الأحد، 17 مايو 2026

 

                                         المجلّة العربية الثقافية   الشهرية في عدد جديد

قراءة وعرْض: بشير خلف

     صدر العدد الجديد 596 لشهر ماي 2026 من المجلة الشهرية الثقافية السعودية، عدد كعادة أعداد المجلة زاخر بالمواضيع الهامّة التي تشغل المثقف، والباحث عن المعرفة في كلّ مناحيها.

     عدد المجلة الحالي يتضمّن:

1 ــ ملفّ العدد:

ـــ المعاجم التاريخية للغات

ـــ المعاجم التاريخية للغة العربية

 

2 ــ آراء:

ــ نهاية الفلسفة وتطوّر الفكر الإنساني

ــ العقّاد ضدّ طه حسين

ــ إيقاظ ذاكرة قاموس الأدب والأدباء

ــ سيميائية الحياة عند كُتّاب اليوميات

ــ بين الهايكو والسوشي

 

3 ــ ثقافات وتراجم:

ــ دوغلاس راشكوف، وطأة فاشية

ــ حين تلتقي معرفة الإنسان بفنونه

ــ دور القراءة في توسيع دائرة المعارف

ــ 10 كُتُب يوصي بها المعالجون النفسيون

ــ حديقة سخرية على هيئة ملعبٍ

4 ـــ من متن المجلّة

ـــ من الافتتاحية:

«تحتل المعاجم التاريخية للغات مكانةً بارزة في سجل المعرفة الإنسانية، مثل: معجم اللغة الفرنسية التاريخي، ومعجم أكسفورد الإنجليزي، ومعجم اللغة الألمانية.

    وعربياً هناك: معجم الشارقة والدوحة للغة العربية وقبلهما معجم القاهرة. وتعد هذه المعاجم كيانات مرجعية موثوقة، ومنظمة تستقصي رحلة الكلمة، منذ ولادتها حتى موتها، أو تحولها مبنىً ومعنى، إذ تستتبع المعاجم التاريخية ولادة المعاني والمفردات وتحولاتها وتطورها، فضلاً عن اختلاف الاستعمالات باختلاف الأقطار والأمصار.

     اليوم ومع ما أفرزته الحضارة الرقمية من معطيات وسلبيات، وقبل هذا ما أوجدته من معانٍ، ودلالات واستعمالات ومفردات لم تكن موجودة في السابق.»

 

ــ من موضوع: نهاية الفلسفة:

«لماذا تبدو الفلسفة وكأنها ميتة ؟

    الفلسفة لا تشفي داء، ولا تبتكر شيئاً جديداً! ما الهدف منها أصلاً؟»

(جون جاليون)

 

التفكير والفلسفة

« ما يُميز التفكير، والفكر عن الفلسفة في تقدير الكثيرين، أن الفكر يتجدد أسرع من الفلسفة، ويتطور ويتغير بتغير الزمن والمتغيرات الاجتماعية، والثقافية، والتقنية؛ والتي تساهم في رؤيتنا وقناعاتنا بالأشياء المتغيرة من حولنا.

الفلسفة تتعمق بالمفاهيم والسرديات الكبرى، وتتوقف عندها وتتأثر بها وتتجمد، وهذا ما يلاحظ، وشهد به مفكرون.»

  

الثلاثاء، 12 مايو 2026

 

                                                           روح الثقافة

      الدكتور عبد الرزاق بلعقروز يطالعنا في مقدمة كتابه "روح الثقافة " بجملة من الأفكار التي تُعَدُّ بسْطًا أوليًّا لما سيتناوله في فصول الكتاب، حيث عنونها بـ"الثقافة باعتبارها نشاطًا نوعيًّا للإنسان"، وأول ما يطالعنا به هو أنه جال في الخواطر، والأفهام: ــ المفهوم السلبي عن الثقافة، والمفهوم الارتكاسي لها اللذان يُرسّخان السكون التاريخي، والوجود النظري المجرد.

     فحال الثقافة من حال الحامل لهذا الإرث الرمزي، فإذا كان المثقف فاعلًا مؤثرًا في العالم، فإن صورة الثقافة تظهر متجددة لها وظيفتها التغييرية، والتحسينية للعالم، وأما إنْ كان حال المثقف منفصلًا عن الحركة، وعن الاشتباك مع الواقع والتاريخ، فإن صورة الثقافة تنكمش، وتخبو، وتصبح أثرًا بعد عين.

    لذا فإن صورة الثقافة من صورة المثقف وفعله، موتها من موته، وحياتها من حياته.

      فالنشاط النوعي للإنسان هو الذي يرسم قيمة الثقافة بمعناها المنبسط في الذات وفي التاريخ.

     وهنا يأخذنا التساؤل نحو سَبْر الشروط التي تحقق الفعل الثقافي النوعي، أو متى تكون الثقافة قوة تترك أثرها في العالم، وتجدّد في الإنسان قيمه؟ وهناك شقان للإجابة عن هذا السؤال:

1ـــ الأول يُعنى بالثقافة ومضمونها.

2 ـــ والثاني يخصُّ المثقف وذاته.

     أما الثقافة فإنها ليست مجرد أسلوب في الحياة جامد وساكن، يعيد إنتاج الأفكار، والممارسات بصورة تكرارية جامدة، فهي هنا أقرب إلى المدلول المتصلب الساكن والثابت.

 

       يبيِّن الكاتب أن الثقافة التي تنتج النشاط النوعي للإنسان وتُــسائله عن دوره الوجودي وأثره في العالم، هي تلك التي ترى العالم في حالة حركة وصيرورة وتعاقب القوى عليه في فرض معانيها على الأشياء.

     والإنسان ليس نموذجًا ثابتًا وليد اندفاعات التاريخ المريضة، بل هو الإنسان الذي يُسهم بالفعل الثقافي في صناعة تاريخ جديد، أو يخترع تاريخًا جديدًا، إنه ضد المفاهيم الجبرية عن الفعل والتاريخ، فحركة التاريخ لم تنتهِ بعدُ، وما زالت تتجه نحو إمكانات عديدة وفرص مستقبلية أخرى.

     يتضح إذن أن بثَّ الحياة والحركة والتجديد في الثقافة مشروطٌ بتجديد الرؤية إلى العالم، والعالم هنا هو تلك الآثار التي تتركها النفس الإنسانية في سفرها التأويلي للعالم، وهو العلامات التي تتركها ثقافة من الثقافات بوصفها أعراضًا على أفعالها النوعية في التاريخ، فالعالم اليوناني هو قوة الفكر، والفلسفة، والشعر، والعالم الإسلامي هو فعل العلم، والقراءة، وحركة العمران في التاريخ، والعالم الأوروبي هو تجربة الحداثة في مركزية الإنسان، وتقدير النظام العلمي، والعقلنة.

      وهكذا، وبمقتضى هذا الإقرار في مدلول كلمة العالم أن الثقافة الفاعلة، والنوعية هي تلك التي تنظر إلى العالم على أنه مشروع إنجازيٌّ، وليس مكانًا جغرافيًّا يعيش فيه الإنسان حياته الحيوية.

     أما عن سَبْر حال المثقف الذي يتحقَّق بالإبداع، والتأثير في العالم، فهو الذي ينثر الحكمة على الجميع، ويشعر دومًا أن ما يملكه من أفكار، ومفاهيم، وفنون (أفكار الثقافة) هي العامل الحاسم في تغيير الإنسان، أو تحويله، ولكي يصل إلى هذا المقصد لا بدَّ له أن يفجر مكنوناته الروحية أولًا، ثم مكنوناته الفكرية ثانيًا، كما يظهر بعمله في الواقع، والتاريخ.

      فالمكنونات الروحية، مثل العلم، والإخلاص...، متى لبسها المثقف كانت له درعًا واقيًا من الانجذابات نحو الجزئيات ،والصدامات الثقافية.

      إن المثقف يهتدي بوهج الحقيقة، والقيمة العليا الهادية، والسامية، بينما تنفجر مكنوناته الفكرية بالقراءة، والحوار، والمتابعة، والخدمة، والعمل؛ فالفكر يتقوَّى بالقوى الروحية ويتقوَّى بالعمل المستمر المترابط مع حركة الواقع والمنفتح على التجارب الثقافية السائدة تبادلًا وتكاملًا.

     إذن، مفهوم الثقافة يتأسس على أن الوجود يساوي الإبداع والأثر في العالم، والإرادة تعادل إثبات الحياة لا نفيها، الإثبات الحيوي الذي يغير من الإنسان من أعماقه وليس من خارجه فقط. وتتجذر الثقافة في الموارد الروحية للإنسان، التي هي أساس الحركة وخط الانطلاق ونسج الفعل.

 

 قسم الكاتب كتابه إلى حمسة أبواب:

1- في العقل الروحي والتنوع التنظيمي

2- الثقافة وسمات المنهج

3- في البدء كانت الروح إرشادات في تربية الإنسان

4- الفلاسفة والجائحة: تنازع التأويلات

5- أي دور للثقافة في ظل الوباء البيولوجي؟

 

      معنى الثقافة هو الأمر الحاسم لمعرفة ما إذا كان لها دور أم لا. فإذا كان البعض يرى أن الثقافة هي الموروث الرمزي لمجتمع من المجتمعات من غير دور له في الواقع، فإن هذا المفهوم جامد لا حركة فيه، ويرى آخرون أن الثقافة هي وحدة أسلوب الحياة في مجتمع من المجتمعات من غير قوة في هذه الحياة أو حركة فيها، فإنه مفهوم لا تاريخي ولا حركي. أما المفهوم الذي نراه ضمن هذه التحديات الجديدة، فيرتبط بالبُعْد الأخلاقي، والقيمي للإنسان، فالثقافة هي فعلٌ في هذا العالم، وليس سكنًا فيه فقط، وروح هذا الفعل هو تقويم الأفكار، والأفعال التي تظهر، وتعطل حركة الإنسان في العالم أو تصرف سعيه عن الإبداع، والتجاوز والإقدام.

     فالثقافة إذن هي نمطٌ متميز من الوجود النوعي للإنسان، ومعجمه التأويلي للعالم لا يعرف إلا مفردات: الحياة والحركة والإثبات، والقوة المعنوية، والتأثير، والتجاوز، والفعل الارتقائي.

ـــ للثقافة دور حاسم ومكين في ظل هذا الظرف الذي تمرُّ به الإنسانية، فلها الدور التقويمي لمجمل الأفكار والأفعال الحائدة عن مطالب الصحة الفكرية والبيولوجية، فالتثقيف هنا فعل توجيهيٌّ وإسهام تطوعيٌّ نراه فيما تقوم به مؤسسات المجتمع المدني من تفريج للكروب وإعانة لمن هم في أمسِّ الحاجة إلى متطلبات الصحة العمومية.

 

       ويخلص مؤلف كتاب روح الثقافة الدكتور بلعقروز بخلاصة إلى أن الثقافة لا بدَّ أن تكون فعلًا تغييريًّا، وتعديليًّا للإنسان:

 فكرًا، وقولًا، وعملًا، فعلًا مستمرًّا، وقويًّا، وزاخرًا بالقيم الإنسانية السامية، فالإنسان من غير ثقافة تلازمه في حال الاعتدال، وفي حال المرض، هو كتلة بيولوجية تسري فيها مطالب الغريزة المتكررة والثابتة.

      إن الثقافة إذن هي روح الإنسان العارجة نحو المعنى، والقيمة.

     كان المرحوم مالك بن نبي دومًا منفتحًا على نصوص وعلوم متنوعة، وهذا هو سِرُّ الإبداع الذي طبع فكره. ومن سماته الظاهرة: قراءة النصوص ثم هضمها ثم الأخذ بها إلى الواقع لأجل تحسينه والرفع من قيمته.

 

 

الجمعة، 8 مايو 2026

 

فكتور هوغو والإسلام

قراءة وعرض: بشير خلف

      فكتور هوغو من أكبر الأدباء في تاريخ فرنسا الفكري، والثقافي، وربما أهمُّهم، أكثرُ تأثّــرًا بالإسلام من دون أن يعتنقه.

      فأعماله تزخر بالإشارات إلى الدين الحنيف، والقرآن الكريم، ونبيّنا محمد (صلعم).

     وعلى الرغم من الأحكام المُسبقة المُعادية للإسلام التي تشبّع بها فكرُه في أيام صِباه، إلا أنه اكتشف تدريجيًّا ثراء هذا الدين، وانجذب إليه؛ فبحث في الآيات الكريمة عن السبيل للولوج إلى الحقيقة الإلهية، ووجد في شخص النبي (صلعم) نموذجًا يُقتدي به.

     لقد مثّل الإسلام له منبعًا يروي ظمأه الأخروي، ومصدرَ إلهام وتأمّلًا في سعيه الشغوف إلى اكتساب الروحانية، وواسطة النفاذ إلى الإلهي، ومصدراً يروي ظمأه إلى معرفة عالم الغيب.

    والواقع أن شعره يزخر بأروع الصفحات التي كُتبت على الإطلاق بقلم كاتب غير مسلم عن الإسلام ونبيه.

     غير أنّ النقد الأدبي في فرنسا كما في الدول العربية لم يُعِرْ اهتمامًا كبيرًا لمنزلة الإسلام في أدبه، إلى أن أصدر لوي بلان هذا الكتاب الذي يستكشف لأول مرة هذا الجانب الثري، والمجهول. فهو يجمع بين تحليل البُعد الديني، وتطوّره لدى فكتور هوغو والطريقة التي أثرى بها الإسلامُ أدبه عمومًا وشعره خصوصًا.

    


فهذا الكتاب يسلط الضوء على المقام الذي وصل إليه الإسلام، بشقيه: القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة في أعمال هذا المبدع، كما أنه يُركّز، تبعًا لذلك، على مكانته في التراث الأدبي في فرنسا.

     وإذ تُقدّم المنظمة العربية للترجمة هذا الكتاب في لغة الضاد، فذلك لتكشف للقارئ العربي أبعادًا جديدة، لم تُعرف في السابق إلا لمامًا، عن التراث الأدبي، والفلسفي في فرنسا، وعن الشهرة الكبيرة التي يحتلّها الدينُ الإسلامي لدى أشهر المبدعين فيهما، وأعلاهم شأنًا: فكتور هوغو.

عن الكتاب:

ــ المؤلف: لويس بلان

ــ المترجم: زهيدة درويش جلور

ــ تاريخ النشر:2025

ــ الناشر: المنظمة العربية للترجمة / لبنان

 

 

 

الثلاثاء، 21 أبريل 2026

 


االعالم اللغوي، الأديب الأريب، القماري: المرحوم زغودة التجاني

      صدر هذه الأيام عن دار " سامي" للطباعة بالوادي لصاحبها الأستاد رضا درّاجي. لمن الحجم كتابٌ من الحجم المتوسط، للكاتب التجاني بن حسن، بعنوان: (الشيخ محمد التجاني زغودة)، في 130 صفحة، ضمن سلسلة أعلام مدينة قمار.

     بعد الإهداء والمقدمة:

1 ــ القسم الأول:

الجوانب الشخصية، والذاتية للشيخ محمد التجاني زغودة:

نسبه، مولده، نشأته، تربيته، نشاطه بعد الاستقلال، الوظائف، مؤلفاته رحلاته، نشاطه، ما قالوه عن الشيح زغودة.

 

2 ــ  نماذج من كتاباته، وآثاره العلمية:

ـــ خلاصة ما جاد به الزمن من أخبار سيدي خليفة بن حسن.

ـــ محنة ابن الخطيب.

ـــ محمد الطاهر التليلي كما عرفــتُه.

 

من متن الكتاب:

من المقدمة:

« الشيخ والأستاذ محمد التجاني زغودة من الأعلام الذين أنجبتهم مدينة قمار ورجل من رجالات العلم والتربية والتعليم الذين تركوا بصماتهم واضحة للعيان وشجرة من شجرات الفكر والثقافة التي نبتت في مدينة قمار وارتوت من الينبوع الصافي ونمت وأينعت في موطن العلم والعلماء بتونس الخضراء فنتج عن ذلك التلاقح شجرة آتت أكلها مرتين بإذن ربها فكان ذلك الطود الشامخ المنيع والدرة المصونة.

     والهدف من هذا كله إبراز هذه الشخصية للجيل الصاعد وأخذ العبرة من مسار حياته وجعل حياته نبراسا يستضيء به هذا الجيل الجديد، بالإضافة إلى التعريف ببعض آثاره العلمية والأدبية التي عثرنا عليها في آخر هذا البحث المتواضع، وما على الأدباء والمؤرخين إلا المزيد من البحث والدراسة كل في إطار اختصاصه لإخراج صدفات ومكنونات هذه الشخصية، وهذا هو جهد المُقلّ.. ص 3،4»

 

من كتابات الشيخ المرحوم زغودة التجاني:

1 ــ الشيخ العلّمة الطاهر تليلي كما عرفته:

« من أخلاق الشيخ:

  حباه الله تعالى بسجايا ومزايا وأخلاق عالية موهوبة لا مكسوبة قلما تجتمع لغيره، فهو عظيم من أي جانب نظرت إليه، أوتي ذاكرة أمينة وحافظة واعية وذكاء حادا وبصيرة نافذة وعقلا راجحا وجدية صارمة، ومن أبرز صفاته: الإباء وعلو الهمة والصدق في القول والإخلاص في العمل والنفور من حب الظهور لعلمه أن حب الظهور محبط لثواب الأعمال وقاصم للظهور، والإخلاص التام والنصح لكتاب الله وسنة نبيه ولخاصة إخوانه المسلمين وعامتهم يتجلى كل ذلك في حسن إسلامه وصدق وطنيته، فقد عاش مجاهدا بلسانه وقلمه، بنثره وشعره، بسلوكه وعمله، في سبيل إعزاز دينه ورفع شأن وطنه لا يطلب من دنياه إلا الكفاف الذي يحفظه من الإسفاف.

من صفاته الحميدة:

  الثبات على المبدأ والعقيدة لا يساوم ولا يزايد في ذلك مهما كلفه الأمر ومهما ناله من أذى وكلفة من مشاق وأتعاب، صابرا محتسبا لا يلين ولا يهن ولا يتبرم ولا يشكو لأحد وإنما يبث ألمه وحزنه إلى الله وحده. وربما جاشت نفسه في بعض أحايين المحن والأذى فيلجأ إلى القلم والقرطاس يودعه بعض أشجانه وأحزانه في قوالب شعرية.

      ومن صفاته التي أنسناها منه نكران الذات فهو على علمه وفضله وتدينه وسلفيته ووطنيته الصادقة لا يتظاهر بذلك ولا يتبجح به ولا يرى لنفسه فضلا على غيره.

     ومن فضائله الصدق مع نفسه ومع الناس في أقواله وأعماله، فظاهره باطنه وباطنه ظاهره حريص على ما ينفع وطنه ومواطنيه ويرفع من شأنهم ويسدد من خطاهم دينا ودنيا يتألم لما هم فيه من خمول وجمود وتخلف. وفي (دموعه السوداء) الذي كان يبثه أفراحه وأحزانه وآلامه وآماله وأشواقه وأمانيه وجماع ما تختلج به نفسه خير دليل وأوضح برهان على ما نقول.

      ومن فضائله التي كرس لها حياته وأنفق فيها رصيد عمره الطويل العامر سعيه الدؤوب على نشر العلم الصحيح والحث على تحصيله ومحاربة البدع والخرافات وكل ما يعوق مسيرة الأمة في مسالك النهوض والتقدم والتحرر والعزة والكرامة، كما كان -رحمه الله- حريصا على تكوين جيل صالح عامل مجاهد يدافع عن كرامة الوطن وينقذه من مخالب الاستعمار الذي كان يحاول جاهدا وبكل الوسائل – ترغيبا وترهيبا – أن يمسخ هذه الأمة بالقضاء على مقوماتها الأساسية من دين ولغة وتاريخ ليجعل منها قطعانا من العبيد الأذلاء يسيّرهم كيف يشاء ويستغلهم كيفما يريد.

      كان -رحمه الله- يعتبر نفسه حامل أمانة، وصاحب رسالة: " ... فعلّلت نفسي في طريق الإياب إلى البلد بأنني سأرجع إلى بلدي فأخدمها، وأنشر فيها كل ما تعلمته وتلقيته من ثقافة ودين وأدب كما خدمها غيري وعمل لها، سواء من الشيوخ القدماء أو المحدثين، وقلت -في نفسي- ليس تعلمي إلا وسيلة لتعليمي وما تعليمي إلا وسيلة للنهوض بالبلاد وإنبات النبات الحسن من الشباب الصالح المصلح والنخبة المختارة والزبدة والعصارة التي بها تسمو البلاد وعليهم تعتمد، وما أنا إلا ابن من أبنائها يجب علي نحوها ما وجب عليهم ص63،62.»

 

2 ــ موقف الإسلام من العادات والتقاليد:

     الإسلام كما هو معلوم دين إنساني عام يدعو إلى الأخوة الإنسانية على أساس من الإيمان والتقوى والصفاء الروحي والتحرر العقلي، هدفه إقامة مجتمع إنساني مناضل يقوم على الرحمة والخير والمساواة بين جميع الأفراد، قال الله تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)) -الحجرات، ويقول الرسول ﷺ رافضا دعوى العنصرية الجاهلية ومبينا الميزان العدل في التفاضل بين الناس :( لا فَضلَ لعَرَبيٍّ على عَجَميٍّ، ولا لعَجَميٍّ على عَرَبيٍّ، ولا لأبيضَ على أسودَ، ولا لأسودَ على أبيضَ إلَّا بالتَّقْوى، الناسُ من آدَمَ، وآدَمُ من تُرابٍ) رواه أحمد، فالإسلام كدين سماوي إنساني وكرسالة للناس كافة دين سمحٌ كريم، يتسم بالتسامح والمرونة فيما عدا العقيدة وسلامتها وإقامة الشعائر ومراعاة الأحكام الضمانية لسعادة الإنسان، لذلك نراه ينظر إلى التقاليد والعادات نظرة تتسم بطابع المرونة والمسامحة فلا يحارب منها إلا ما يتعارض مع العقيدة، أو مع ركن من أركانه أو بشعيرة من شعائره أو تشريع محكم من تشريعاته أو ما يلحق ضررا بالأفراد أو المجتمع، وأما ما عدا ذلك من عادات الناس وتقاليدهم مما لا يتعارض مع مبادئه وتشريعاته فلا يتدخل فيه ويترك للناس حرية التصرف فيه؛ فهم أحرار في عاداتهم وتقاليدهم ما دامت لا تتعارض مع جوهر الإسلام لا تحل حراما ولا تحرم حلالا.

     وهنالك بعض العادات والتقاليد لا تمس العقيدة ولا التشريع ولكنها مستهجنة عقليا، فهذه لا يقاومها الإسلام عن طريق الأمر والنهي أو الإرغام والإكراه، وإنما يعمل على اجتنابها عن طريق تطور العقول وتوعيتها  بالوعظ والإرشاد حتى تتخلى عنها الجماعات تدريجيا عن طواعية واختيار؛ أما العادات والتقاليد الكريمة وما تواضع عليه الناس مما له صلة بمكارم الأخلاق وآداب السلوك والتعامل فالإسلام يقرره ويقويه ويزكيه ويحض عليه بعد أن ينقيه مما يكون قد علق به من شوائب. 73ص»

     الكتاب قيّمٌ ومفيدٌ للأساتذة، والباحثين، والطلبة، كما هو مفيد للقارئ العادي، والمهنمّ بعلماء، وأعلام مدينة قمار، وربوع منطقة وادي سوف، والجزائر.

    الكاتب، الباحث التجاني بن حسن  القماري، رجل تربية، مهتمٌّ بتاريخ قمار الثقافي، والكتابة عن علمائها، وسبق له إصدار عدّة كتب هامّة عن علمائها، ويكاد يكون الوحيد إلى جانب الباحث، الكاتب، المؤرخ الموسوعي الدكتور محمد ماني في المدية.

 

 

 

 

الاثنين، 9 مارس 2026

 

         يُعرِّفُ قاموس "أوكسفور

" السيرة الذاتية بما يلي:

(كتابة الشخص لتاريخه، وقصة حياته بقلمه)، وكما ورد في "معجم مصطلحات الأدب" أن السيرة الذاتية "سرْدٌ متواصل يكتبه شخصٌ ما عن حياته الماضية.

      إنْ كانت السيرة الأدبية كذلك فإنّ الحوار الثقافي مع الكاتب، أو المبدع، أو المثقّف المنتج للثقافة الذي تُجريه معه وسيلة إعلامية، يقرأه الناس، أو يسمعونه، أو يرون صاحبه ويسمعونه؛ فإن هذا الحوار من خلال ركيزتيْه: السؤال والجواب، وما يتضمّنانه يدخلان في السيرة الأدبية لهذا الكاتب، أو ذاك..


     فقد يكون الحوار منصبًّا على موضوع ما ارتبط بزمان ومكان ما، وقد ينصبّ على جوانب معيّنة ترتبط بمجال الكتابة أو الإبداع، وقد ينصبّ على رأي الكاتب في مواضيع مفصلية من مسيرة مجتمعه كقضايا الثقافة، التاريخ، التربية، الهوية، الأسرة، العنف المجتمعي،...

الأربعاء، 18 فبراير 2026

 

علينا أن لا ننسى

صعْبٌ محْوُ الذاكرة

كتب: بشير خلف

      أيّها القارئ الكريم ما ستقرأه ليس نصًّا سرديًّا خياليا، بل واقعة من جرائم الاستعمار الفرنسي.

        .. أهٍ يا عمّي إبراهيم يرحمك الله؟

     في شهر أوت سنة 1960 ألْقت السلطات الفرنسية القبض عليّ بتهمة أني فلّاّق..إرهابي، فكان التعذيب، والاستنطاق في عدّة أماكن، ومنها القلعة العسكرية الرهيبة المتمركزة في وسط مدينة عنابة في الجهة الغربية من الساحة المعروفة حينذاك( الكور)، ساحة الثورة حاليا.

     الثكنة التي نُقل إليها المعتقلون طوال سنوات الثورة للاستنطاق والتعذيب، وحشْرهم في زنزانات ضيّقة طولها أربع أمتار، وعرضها ثلاث أمتار.

    حُشِرْتُ في إحداها، إذ سبقني إليها (عمّي إبراهيم 90 سنة)، شيخٌ مجاهد مدني من "حيّ القبّة" بغربي المدينة، عُذّب العذاب الأكبر أثناء اعتقاله، في الليل لا ينام، يقضي الليل كلّه يئنّ، يكُتُّ من الألم يتحرّك ذهابا وإيابا من الباب الموصد حتى الجدار المقابل، مسافة أربعة أمتار.

    عمّي إبراهيم عُذِّب في مناطق حسّاسة بالضرب، والركل ، وصدمات الكهرباء في أعضائه الحسّاسة، فانتفخت خسيتاه، وتضخّمتا، فأعاقتاه عن الجلوس، وبسبب شراسة التعذيب تكسّرت عضلات من عموده الفقري يمينا ويسارا، ممّا صعّب عليه قضاء الحاجة البشرية أيضًا.

     في تلك الزنزانة وشبيهاتها لا يوجد مرحاض، بل في كل زاوية زنزانة وراء الباب توجد علبة حديدية..علبة طماطم أو زيتون فارغة، نقضي فيها الحاجة أمام بعضنا، وصباحا ، يفتح الحُرّاس أبواب الزنزانات، فيُــسارع المعتقلون إلى الاصطفاف وراء بعضهم في الممرّ الخارجي حاملين العلب الحديدية الملأى بالفضلات لتفريغها في المصبّ الوحيد.

    يرحمك الله عمّي إبراهيم.. ما أكثر أمثالك دافعوا، وقاوموا الاستعمار، وعُذّبوا، ونُكّل بهم من أجل الجزائر الحبيبة.

     ليت قومي يعرفون هذه التضحيات، وذلك التعذيب، والإبادة الجماعية، والفردية من طرف الاستدمار الفرنسي للشعب الجزائري.

     الرحمة، والمجد للشهداء، والأحرار، والغيورين الذين احتضنوا الجزائر أمًّا حنونة.. تحي الجزائر

السبت، 14 فبراير 2026

 

                            من أقوال أعلام الجزائر

كتب: بشير خلف

    في سنة 1999 بمقرّ الجمعية الثقافية " الجاحظية" بالعاصمة التقيتُ بالمرحوم الطاهر وطّار، رئيس الجمعية، واتّفقنا على أن تطبع إليّ جمعية" الجاحظية" مجموعتيْن قصصيتيْن:(الدفء المفقود)، (الشموخ)، طبْع مشترك، أي التكاليف مناصفة.

    على ظهْر صفحة الغلاف الأخيرة لمجموع الشموخ.. خطّ المرحوم بأنامله:

« بشير خلف

أحدُ الذين بنوا بصمت وبتواضع صرْح الأدب الجزائري الحديث.

     انزوى في قمار بولاية الوادي، يلقن الأجيال الصاعدة العلم ويثري المكتبة الوطنية.

     انضم إلى الجاحظية عند تأسيسها، ويواصل دعمها ماديا وأدبيا، وعندما يزورنا يملأ أجواءنا بابتسامته الهادئة، وبتفاؤله.

     هذه الشموخ إحدى المجموعتين اللتين برمجتهما الجاحظية لهذا الموسم الأول من عام 99.

     إنه إضافة أخرى من بشير خلف، ومن الجاحظية، نأمل أن تجد صداها.»

                                                              الطاهر وطار



 

                                           المجلّة العربية الثقافية     الشهرية في عدد جديد قراءة وعرْض: بشير خلف      صدر العدد الجديد...