ولا تزال تبكي وتُبكي ..
                                               *      *      *       *
              كان صمتُ تلك الليلة الموالية لحدث المأساة غريبا .. ملأ الحزنُ القلوبَ كما امتلأت الحناجر صمتا ..المفاجأة أصابت سكان القرية بالشلل ..بقدر ما سيطر الحزن ، انزرع الرعب في النفوس ..غدا المستقبل غامضا ..مخيفا ..كانت القرية آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من مصادر تنوّعت ..الأمن يسكن النفوس الريفية الطيبة القنوعة ..يشعر الجميع بفضاء الحياة الرحب ..فضاء يسع الجميع .
              ليلتها الصمت لفّ القرية ..الظلام سربلها دون رحمة ..انقطعت الحركة ..كلٌّ آوى مبكرا إلى بيـته ..أيُّ الكلمات تعبر عن الهلع ..عن الخوف ..عن السخط ..أية حركة خارجية ..أي دقات على الباب كافية لإصابة البعض بالإغماء ..الكل يرهف السمع ليلتها ..لا يدري قد يكون مستهدفا ..
                                       *     *         *         *
       يوم الحدث المشؤوم تقاطر سكان القرية والضواحي..ثم القرى والبلدات المجاورة ..تقاطروا بدافع الفضول بداية كحال أهل الريف ..ثم بدافع التقصّي والمعرفة ..ثم للمساعدة والمواساة ..
      الحدث المشؤوم وقع أمام منزلك ..استهدفوك شخصيا ..أمِنْ حسن حظك أمن سوءه أنك ما توجهتَ صبيحتها إلى صلاة الصبح بالمسجد القريب ..أصابك أرقٌ ليلتها فما استطعت النهوض مبكرا .
               يومها الكل تلهّف لرؤيتك ..لسماع الحقيقة منك ..أو حتى مجرّد إشارة ..تلميح بسيط يُوحي بشيء ولو بنزرٍ عن الحقيقة ..أنت الوحيد ومن استهدفوك تعرفون الحقيقة .
                تساءلتَ بدوركَ ..لماذا حدث الذي حدث ؟ ولم وقع ؟ ما صدّقت وما زلت حتى اللحظة هذه غير مصدق بأن ما وقع استهدفك شخصيا لِمَحْوكَ من الوجود ..ألست أنت الذي عطاياك وصلت الجميع ؟  كرمك اللا محدود سعِـدَ به القاصي مثل الداني ..الأفراد والجماعات ..ألست مقصودا في كل المناسبات المحلية والجهوية وحتى الوطنية ؟  مؤسستك تحتضن العشرات من العاملين والفنيين ..ما بخلتَ قط في البذل والعطاء ..لازلت ولا تزال ..
                                              *      *          *         * 
                  يوم المأساة تساءل الناس والحيرة بادية على وجوههم :
ـ ماذا وقع هذا الصباح بالضبط ؟
ـ لا أدري ..
ـ أنا في حيرة مثلك
ـ ما فهمنا شيئا
ـ ما أخبار البُنية ؟
ـ كيف هي حالتها ؟ قيل قد أُسرِع بها إلى المستشفى .
ـ قريتنا آمنة ما عرفت قط حدثا مشؤوما كهذا .
ـ حالة البنية خطيرة جدا ..قالها أحدهم وقد نزل من سيارته .
ـ إننا نجهل الذي وقع هذا الصباح أمام منزل الحاج إبراهيم .
ـ تناهى إلينا أن البنية لمّا اقتربت من مدخل منزل الحاج ، لفتت نظرها ولاّعة ذهبية اللون ..برّاقة ..جميلة الشكل بمحاذاة أرضية عتبة المدخل ..بدهشة الطفولة ..بفضول البراءة ..انحنت ..بالأنامل الغضة لمستها  …فكان ما كان .
ـ يا للهول ويا للبشاعة ..البراءة تدفع ضريبة غيرها في هذا الزمن ال…. قالها أحدهم وقطرات من الدمع تنفلت من عينيه .
ـ حتى المعرفة لها ضحاياها الصغار أيضا ..نطقها أحدهم .
                                          *            *        *            *        
                         عطاياك فرحٌ ..نعمة لذوي الحاجة ..فرج مستمرٌّ لعباد الله …منذ أن حطَطْتَ رحالك في تلك الربوع ..يوم أن عدت من وراء البحر ..عاهدت والدك وكبار البلدة ووجهاءها وهم يحتفون بك :
ـ أعاهدكم يا وجوه الخير بخدمة الجهة كلها وأناسها دون تحديد ودون تمييز ..حصاد سنين الغربة في الضفة الأخرى أنذرْتُه لخدمة هذه الربوع ..أُشهدكم جميعا على ذلك .
                                         *         *          *         *
              صدقت في وعدك ..عطاياك استمرت ومستمرة ..مؤسستك متألقة ..الكلّ باركك ويباركك .
                                          *          *          *          *
             الناس حولك صامتون ..حائرون ..يريدون تقديم يد المساعدة لك …كيف ذلك ؟ لا يدرون ..يريدون إشارة منك ..همهموا ..حنحنوا ..همسوا لبعضهم ..أوحوْا إليك أن تقول شيئا ..أن تفصح عن حقيقة ما وقع ..عن الأسباب ..عن بعضها ..ألحّوا وألحّوا ..جوابك في كل مرة هو البكاء .لحظتها بكيت وأبكيت .
              في لقاءاتك الحميمية مع أناس البلدة ..مع الرفاق ..مع الأصدقاء وهم يستعرضون يومياتهم المتعبة ومآسي عصرهم التي تخنقهم وتحيل حياتهم إلى علقم ..دوما كنتَ تقول لهم :
ـ الحياة ما هي بحياة إنْ لم يكن بها الحلو والمر ..بها الخير والشر ..لماذا نحزن ..هي هكذا الحياة ..لماذا نبكي؟ ..لماذا يستولي علينا الحزن فيسلبنا متعة نعمها الكثيرة ..الحزن يأس ..هروب ..والبكاء دليل الضعف ..الرجال لا يبكون ..الحياة نعمة ..متعة ..فضاؤها يسع الجميع .
                                     *          *           *         *
                  كان صمت تلك الليلة الموالية للمأساة غريبا عن القرية الهادئة ..الوديعة ..ملأ  الحزن القلوب كما امتلأت الحناجر صمتا ..ووُرِيت البنية ذات الربيع التاسع التراب عصر ذلك اليوم ..تطايرت صباحه أشلاء ..اختلطت الأعضاء المتناثرة بوريقات الكراسات ..وريقات دُوِّنت بها خلاصات بأنامل غضة تطايرت  صاحبتها لحظتها انحنت بنية التقاط ولاعة ذهبية اللون ..جذّابة الشكل وُضعت بإتقان بمحاذاة مدخل الجار الثري صاحب المؤسسة ..قدمت البنية كعادتها ..تدق الباب كي تترافق مع رفيقتها وندتها ابنة صاحب المنزل الثري..تطايرت أشلاء ..تضمخت وريقات الكراريس بدمها الطاهر الزكي .. بدهشة الطفولة ..أطبقت على الولاّعة الذهبية اللون ..ولاعة وُضعت بإحكام ..وُصلت بجسم رهيب تحت التراب ..مصيدة كانت معدّة بإحكام لجسم أخر غير جسم البنية .
             تطايرت البنية أشلاء ..صعب يومها لملمة الأطراف ..العضلات المتناثرة ..رحلت البراءة وهي تجهل لماذا تطايرت أشلاء ..رحلت وما تدري شيئا عن الأجسام الرهيبة التي تُزرع تحت وجه التربة ..
 

مجموعة ظلال بلا أجساد


ظلالٌ بلا أجساد للقاص الجزائري
خلف بشير
من جمالية التشكيل إلى فتنة الرؤيا
عرض : مصطفى بلمشري *
خلف بشير هو أحد الأدباء الجزائريين الذين أثْروا الساحة الأدبية الجزائرية بعدّة مؤلفات ، فعرفه القارئ كاتبا ، وباحثا ، وقاصّا أسهم بشكلٍ فعّالٍ في إنعاش الحياة الثقافية بمختلف المقالات ، وخاصة في منطقة الوادي ، حيث يرأس حاليا الجمعية الثقافية الولائية : " رابطة الفكر والإبداع ".
صدرت له المجموعات القصصية التالية :
1 .أخاديد على شريط الزمن .
2. القرص الأحمر.
3.الشموخ.
4.الدفْء المفقود.
5.ظلالٌ بلا أجساد( آخر المجموعات التي نحن بصدد دراستها ).
تكشف لنا كتابَاتِه ، وممارسَتهِ الإبداعيةِ ، وتحمل في طيّاتها رؤى فنية ، وجمالية التشكيل القصصي .ظلالٌ بلا أجساد قصصٌ تستمدّ فلسفتها من وحي الاهتمامات المحورية للناس ، وتستخلص مفاتيحها ممّا يزخر به الواقع الجديد من تناقضات ، وأزمات بحيث تتّسم هذه الأعمال بالواقعية الجديدة التي تهتمّ بتقديم الواقع من خلال قداسته ، وعلاوة على ذلك إنها تحتفي بجماليات الإبداع ، وتشتغل الرؤى الفنية لإنجاز نصٍّ قصصي تتضافر فيه دلالاتٌ إيجابية جمالية ، تبدو أحيانا قادمة من نصوص غائية ، ثم الاشتغال عليها من أجل الإيحاء بأجواء واقعية تنسجم مع الأجواء الواقعية ؛ فالكاتب بشير خلف لو يكتف بتصوير الواقع كما هو ، فهو يستخدم وجدانه ، وعاطفته في اكتناه الواقع في حركته المتغيّرة .
ودأبَ الكاتب بشير على روح المغامرة اللغوية ضمْن سياق العمل القصصي ، وبما ينسجم مع عناصره المختلفة بما فيها المتلقّي ، وتشكيل مع مجمل هذه العناصر نسيجا عضويا متضافرا يحقّق مستوى جماليا عاليا .
إن قصص بشير خلف هي في جوهرها دعوةٌ ملحّةٌ وصادقة إلى قراءة الواقع ومساءلته ، والانخراط فيه ..إنها دعوةٌ إلى الدخول في الواقع فكرا ، وممارسة ؛ فقصصه تستعيد الحياة الاجتماعية ، وتستنبط حركتها ، لأنها ترمي إلى التأكيد على أهمّية الوعي الاجتماعي لتقديم إضاءاتها ، ومساهماتها في مشكلات الواقع .
ويبقى ما قلتُه محصورا في حدود الفرضية النظرية إنْ لم أبادرْ إلى إظهار مرتكزاته في مجموعته الأخيرة ( ظلالٌ بلا أجساد ) والتي اشتملت على القصص التالية :
زمن الخوف ، الرحيل ، أشواكٌ على الدرب ، عناقٌ أبديٌّ ، المرافئ المغلقة ، أقوى من الأقنعة ، رجلٌ على الهامش ، تباريح ، التشظّي ، إصرار ، الوجد الزّائف ، أحياء يتنكّرون للشمس .
فقصة زمن الخوف تحكي قصة شعب عانى ويلات الإرهاب ، والقتل المجاني للأبرياء ، والذي كان هاجسا مُخيفا ، ومروّعا في الآن ذاته لا يميّز بين الناس كبارا وصغارا ، فهو أحد المفاصل الأساسية التي ارتكزت عليه هذه القصة التي تروي مقْتل طفلة في مقتبل العمر ذات صباحٍ عندما كانت ذاهبة إلى المدرسة ، فشاهدت ولاّعة ذهبية وُضِعت أمام باب منزل أحد الأثرياء صاحب مؤسسة اقتصادية ، وما كادت تلتقطها حتى انفجرت عليها ، فتطايرت أشلاء ، وتلطّخت وريقات الكراريس بدمها الطاهر الزكي ، وصعُب يومها لملمة الأطراف المتناثرة هنا وهناك ، وكانت تلك الليلة الموالية للمأْساة حزينة. ملأ الحزن القلوب ، وتساءل الناس : لماذا حدث الذي حدث ؟ ولِـمَ وقع …؟
أدرك الناس أن صاحب المؤسسة هو المستهدف لمحْوه من الوجود ، رغْــم أن كرمه لا حدود له .شمل جميع الناس ، وداع صيته في كلّ مكان ، وسمع عنه الداني والقاصي .ومن أهمّ الخصائص الفنية التي تظهر لنا بوضوح في هذه القصة أنّها نزفٌ لغويٌّ ، وتوتّرٌ تعبيري يجاريان مشحونهما من مضمون القصة ..يماشيان حركته النفسية ، ومجراه الوجداني المتداخل ، والمتلاحق بسرعة خاطفة.
أمّا قصة ( الرحيل ) تحكي وضعية شابٍّ جامعي يحمل شهادة عالية من إحدى الجامعات الأجنبية ، يعود إلى الوطن فلا يجد فرصة عملٍ تناسب مؤهلاته العلمية ، بحيث يفتح الكاتب قصته بوصفٍ مسهبٍ للحالة النفسية التي هو عليها بطل قصته ..هذا الشاب الذي عاد من الغربة يقيم مع أمه التي أنهكها المرض . تحاول إقناعه بالبحث عن عملٍ ليتمكّن من الزواج ، فيعدّ ملـفًّـاً بداخله دبلوم التخرّج .يخرج من المنزل على أمل إيجاد منصب عمل في إحدى المؤسسات الوطنية ، أو الإدارات الحكومية .يدخل إحدى هذه الإدارات .يجد أمامه مجموعة من الشباب ينتظرون دورهم لتقديم ملفّاتهم إلى الموظّف .لــمّا يأتي دوره يستقبله الموظف ، ويخاطبه بنبرة تجاهلية ، فيضعه أمام الأمر الواقع حول سوق العمل في بلدنا ، ثم يتساءل هذا الموظف تساؤلات تكشف التخابث في ثناياها كما جاء على لسانه:
« يا إلهي ..شابٌّ مثلك في ريعان الشباب متحصّلٌ على إجازات جامعية عالية ..دبلوم الدراسات العليا في الفيزياء يتسوّل منصب عملٍ ، كمدرّس في التعليم ، وفي أيّ مستوى …؟!»
فيردّ عليه الشابّ بنوعٍ من التحدّي :
« التسوّل قد يكون مقبولا في وقت ما ، وفي ظروف ما يا سيّد.»
وبينما هو يتحاور مع الشاب رنّ الهاتف فينشغل رئيس المصلحة بالردّ على المكالمة ، وأثناءها راح الشاب يسترجع ذكرياته ..فيتذكّر أيام الدراسة بالخارج ، وتعرُّفه على زميلة له في الجامعة ، فتنشأ علاقةُ حبٍّ وطيدة بينهما ، فهي من أسرة ثريّة ، لكنها أحبّت فيه نزعته الإنسانية ، وقلبه الكبير ..كما وجدت فيه الهمّة العالية ، والإرادة القوية ؛ وأحبّها هو لتواضعها ، وصدقها ، وتحلّيها بالقيم الأخلاقية النبيلة ؛ ولكن حبّه لوطنه ، وشوقه لأمه المريضة أجبره على ترْك هذه البلدة الأجنبية ، والعودة إلى الوطن ، وكانت المفاجأة أن الوطن الذي أحبّه ..سوقُ العمل فيه أغلقت أبوابها في وجهه .
ولعلّ أهمّ الأسئلة تتضافر فيما بينها تضافرا إشكاليا جدليا ، فسؤال حبّ الوطن ، وما تبرز معه من مواجهات حادّة ، وضغوطات نفسية ؛ يبقى السؤال الأهم ، والأكثر بروزا وجدلا في المشهد السردي ، ويبقى ذا مذاقٍ خاص ، ومنفردٍ ؛ إذْ لا يمكن التعامل مع الوطن على أنه مجرّد بقعة أرض ..بل لا بدّ من الإحساس بالانتماء إليه ، وبلوغ حساسية ، وتمثّل رؤياه ؛ لكن هذا الموظف الذي حظي بمنصب عملٍ يتنكّر للوطن ، ويقول للشاب :
« لو كنتُ في سنّكَ لساعدني دبلومٌ كهذا على عبور الحدود ، واجتياز الموانع بطاقة الفتوّة ولزرعتُ جسدي في كلّ مُــدُن العالم .»ص 28
يردّ الشابّ على الموظف قائلا :
« هذا نكرانٌ للأوطان ، ولا يغفره التاريخ ، ولا الأجيال الآتية.»ص29
وهكذا نجد أن موضوع قصة ( الرحيل ) يرتكز إلى واقع اجتماعي ، وإنساني جد دقيق أتاح للقاص مجالاً لإجادة التحليل النفسي للبطل ، والكشف عن أوضاعٍ اجتماعية ، ومهنية بلقطاتٍ تكشف واقع تلك الأوضاع ، والتركيز على تناقضاتها بشيء بالغٍ من نفاذ النظرة وحركيتها ، وأن يكون بالإشارات العابرة ، والتلميحات البعيدة إلى الأسباب الخارجية المؤثرة في الوضع النفسي ، وحالة هذا الشاب المأْسوية .
ويمكننا أن نُوجز القول بأن أبعاد هذه القصة تظلّ إلى حــدٍّ ما مرتكزة إلى أحداث ذاتية مزاجية ، وحالات فردية خاصة تتجاذبها مؤثراتٌ ، ودوافع إنسانية ومصيرية ؛ هذا ما أحسستُه وأنا أطالع ( قصة الرحيل ) .. حـقًّا إنها قصة مكتملة بحوادثها ، وشخصياتها ، وأسلوبها الفنّي ؛ بالإضافة إلى ذلك ثمّة آلياتٌ سرديةٌ ، وتقانات خاصة ، ورؤى فنية ، وجمالية مختلفة مارسها خلف بشير تختلف اختلافا كليا ، ونوعيا عن تلك التي استخدمها الكثير من القصّاصين ، وتعارفوا عليها .
أمّــا قصة ( أشواكٌ على الدّرب ) فمعالمها الأساسية التي تطالعنا في تقنية القصة السابقة ـ الرحيل ـ تكاد تتكرّر بشكلٍ ، أو بآخر في هذه القصة ، وإنما على مستويات متفاوتة ، وقد تبدو المهارة التقنية مجْــلُـوَّة كثيفة ، وذلك في طرافة الصور التي يتضمّنها السياق القصصي ، وكأنها بحيراتٌ مسحورةٌ ، ومنمنمات شعرية صغيرة ..كانت دائما ، وما تزال مركز الثقل في تقنية القصة عند الكاتب ، والضوء الذي يكاد يمتصّ سائر الإبداع الفني في تعبيره ، وأسلوبه منها قوله :
« خرجتُ أسير في شوارع المدينة مضربا عن الانضمام إلى سيارة نقْل العمال العارية ..هيكلٌ عظْميٌّ يخترق شوارع البلدة ، وأزقتها المُتربة ..تتحرّك كبهلواني .»
ويسعى الكاتب في هذه القصة وراء اللحظة الدرامية إلى إبراز الوعود الكاذبة التي يقدّمها المرشّحون للانتخابات البلدية ، فيعرضون برامجهم الوهمية ، ومشاريعهم التي لا يمكن أن تتحقق على أرض الواقع ، فهي في مخيّلتهم ، وعلى الورق فقط ، ولا يمكن تجسيدها فعليا .
فهذا رجل أعمال يعد سكان البلدة بإقامة مشاريع ضخمة توفّر الشغل ، والدخل الوفير لكلّ الشبان البطّالين ، وطموح من المجلس الشعبي البلدي الجديد يتبنّى قضاياهم ، وانشغالاتهم اليومية .في مقدمة هذه القضايا قضية السكن ، وإزالة الأحياء القصديرية من الوجود .
دار حوارٌ بين رجال الحي القديم ..قال أحدهم :
« تحمل القائمة هذه المرّة أسماء جديدة ، اختفت بعض أسماء اعتدناها دوما موجودة .»
ردّ عليه أحدُ الحاضرين بنبرة هادئة :
« أسماء في القائمة لا نعرف عنها شيئا .ما رأينا أصحابها .»
وحين يحاول الكاتب أن يخرج ببطله من هذه الحدود الضيّقة المغلقة إلى قضايا ، وآفات إنسانية أوسع وأرحب يقع في المنزلق الخطابي ، وتصدر عن بطله أقوالٌ غير منسجمة إطلاقا مع النموذج الواقعي لشخصية بطل القصة ، كما تبدو لنا في سياق القصة ، كما يصوره هذا المقطع : ص42
« برقتْ عيناه .أرسل نظره بعيدا ..بعيدا إلى قمّة الجبل المُطلّ على البلدة .شدّته الذكريات إلى ماضٍ عزيزٍ عليه يوم أن كان هناك قائدَ فرقة للمجاهدين ، ما انفكّ يكرّر على مسامعهم :
ـ وجْــه بلدنا ..تأكّدوا يا رفاق أنه سيتحوّل إلى وجــهٍ ضاحكٍ مليء بالحياة …»
وتبدو القصة أيقونات لحياة الناس اليومية ، يجد المتلقّي من خلالها الواقع الذي لا يُخفي واقعا مضادّا على الإطلاق ، وهذا ما يميّز هذا النوع من القصص التي يتجاور فيها الواقعان المرفوض ، والمأْمول معا ، يخضع ذلك كله لرؤية المبدع الذي اختار الموضوع ، وانتفى المعلومات حوله ؛ علاوة على ذلك فإن موقع الرّاوي ، وتعدّد فعْل الحكي ، تسمية الشخصيات ، المشهد السردي ومنطق الحلم ، التكرار المشهدي ..كلّها أساليب ، ورؤى مختلفة يمارسها بشير خلف برشاقةٍ سرديةٍ ، وتوضّح مدى قدرة الكاتب على رسْم شخصياته من الداخل ، حيث يمنح هذه الشخصيات الصدقَ الفنّي ، والحياة الإنسانية بكلّ أزماتها ، ومآسيها ، فهو لا يتوقّف عن إعطاء الحالة القصصية الوقتَ الكافيَ لصياغتها ناضجة معبّأة بالدّفق الحسّي ، فلكي لا تنفلت من براثن المباشرة .
أمّــا قصة ( عناقٌ أبديٌّ ) تجسّد نضال فلاّح لخدمة أرضه ، واستصلاحها ؛ فبطل القصة ( مسعود) فلاّحٌ امتهن خدمة الأرض ، وفلاحتها .التصق بالأرض وأحبّها منذ صغره ، لأنه ورث هذا العمل أبا عن جدٍّ ، ومع مرور الأيام تحوّلت خدمة الأرض إلى ممارسة واعية.
وكانت عائلة مسعود تتكوّن من تسعة أفراد ، ممّا جعل أبناءهم بما فيهم المتمدرسين يساعدونه في خدمة الأرض ، وبفضل مجهودات هذه العائلة ، وهذا ما حفّز مسعود على طلب قرْضٍ من البنك لشراء شاحنة نفعية ينقل فيها منتوجاته الزراعية إلى المناطق النائية ، والمدن البعيدة ؛ وما يلفت انتباهنا في هذه القصة أنّ مضمونها يشيد منطقه السّردي الغرائبي ، والاشتغال على التطريز اللغوي المتطوّر الذي هو إلاّ رؤيا جديدة في الكتابة السردية المعاصرة ، كما اعتمد الكاتب في معمار قصته العام على محاور منها: المونولوجات الداخلية ، والتداعيات ، والتكتيك اللاّوعي .
وإذا ما انتقلنا إلى قصة ( التشظّي ) ص119 ، لعلّ أبرز انطباعٍ يمكن أن يسجّله القارئ عن تقنية الأداء القصصي ، والصياغة التعبيرية ؛ هو أن الكاتب وضع الجانب الإنساني نصْب عينيه في تحريك الأحداث بشخوصها ، ومضمونها ، وفلسفتها الخاصة ، بحيث كان البناء العام يأْخذ شكل مواقف ، أو مقطعات معنوية بمفاتيح دالّة تسهّل السّرد ، والتنقّل بين أجزائه ، إلى جانب سهولة التركيب اللغوي الذي كان يميل نحو تقنيات الاجتراء ، والاختزال ، وتمظهر الغنائية السّردية ..بمعنى تقديم الكاتب لعمله الموضوعي من منظور ذاتي .
بالإضافة إلى كلّ ذلك ، فإن البنية الغنائية تتلبّس صورا متعـدّدة منها التركيز على الوعي المتزايد ، والحدث المتكامل الذي يقوم على التجزئة التي تمنح الأحداث التناميَ ، والتطوّرَ.
وهذا ما نلمسه أيضا في قصّة( التشظّي) ، فنحن أمام كتابة قصصية فنية تستمدّ فلسفتها من وحي الاهتمامات المحورية للناس ، وتستخلص مفاتيحها ممّا يزخر به الواقع الجديد من تناقضات ، وأزمات بحيث تتواصل التجربة السّردية في (التشظّي) في معمارية رصينة ومتماسكة ، وأن القالب الفني هنا يخضع للفكرة مثلما تتّسع هذه لنا ، وهو قالب معتمِـدٌ على نسْج العلاقات الداخلية في البناء القصصي ، فينطلق أسلوب السّرد ، وتقنية الأسلوب الارتدادي انطلاقا إنسانيا يختزل الحالة النفسية في جُــملٍ ، ولقطات مكثّفة ، وبصيغة ماهرة ، وشفافية شاعرية لتصنعَ هيكل القصة ، كما يصوّر هذا المقطع :
« تداخلت أصوات المعقّبين، أجمعت على تهدئة المتكلّم ، وطمْأنته ، وتثمين دوره منذ أن حلّ بالمنطقة. ابتسم بدوره ، وبدا عليه الارتياح . مباشرة أخذ بضمّ الأوراق ، وكأنه يُوحي إلى الحاضرين أن الجلسة انتهت .»
فمضمون هذه القصة يجسّد الوضعية المزرية التي يعيشها المواطن بسبب تجاهل السلطات المعنية لاهتمامات الناس ، واحتياجاتهم اليومية كانعدام المرافق الاجتماعية الضرورية ؛ بالإضافة إلى عدم تأمين مستلزمات أساسية كالإنارة ، وتوفير مياه الشرب ، والسكن الاجتماعي ، وتعبيد الطرقات ، وإصلاح الشوارع ، والأرصفة ؛ وهذا ما دفع أعيان البلدية لعقد اجتماعٍ مع رئيس الدائرة لطرْح أمور مدينتهم عليه ، فيتدخّل كل واحدٍ من الحاضرين لعرْض قضية معيّنة ، بينما كان رئيس الدائرة يثمّن كلام كلّ واحدٍ إيهاما للحاضرين بالاهتمام بما يطرحه من خلال كتابة كلّ الملاحظات في دفترٍ أمامه ، ويتدخّل أحدُ الحاضرين طالبا وجوب تكوين لجنة تحصر القضايا الهامّة للمدينة ؛ بينما كان هذا يطرح وجهة نظره همس أحدهم:
« لقد أضعْنا وقتنا الثمين هذا الصباح..إذا أردتَ قتْلَ مشروعٍ كــوّنْ له لجنة ! ».
ونجد في قصة ( رجل على الهامش ) تلك المأْساة الاجتماعية ، والنفسية التي يعيشها المغترب عن الوطن . إن بطل القصة شابٌّ ينتمي إلى طبقة اجتماعية بسيطة ، لكنه متحصّلٌ على شهادة جامعية . طاف الوطن من أقصاه إلى أقصاه باحثا عن منصب عمل يناسب مؤهّلاته العلمية ، لكن محاولاته باءت بالفشل ، فبقي أمامه إلاّ الهجرة إلى الخارج ، فيغادر الوطن ليحطّ رحاله في فرنسا .يقضي بها خمسة عشرة عاما مرّت كالحلم .لقد زرع جسده في هذه المدينة الجميلة ، فبعد هذه المدة يتذكّر والديْه العجوزيْن العزيزيْن عليه ، فيعود إلى الوطن ، وتكون الفرحة كبيرة بملاقاة الوالدين ، والأصدقاء ، وتعرض عليه أمه فكرة الزواج ، وتقترح عليه ـ فاطمةـ ابنة جارهم ( سي أحمد ) ، فيوافق على الزواج ، ويتمّ الزفاف ، ويأخذ الشاب زوجته ليعود إلى فرنسا ، ولكن هذه الزوجة لا تروقها الحياة في الغربة ، فتخاطب زوجها قائلة :
« ليست مدينتي ، ولن تكون مهما بقيْتُ فيها ، ومهما أصررتَ أنت ، وليست مدينتك مهما داريتَ.»
فمن غور المأْساة السحيق ، ومن تحت أنقاض الإعصار المزلزل قد ينكفئ نداء الحياة قليلا في صوت ( فاطمة ) ، لكنه لا يلبث أن يتعالى من حنجرتها بوجه الريح العاصفة صارخة بعنف الثقة ، والإيمان بالعودة إلى الوطن .
ومهما تناء بها درْبُ الغربة عن وطنها ، ومهما طال السفر والرحيل يظلّ حلم العودة إلى الوطن أقوى من الهزيمة ؛ في المقابل نجد أن غربة الشاب عن وطنه ـ وهي غربة قسرية فرضتها ظروفٌ سياسية ـ باعثٌ أيقظه على مدى غربة الإنسان عن جوهره ؛ فإن وعيه لواقع الغربة النفسية ، والوجدانية ، ورفضه للموت في وطنه ، هو الباعث على إبعاده من أرض الوطن ، وإنّ فقدان الجوهر الجوهر يتمثّل على خير وجـــهٍ في هذه القصة ، ونفسية عانتها الأجيال في العشرية السوداء ..وكان الخلاص منها بعد مسافة زمنية طويلة ، ومريرة ؛ هذا ما أعتقد أني لاحظــتُه في الهيكل العام للقصة ، ومداولاتها الاجتماعية ، ولوحاتها الطبيعية الغنية في دقّتها ، وإيحائها .
وإذا ما انتقلنا إلى بقيّة القصص: ( أقوى من الأقنعة ، المرافئ المغلقة ، إصرار ، أحياء يتنكّرون للشمس ) ، هي حقيقة إبداعية فنّية تفرض نفسها ، وليس فيها من الحلم إلاّ كثافة رموزه ، وخصبها ، وشفافيتها ، وشاعريتها ..فيها من روح التفاؤل ، والضّـــوء ، والثقة مقدار ما فيها من حــسٍّ عميقٍ بأشياء الأدب ، ومقدار ما في قلم خلف بشير من حيويّة ، وصدقٍ ، وإتقــانٍ .
إذْ أول ما يطالعني هنا من تقنية السّرد القصصي عند بشير خلف ذلك الرحيل الذي ينطلق برفْــقٍ ، ولينٍ من أرض الواقع في بداية كلّ قصّة ، كأنه الانتقال السحري من عالم الحواس إلى عالم الخيال ، والتصعيد في مناخاته ، ولوالبه ، ومتاهاته ، ومغامراته ، ثم العودة برفقٍ أيضا ، وبلينٍ إلى الواقع الذي انطلق منه في البدْء ، ويطول بي المقام إنْ رحْــتُ أستعرض جميع ما يعاودني ، ولا يبرح يلوح في خاطري من حجارة الشكل اللغوي المُذهّب ، والصياغة التعبيرية التي ترتفع بجماليتها ، وشفافيتها إلى مستوى السّـرد الفنّي المهفهف .
وإن قصص خلف بشير إبداعاتٌ جديدةٌ في أدبنا الجزائري الراهن ..جديدة في محتواها ، وإبداعها ، وأسلوبها ، وصياغتها ..قصصٌ ممتعةٌ في كلّ ذلك إلى أقْــصى حدود الإمْــتاع .

قصة الرحيل


قصة قصيرة
                                الرحيل
                                         بقلم: بشير خلف
                   قد يتقبّل الكثيرون النصح ، لكن الحكماء فقط
                                هم الذين يستفيدون منه .”
                                                      ( بابليليوس )  
                                     (1)
       قال لك أحد أصدقائك يوما و هو يتفحص وجهك أكثر:
ـ لقد تراكمت عليك الأدران، إنك تحتاج إلى صقل و لن تصقلك غير زوجة وفية، و فيما ذهبت أصابعك الواهنة لحظتها تعبث داخل جيبك بالقطعة النقدية الوحيدة التي ستمدها إلى القهواجي مقابل فنجاني القهوة لك وله، رحت تضحك على حالك، و تضحك من كلامه.
في الليلة الماضية ما تمكّن منك النوم، قضيت ليلتك في أرق ثقيل، في قلق مستمر، ضجّ السرير من تقلبك و حركاتك الكثيرة، الخيالات المزعجة تنازعت رأسك، عصفت بك، عزمتَ كم مرة  على مغادرة البيت هائما في الأزقة و الشوارع تريد الترويح عن النفس. بين لحظة و أخرى تنشط الذاكرة فتعود بك إليها، فيتألق وجهها الملائكي أمامك، كلما تراءى لك ذاك الوجه الربيعي خفق قلبك،والتهب خيالك، تزاحمت الخواطر و الأفكار، حاولت ليلتها تشويش تكوينات الصورة، خلْطَ خطوطها فما استطعت، بمجرد أن تفعل ذلك حتى تمتثل أمامك من جديد في ثوبها البنفسجي الرائع الذي ترتديه في عطلة آخر الأسبوع و هي تنتظرك بفارغ الصبر في الحديقة العامة لتلك المدينة الشمالية، أو في ذلك المطعم الراقي أين تُـعدُّ مآكل شرقية شهية.
و في محاولاتك اليائسة تشويشَ تكوينات الصورة و إطفاءَ إشراقتها الربيعية، يطفو على السطح صوت آخر يفتكُّـكَ من جاذبية الذاكرة:
ـ عليك بالبحث عن عمل في أسرع وقت يا ولدي كي تؤمّن لنا لقمة العيش، و لعل الله يسهّل الأمر بعد ذاك فتكمل نصف دينك، آه يا ولدي لن تهدأ نفسي حتى يتحقق الأمر الأخير، فحتى إذا رحلتُ عن هذه الدنيا لاحقةً بأبيك أكون حينئذ راضية مطمئنة النفس.
و يلاحقك صوت أحد أصدقائك، و يزداد شدة و طرقا مؤلما لطبلتي أذنيك:
ـ لقد تراكمت عليك الأدران … أنت تحتاج إلى صقل … إلى صقل … إلى … و لن تصقلك غير زوجة وفية … غير زوجة وفية … زوجة … وفية.
أفقت على صوت أمك التي اقتربت منك مهلوعة و قد امتلكها الخوف، فاقتربت منك بحنان مهدئة، واضعة يدها على جبينك الذي ارتفعت حرارته:
ـ مالك يا ولدي تصرخ ؟ أ أصابك مكروه ؟ حرارتك مرتفعة، اهدأْ يا ولدي لا تتحرك سأعدّ لك شرابا ساخنا قد يعيد لك حيويتك و يخفض هذه الحمى الملتهبة.
                            (2)
لمّا كان رئيس المصلحة يتسلم منك دبلوم التخرّج، كنت تبحث بعينيك عن مقعد تجلس عليه، دلفتَ إلى المكتب بعد أن جاء دورك والألم يسري التهابا في المفاصل و العظام. وقوف طويل في يوم قائظ و شمس حارقة. طابور مكوّن من شبان متخرجين حديثا و حتى قديما، و أنت تبحث عن شيء تجلس عليه في المكتب الفخم، أو أي شيء قد تستند إليه في وقفتك، و كأن رئيس المصلحة تفطن إلى ذلك، بنظرة أخفت حركتها نظارةٌ طبية سميكة العدسة، أزاحها إلى أسفل، كاشفة عن عينين ضيقتين لمحت منهما من السخرية و الإذلال و علامات التشفي. تصنَّعَ الودَّ و حسن الاستقبال. و أنت تتأهب للتكلم و يدك إليه ممدودة بملف يعلوه الدبلوم، طلب منك الجلوس.
مسح مضمون الدبلوم بعينيه، بخبرة المحترفين وضع الوثيقة المزخرفة في الملف، وضعه جانبا مع غيره من ملفات أخرى شبيهة له، ثم التفت إليك، لمحت لحظتها من نظرته علامات من الأسف و العطف الكاذبين. ما كنت تنتظر المعجزة فالجواب عرفته مسبقا قبل دخولك، لكنه الفضول و الأمل معا… إنك فضولي دوما تُـصرّ على معرفة المجهول و الوقوف عليه بنفسك. رئيس المصلحة يخاطبك بنبرة تجاهلية  لواقع سوق العمل في البلد:
ـ يا إلهي شاب مثلك في ريعان الشباب، متحصل على إجازات جامعية عالية، دبلوم الدراسات العليا في الفيزياء، يتسول، يتسول منصب عمل، كمدرس في التعليم ، وفي أي مستوى، حتى لو كان المستوى الابتدائي. أية قيمة أدبية أو اجتماعية أو حتى عملية لشهادة جامعية عليا لا توفر لحاملها لقمة العيش. أية قيمة ؟ أية قيمة بالله ؟
رددْتَ حينها بنوعٍ من التحدّي وأنتَ تكتشف التخابث في ثنايا التساؤلات :
ـ التسول قد يكون مقبولا في وقت ما، و في ظروف ما يا سيد.
ـ التسول قد لا يكون حلا، هو هروب من الواقع. سُننُ الحياة يا ولدي ترفض ذلك.
                                (3)      
في تلك الآونة رنّ الهاتف. انقطع الحوار. اشتغل محاوِرُكَ لحظتها بالرد عن المكالمة. حملتك الذاكرة إلى بعيد … بعيد، عبرت الحدود المرسومة على الخرائط . رمشة عين و ما كنت تحمل جواز سفر. استخرجت المدن المحبوسة في الذاكرة. زرعتَ جسدك في إحدى مدن الشمال . إحدى مواطن العشق و مواطن الدراسة العليا. و الذاكرة تجوب تلك المواطن تراءى لك وجهها الربيعي في آخر لقاء، تألق الجمال يومها و أفاض. بروح البراءة و الصدق استبْقتكَ و ألحّتْ، و ما وجدتْ غير دموعها سلاحا:
ـ لا ترحل أرجوك. حياتي ستكون جحيما ببُـعدكَ عني.
ـ أعذريني عزيزتي، فالنداء الآتي من بعيد أقوى مني.
ـ أرجوك لا ترحل . أنت الأمل وأنت الحياة لي .
ـ لا أشك في حبك و إخلاصك لي… هناك نداء آخر أقوى مني و منك، ساعديني على الرحيل. قد تساعدنا الظروف و نجتمع و نحقق حلمنا لا تيئسي يا عزيزتي .
ـ أتوسل إليك . لا ترحلْ قد أعددتُ كل شيء من أجْـل بقائك. كل الظروف مهيئة لإقامتك . اتفقت مع والدي المدير العام للشركة كي نبدأ العمل معا في يوم واحد فيها … عملٌ وِ فْـق تخصصنا. إقامتك مضمونة عندنا في البيت، و إن لم ترغب في ذلك،والدي قد تعهد بإيجاد إقامة لائقة مستقلة لك، ثم بالإمكان مواصلة دراستنا من جديد معا.
مواطن العشق تتألق مشرقة أخاذة في مخيلتك و الذاكرة تجوب بعيدا . تجذبك إليها بقوة .
 فجأة انقطعت تلك الجاذبية الممتعة، حلّت محلها نظيرة لها أقوى و أقوى:
ـ أنت وحيدنا يا ولدي. ما بقي من العمر إلا القليل . لا معين لوالدتك المثخنة بسكاكين مرض القلب، فمَـنْ لها بعد الله غيرك ؟ و مَن لها إذا استبقتك تلك المواطن البعيدة عندها و أغرتك بملذاتها ؟
قالها والدك المرحوم قبل وفاته منذ حوالي سنة.
و يبتعد الوجه الراحل . تختفي معالمه من الإطار، و يبقى صدى الصوت يتردد. يقترب وجهها حزينا. نقش الزمن على مساحته الصغيرة نقوشا أفسدت نضارته الأصلية و عوادي الأيام تركت على الجسد الواهن تضاريس و خطوطا فوضوية صارخة.
و الصوت الاستعطافي يقترب:
ـ بقي على تخرجك سنة واحدة يا ولدي، أتمنى أن تكون عودتُك نهائية في الصائفة القادمة . تَضَرُّعي إلى الله مستمرٌّ صباح مساء كي تتخرج و تعود إليّ غانما سالما .لا تنس أن البلد في أمسّ الحاجة إلى أمثالك.
                                (4)
ترافقا خمس سنوات في الجامعة قضياها في معهد واحد. منذ البداية وجدا نفسيهما متجاورين في المدرج و في التفويج . رعيا معا هذا الجوار. رعياه في كل شيء، و كما وجدت فيه النفس العالية الهمّة والقلب الكبير و النزعة الإنسانية الأصلية، و الإيمان القوي الراسخ بوجوب إقرار المحبة و الود والتسامح بين البشر أجمعين، وجد فيها الفتاة العفيفة الطاهرة ذات الحس المرهف و عمق الشعور بآلام الغير، و ما تغلبت عليها عوامل الثراء التي تتنعم فيها أسرتها كغيرها ممن جرفهم المستوى الطبقي. أحبَّ فيها التواضع و البراءة و الصدق و الذكاء الوقاد و الشغف بالمعرفة وبالقيم الإنسانية الرفيعة.
رسخ في ذهنها أنها تعيش له و هو يعيش لها، كان يُلمّحُ أحيانا إلى رحيله كانت تعتبر ذلك مجرد دعابة و دلال منه لها .
الدموع تنساب متألقة كحبات دُرٍّ انسكبت فيها خيوط الشمس في جلسة ذاك اليوم الذي تناولا  فيه غذاء شهيا ما برح الذاكرة :
ـ هي ليست مدينتي يا عزيزتي، فلم البقاء ؟
      قالت والدموع ما توقفت :
ـ حينما ترحل إلى هناك أياما بين الفينة و الأخرى، في كل مساء أعود إلى غرفتي تستوطني الوحدة . يسكنني الحزن . و لمّا يطلّ وجهك  الوضّاء مشرقا، مواجها سكون الوحدة و القلق تدب الحياة من جديد في الغرفة . أشعر بانتعاش غريب لحظتها  .. أنهض .. أغني.. أقرأ.. أعمل أي شيء … أي شيء.
                               (5)
و تنتصب أمام عينيك أسوارٌ عاليةٌ تحجزك عنها، و ترتسم الأيادي تتدانى، تمتد و تمتد لبعضها،غير أنها بقدر ما تتدانى تبتعد و تبتعد حتى تتلاشى في الفضاء اللامتناهي، و تكَرَّرَ رجاؤُها في تحنن و تلطف . تقترب منك أكثر و عطرها الأخاذ يعبق المكان و بصوت متهدج:
ـ أنا مدينتك التي عشقْـتَها. المدينة خواء، فراغ إذا ما خلتْ من الأحبة.
كانت الصورة تحمل وجهين: وجها استوطن به الربيع بكل بهائه و زرع مفاتنه على جسد في ريعان الشباب يفور حركة و حياة و إشراقا، و وجها حمل كل ينابيع العطف و الرحمة و الحنان والتضحية، وضع عليه الخريف ملامحه، بل الشتاء بصماته. استمات كلا الوجهين في احتلال مقدمة الصورة و زحزحة الخصم، و ما كان النصر حليف أحدهما يقتربان، يتداخلان، ينصهران، تتضبّبُ الصورة … تندثر معالمها …
                            (6)
أعاد رئيس المصلحة عبارته التي قذف بها في وجهك قبل المكالمة، و بدورك تجاهلتها مجيبا إياه في سياق آخر:
ـ يبدو أن سوق العمل أغلقت أبوابها في وجه الجميع في هذا البلد، و كأنه فهم تجاهلك لِما كان قد نفثه. باغتك بسؤال استفزازي أعنف من الأول:
ـ دبلوم مثل دبلومك يا ولدي لو كانت كل الأمور تسير سليمة لأهّلكَ لاحتلال أعلى المناصب،ولوضعك في الريادة، إيه … إنه الواقع فرض عليك الوقوف أمام المكاتب متسولا، بحثا عن أي شغل حتى و لو كان متعارضا مع المستوى العلمي و التخصص، إنما ما يحيرني و يشغل بالي أكثر أن دبلوما عاليا مثل هذا لا يُـمكّن صاحبه من التفكير الجدي، المعمق، و استعمال العقل و توظيف المعرفة المكتسبة للخروج بإجراء عملي فعال، أو أنه ليس دبلوما يدلّ بحقٍّ
على أنّ حامله صاحب مستوى علمي رفيع وتخصص متين …إيه يا تعليم هذا الزمن !
    تصنعت الهدوء وقتها وتصابرْتَ إذْ سألتَه :
ـ ماذا تقصد بالتفكير و استعمال العقل من فضلك ياسيد ؟
ـ أقصد لو كنت في سنك لساعدني دبلومٌ كهذا على عبور الحدود و اجتياز الموانع بطاقة الفتوة و لزرعْتُ جسدي في كل مدن العالم، و الرسوّ في كل الشواطئ … فراشة حرة تتنقل هنا و هناك بحرية، تحط أينما وجدت الدفء و أينما ألْـفَت الرعاية.. عشرات أمثالك أقفلت سوق الشغل أبوابها في وجوههم، كان ذلك دافعا لهم للرحيل، لرفع راية التحدي و الإصرار، انقادت لهم الدنيا … مالٌ …جاهٌ، اقتصاد العالم بين أيديهم، تجارته تحت إمرتهم، يا ولدي الحياة من أسلحتها الفعالة ، الإرادة، التصميم، التحدي … السعادة عَصِيّة و المسْكُ بها يتطلب المغامرة تلو المغامرة، إذا خلت من المغامرات المستمرة تفقد طعمها … السعادة يا ولدي لا وطن لها و أصحاب الإيرادات القوية والتحدي في عالمنا اليوم لا وطن لهم.
ـ و حق الوطن يا سيد، نطقتَ بها من أعماقك.
ـ الانتماء للوطن أبديٌّ ، وخدمته والذود عنه ليس بالضرورة دوما نافعة إلاّ لمّا تُؤدّى على أديمه . 
ـ هذا نكران للأوطان لا يغفره التاريخ ولا الأجيال الآتية .
ـ قد تأتي ظروف تاريخية على الوطن فيستغني عن البعض من أبنائه حتى و لو كانوا أهل خبرة وتخصص و علم نافع و أصحاب قيم عالية، العالم يا ولدي اليوم تقاربت أجزاؤه و اقترب سكانه من بعضهم، اهتماماتهم واحدة، و مصيرهم واحد … الحياة تنقاد لأهل التحدي و ركوب المخاطر بحثا عن المجد … وطنك الذي يستجيب لطموحاتك … الذي يلبي رغباتك . لو كنتُ مكانك و في عمرك لبدأتُ حياتي من جديد مغامرا.
و أنت غير مصدق لما تسمع اقترب منك أكثر و همس:
ـ فرضا أنك فزتَ بوظيفة أيا كانت هذه الوظيفة ما ستتقاضاه منها شهريا بعد تعب يتقاضاه في زماننا هذا فتى  مطرودٌ من التعليم، يمارس نشاطه في سوق الترابندو أو البزنسة أو في نشاط الاستيراد في يوم أو جزء من اليوم … و ما أكثر هؤلاء اليوم … تحركْ … المجال مفتوح أمامك … الحياة رحبة اقتحمها من أبوابها الواسعة، تأكد أنك إن لم تربح في البداية فإنك لن تخسر شيئا.
                                 (7)
موطن العشق يتألق و الخريطة ممدودة أمام ناظريك … المدن المزروعة مُعلَّمَةٌ هنا و هناك تناديك بحنو … تجذبك … ترتسم الصورة من جديد و تمتد مساحتها مغطية كل جدران و سقف الغرفة الضيقة التي تتقاسمها مع والدتك و قد أنهكها مرض القلب الفتاك، و يصل صوتها الواهن إلى أذنيك … و يصل إلى أنفك عطرها الخاص عبقا … منعشا … أخاذا من بعيد.
ـ لا ترحلْ أعددتُ كل شيء لبقائك و إقامتك … اتفقت مع والدي على كل ما يعنينا … لا ترحل أرجوك.
و فيما كان نظرها مثبتا على حقيبة السفر و عيناها مغرورقتان بالدموع، طمأنتها و أنت تلثم يدها الضعيفة.
اطمئني يا أمي سأعود سريعا إليك و أنت تردد بصوت خفي:
لقد اكتشفت سر الحياة لأجرب مثل غيري … هو سرٌّ لا يمنح إلا للمغامرين.
كان دعاؤها المفعم بالدفء و الحنان يلاحقك و أنت تنسلّ من البيت:
ـ اللهم احفظْه في غدوه و رواحه و سعيه … اللهم افتح الأبواب أمامه و ارزقه من الحلال.


  مجلة فكر المجلة الثقافية الفصلية في عددها الجديد قراءة وعرْض بشير خلف     صدر العدد الجديد من مجلة " فكر" الثقافية، الفصلية ...