التوحيدي وأسئلة الاغتراب
كتب: بشير خلف
تُعتبر مشكلة الاغتراب من بين أهم ّالمشكلات الفلسفية التي أقبل عليها العديد من الفلاسفة لدراستها، ومعالجتها، فكل فيلسوف طرح نظرية حول هذه المشكلة على حسب الأوضاع والظروف التي آلت لتشكيل الاغتراب، والمشكل الأساسي خاصة في التفكير في مجال الفلسفة دائما ما يرجع، او يُعزى إلى هذا المصطلح، "الاغتراب"
تاريخ الفلسفة تاريخ استمراريٌّ، ولا ينفصل عصرٌ عن عصر سابق له، لذلك فالاغتراب له جذورٌ في الحضارة العربية الاسلامية التي قدمت شروحا وأسبابا لهذا المصطلح من أمثال ذلك أبو حيان التوحيدي الذي عانى من الاغتراب كل ذلك يجعلنا نتساءل:
ـــ ما هي الأسباب التي دفعت بأبي حيان التوحيدي لأن يصبح مغتربا؟
في عالم تتناوب فيه لحظات الوصل، والهجران بين الإنسان وذاته، يطلُّ أبو حيان التوحيدي من صفحات التراث بوصفه صوتا فريدا للاغتراب الإنساني في أنقى، وأقسى صوره، ومن نصه البديع "الإشارات الإلهية"، يقدم لنا لوحة فكرية، وجمالية تتشابك فيها خيوط الفلسفة، والصوفية، والأدب، لترسم ملامح روحٍ تبحث عن معنى وسط صخب الواقع، وتناقضاته.
كتاب جماليات الاغتراب
في هذا السياق، يأتي كتاب الباحث الأردني طاهر رشاد صبح "جماليات الاغتراب في الإشارات الإلهية للتوحيدي" ليعيد فتح أبواب التأمل في هذا النص العريق، واضعا القارئ أمام قراءة نقدية متأنية، تكشف عن عمق التجربة التوحيدية في بعدها الوجودي، والجمالي، وتضيء على الدوافع والأساليب التي جعلت من الاغتراب فيه ليس مجرد حالة، بل مشروعا فكريا، وجماليا متكاملا.
يمثل هذا العمل إضافة مهمة إلى حقل الدراسات الفلسفية والأدبية التي تتناول التراث العربي الإسلامي، إذ يزاوج بين التحليل النصي الدقيق، واستكشاف البنية الجمالية، والفكرية التي تمازجت في أسلوب التوحيدي، ونثره الصوفي، كاشفًا عن أبعاد جديدة لرؤيته الوجودية ومعاناته الإنسانية.
1 ـــ أولها، أن الكتاب يجمع بين بنية النثر الصوفي، وأدب الرسائل بما يتيحه من مجال رحْــب لرصد تحولات المعنى، وألوان التعبير التي تنقل التجربة الروحية.
2 ـــ ثانيها، أن أبا حيان التوحيدي يُعــدُّ من أعلام الفكر والأدب في الحضارة العربية الإسلامية، وقد جمع في تجربته بين العمق الفلسفي، والابتكار الجمالي.
3 ـــ يتمثل ثالثها، في أن "الإشارات الإلهية" تشكل فضاء نصيا مثاليا لدراسة الاغتراب بوصفه ظاهرة إنسانية وفكرية، تتجلى في عزلة المؤلف، ومعاناته، وفي توقه إلى تجاوز الواقع المأزوم نحو المطلق الروحي.
التوحيدي يصف غربته:
«الغريب من لبسته خِـرقة، وأكلته سلقة، وهجْعته خفـقة قد علاه الشحوب، وهو في كَـنٍّ، وغلبه الحزن حتى صار كأنه شنٌّ؛ إنْ نطق حزنان منقطعا، وإن سكت سكن حيران مرتدعا، وإن قرب خاضعا، وإنْ بعُـد، بعُــد خاشعا، وإنْ ظهر، ظهر ذليلا، وإنْ توارى توارى عليلا.
إنْ طلب طلب، واليأس غالبٌ عليه، وإنْ أمسك أمسك، والبلاء قاصدٌ إليه، وإن أصبح أصبح حائل اللون من وساوس الفكر، وإن أمسى أمسى منتهب السر من هواتك الستر، وإن قال قال هائبا، وإن سكت سكت خائما، قد أكله الخمولُ، ومصّه الذبول، وحالفه النحوّل»
التوحيدي؟؟؟
أبو حيان التوحيدي فيلسوفُ القلق، والاغتراب في الحضارة العربية، جسّد في كتاباته (خاصة الإشارات الإلهية، والإمتاع، والمؤانسة) تجربة مريرة من الغربة النفسية، والاجتماعية، والفكرية. عرّف الاغتراب بأنه:
" أن تكون غريباً في وطنك"، حيث يرى التوحيدي أنّ الغريب هو من هُجر لقول الحق، وصدق في زمن الكذب.


