‏إظهار الرسائل ذات التسميات إسلاميات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إسلاميات. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 26 أغسطس 2013

الإسلاموفوبيا عندما تتحول إلى إيديولوجيا

الإسلاموفوبيا عندما تتحول إلى إيديولوجيا
د. أسماء بن قادة
       في أحد الشوارع المتفرعة عن ساحة بروغلي في مدينة ستراسبورغ الجميلة وعلى إثر اختتام أعمال المجلس الأوروبي، استوقفني بالأمس، مشهد لافت وغير بريئ في واجهة مكتبة “بروغلي”، حيث تم اختيار مؤلف تحت عنوان “الكتاب الأسود للإسلام” ليكون في مركز الواجهة، ومن حوله مجموعة من الكتب الدينية المسيحية واليهودية والكونفوشية ذات عناوين توحي بالحكمة والتسامح، وغيرها من المعاني الدالة على قيم مفعمة بالعمق الإنساني، في حين نجد العنوان الفرعي للكتاب الأسود ذو الغلاف الأسود الذي ينزف دما عبارات (المجازر، العبودية، الإرهاب، البربرية،الخ) أما الكتب المحيطة فأحدها يحمل عنوان أنا، كونفوشيوس طريق الرضا عن الذات، هنا أمامك وفي متناولك، وغير بعيد عنه كتابا آخر عنوانه الأب بيدرو رسول الأحياء القزديرية وآخر على اليسار، البابا فرانسوا الحب وحده سينقذنا .. الخ.
         دخلت المكتبة فضولا دون استغراب، فقد تعودت على  مثل هذه العروض التي باتت مواسم في أوروبا، ولذلك توجهت مباشرة نحو تلك الطاولات التي عادة ما تعرض عليها في مدخل المكتبة الكتب الأكثر مبيعا في الموسم، متوقعة أن يكون الكتاب من بينها، ولكني لم أجده، فسألت البائعة التي راحت تبحث عن العنوان في الكومبيوتر، لتؤكد لي بأن جميع النسخ قد نفدت، ولم يبق إلا تلك التي في الواجهة إذا كنت أرغب في ابتياعها فأخذتها وبدأت أتصفحها، لأجد الكتاب كله أفكارا سوداء كغلافه وعنوانه تماما، حيث أشارت مقدمته إلى أن الهدف منه يكمن في تسليط الضوء على المناطق المظلمة من الإسلام عبر التاريخ، ثم يمضي الكاتب في محاولة لتثبيت مغالطاته، معتبرا الإسلام مسؤولا عن التطهير العرقي للهندوس والأرمن واليونانيين والصينيين من الشيوعيين في أندونيسيا وكذا التيموريين والبنغاليين في بنغلاديش والأكراد. مؤكدا على أن الهند التي قطع فيها نهرو وأنديرا العلاقات مع إسرائيل على مدار 47 عاما، بلغ فيها عدد الهندوس الذين وقعوا ضحايا للتطهير العرقي الإسلامي 80 مليون ضحية خلال 500عام، ثم يأتي إلى جرائم الشرف والتمييز الجنسي والختان والقصور في العلم والبحث والترجمة والثقافة وتحالفات الإسلام مع الأنظمة الشمولية والكراهية للغرب. معتبرا أن ضحايا دموع الجهاد على مدار 1400 سنة بلغوا 270 مليون، ثم يختم الكتاب بجدول يصنّف فيه الدول التي تدين بالإسلام وطبيعة الأنظمة فيها وعلاقتها بالشريعة؟! 
      لم يأخذ الكتاب مني الكثير من الوقت، فقد قرأته في ليلة واحدة، وتذكرت ذلك الكتاب الذي ألّفه المؤرخ الفرنسي سيلفان غوغنهايم، تحت عنوان “أرسطو في جبل القديس ميشال: الجذور اليونانية لأوروبا المسيحية”، والذي يقضي فيه بأن الإرث اليوناني لم يصل إلى أوروبا عن طريق المسلمين كما روّج المؤرخون، بل انتقل بشكل مباشر دون أن يكون للفلاسفة العرب دور فاصل، فأوروبا بالنسبة للكاتب كانت دائمة التواصل مع العالم اليوناني بمعزل عن الوسيط العربي، الذي كان عاجزا بنيويا عن هضم التراث اليوناني، وأن الفضل في تواصل أوروبا مع جذورها اليونانية يعود إلى دور العرب النصارى من أمثال إسحاق بن حنين، وإلى ترجمات جاك البندقي ورهبان دير القديس ميشال، لتلك النصوص مباشرة من اليونانية إلى اللاتينية، وأي ادعاء في ذلك للفلاسفة العرب محض نسيج من الأكاذيب، من منطلق أن ارتباط العالم اللاتيني بالامبراطورية البيزنطية كان أقوى مما تتصوره المصادر المتاحة، وهو ما يصدقه وجود عدد كبير من اليونانيين والسريان في روما خلال العصر الوسيط، بالإضافة إلى عدد من الأديرة الشرقية فيها، يصدق ذلك حسب الكاتب ما توافر من كتب في مكتبة لاتران في روما التي عمل البابوات المتعاقبون على إثرائها بالمخطوطات التي يعترف الكاتب بضياع جلها! ثم ينتهي إلى أن أوروبا قد تماهت إلى الأبد مع المسيحية التي يعتبرها محرك امتلاك المعارف اليونانية.
      إن هذه الجهود تندرج في إطار العمل المنظم القائم على استغلال ظاهرة الإسلاموفوبيا والانتقال بها من حالة سيكولوجية عابرة عبور الأحداث والأزمات التي تسببت فيها إلى موقف إيديولوجي وعلمي من الإسلام ذاته كدين، وهو موقف نتاج لاستراتيجية قائمة على استعادة هوية أوروبا المسيحية والمحافظة عليها.
        وفي هذا السياق يندرج أيضا ذلك الخطاب البابوي الذي ألقاه في جامعة ريستنبورغ، حيث تم اختيار وسط علمي وأكاديمي على أعلى مستوى، كما تم تحديد موضوع فلسفي علمي يدور حول علاقة الدين بالعقل واللاهوت بالعلم، لتأكيد علاقة الإسلام بالسيف بدل العقل، إنه الخطاب الذي اعتبره كرادلة الفاتيكان مرجعا لكل من يريد أن يعمل على تجديد الهوية الأوروبية.
        يبدو جليا أن هذه المغالطات تنتمي إلى مشروع إيديولوجي محاوره الأساسية تقوم على تكريس هوية أوروبا المسيحية، مما يتطلب إفراغ الحضارة الغربية من أي مشاركة عربية إسلامية، ولتحقيق ذلك لابد أن يعود أرسطو إلى جبل القديس ميشال، بدل أن يمر عبر قرطبة. أما المحور الثاني، فإنه يخص فكرة تمجيد الاستعمار وإبراز دوره في تحضير البرابرة، مما يتطلب تجريد الحضارة الإسلامية من امتيازاتها العلمية لتتحول إلى كتاب أسود ينزف دما عبر نجمة وهلال أخضرين؟! 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر، يومية الخبر: الأحد 30 جوان 2013

الإسلاميون في الجزائر وأزمة القيادة

الإسلاميون في الجزائر وأزمة القيادة
البحث عن ”المهدي المنتظر”!
عبد القادر جمعة
      يطرح مشكل القيادة لدى الإسلاميين ابتداء على مستوى التصور، حيث إن النمط السائد والمطلوب داخل الجماعات والتنظيمات الإسلامية هو النمط السائد في عموم المجتمعات العربية والإسلامية، نمط القائد العظيم، القائد الملهم ”المهدي المنتظر”، وهذا النمط من القيادة يعدّ تعبيرا عن تراكمات تاريخية وثقافية معقّدة، ليس هذا مجال التطرق لها، لكن هيمنة هذا التصور للقيادة يطرح مشاكل متعددة.
     ففي حال وجود القائد العظيم (في تصور أتباعه على الأقل) تتجه الجماعة أو الحزب إلى الفردية وغياب المؤسسية، وربما تجنح الأمور إلى نوع من عبادة الشخصية (نموذج الراحل محفوظ نحناح)، وفي حال غيابه يجد القائد العادي (في نظر أتباعه دائما) نفسه محل احتجاج وانتقاد دائمين، ويواجه التمرد والعصيان وأحيانا انفضاض الناس من حول الحركة أو الجماعة (نموذج أبو جرة سلطاني).
      ويمكننا القول إنه عندما تكون درجات الذاتية والفردية مرتفعة، في أي مجتمع أو منظمة وبخاصة في جانبهما السلبي، تزداد درجة اللامؤسسية والاستعداد لانتظار القائد العظيم، ومن جهة أخرى كلما زادت درجة المؤسسية أصبحت الذاتية والفردية مقيدتين، وقلّت الحاجة لظهور الرجل العظيم، لأن العظمة تصبح للجماعة والمؤسسات والقوانين والعمليات السياسية الاجتماعية.
      المشكلة الثانية، هي في كون معظم القيادات الحالية للحركة الإسلامية تعاني عدة أزمات متقاربة، منها ما يتعلق بشرعية وصولها للقيادة، ومن ثمّ بأحقية وجدارة استمراريتها فيها، ومنها ما يتعلّق بطغيان الشعور بـ«الندّية” بين هذه القيادات، خاصة من الجيل الثاني (نموذج الشيخ عبد اللّه جاب اللّه، والانقلابات المتكررة عليه داخل الأحزاب التي أسسها وقادها، وكذلك الأزمة التي عصفت بـ«حمس” عقب وفاة الشيخ نحناح، والتي انتهت بانشقاق عبد المجيد مناصرة وتأسيسه لجبهة التغيير، قبل أن ينشق عنه رفاقه مجددا ويؤسسوا حركة البناء الوطني. دون أن ننسى الصراعات التي مزقت حركة الإصلاح، رغم أن نظامها الأساسي ينصّ صراحة على مبدأ التداول على القيادة وعلى تحديد مدة توليها!).
      ومن ناحية ثالثة: تطرح القيادة في الحركات الإسلامية معضلة أخرى تتعلق بشرعية الإنجاز الذي تحققه، وكفاءة الأداء في الأدوار التي تقوم بها، فمنذ إقرار التعددية، قبل ربع قرن، لم يحدث أن قدّمت قيادة حزب ما (من الإسلاميين أو من غيرهم!) استقالتها عقب هزيمة انتخابية أو فشل سياسي، وبطبيعة الحال تجد هذه القيادات في المحيط السياسي المغلق الذي تسيره إرادة السلطة وأجهزتها، والمواعيد الانتخابية التي طغى عليها التزوير والرشوة والعزوف الشعبي، مبررات لعجزها وقلّة حيلتها، وهو وضع يجعل من الصعب جدا إجراء تقييم موضوعي لأداء القيادات الحزبية. فتصبح الأقدمية والتواجد (La disponibilité)، وحتى القدرات الخطابية معايير للترقية القيادية في غياب الكاريزما الحقيقية.
       يضاف لكل ذلك مشكل غياب القيادات الفكرية المرجعية، وهذا مشكل مزمن وتاريخي يواجه عموم التيار الإسلامي في الجزائر، لكنه أصبح أكثـر بروزا وحدّة في السنوات الأخيرة، خاصة منذ دخول الإسلاميين زمن التعددية والمشاركة السياسية، لنجد أننا اليوم في مواجهة وضع ”قاحل” على مستوى الإنتاج الفكري والنظري مقارنة بالسبعينيات والثمانينيات (ومن الإنصاف القول هنا أيضا إنه وضع يشترك فيه الإسلاميون مع غيرهم، وربما كان حال الآخرين أكثـر سوءا في هذا المجال!)، وهو الأمر الذي عبّر عنه بعضهم، بأن الحركة الإسلامية في الجزائر جيش يضمّ جنودا وضباط صغار، لكنه بلا جنرالات! أو أنها أضحت جسدا كبيرا ليس له رأس، وبالأصح ليس له عقل فكري قائد ناضج. ونحن وإن كنا نرى أن زمن المرجعيات الفردية الفذة المجتهدة قد تراجع وتقلّص، فإن طبيعة العصر ومقتضياته تقول إنه من الممكن التصدي للعمل في هذا المجال، من خلال مؤسسات ومراكز متخصصة للبحث والتفكير والدراسات.
       تمثّل معضلة القيادة قضية محورية في رسم حاضر ومستقبل الحركة الإسلامية، وهذا ما يضعنا أمام عدد من التساؤلات تفرض نفسها، بصدد قدرة الإسلاميين على التحوّل مستقبلا من نمط ”المشيخة” إلى نمط ”الرئاسة” بأسلوب الإدارة، وعلى التحرر من سلطة الشرعية المستندة إلى ”الخبرة التاريخية”، وسبق التأسيس، والقدرة على الخطابة وحتى مجرد التواجد!! إلى الشرعية المرتبطة بـ«الإنجاز الفعلي” في مجالات العمل الفكري والتنظيمي والسياسي، والالتزام ببناء مؤسسات حقيقية، وليست شكلية وورقية على النمط الذي تقيمه الأنظمة الحاكمة في العالم العربي والإسلامي وبلدان العالم المتخلف ككل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: يومية الخبر ليوم الجمعة 23 أوت 2013

الإسلاميون والسلطة بين الحدث والظاهرة

الإسلاميون والسلطة بين الحدث والظاهرة
أسماء بن قادة
      بتأثير من الإعلام الجديد، ومضمون حزم تدفق الفضائيات ذات الاستراتيجيات متجاذبة المصالح، والتي تعتمد على توظيف الصورة التي تتعامل مع كل ما هو عاطفي وانفعالي ودرامي، وتبتعد عن كل ما هو عقلاني وموضوعي. ومع الإيقاع فائق التسارع للأحداث، يتناول بعض المحللين قضية وصول الإسلاميين للسلطة، ومغادرتهم لها عبر الحراك الانفعالي بشكل أقرب إلى الحدث، وليس نتاجا لظاهرة ونسق ومصفوفة فكرية بخلفياتها المعرفية، ومزالقها المنهجية، ومغالطاتها الفقهية والتأويلية، وما تضمنه مسارها الفكري من التباسات، وخطابها من تشنج وارتباك، وخطها البياني من تعرجات ونقاط انعطاف. فالأمر يتطلب التعامل مع ما يجري اليوم في الدول التي اقترب فيها الإسلاميون من عملية صنع القرار، من خلال استيعاب ديناميكية ومسار السيرورة في كلانيتها على المستوى النظري وكذلك على مستوى الواقع.
     إن تتبع المسار الخطي لظاهرة الإسلام السياسي وما انتهت إليه اليوم من تراجع فعلي وانهيار حتمي، يؤكد أن المنزلق المنهجي الذي وقعت فيه الحركات الإسلامية منذ قيامها وانطلاقها، يتمثل في خضوعها لآليات الصراع الفكري مع الحضارة الغربية، ومن تعتقد أنه من أتباعها في الداخل، حيث أصابها ذلك بنوع من العمى المعرفي، الذي حال دون استفادتها من ثورتين معرفيتين غيرتا العالم منذ ديكارت إلى ما بعد آينشتاين، الأمر الذي ركب أبعادا إيديولوجية صراعية وتصادمية لأي نشاط إسلاموي، وغيب عنه أبعادا رسالية نورانية، ومن ثم انتهى النموذج الإسلاموي إلى نموذج تبسيطي واختزالي وإقصائي، لا يعرف التعدد والاحتمال، فاقد لمهارات الحوار وخصائص المرونة، فاستلزم ذلك تصلبا في التعامل مع معارضة الداخل واسترضاء لقوى الخارج على اعتبار أن الخلفية الغرائزية القائمة على البدائية، تجعل من مصلحة حب البقاء دافعا لاعتماد الحذر الشديد في التعامل مع العدو الأقوى.
     كل ذلك جعل الحركة الإسلامية عاجزة عن فتح أي فضاء للإبداع، يسمح بالاستفهام العقلاني النقدي المفعم بروح الحداثة، والذي من شأنه أن يبلور أفكارا ناظمة واستكشافية جديدة، تسهل استيعاب التعقيد الشديد الذي يتميز به الواقع، الذي يستعين عليه الكبار بمؤسسات سياسية علمية كبرى للتفكير، تدعم صانع القرار كي يحد من أدنى احتمال للخطأ فيما يصنعه من قرارات.
      وفي ظل هذه المعطيات يبدو جليا أن المسلّمات التي قام عليها النموذج المعرفي لحركة الإخوان هي التي جعلت الرئيس المصري السابق، وفي ذروة تفاعلات الأزمة يركز على تغيير النائب العام، ويصدر إعلانا دستوريا يكسبه صلاحيات مطلقة ويستعجل الاستفتاء على دستور لم يحصل على توافق واسع على بنوده ومواده. والنموذج ذاته أيضا هو من كان وراء استفزاز المؤسسة القضائية. وكلها قضايا كانت بديهية من حيث مآلاتها للضالعين في ممارسة الفعل السياسي والمفهوم الحديث للدولة، بعيدا عن عقول وقعت منذ عقود ضحية للوصاية، وقد جاء في كتاب إيمانويل كانط نقد العقل الخالص عندما سئل عن الأنوار أنها: الخروج من حالة القصور إلى حالة الرشد، وهي تعكس قدرة المرء على استخدام عقله دون إشراف الغير عليه، ولكن الرئيس السابق خضع لوصاية المرشد، لكون حالة القصور باتت بمثابة مرض مزمن، يفتقد لآليات الانعتاق من أجل النمو.

      فالعقل الإسلاموي لا يمكن أن يعيش دون إشراف مرشد حركة أو شيخ جماعة مع كل ما يرافق ذلك من طقوس تبجيل وتقديس، تجعل الشيوخ ومرافقيهم أشبه بالكهنة وسدنة المعابد، وهم ينتمون إلى دين بدأت رسالته للإنسانية بكلمة اقرأ، التي تؤذن برفع الوصايات كل الوصايات على العقل، وبما يوفر ويحفظ كل أسباب التفكير الحر والمستقل. فتقديس الأشخاص، سواء كانوا شيوخ دين أو جماعات أو “علماء”، أمر فائق الخطورة، على اعتبار أن هؤلاء أنفسهم قد يعانون من قصور معرفي كبير، بحكم المناهج التقليدية التي تلقوا تعليمهم من خلالها، والتي تحتاج هي الأخرى إلى مراجعة كبرى. ومن ثم يصبح جهلهم مقدّسا لدى البعض، وحتى عند متخذ القرار الذي ينتمي إلى جماعتهم، الأمر الذي يتطلب تسليط الضوء على هذا الجانب من الظاهرة من أجل اتخاذ الخطوات المناسبة، لفك ذلك التقديس المؤدي إلى التقليد والانقياد الأعمى، والحيلولة دون تمكينه من لعب دور محوري في الفتاوى السياسية. إحدى أبعاد الظاهرة التي تحولت إلى أداة خطيرة تستخدم بشكل منحط ودنيء، يصل حد المتاجرة بأرواح باتت تدفع ثمنا لحسابات جيوسياسية واقتصادية محلية وإقليمية ودولية. لذلك لابد من تشخيص علمي للأبعاد المتعددة لظاهرة الإسلام السياسي، ودراسة مسارها من أجل تحصين الشباب الناشئ، ضد أي محاولات للتأثير والاختطاف، حتى لا تتحوّل فئات من المجتمع حشودا احتياطية، وعروض أعداد خاوية وأوعية فارغة جاهزة لأن تملئ بأي شيء وكل شيء. من أجل ذلك كله، الأولى بالباحثين تناول المصفوفة الفكرية للحركات الإسلامية كظاهرة وليس حدث السقوط، من أجل الوقوف على الخلفيات المعرفية لأمراض التقديس ومنطق الإقصاء والعصبية المؤدية للتوظيف السياسي للنصوص، لأن ما ينفع الناس أولى بالبقاء أما الزبد فيذهب جفاء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر : يومية الخبر ليوم الأحد 25/08/2013

الجمعة، 29 مارس 2013

الظلــــــــم و''الحقـــــــــرة'' بدايــــــــة النهايــــــة


الظلــــــــم و''الحقـــــــــرة'' بدايــــــــة النهايــــــة
        خلق اللّه الخلق وساوى بينهم في الحقوق والتكريم والخلافة {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ..}، كما ساوى بينهم في الواجبات (العبادة والإعمار)، وساوى بينهم في البدء، إذ كلُّهم لآدم وآدم من تراب، كما ساوى بينهم في المنتهى، إذ كلُّهم آتيه يوم القيامة فردًا، ثمّ أمرهم، على ضوء ما ذكرنا، أن يكونوا إخوة متعاونين لا فرق بين أبيض وأسود، فإن لم تكن أخوة الدِّين فالأصل الواحد يشفع.
      نهانَا اللّه عزّ وجلّ وحذّرنا من الظلم والبغي والعدوان {إِنَّ اللّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ}، ومهما ملك الإنسان من قوّة وجبروت فإنّه سيبقى على الفطرة ضعيفًا. والقوّة والكبرياء للّه وحده، ومع ذلك حرّم اللّه سبحانه وتعالى الظلم على نفسه أوّلاً، ثمّ على عباده، ففي الحديث القدسي: ''يا عبادي إنِّي حرّمتُ الظلم على نفسي وجعلته بينكم مُحرَّمًا فلا تظالموا''.
      والظلم، الّذي هو اعتداء، بغير وجه حقّ، على الغير، في ماله أو دينه أو عرضه أو بدنه، هو ظلمات يوم القيامة. ولم يرض الإسلام بالظلم، ولو كان بدافع الدعوة إلى الدِّين، إذ {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}، وهو، في الواقع، لغة الضعفاء الّذين استبدلوا باللّيْن الشدّة، وبالعدل الظلم وبالعفو الانتقام، وكما إنّ اللّه يحبّ من عباده أرحمهم بهم وأنفعهم لهم كما في الحديث: ''الخلق كلّهم عيالي، فأحبُّهم إليَّ أنفعهم لعيالي''، وإنّ أبغض النّاس إليه المعتدون والظالمون الّذين يستبيحون أعراض وأموال غيرهم، قال تعالى: {أَلاَ لَعْنَةُ اللّه عَلَى الظَّالِمِينَ}.
      وقد حذّر اللّه من الظلم، حتّى تبقى حياة النّاس آمنة مطمئنة يسودها السّلام والأمان، ذلك أنّ الظلم هو سبب خراب المجتمعات والأمم، بل وخراب الأسر والبيوت، إذا لم تكن الحياة الزّوجية مبنية على الحبّ والتفاهم. ولعلّ من أبرز صور الظلم وأكثـرها انتشارًا، اليوم، بين النّاس ما تعلّق بالأموال والممتلكات، كأكل مال اليتيم أو الأجير وأخذ الرشوة أو دفعها، ومثل ذلك من استعمل ماله وجاهه ليأخذ ما ليس له، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ..}، وهذا النوع من الظلم يشيع العداوة وينزع الثقة من بين أفراد الأمّة، وهو نذير لخراب الدول وسقوطها قال تعالى: {وَسَيَعْلَم الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}.
       بل كيف للظالم أن ينام اللّيل وقد قال له المظلوم، بعد أن فقد حقّه ولم يجد سندًا إلاّ اللّه، وَكَّلْتُ عليك ربِّي، ويقول صلّى اللّه عليه وسلّم: ''إيّاك ودعوة المظلوم فإنّما يسأل اللّه حقّه''، وكفى باللّه وكيلاً. لم يخطئ مَن قال إنّ الظالم سيشتاق إلى الموت، و''حفّار الرجال يموت ذليل''، نعم فعدالة اللّه في الدنيا وفي الآخرة.
      وإنّ من عواقب الظلم، يوم القيامة، الإفلاس من رصيد الحسنات، ففي الحديث: ''أتدرون مَن المفلس؟ قالوا: المفلس فينا مَن لا درهم له ولا متاع، قال: المفلس مَن يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام ويأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وسفك دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته، أخذ من سيِّئاتهم، فطُرحت عليه، ثمّ طُرح في النّار''. فمَن كانت له مظلمة عند أحد من مال أو عرض فليتحلّل منه اليوم، حيث الفرصة واحدة لا تتكرّر ولا تعوض.. انتصر على شيطانك ونفسك، قال النّبيّ الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم: ''رحم اللّه عبدًا كان لأخيه قبله مظلمة في عرض أو مال فأتاه فتحلّله منها، قبل أن يأتي يوم القيامة وليس معه دينار ولا درهم''.

الثلاثاء، 19 مارس 2013

من تربية الحبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا:

من تربية الحبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا:

        نـام إبراهيم ابن الرسول صلى الله عليه واله وسلم في حضن أمه مارية وكان عمره ستة عشر شهراً والموت يرفرف بأجنحته عليه والرسول عليه الصلاة والسلام ينظر إليه ويقول له:
ــ يا إبراهيم أنا لا أملك لك من الله شيئاً
ومات إبراهيم وهو آخر أولاده فحمله الأب الرحيم ووضعهُ تحت أطباق التراب وقال له :
ــ يا إبراهيم إذا جاءتك الملائكة فقل لهم الله ربي ورسول الله أبي والإسلام ديني ..
       فنظر الرسول عليه الصلاة والسلام خلفهُ فسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يُنهنه بقلب صديع فقال له :
ــ ما يبكيك يا عمر ؟
       فقال عمر رضي الله عنه يا رسول الله :
ــ أبنك لم يبلغ الحلم ولم يجر عليه القلم وليس في حاجة إلى تلقين فماذا يفعل ابن الخطاب ! وقد بلغ الحلم وجرى عليه القلم ولا يجد ملقناً مثلك يا رسول الله !!؟
        وإذا بالإجابة تنزل من رب العالمين جل جلاله بقوله تعالى رداً على سؤال عمر:
" يُثَبِّتُ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرة وَيُضِلُّ اللَّـهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّـهُ مَا يَشَاءُ"
       أكثروا من قول : اللهم ثبتني بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة
       نسأل الله تعالى أن يثبتنا ووالدينا عند السؤال ويهون علينا وحدة القبر ووحشته ويغفر لنا ويرحمنا وان يرزقنا الجنة بغير حساب ...اللهم آمين.
         **‏حينما وصل النبي إلى سدره المنتهي وأوحي إليه ربه يا محمد ارفع رأسك وسل تٌعط
          قال يا رب:
ــ  أنك عذبت قوما بالخسف، وقوما بالمسخ؛ فماذا انت فاعل بإمتي قال الله تعالى:
( أنزل عليهم رحمتي .. وأبدل سيئاتهم حسنات .. ومن دعاني أجبته .. ومن سألني أعطيته ..ومن توكل علي كفيته .. وأستر على العصاة منهم في الدنيا .. وأشفعك فيهم في الآخرة.. ولولا أن الحبيب يحب معاتبة حبيبه لما حاسبتهم.  يا محمد إذا كنت أنا الرحيم وأنت الشفيع .. فكيف تضيع أمتك بين الرحيم والشفيع )
         سبحانك يا رب ما أعظمك وما أرحمك
        أشهد آن لا إله  إلاّ آلله وأشهد أن محمدا رسول آلله
       يَقولَ إبليـَس للـه عـزَ وْجَـلَ :
ــ { وعزتك  وجلالك  لأغوينـهمَ م دامت أرواحهم في أجسادهم }
      فيقولَ الله تعالى
ــ  { وعــزتي وجلالي لأغفرنَ لهمَ ما داموا  يستغفرونني}
       أستغفر الله ...أثروا من الاستغفار
( اللهم أجعل تذكيري صدقه جارية.. إن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة و لم يجدوا أصحابهم الذين كانوا معهم على خير في الدنيا فإنهم يسائلون عنهم رب العزة ويقولون:
ــ ” يا رب لنا إخوان كانوا يصلون معنا و يصومون معنا لم نرهم “
     فيقول الله جل و علا :
ــ اذهبوا للنار وأخرجوا منْ كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان
     و قال الحسن البصري - رحمه الله -:
[ استكثروا من الأصدقاء المؤمنين فإن لهم شفاعة يوم القيامة ]
     الصديق الوفي هو من يمشي بك إلى الجنة …
     قال ابن الجوزي رحمه الله :
ــ إن لم تجدوني في الجنة بينكم فاسألوا عني فقولوا :
ــ يا ربنا عبدك فلان كان يذكرنا بك !!!
ثم بكى رحمه الله رحمة واسعة .
      وأنا أسألكم إن لم تجدوني بينكم  ..فاسألوا عني لعلي ذكرتكم بالله ولو لمرة واحدة.
      اللهم نسألك رفقة خيرٍ تعيننا على طاعتك، وأدِم اللهم تآخينا فيك إلى يوم لقاك ..
      (اللهم صلِ وسلم على الحبيب محمد وعلى اله واجمعنا معه يوم الدين)  
 سبحان آللّـه وبحمده.. سبحان الله العظيم 






السبت، 16 مارس 2013

مداخل السلام على القلب والروح وما تُفيضه


مداخل السلام على القلب والروح وما تُفيضه
      المسلم حين يستجيب هذه الاستجابة، يدخل في عالم كلّه سلم وكلّه سلام، عالم كلّه ثقة واطمئنان، وكلّه رضا واستقرار، لا حيرة فيه ولا قلق ولا تردّد ولا ضلال، سلام مع النّفس والضّمير، سلام العقل والمنطق، سلام مع النّاس وكلّ الأحياء، سلام مع الوجود كلّه ومع كلّ الوجود، سلام يرى في حنايا السّريرة، وسلام يظلّل الحياة والمجتمع، سلام في الأرض وسلام في السّماء.
      وأوّل ما يفيض هذا السّلام على القلب، يفيض من صحّة تصوّره لله ربّه، ونصاعة هذا التصوّر وبساطته. إنّه إله واحد يتّجه إليه المسلم وجهة واحدة يستقرّ عليها قلبه، فلا تتفرَّق به السُّبل، ولا تتعدّد به القبل، ولا يطارده إله من هنا وإله من هناك، كما كان في الوثنية والجاهلية، إنّما هو إله واحد يتّجه إليه في ثقة وفي طمأنينة وفي نصاعة وفي وضوح. فهو، سبحانه وتعالى، إله قوي قادر عزيز قاهر.. فإذا اتجه إليه المسلم، فقد اتجه إلى القوة الحقة الوحيدة في هذا الوجود، وقد أمن من كل قوة زائفة واطمأن واستراح، ولم يعد يخاف أحدًا أو يخاف شيئًا وهو يعبد الله القويّ القادر العزيز القاهر، ولم يعُد يخْشَى قوة شيء، ولا يطمع في غير من يقدر على الحرمان والعطاء.. لله ما أخذ وله ما أعطى. وهو إله عادل حكيم، فقوّته وقدرته ضمان من الظُلم وضمان من الهوى وضمان من البخس، وليس كآلهة الجاهلية والوثنية ذوات النَّزوات والشَّهوات.
       ومن ثمّ يأوي المسلم من إلهه إلى ركن شديد، ينال فيه العدل والرِّعاية والأمان.

الفساد السياسي في القرآن الكريم


الفساد السياسي في القرآن الكريم
      كلّ الأنبياء والمرسلين عليهم السّلام انطلقوا في دعوتهم من التوحيد: ''وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ''، وانطلقوا منه إلى إصلاح الفساد في باقي مناحي حياة النّاس، فلوط عليه السّلام انطلق من الدعوة إلى التّوحيد إلى إصلاح الفساد الأخلاقي والاجتماعي، وشعيب عليه السّلام انطلق من التّوحيد إلى إصلاح الفساد الاقتصادي، وسنتكلّم عن كلّ هذا في فرص أخرى. ونقف هنا وقفة مع الفساد السّياسيّ لأهمّيته وخطورته، فهو أمّ الخبائث وأبو الفسادات وأسّ الشّرور.
      ما من نبيٍّ أرسل ولا رسول بُعث إلاّ وواجه صورًا من صور هذا الفساد، وأبرزها تكذيب الرؤساء والطبقة السّياسيّة المتسلّطة، الّتي يسمّيها القرآن الكريم ''الملأ''. فبعد صَدْعِ كلِّ نبيّ بالحقِّ تأتي المعارضة من هؤلاء ''قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِه ...''، ''قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِه ...''، والملأ -كما قال المفسّرون- ''هم الّذين يملأون صدور المجالس، وتمتلئ القلوب من هيبتهم، وتمتلئ الأبصار من رؤيتهم، وتتوجّه العيون في المحافل إليهم، وهذه الصّفات لا تحصل إلاّ في الرؤساء، وذلك يدلّ على أنّ المراد من الملأ الرؤساء والأكابر''.
     إلاّ أنّ أوضح كلام للقرآن الكريم على الفساد السّياسيّ، هو تكراره لقصة موسى عليه السّلام وفرعون، الّذي صار رمزًا للاستبداد والدكتاتورية والطغيان السّياسيّ، والمقام يضيق عن التفصيل، فنكتفي بالتّنبيه الّذي يكفي النّبيه، فحالة فرعون تكامَلت فيها كلّ عناصر الفساد السّياسيّ والاستبداد
الطغيان والتّعالي على الحقّ ''اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى'' أي تمرّد وزاد على الحدّ في الكفر والفساد والعلو في الأرض، والقهر للضعفاء، ''إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ''.
      والقصد من علوه وفساده أنّه استكبر وتجبَّر وتعظّم وبغى، والمراد به قوّة الملك والعلو في الأرض.
      احتكار الحقّ والصّلاح: ''قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَاد''، وهل يرى المستبدّون إلاّ الرّشد والخير؟!، وهل يقولون إلاّ الصّواب والصّدق؟!، وهل يسمحون بأنّ يظنّ أحدٌ أنّهم قد يخطئون؟!، وهل يجوز لأحد أن يرى إلى جوار رأيهم رأيًا؟!، وإلاّ فلم كانوا طغاةً؟!، ''وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَاد'' وهذا أطرف ما يتصوّر!، أن يقول فرعون الضّال المستبد هذه الكلمة عن موسى رسول الله عليه السّلام! أليست هي بعينها كلمة كلّ طاغية مفسد عن كلّ داعية مصلح؟!، أليست هي بعينها كلمة الخداع الخبيث والتّشويه المفضوح؟! إنّه منطق واحد يتكرّر كلّما التقى الحقّ والباطل، والصّلاح والطغيان على توالي الزّمان واختلاف المكان، فالقصّة قديمة مكرّرة تعرض بين الحين والحين.
     الحكم العسكري، ويمثّله هامان قائد جيش فرعون: ''إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِين''، ''وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ''، وهكذا كلّ حكم دكتاتوري فاسد إلاّ وعاث فيه العسكر فسادًا، واعتمد عليهم لإخضاع النّاس وإرهابهم.
أرباب الأموال، ويمثّلهم قارون: ''إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّة'' قال المفسّرون، كان يهوديّا من أقارب موسى عليه السّلام، فتحالف مع فرعون، وملَّكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم، وتكبّر عليهم بكثرة ماله وولده.
       الإعلام والدعاية: ''فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ × إِنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ × وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ}، وهذا استعمال للمأجورين وأصحاب المطامع والانتهازيين لضرب مصداقية المعارضين!.
خنوع الشعب: ''فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ'' وهذا حال المستبد مع شعبه، يستفزّهم بالقول فيطيعوه، ويحرّكهم بالرّغبة فيخفوا إلى الإجابة، ويستجهلهم فيتبعوا جهله، ويدعوهم إلى باطله فلا يتأخّروا في نصرته!.

الإسلاموية والحداثة


الإسلاموية والحداثة
عرض/ شرين يونس
      يأتي كتاب الإسلاموية والحداثة ليروي حكاية الحركة الإسلامية في إيران، من حيث هي منهج فكري وعملي انطلق ابتداء بوصفه بديلا عن برنامج التحديث الذي امتد قرنا من الزمن وانتهى بفشله.
      ويرى الكاتب أن التفاعل القائم بين الإسلام والمعاصرة، خلق فرصا للتلاقح المتبادل، ولكن تحللهما إلى تيارين أيديولوجيين أشعل فتيل معركة صفرية المحصلة.
-الكتاب: الإسلاموية والحداثة.. الخطاب المتغير في إيران
-المؤلف: فرهنك رجائي
-عدد الصفحات: 400
-الناشر: مركز الإمارات للدراسات السياسية والإستراتيجية, الإمارات
الطبعة: الأولى 2011
      ويحاول المؤلف الاسترشاد بمجموعتين من الأسئلة الأساسية، أولاهما ما الأسباب التي أتاحت لقادة الحركة ذات التوجهات الدينية الإسلامية وأنصارها الإمساك بمقاليد السلطة، في وقت كانت فيه القوى الاجتماعية التقليدية والحديثة، على حد سواء، قد شاركت في خلع السلالة البهلوية عن العرش؟
     أما ثانيتهما فهي ما محتوى نظام الحكم البديل الذي يقترحون إقامته، أهو قابل للنمو والبقاء أم أنه كما يصفه البعض عملية تنطوي على مفارقة تاريخية تستهدف استعادة نظام الحكم الإسلامي التقليدي؟
      قسم المؤلف أبناء الحركة الإسلامية التي ظهرت كفعل مضاد لمشروع الحداثة وعلمانيته ذات الطابع الإقصائي، الذي بدأ تطبيقه بإيران في الحقبة البهلوية، إلى أربعة أجيال متعاقبة، تعاقبت على تبني تيارات الإحياء والثورة والراديكالية والاستعادة، حسب ما أفرزته الظروف المحلية والإقليمية وأيضا الدولية.

الجيل الأول.. سياسات الإحياء
     عدد المؤلف الكثير من الظروف المحلية والدولية، التي أدت إلى ظهور الجيل الأول من ذوي الاتجاهات الإسلامية، منها اعتماد الحقبة البهلوية على الجيش والقوى الخارجية، كانت بريطانيا في عهد رضا شاه والولايات المتحدة الأميركية في عهد ابنه.
      بالإضافة إلى دور الأب والابن في عرقلة عملية التحديث في إيران وتشويشها، حيث وقفت السلطة الجديدة إلى جانب التغريب والحداثة وليس التحديث، مشددة على منهج السلطة بدلا من الانعتاق والحرية، ففرضت الأحكام العرفية، وتمت مراقبة وسائل الإعلام، وحظر تشكيل الجمعيات والمنظمات، وتهديد كل من يخالف الأوامر بأقسى العقاب.
      وتمخضت ردات فعل الإيرانيين من ذوي التوجهات الإسلامية على هذه التحديات السياسية والفكرية، خاصة مع بروز للفكر الماركسي واليساري، عن ولادة أول أجيال الحركة الإسلامية، الذي اتخذ موقفا دفاعيا باهتمامه بالعناصر الدينية للعقيدة الإسلامية، بعيدا عن مجال السياسة.
     وضمت هذه الحركة أناسا وجماعات مختلفة الميول والمذاهب، غير أن الكاتب يولي اهتماما بتجمعين هامين، سماهما الكاتب بإسلام قم، وإسلام طهران، الأول يتمثل في استجابة الأصوات المتمركزة في قم، انطلاقا من داخل مؤسساتها التقليدية، واتسم حديثها بنرة محافظة.
" اعتماد الحقبة البهلوية على الجيش والقوى الخارجية، أدى إلى ظهور الجيل الأول من ذوي الاتجاهات الإسلامية "
       بينما انطلق الآخر من داخل بيئة المؤسسات العصرية، وأبرزها معاهد التعليم العالي الجديدة وبالتحديد جامعة طهران، حيث بدا أعضاء هذا المركز أكثر استعدادا للتكيف وفقا للضرورات العصر الراهنة، فصاروا ينادون بإحياء الإسلام من جديد، وشعروا بأن عليهم ضمان تقبل الجيل الإيراني الحديث النشأة داخل الجامعات الجديدة.
      ونظرا للنهج التبريري الذي اتبعه هذا الجيل، والمقاربة اللاسياسية التي تبناها، والدوغمائية التي اتسمت بها مواقفه، لم يكن أمام أبنائه غير اتخاذ موقف الدفاع عن النفس، وإثبات صحة التعاليم والمبادئ الإسلامية، وصلاحيتها للوقوف بوجه تحدي الحداثة، وتقديم المواعظ والوصايا لأولئك الذين انضموا إلى صفوفهم.

الجيل الثاني.. سياسات الثورة
       يرى الكاتب أن ثمة أحداثا داخلية وخارجية هيأت لبروز ما يسميه الكاتب بالجيل الثاني على مضمار تطور الخطاب الإسلامي في إيران، والذي اكتسب أبناؤه من الإسلاميين الناشطين ما يكفي من الاقتناع والثقة للتفكير في إحلال خططهم ومشروعاتهم محل خطط ومشروعات جماعات التحديث.
      فعلى نطاق البيئة الداخلية، يشير الكاتب إلى تعرض إيران لتصدع مزدوج على المستويين السياسي والاجتماعي، على المستوى الأول كان النجاح حليف الحداثة، أما التصدع الآخر فتمثل في أن مجموعة جديدة فاسدة من الإيرانيين هي التي تولت السلطة، فأصبح السلوك الأبرز لأجهزة الدولة يتميز باحتقار كل ما هو إيراني.
       هذا إضافة إلى انهيار البنى الاجتماعية والاقتصاد الإيراني وتحوله إلى اقتصاد ريعي بالاعتماد على عوائد النفط، وسيطرة حفنة من رجال الأعمال الفاسدين، الذي سعوا لخلق مجتمع من جيل البيبسي، وعنوا باستيراد السلع الاستهلاكية، ناهيك عن ارتكاز الدولة على دعامتي الجيش والقوى الأجنبية.
      وعلى النطاق الدولي، جاء انتخاب جيمي كارتر وإعلاؤه لقيم حقوق الإنسان، وما أدت إليه الحرب الباردة من عسكرة المنطقة، وتأجج الصراع العربي-الإسرائيلي، وزيادة الشعور بفشل الأنظمة العلمانية في المنطقة بتوفير الأمن لشعوبها.
       وهنا يبرز الإمام الخميني على أنه أحد قادة المعارضة الأكثر صراحة وتطرفا في المجاهرة بالدعوة إلى تنظيم المظاهرات والتحريض عليها، وتوالت الأحداث، بدءا من انتفاضة 1963، التى أعدم قادتها أو سجنوا، أو نفوا للخارج، وما تلاها من محاولة اغتيال الشاه في أبريل/نيسان 1964 التي وفرت للنظام لاعتقال ما تبقى من قادة المعارضة، وصولا إلى ثورة 1979 بقيادة الخميني.
      وأولى الخطاب الإسلامي في تلك المرحلة جل اهتمامه لأفكار رئيسة ثلاث، هي تشخيص الآخر، من خلال شيطنة الشاه ومسانديه والغرب بالدرجة الأولى، ورؤية الماضي وتفسيره على نحو رومانسي، وتشكيل مجتمع افتراضي بديل مناهض للعصرنة والتغريب بشكل خاص، بمعنى إقامة حد فاصل بين الحداثة والتغريب من جهة، والاستفادة من جميع العلوم التطبيقية العصرية من جهة أخرى.
" كان النجاح حليف إسلام طهران في بلوغ هدف طرح هوية إيران بصورة رومانسية، فيما استطاع إسلام قم طرح صورة للمستقبل البديل "
     وكان النجاح حليف مجموعة طهران في بلوغ هدف طرح هوية إيران السابقة بصورة رومانسية، فيما استطاعت مجموعة قم طرح صورة للمستقبل البديل.
      وبحلول خريف عام 1982 دان الانتصار للإسلام الفقهي، فأزاح من طريقه القوى العلمانية جميعا، أو أولئك الذين لم يتبعوا النسخة الفقهية للإسلام، فأسس الإسلامويون "ديمقراطية عمودية"، ولم تسمح سوى بفرصة ضئيلة متاحة أمام الأصوات الأفقية للتعبير عن نفسها من خلالها.
     وازدادت هذه الصورة وضوحا في العقود اللاحقة، عندما صارت الأيديولوجيا الإسلامية ترتبط ارتباطا مباشرا بالسلطة وبالمصالح السياسية، وأمست أداة من أدوات التطرف والعنف السياسي.

الجيل الثالث.. سياسات الإسلاموية
      بعد موت الخميني، كان هناك اعتقاد بأن ذلك سيضع حدا للسياسات الراديكالية والثورية، خاصة مع تعهد رئيس الجمهورية الجديد (آنذاك) علي أكبر هاشمي رفسنجاني، بانفتاح إيران أمام الغرب وإشاعة أوضاع طبيعية لولادة الجمهورية الثانية.
     بيد أن عمر الفرحة لم يطل سوى ثلاث سنوات، فما تكشف من أحداث أثبت أن وفاة الخميني لم تكن إلا إعلانا عن رحيل حاكم كهنوتي، وليس إيذانا بانتهاء ثورة، فظهر الجيل الثالث الذي جاهر بالخطاب الإسلامي باعتباره جماعة راديكالية، يصفها المؤلف بصفة "الإسلاموية"، رأى هذا الجيل في الثورة ظاهرة كونية ضد الإلحاد،لا بد من أن تتواصل حتى يقضي على التحلل والفساد.
      ورغم أن رافسنجاني شخصيا كان معتدلا، فإن قناعاته الدينية والسياسية استندت من حيث الأساس إلى المذهب المحافظ البراغماتي، كما برز خلال عهده قيود فرضت على النزعات الفئوية والتحزبية.
وما إن حل العام 1992، حتى كان كل من يشتبه بأنه ليبرالي من أعضاء الحكومة قد طرد من منصبه، وفي طليعتهم خاتمي، ونوري ونجف آبادي، وأتى بديلا عنهم من هو وثيق الصلة بمعسكر المحافظين والمنتمين إلى تيار اليمين المتشدد.
" تبنى الجيل الثالث سياسة اغتيال المنشقين أو الزج بهم في السجن، وهو ما تمخض عنه هجرة واسعة النطاق لطبقة المثقفين والمفكرين "
      وبحسب الكاتب والكتاب فإنه وابتداء من منتصف العقد استطاعت القوى المتطرفة تحصين نفسها خلف جدران واقية، وعمل الجيل الثالث بصورة غير مباشرة على صياغة خطاب بمفرادته وبنيته، من شأنه إغلاق أبواب المجال العام، وخلق المشكلات والعقبات للطبقة المثقفة الإيرانية، والطبقة الوسطى.
     فصار المثقفون والمفكرون يساقون في الخفاء إلى مقار الأجهزة الأمنية، وتبنى هذا الجيل سياسة اغتيال المنشقين أو الزج بهم في السجن، وهو ما تمخض عنه هجرة واسعة النطاق لطبقة المثقفين والمفكرين.

الجيل الرابع.. سياسات الاستعادة
       جاء انتخاب خاتمي رئيسا صيف العام 1997، ليجسد حالة تتحقق على أرض الواقع، فالحوار والتوافق قد حلا بديلين للعنف والحماسة الثورية، فأشرت لبداية مرحلة جديدة من مراحل الخطاب الإسلامي، فالرئيس الجديد محمد خاتمي جاء إلى السلطة نتيجة لتحالف لافت للنظر جمع بين اليسار واليمين المعتدل ومنظمات المجتمع المدني الإيراني.
      ويذكر المؤلف أنه، وعلى الصعيد الداخلي، فإن عوامل من قبيل تعاظم قوة المجتمع المدني، والاهتمام بالرفاهية المادية، والانشغال بقضية الهوية الإيرانية المعقدة وتحديثها، قد استدعت انتهاج نمط من السياسات يختلف عن ذلك المشروع الثوري المبسط القائم على ثنائية "نحن وهم".
      أما على الصعيد الدولي، فقد أسهمت مشروعات الدمقرطة وتداعيات العولمة، واندلاع الحرب على الارهاب، والاهتمام بالمبادئ الأخلاقية وحقوق الإنسان، وبروز قيم التعددية، وشكلت مناخا ملائما لتصاعد الأصوات الداعية إلى التحديث والحوار والتسامح.
       وفي المدة التي امتدت بين العامين 1997 و2005، أمسك تحالف أبناء الجيل الرابع هذا بمقاليد السلطة، ورغم أن كلا من الانتخابات البرلمانية في فبراير/شباط 2004، والانتخابات الرئاسية للعام 2005، عدت انتكاسة لهذا التحالف فإن عجلة الإصلاح ظلت تسير.
      وفي وصفه للأصوات المعبرة عن هذا الجيل يرى الكاتب أن هذا الجيل الجديد، يفضل الحوار على البندقية، وصار يكشف عن درجة عالية من الثقة بالذات، ويعرض بشكل فاعل مفهومه الخاص، لكل من الدين ومشروع العصرنة، وهو يقدر الإنجازات الحديثة حق قدرها، ويسعى جاهدا للمزج بين الدين والعصرنة.

الخاتمة.. سياسات التأرجح
       يصف الكاتب حقبتي خاتمي وأحمدي نجاد وكلتاهما نتاج المد الثوري الإيراني، بأنهما استحوذتا على اهتمام الأوساط السياسية الإيرانية في حقبة ما بعد الثورة، ومع أنهما من حيث الظاهر تجسدان جهدا أريد به بلوغ الهدف عينه، أي تحويل إيران إلى لاعب دولي مهم، والتعاطي معها بجدية على المستوى العالمي، إلا أن كلا منهما تعامل مع هذا الهدف من خلال منظور مختلف.
" أثبتت التجارب السابقة، سواء النازية أو الشيوعية عجز الأيديولوجيا عن توفير الأرضية الصلبية اللازمة لبناء الحضارة، ومن ثم فإن تحويل الدين إلى أيديولوجيا سيولد عجزا مماثلا"
      فمقاربة خاتمي تنتمي إلى جيل ما بعد تيار الإسلاموية، بينما أعلت تلك التي تبناها أحمدي نجاد من مشاغل تيار الإسلاموية وهواجسه.
      ويؤكد الكاتب في النهاية أن أكبر أعداء التقدم هم العناصر المتطرفة في طرفي الجدال بين الإسلام والحداثة، نظرا إلى أنهما قد اختزلا الاثنين إلى أيديولوجيتين، وإلى أدوات لتحقيق مصالح خاصة.
       ويضيف أن الإسلامويين أدركوا أن العالم الإسلامي المعاصر لم يبق ذلك العالم الإسلامي الذي ينتمي إلى العصور الوسطى، وعلى نحو مماثل أدرك أنصار العلمانية أن الدين يشكل ركنا هاما من أركان الهوية الإيرانية.
       وحول كيف يتيقن المرء من نجاح هذا الجيل في مسعاه، فلا ينهار أمام موجة جديدة من التطرف، يرى الكاتب أن انتخاب الرئيس أحمدي نجاد يفرز حالة تقع في صميم هذا الموضوع، مضيفا أن الطريق إلى بناء الحضارة ملأى بالعقبات، وأن ما حدث في إيران عام 2005 ينسجم مع ما شهدته البلاد طوال العقدين الفائتين من تاريخها، ولكن عبر رؤية بعيدة المدى يمكن تلمس شيء من التقدم.
      وكما أثبتت التجارب السابقة، سواء النازية في ألمانيا، والفاشية في إيطاليا، والشيوعية بالاتحاد السوفياتي والصين، عجز الأيديولوجيا عن توفير الأرضية الصلبية اللازمة لبناء الحضارة، فإن تحويل الدين إلى أيديولوجيا سيولد عجزا مماثلا.

  مجلة فكر المجلة الثقافية الفصلية في عددها الجديد قراءة وعرْض بشير خلف     صدر العدد الجديد من مجلة " فكر" الثقافية، الفصلية ...