الثلاثاء، 21 أبريل 2026

 


االعالم اللغوي، الأديب الأريب، القماري: المرحوم زغودة التجاني

      صدر هذه الأيام عن دار " سامي" للطباعة بالوادي لصاحبها الأستاد رضا درّاجي. لمن الحجم كتابٌ من الحجم المتوسط، للكاتب التجاني بن حسن، بعنوان: (الشيخ محمد التجاني زغودة)، في 130 صفحة، ضمن سلسلة أعلام مدينة قمار.

     بعد الإهداء والمقدمة:

1 ــ القسم الأول:

الجوانب الشخصية، والذاتية للشيخ محمد التجاني زغودة:

نسبه، مولده، نشأته، تربيته، نشاطه بعد الاستقلال، الوظائف، مؤلفاته رحلاته، نشاطه، ما قالوه عن الشيح زغودة.

 

2 ــ  نماذج من كتاباته، وآثاره العلمية:

ـــ خلاصة ما جاد به الزمن من أخبار سيدي خليفة بن حسن.

ـــ محنة ابن الخطيب.

ـــ محمد الطاهر التليلي كما عرفــتُه.

 

من متن الكتاب:

من المقدمة:

« الشيخ والأستاذ محمد التجاني زغودة من الأعلام الذين أنجبتهم مدينة قمار ورجل من رجالات العلم والتربية والتعليم الذين تركوا بصماتهم واضحة للعيان وشجرة من شجرات الفكر والثقافة التي نبتت في مدينة قمار وارتوت من الينبوع الصافي ونمت وأينعت في موطن العلم والعلماء بتونس الخضراء فنتج عن ذلك التلاقح شجرة آتت أكلها مرتين بإذن ربها فكان ذلك الطود الشامخ المنيع والدرة المصونة.

     والهدف من هذا كله إبراز هذه الشخصية للجيل الصاعد وأخذ العبرة من مسار حياته وجعل حياته نبراسا يستضيء به هذا الجيل الجديد، بالإضافة إلى التعريف ببعض آثاره العلمية والأدبية التي عثرنا عليها في آخر هذا البحث المتواضع، وما على الأدباء والمؤرخين إلا المزيد من البحث والدراسة كل في إطار اختصاصه لإخراج صدفات ومكنونات هذه الشخصية، وهذا هو جهد المُقلّ.. ص 3،4»

 

من كتابات الشيخ المرحوم زغودة التجاني:

1 ــ الشيخ العلّمة الطاهر تليلي كما عرفته:

« من أخلاق الشيخ:

  حباه الله تعالى بسجايا ومزايا وأخلاق عالية موهوبة لا مكسوبة قلما تجتمع لغيره، فهو عظيم من أي جانب نظرت إليه، أوتي ذاكرة أمينة وحافظة واعية وذكاء حادا وبصيرة نافذة وعقلا راجحا وجدية صارمة، ومن أبرز صفاته: الإباء وعلو الهمة والصدق في القول والإخلاص في العمل والنفور من حب الظهور لعلمه أن حب الظهور محبط لثواب الأعمال وقاصم للظهور، والإخلاص التام والنصح لكتاب الله وسنة نبيه ولخاصة إخوانه المسلمين وعامتهم يتجلى كل ذلك في حسن إسلامه وصدق وطنيته، فقد عاش مجاهدا بلسانه وقلمه، بنثره وشعره، بسلوكه وعمله، في سبيل إعزاز دينه ورفع شأن وطنه لا يطلب من دنياه إلا الكفاف الذي يحفظه من الإسفاف.

من صفاته الحميدة:

  الثبات على المبدأ والعقيدة لا يساوم ولا يزايد في ذلك مهما كلفه الأمر ومهما ناله من أذى وكلفة من مشاق وأتعاب، صابرا محتسبا لا يلين ولا يهن ولا يتبرم ولا يشكو لأحد وإنما يبث ألمه وحزنه إلى الله وحده. وربما جاشت نفسه في بعض أحايين المحن والأذى فيلجأ إلى القلم والقرطاس يودعه بعض أشجانه وأحزانه في قوالب شعرية.

      ومن صفاته التي أنسناها منه نكران الذات فهو على علمه وفضله وتدينه وسلفيته ووطنيته الصادقة لا يتظاهر بذلك ولا يتبجح به ولا يرى لنفسه فضلا على غيره.

     ومن فضائله الصدق مع نفسه ومع الناس في أقواله وأعماله، فظاهره باطنه وباطنه ظاهره حريص على ما ينفع وطنه ومواطنيه ويرفع من شأنهم ويسدد من خطاهم دينا ودنيا يتألم لما هم فيه من خمول وجمود وتخلف. وفي (دموعه السوداء) الذي كان يبثه أفراحه وأحزانه وآلامه وآماله وأشواقه وأمانيه وجماع ما تختلج به نفسه خير دليل وأوضح برهان على ما نقول.

      ومن فضائله التي كرس لها حياته وأنفق فيها رصيد عمره الطويل العامر سعيه الدؤوب على نشر العلم الصحيح والحث على تحصيله ومحاربة البدع والخرافات وكل ما يعوق مسيرة الأمة في مسالك النهوض والتقدم والتحرر والعزة والكرامة، كما كان -رحمه الله- حريصا على تكوين جيل صالح عامل مجاهد يدافع عن كرامة الوطن وينقذه من مخالب الاستعمار الذي كان يحاول جاهدا وبكل الوسائل – ترغيبا وترهيبا – أن يمسخ هذه الأمة بالقضاء على مقوماتها الأساسية من دين ولغة وتاريخ ليجعل منها قطعانا من العبيد الأذلاء يسيّرهم كيف يشاء ويستغلهم كيفما يريد.

      كان -رحمه الله- يعتبر نفسه حامل أمانة، وصاحب رسالة: " ... فعلّلت نفسي في طريق الإياب إلى البلد بأنني سأرجع إلى بلدي فأخدمها، وأنشر فيها كل ما تعلمته وتلقيته من ثقافة ودين وأدب كما خدمها غيري وعمل لها، سواء من الشيوخ القدماء أو المحدثين، وقلت -في نفسي- ليس تعلمي إلا وسيلة لتعليمي وما تعليمي إلا وسيلة للنهوض بالبلاد وإنبات النبات الحسن من الشباب الصالح المصلح والنخبة المختارة والزبدة والعصارة التي بها تسمو البلاد وعليهم تعتمد، وما أنا إلا ابن من أبنائها يجب علي نحوها ما وجب عليهم ص63،62.»

 

2 ــ موقف الإسلام من العادات والتقاليد:

     الإسلام كما هو معلوم دين إنساني عام يدعو إلى الأخوة الإنسانية على أساس من الإيمان والتقوى والصفاء الروحي والتحرر العقلي، هدفه إقامة مجتمع إنساني مناضل يقوم على الرحمة والخير والمساواة بين جميع الأفراد، قال الله تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)) -الحجرات، ويقول الرسول ﷺ رافضا دعوى العنصرية الجاهلية ومبينا الميزان العدل في التفاضل بين الناس :( لا فَضلَ لعَرَبيٍّ على عَجَميٍّ، ولا لعَجَميٍّ على عَرَبيٍّ، ولا لأبيضَ على أسودَ، ولا لأسودَ على أبيضَ إلَّا بالتَّقْوى، الناسُ من آدَمَ، وآدَمُ من تُرابٍ) رواه أحمد، فالإسلام كدين سماوي إنساني وكرسالة للناس كافة دين سمحٌ كريم، يتسم بالتسامح والمرونة فيما عدا العقيدة وسلامتها وإقامة الشعائر ومراعاة الأحكام الضمانية لسعادة الإنسان، لذلك نراه ينظر إلى التقاليد والعادات نظرة تتسم بطابع المرونة والمسامحة فلا يحارب منها إلا ما يتعارض مع العقيدة، أو مع ركن من أركانه أو بشعيرة من شعائره أو تشريع محكم من تشريعاته أو ما يلحق ضررا بالأفراد أو المجتمع، وأما ما عدا ذلك من عادات الناس وتقاليدهم مما لا يتعارض مع مبادئه وتشريعاته فلا يتدخل فيه ويترك للناس حرية التصرف فيه؛ فهم أحرار في عاداتهم وتقاليدهم ما دامت لا تتعارض مع جوهر الإسلام لا تحل حراما ولا تحرم حلالا.

     وهنالك بعض العادات والتقاليد لا تمس العقيدة ولا التشريع ولكنها مستهجنة عقليا، فهذه لا يقاومها الإسلام عن طريق الأمر والنهي أو الإرغام والإكراه، وإنما يعمل على اجتنابها عن طريق تطور العقول وتوعيتها  بالوعظ والإرشاد حتى تتخلى عنها الجماعات تدريجيا عن طواعية واختيار؛ أما العادات والتقاليد الكريمة وما تواضع عليه الناس مما له صلة بمكارم الأخلاق وآداب السلوك والتعامل فالإسلام يقرره ويقويه ويزكيه ويحض عليه بعد أن ينقيه مما يكون قد علق به من شوائب. 73ص»

     الكتاب قيّمٌ ومفيدٌ للأساتذة، والباحثين، والطلبة، كما هو مفيد للقارئ العادي، والمهنمّ بعلماء، وأعلام مدينة قمار، وربوع منطقة وادي سوف، والجزائر.

    الكاتب، الباحث التجاني بن حسن  القماري، رجل تربية، مهتمٌّ بتاريخ قمار الثقافي، والكتابة عن علمائها، وسبق له إصدار عدّة كتب هامّة عن علمائها، ويكاد يكون الوحيد إلى جانب الباحث، الكاتب، المؤرخ الموسوعي الدكتور محمد ماني في المدية.

 

 

 

 

الاثنين، 9 مارس 2026

 

         يُعرِّفُ قاموس "أوكسفور

" السيرة الذاتية بما يلي:

(كتابة الشخص لتاريخه، وقصة حياته بقلمه)، وكما ورد في "معجم مصطلحات الأدب" أن السيرة الذاتية "سرْدٌ متواصل يكتبه شخصٌ ما عن حياته الماضية.

      إنْ كانت السيرة الأدبية كذلك فإنّ الحوار الثقافي مع الكاتب، أو المبدع، أو المثقّف المنتج للثقافة الذي تُجريه معه وسيلة إعلامية، يقرأه الناس، أو يسمعونه، أو يرون صاحبه ويسمعونه؛ فإن هذا الحوار من خلال ركيزتيْه: السؤال والجواب، وما يتضمّنانه يدخلان في السيرة الأدبية لهذا الكاتب، أو ذاك..


     فقد يكون الحوار منصبًّا على موضوع ما ارتبط بزمان ومكان ما، وقد ينصبّ على جوانب معيّنة ترتبط بمجال الكتابة أو الإبداع، وقد ينصبّ على رأي الكاتب في مواضيع مفصلية من مسيرة مجتمعه كقضايا الثقافة، التاريخ، التربية، الهوية، الأسرة، العنف المجتمعي،...

الأربعاء، 18 فبراير 2026

 

علينا أن لا ننسى

صعْبٌ محْوُ الذاكرة

كتب: بشير خلف

      أيّها القارئ الكريم ما ستقرأه ليس نصًّا سرديًّا خياليا، بل واقعة من جرائم الاستعمار الفرنسي.

        .. أهٍ يا عمّي إبراهيم يرحمك الله؟

     في شهر أوت سنة 1960 ألْقت السلطات الفرنسية القبض عليّ بتهمة أني فلّاّق..إرهابي، فكان التعذيب، والاستنطاق في عدّة أماكن، ومنها القلعة العسكرية الرهيبة المتمركزة في وسط مدينة عنابة في الجهة الغربية من الساحة المعروفة حينذاك( الكور)، ساحة الثورة حاليا.

     الثكنة التي نُقل إليها المعتقلون طوال سنوات الثورة للاستنطاق والتعذيب، وحشْرهم في زنزانات ضيّقة طولها أربع أمتار، وعرضها ثلاث أمتار.

    حُشِرْتُ في إحداها، إذ سبقني إليها (عمّي إبراهيم 90 سنة)، شيخٌ مجاهد مدني من "حيّ القبّة" بغربي المدينة، عُذّب العذاب الأكبر أثناء اعتقاله، في الليل لا ينام، يقضي الليل كلّه يئنّ، يكُتُّ من الألم يتحرّك ذهابا وإيابا من الباب الموصد حتى الجدار المقابل، مسافة أربعة أمتار.

    عمّي إبراهيم عُذِّب في مناطق حسّاسة بالضرب، والركل ، وصدمات الكهرباء في أعضائه الحسّاسة، فانتفخت خسيتاه، وتضخّمتا، فأعاقتاه عن الجلوس، وبسبب شراسة التعذيب تكسّرت عضلات من عموده الفقري يمينا ويسارا، ممّا صعّب عليه قضاء الحاجة البشرية أيضًا.

     في تلك الزنزانة وشبيهاتها لا يوجد مرحاض، بل في كل زاوية زنزانة وراء الباب توجد علبة حديدية..علبة طماطم أو زيتون فارغة، نقضي فيها الحاجة أمام بعضنا، وصباحا ، يفتح الحُرّاس أبواب الزنزانات، فيُــسارع المعتقلون إلى الاصطفاف وراء بعضهم في الممرّ الخارجي حاملين العلب الحديدية الملأى بالفضلات لتفريغها في المصبّ الوحيد.

    يرحمك الله عمّي إبراهيم.. ما أكثر أمثالك دافعوا، وقاوموا الاستعمار، وعُذّبوا، ونُكّل بهم من أجل الجزائر الحبيبة.

     ليت قومي يعرفون هذه التضحيات، وذلك التعذيب، والإبادة الجماعية، والفردية من طرف الاستدمار الفرنسي للشعب الجزائري.

     الرحمة، والمجد للشهداء، والأحرار، والغيورين الذين احتضنوا الجزائر أمًّا حنونة.. تحي الجزائر

السبت، 14 فبراير 2026

 

                            من أقوال أعلام الجزائر

كتب: بشير خلف

    في سنة 1999 بمقرّ الجمعية الثقافية " الجاحظية" بالعاصمة التقيتُ بالمرحوم الطاهر وطّار، رئيس الجمعية، واتّفقنا على أن تطبع إليّ جمعية" الجاحظية" مجموعتيْن قصصيتيْن:(الدفء المفقود)، (الشموخ)، طبْع مشترك، أي التكاليف مناصفة.

    على ظهْر صفحة الغلاف الأخيرة لمجموع الشموخ.. خطّ المرحوم بأنامله:

« بشير خلف

أحدُ الذين بنوا بصمت وبتواضع صرْح الأدب الجزائري الحديث.

     انزوى في قمار بولاية الوادي، يلقن الأجيال الصاعدة العلم ويثري المكتبة الوطنية.

     انضم إلى الجاحظية عند تأسيسها، ويواصل دعمها ماديا وأدبيا، وعندما يزورنا يملأ أجواءنا بابتسامته الهادئة، وبتفاؤله.

     هذه الشموخ إحدى المجموعتين اللتين برمجتهما الجاحظية لهذا الموسم الأول من عام 99.

     إنه إضافة أخرى من بشير خلف، ومن الجاحظية، نأمل أن تجد صداها.»

                                                              الطاهر وطار



 

الاثنين، 2 فبراير 2026

                                                                    التوحيدي وأسئلة الاغتراب

كتب: بشير خلف

      تُعتبر مشكلة الاغتراب من بين أهم ّالمشكلات الفلسفية التي أقبل عليها العديد من الفلاسفة لدراستها، ومعالجتها، فكل فيلسوف طرح نظرية حول هذه المشكلة على حسب الأوضاع  والظروف التي آلت لتشكيل الاغتراب، والمشكل الأساسي خاصة في التفكير في مجال الفلسفة دائما ما يرجع، او يُعزى إلى هذا المصطلح، "الاغتراب" 

      تاريخ الفلسفة تاريخ استمراريٌّ، ولا ينفصل عصرٌ عن عصر سابق له، لذلك فالاغتراب له جذورٌ في الحضارة العربية الاسلامية التي قدمت شروحا وأسبابا لهذا المصطلح من أمثال ذلك أبو حيان التوحيدي الذي عانى من الاغتراب كل ذلك يجعلنا نتساءل: 

ـــ ما هي الأسباب التي دفعت بأبي حيان التوحيدي لأن يصبح مغتربا؟

      في عالم تتناوب فيه لحظات الوصل، والهجران بين الإنسان وذاته، يطلُّ أبو حيان التوحيدي من صفحات التراث بوصفه صوتا فريدا للاغتراب الإنساني في أنقى، وأقسى صوره، ومن نصه البديع "الإشارات الإلهية"، يقدم لنا لوحة فكرية، وجمالية تتشابك فيها خيوط الفلسفة، والصوفية، والأدب، لترسم ملامح روحٍ تبحث عن معنى وسط صخب الواقع، وتناقضاته.

    كتاب جماليات الاغتراب

 في هذا السياق، يأتي كتاب الباحث الأردني طاهر رشاد صبح "جماليات الاغتراب في الإشارات الإلهية للتوحيدي" ليعيد فتح أبواب التأمل في هذا النص العريق، واضعا القارئ أمام قراءة نقدية متأنية، تكشف عن عمق التجربة التوحيدية في بعدها الوجودي، والجمالي، وتضيء على الدوافع والأساليب التي جعلت من الاغتراب فيه ليس مجرد حالة، بل مشروعا فكريا، وجماليا متكاملا.

     يمثل هذا العمل إضافة مهمة إلى حقل الدراسات الفلسفية والأدبية التي تتناول التراث العربي الإسلامي، إذ يزاوج بين التحليل النصي الدقيق، واستكشاف البنية الجمالية، والفكرية التي تمازجت في أسلوب التوحيدي، ونثره الصوفي، كاشفًا عن أبعاد جديدة لرؤيته الوجودية ومعاناته الإنسانية.

1 ـــ أولها، أن الكتاب يجمع بين بنية النثر الصوفي، وأدب الرسائل بما يتيحه من مجال رحْــب لرصد تحولات المعنى، وألوان التعبير التي تنقل التجربة الروحية.

2 ـــ ثانيها، أن أبا حيان التوحيدي يُعــدُّ من أعلام الفكر والأدب في الحضارة العربية الإسلامية، وقد جمع في تجربته بين العمق الفلسفي، والابتكار الجمالي.

3 ـــ يتمثل ثالثها، في أن "الإشارات الإلهية" تشكل فضاء نصيا مثاليا لدراسة الاغتراب بوصفه ظاهرة إنسانية وفكرية، تتجلى في عزلة المؤلف، ومعاناته، وفي توقه إلى تجاوز الواقع المأزوم نحو المطلق الروحي.

التوحيدي يصف غربته:

«الغريب من لبسته خِـرقة، وأكلته سلقة، وهجْعته خفـقة قد علاه الشحوب، وهو في كَـنٍّ، وغلبه الحزن حتى صار كأنه شنٌّ؛ إنْ نطق حزنان منقطعا، وإن سكت سكن حيران مرتدعا، وإن قرب خاضعا، وإنْ بعُـد، بعُــد خاشعا، وإنْ ظهر، ظهر ذليلا، وإنْ توارى توارى عليلا.

      إنْ طلب طلب، واليأس غالبٌ عليه، وإنْ أمسك أمسك، والبلاء قاصدٌ إليه، وإن أصبح أصبح حائل اللون من وساوس الفكر، وإن أمسى أمسى منتهب السر من هواتك الستر، وإن قال قال هائبا، وإن سكت سكت خائما، قد أكله الخمولُ، ومصّه الذبول، وحالفه النحوّل»

التوحيدي؟؟؟

      أبو حيان التوحيدي فيلسوفُ القلق، والاغتراب في الحضارة العربية، جسّد في كتاباته (خاصة الإشارات الإلهية، والإمتاع، والمؤانسة) تجربة مريرة من الغربة النفسية، والاجتماعية، والفكرية. عرّف الاغتراب بأنه: 

" أن تكون غريباً في وطنك"، حيث يرى التوحيدي أنّ الغريب هو من هُجر لقول الحق، وصدق في زمن الكذب.



الاثنين، 12 يناير 2026

                                                               من أقوال عظماء الجزائر

من أقوال الراحل عبد الحميد مهري الشهيرة تأكيده على هويته الجزائرية الموحدة، وتبرؤه من الأيديولوجيات الضيقة، حيث قال: 

«أنا لست علمانيًا، ولا إسلاماويًا، ولا يساريًا ولا يمينيًا...

     أنا مواطنٌ جزائريٌ أنتمي إلى هذه الأرض الطيبة»

 بالإضافة إلى دعوته الدائمة للوحدة الوطنية، والعمل الديمقراطي لإقامة نظام حُكمٍ قادرٍ على حَلّ مشاكل البلاد، مُؤكِّــداً أن أفضل هدية للشهداء هي الاحتفاء بالاستقلال، وتحقيق التغيير المنشود.

الجمعة، 9 يناير 2026

 

                                                 أدب الرحلات.. تجوالُ  مغامرٍ نحو التثاقف والمعرفة

كتب: بشير خلف

     تكشف تسمية "أدب الرحلات" عن طبيعته ومجاله، فهو "أدب" من ناحية منظوره، وموارده، وصياغته، بما يتطلبه ذلك من لغة، وبناء سردي، وتصوير.

     مضمونه يتعلّق بتصوير رحلة، أو رحلات يقوم بها المؤلف/الرحالة، أي أنه يقوم على تجربة مباشرة، وعلى رحلة فعلية، ثم تُحوّل إلى مادة أدبية لغوية غايتها تقديم صورة أمينة، ومؤثرة لمشاهدات الرحالة، وانطباعاته، وملاحظاته.

     يُعرّف أدبُ الرحلات بأنه "مجموع الكتابات الأدبية التي تتناول انطباعات المؤلف عن رحلاته في بلاد مختلفة، وقد يتعرض المؤلف فيها لوصف ما يراه من عادات، وسلوك، وأخلاق، ولتسجيل دقيق للمناظر الطبيعية التي يشاهدها، أو يسرد مراحل رحلته مرحلة ،مرحلة، أو يجمع بين كل هذا في آن واحد.

 


كيف أسهم أدب الرحلة في توثيق

العادات والتقاليد عبر العصور؟

      يتزايد الاهتمام في العالم العربي بأدب الرحلة، وإعادة نشْـر نصوصه السردية، ودراستها، وتكثر الدراسات التي تتناول هذا الجنس الأدبي الذي يُعد من أبرز الأجناس الأدبية التي تعكس تجارب الإنسان في استكشاف المجهول، وتوثيق السّيَرِ، والعادات والتقاليد، وتبادل الثقافات، والتثاقف.

     وقد أثرى كُتّاب وباحثون المكتبة العربية بالكثير من الإصدارات التي اهتمت بهذا الجنس الأدبي، وعدّته من أهم الأجناس الأدبية التي أسهمت في توثيق العادات والتقاليد عبر العصور، حيث يقوم الرحالة بدور الراوي الذي ينقل مشاهداته وانطباعاته عن المجتمعات التي يزورها، مستخدما أساليب سردية متنوعة تعكس رؤيته وثقافته الخاصة.



      فالرحالة ليس مجرد ناقل محايد للمعلومات، بل هو عنصر أساسي في تشكيل الخطاب الرّحلي، إذ يتداخل السرد الذاتي مع التوثيق الواقعي ليخلق نصا أدبيا يجمع بين المعرفة والتجربة الشخصية.

       ويأتي كتاب "الراوي في أدب الرحلة: تمثلات العادات والتقاليد عبر السرد"، لمؤلفه الدكتور عبد الحكيم خليل سيد أحمد، ضمن تلك الإصدارات التي تدور في فلك أدب الرحلة، وتغوص في عوالم الرحالة، وكتاباتهم التي يروون فيها تفاصيل رحلاتهم ومشاهداتهم خلال تنقلهم بين البلدان.

      


يتحدث الكتاب عن الراوي في أدب الرحلة بوصفه وسيطا بين القارئ والعالم الموصوف، حيث تتباين أنماطه بين الراوي العيان الذي يصف ما يراه بحيادية، والراوي المتفاعل الذي يشارك في الأحداث ويؤثر في تفاصيلها.

      ووفقا لمقدمة الكتاب، فإن عملية تمثيل العادات والتقاليد في الرحلات لا تخلو من الذاتية والتأويل، إذ يعمد بعض الرحالة إلى مقارنة المجتمعات التي يزورونها بثقافتهم الأصلية، ما قد يؤدي إلى تكوين صور نمطية، أو أحكام قيمية.

       كتاب "الراوي في أدب الرحلة: تمثلات العادات والتقاليد عبر السرد"، الصادر عن معهد الشارقة للتراث، ينطلق من تساؤلات رئيسة حول طبيعة الدور الذي يؤديه الراوي في تصوير العادات والتقاليد في أدب الرحلة، ومدى تأثير خلفيته الثقافية في رؤيته للأحداث، كما يحاول استكشاف التقنيات السردية التي يوظفها الرحالة في نقل تجاربهم، عبر دراسة مجموعة من النصوص الكلاسيكية والحديثة في أدب الرحلة.

     متْنُ الكتاب

     كتاب "الراوي في أدب الرحلة: تمثلات العادات والتقاليد عبر السرد"، يبدأ بمقدمة شاملة حول أدب الرحلة، توضح تطوره عبر العصور، وأهمية الراوي في تشكيل النصوص الرحلية.

   في المقدمة يشير المؤلف إلى أن فهم العلاقة بين الرحلة والتوثيق الثقافي يُعد أمرا جوهريا، حيث يسهم في تعزيز الروابط بين الشعوب ويعكس التنوع الثقافي الذي يميز كل مجتمع.

      كما يتناول الكتاب دور الرحالة في نقل العادات والتقاليد بين الثقافات، مما يبرز كيف أن هذه الرحلات لم تكن مجرد تنقلات جغرافية، بل كانت أيضا جسورا للتواصل الفكري والاجتماعي.

  كتاب "الراوي في أدب الرحلة: تمثلات العادات والتقاليد عبر السرد"، يُمثل محاولة للإجابة عن إشكاليات جوهرية تتعلق بدور الراوي في تشكيل الصورة الثقافية للمجتمعات المختلفة، عبر توثيق العادات والتقاليد بأساليب سردية متباينة. ومن خلال تحليل نصوص الرحالة من مختلف الفترات التاريخية، يسعى الكتاب إلى تسليط الضوء على ديناميكيات السرد الرحلي، ودوره في التفاعل بين الثقافات.

 

 

  اا لعالم اللغوي، الأديب الأريب، القماري: المرحوم زغودة التجاني       صدر هذه الأيام عن دار " سامي" للطباعة بالوادي لصاحبها ا...