الجمعة، 9 يناير 2026

 

                                                 أدب الرحلات.. تجوالُ  مغامرٍ نحو التثاقف والمعرفة

كتب: بشير خلف

     تكشف تسمية "أدب الرحلات" عن طبيعته ومجاله، فهو "أدب" من ناحية منظوره، وموارده، وصياغته، بما يتطلبه ذلك من لغة، وبناء سردي، وتصوير.

     مضمونه يتعلّق بتصوير رحلة، أو رحلات يقوم بها المؤلف/الرحالة، أي أنه يقوم على تجربة مباشرة، وعلى رحلة فعلية، ثم تُحوّل إلى مادة أدبية لغوية غايتها تقديم صورة أمينة، ومؤثرة لمشاهدات الرحالة، وانطباعاته، وملاحظاته.

     يُعرّف أدبُ الرحلات بأنه "مجموع الكتابات الأدبية التي تتناول انطباعات المؤلف عن رحلاته في بلاد مختلفة، وقد يتعرض المؤلف فيها لوصف ما يراه من عادات، وسلوك، وأخلاق، ولتسجيل دقيق للمناظر الطبيعية التي يشاهدها، أو يسرد مراحل رحلته مرحلة ،مرحلة، أو يجمع بين كل هذا في آن واحد.

 


كيف أسهم أدب الرحلة في توثيق

العادات والتقاليد عبر العصور؟

      يتزايد الاهتمام في العالم العربي بأدب الرحلة، وإعادة نشْـر نصوصه السردية، ودراستها، وتكثر الدراسات التي تتناول هذا الجنس الأدبي الذي يُعد من أبرز الأجناس الأدبية التي تعكس تجارب الإنسان في استكشاف المجهول، وتوثيق السّيَرِ، والعادات والتقاليد، وتبادل الثقافات، والتثاقف.

     وقد أثرى كُتّاب وباحثون المكتبة العربية بالكثير من الإصدارات التي اهتمت بهذا الجنس الأدبي، وعدّته من أهم الأجناس الأدبية التي أسهمت في توثيق العادات والتقاليد عبر العصور، حيث يقوم الرحالة بدور الراوي الذي ينقل مشاهداته وانطباعاته عن المجتمعات التي يزورها، مستخدما أساليب سردية متنوعة تعكس رؤيته وثقافته الخاصة.



      فالرحالة ليس مجرد ناقل محايد للمعلومات، بل هو عنصر أساسي في تشكيل الخطاب الرّحلي، إذ يتداخل السرد الذاتي مع التوثيق الواقعي ليخلق نصا أدبيا يجمع بين المعرفة والتجربة الشخصية.

       ويأتي كتاب "الراوي في أدب الرحلة: تمثلات العادات والتقاليد عبر السرد"، لمؤلفه الدكتور عبد الحكيم خليل سيد أحمد، ضمن تلك الإصدارات التي تدور في فلك أدب الرحلة، وتغوص في عوالم الرحالة، وكتاباتهم التي يروون فيها تفاصيل رحلاتهم ومشاهداتهم خلال تنقلهم بين البلدان.

      


يتحدث الكتاب عن الراوي في أدب الرحلة بوصفه وسيطا بين القارئ والعالم الموصوف، حيث تتباين أنماطه بين الراوي العيان الذي يصف ما يراه بحيادية، والراوي المتفاعل الذي يشارك في الأحداث ويؤثر في تفاصيلها.

      ووفقا لمقدمة الكتاب، فإن عملية تمثيل العادات والتقاليد في الرحلات لا تخلو من الذاتية والتأويل، إذ يعمد بعض الرحالة إلى مقارنة المجتمعات التي يزورونها بثقافتهم الأصلية، ما قد يؤدي إلى تكوين صور نمطية، أو أحكام قيمية.

       كتاب "الراوي في أدب الرحلة: تمثلات العادات والتقاليد عبر السرد"، الصادر عن معهد الشارقة للتراث، ينطلق من تساؤلات رئيسة حول طبيعة الدور الذي يؤديه الراوي في تصوير العادات والتقاليد في أدب الرحلة، ومدى تأثير خلفيته الثقافية في رؤيته للأحداث، كما يحاول استكشاف التقنيات السردية التي يوظفها الرحالة في نقل تجاربهم، عبر دراسة مجموعة من النصوص الكلاسيكية والحديثة في أدب الرحلة.

     متْنُ الكتاب

     كتاب "الراوي في أدب الرحلة: تمثلات العادات والتقاليد عبر السرد"، يبدأ بمقدمة شاملة حول أدب الرحلة، توضح تطوره عبر العصور، وأهمية الراوي في تشكيل النصوص الرحلية.

   في المقدمة يشير المؤلف إلى أن فهم العلاقة بين الرحلة والتوثيق الثقافي يُعد أمرا جوهريا، حيث يسهم في تعزيز الروابط بين الشعوب ويعكس التنوع الثقافي الذي يميز كل مجتمع.

      كما يتناول الكتاب دور الرحالة في نقل العادات والتقاليد بين الثقافات، مما يبرز كيف أن هذه الرحلات لم تكن مجرد تنقلات جغرافية، بل كانت أيضا جسورا للتواصل الفكري والاجتماعي.

  كتاب "الراوي في أدب الرحلة: تمثلات العادات والتقاليد عبر السرد"، يُمثل محاولة للإجابة عن إشكاليات جوهرية تتعلق بدور الراوي في تشكيل الصورة الثقافية للمجتمعات المختلفة، عبر توثيق العادات والتقاليد بأساليب سردية متباينة. ومن خلال تحليل نصوص الرحالة من مختلف الفترات التاريخية، يسعى الكتاب إلى تسليط الضوء على ديناميكيات السرد الرحلي، ودوره في التفاعل بين الثقافات.

 

 

الأحد، 4 يناير 2026

 

مجلة فكر العد د45

عدد جديد جانفي 2026

 كتب: بشير خلف

      من مقدمة الموضوع الرئيس بالمجلة:

لتفاهة الرقمية: نقد فلسفي للسطحية المُعولمة في زمن المنصات

 ( في زمنٍ يتسارع فيه كل شيء – من الاستهلاك إلى التواصل، ومن ردود الفعل إلى «صناعة الرأي العام»- برزت التفاهة كأحد أكثر تجليات ما بعد الحداثة راديكالية وخطورة. فهي لم تعد مجرد سلوك فردي أو انحراف ذوقي، بل غدت نظامًا ثقافيًا كاملاً، يُنتج ويُكرّس ويُعمَّم، حتى يغدو «اللا معنى» هو القاعدة، و«العمق» استثناءً معزولًا أو متهمًا بالتعقيد والنخبوية.

     يكتب الروائي الكندي آلان دونو في كتابه (نظام التفاهة): «لم نعد في زمن يُكافأ فيه العارف أو العميق أو صاحب الرؤية؛ بل في زمن يُكافأ فيه من يتقن اللعب داخل النظام، من لا يزعج أحدًا، من لا يطرح أسئلة، من يُتقن لغة الإدارة لا لغة الفكر».

    لكن هذا «النظام الرمزي» للتفاهة لم ينشأ من فراغ. فالمجتمعات الصناعية المتأخرة، كما أشار هربرت ماركوزه، أنتجت بشرًا «أُعيد تشكيل رغباتهم»، وأُقنعوا بأن الحرية تعني القدرة على الاختيار بين سلع استهلاكية، لا التحرر من الاستلاب. ومع الثورة الرقمية، اتخذت هذه الاستلابات طابعًا أكثر نعومةً، بل وأكثر جاذبية. إنها تفاهة «محبوبة»، لأنها مريحة، سهلة، سريعة، وشبه مجانية.

1 ـــ مواضيع فكرية بالمجلة

ـــ التفاهة الرقمية وإعادة تشكيل الوعي الجمعي

ـــ التفاهة الرقمية نقد فلسفي للسلطة المعولمة في زمن المنصّات

ـــ أنثروبولوجيا الخيال، رحلة في متاهات الخيال الإنساني

ـــ الرواية ما بعد الكونوليالية في إبداع نجونجو وإثنونجو

ـــ من الآداب العالمية أدب الرعب القوطي

ـــ أثر الذكاء الصناعي على التعليم العالي

ـــ التأصيل المفاهيمي  للمصطلحات..مفهوما الفكر الإسلامي والفكر الغربي

ـــ اللسانيات الحديثة، وإشكالية المصطلح في اللغة العربية

ـــ مذابح الكتب

ـــ الحقيقة وحدها لا تكفي للزخرفة

ـــ استدراج الأيديولوجيا خلسةً.. اللغة على الإنترنت ليست تواصلًا بقدر ما هي غزوٌ

 2ـــ الأدب والنقد:

ـــ نازك الملائكة والتأسيس الحداثي للفكر النقدي

ـــ تأويلية القراءة النقدية

ـــ من ديوان العرب إلى محورية الوحي

ـــ إنعام كجة جي في عالمها التخييلي تنوب عن وطن من سراب

ـــ الصورة الشعرية في قصيدة مرثية الحب

 3 ـــ الترجمة:

ـــ موسيقى القوارير والجرار

ـــ نجوجي وا ثيونجو والثورة الأدبية الكينية

ـــ جيل دولوز: نظرة أخرى إلى الفلسفة

ـــ الكتابةُ عند جوزيه ساراماغو بوصفها ممارسة إبداعيّة لإعلان السُّخط

ـــ كيف شكّل إسحاق أسيموف عالم الروبوتات واستكشاف الفضاء وتنبأ بالإنترنت

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 عدد ثريّ من الفكر والإبداع، والترجمة إلى الفنون، والحوارات

الفكرية، وعرْض الكتب

الخميس، 1 يناير 2026

 

                                الأمثال الشعبية بميزان العصر:

                            لماذا تَخلُد "حكمة الأجداد" وتسقُط "أمثال الخنوع"؟

      الأمثال بين الماضي والحاضر .. الأمثال التي تدعو للصبر والوفاء ظلت صامدة لكونها تعزز الفضيلة

      الأمثال الشعبية هي بمثابة الدستور غير المكتوب بين الشعوب، فهي خلاصة تجارب، وعصارة خبرات طويلة مما جعلها مُكوِّنا أساسيا من مكونات الثقافة، تبنى عليها قرارات وتتخذ على إثرها مواقف، تبدأ مع الإنسان منذ طفولته وربما ترتيبه بين إخوته إذا كان الأول، أو الأخير فقد يكون "حظه كبيرا" أو العكس.

      في ظل التغيرات المتسارعة في القرن الأخير بقي عدد من الأمثال صامدا لعقود، بينما تراجع استخدام أمثال أخرى على ألسنة الشعوب، ومنها العربية، فما الذي يحدد عمر المثل الشعبي؟ وكيف ينتقي الوعي الحديث هذا الموروث؟

 سرُّ الخلود

      تلفت الباحثة الجزائرية نورية سوالمية في ورقة بحثية نشرتها عام 2018، عن "دور الأمثال الشعبية في التنشئة الاجتماعية" إلى أن سرّ بقاء بعض الأمثال لسنوات طويلة يكمن في قدرتها على التعبير عن "الحقيقة الكلية" والظرف الإنساني المستمر، أو استنادها إلى موروث عقائدي وحضاري صلب.

  وهي ترى أن الأمثال التي تردد خلاصة التجربة اليومية تعد ملكا للمجموعة لأنها تريح النفس وتواسيها بحكمة وفلسفة عملية، مشيرة إلى أن المثل يظل حيا إذا نبع من صميم التركيبة الاقتصادية والاجتماعية.

الاثنين، 29 ديسمبر 2025

 

       

الكتابة قيمة إنسانية ساميةٌ

كتب: بشير خلف

        الكتابة رسالة حضارية نبيلة. أنْ تبدعَ فأنت فنانٌ ..أن تكتبَ فأنت تؤدي رسالة سامية وتمارس وجودك بوعي، وتتجاوز ذاتك لتلتحم بالآخر أفقيا وعموديا وزمكانيا.

     الكتابة فعل إنساني قيْمي يمارسه المثقف، الكاتب الحر، الناقد لمسيرة مجتمعه، نقْدًا صادقًا بنّاءً، غايته التغيير إلى ما هو أصلح ..الكتابة الحرّة تنقد الخطأ باعتباره سلوكا مُضرّا بالذات والغير كيفما كان الخطأ، ومهما كانت قيمة ومرتبة فاعله ..الكتابة الحرة تبشر بالخير، وتزرع الفرح والمحبة، وتفضح الظلم والتحيّز والقهر والعدوان .

       ولمّا كانت الكتابة تحتل هذه المكانة قديما، وازدادت حديثا، وصارت هي قِوامُ الحضارة المعاصرة، ثم هي وسيلة التدوين والتواصل الزمكاني وملْء الكتب والدفاتر والوثائق بالعلوم والمعارف وشتى مناحي الفكر والبحوث، وهي وسيلة حفْظ الوثائق والأسرار، وسجلات العمل في التجارة والمعاملات والوظائف وسيْر الإدارات وطلب العلم في المدارس والمعاهد والجامعات.. فإن حياتنا لا تستقيم ولا تتيسّر أمورها بدون هذه الوسيلة الحضارية. فقد جاء في القرآن الكريم على سبيل التكريم والتقدير، حيث نسب الله سبحانه وتعالى الكتابة إلى ملائكته المُكرّمين إذْ قال:

{وإنّ عليكم لحافظين . .كرامًا كاتبين} ـ سورة الانفطارـ

 

 

الخميس، 25 ديسمبر 2025

 

 

معجم الدوحة التاريخي للغة العربية

كتب: بشير خلف

      صدر هذه الأيام معجم الدوحة للغة العربية، المعجم الذي شارك في إعداد عشرات الأساتذة، والكُتّاب، والباحثين من البلدان العربية بما فيها الجزائر، أُلن عن صدوره في احتفائىة كبيرة بمدينة الدوحة عاصمة قطر.

    معجم الدوحة التاريخي للغة العربية سجلٌّ حضاري حافل، وتوثيق زمني لتكوّن العقل العربي في قيمه ومفاهيمه وأدوات تفكيره. وهو    يقدم عبر مداخله المعرّفة، وشواهده الموثقة، ومدوناته النصية الهائلة، إمكانات غير محدودة للإسهام في نهضة الأمة

     فاق الاستثمار من أوجه استعمال المعجم أنه يمكن استغلال ما يزخر به من ثروة مصطلحية وفيرة -أصيلة ومقترضة- تغطي جل العلوم والمعارف والفنون، في مجالات حيوية كالترجمة والبحث العلمي والتعليم وغيرها، بدل اللجوء إلى الاجتهاد الشخصي والتعريب الذي لا يخضع للمواضعات القارة.

     معجم الدوحة التاريخي للغة العربية سجل حضاري حافل، وتوثيق زمني لتكوّن العقل العربي في قيمه ومفاهيمه وأدوات تفكيره. وهو -إضافة إلى ذلك- يقدم عبر مداخله المعرّفة، وشواهده الموثقة، ومدوناته النصية الهائلة، إمكانات غير محدودة للإسهام في نهضة الأمة: فكريا وتربويا وعلميا، ولا سيما حين يستثمر في مجالات كالمصطلحات ومحركات البحث ونماذج الذكاء الاصطناعي.

    وفي السياق نفسه، يمكن أن تستخلص من المعجم معاجم "قطاعية" متخصصة، مثل: معجم مصطلحات الطب والصيدلة، معجم مصطلحات الفيزياء، معجم المصطلحات الفلسفية.. ومن سمات تلك المعاجم الاصطلاحية أن مصطلحاتها -أسوة بمداخل الألفاظ العامة في المعجم- مؤرخة، وأن لها شواهد سياقية تداولية موثقة، وهو ما يعز نظيره في المعاجم القطاعية التي تكتفي غالبا بإيراد المداخل المصطلحية معرفة دون تعضيدها بشواهد حية.

الخميس، 18 ديسمبر 2025

 

الجمال آخر ما تبقّى من إنسانيتنا

كتب بشير خلف

     الإنسان عندما يشعر بخطر الفناء يلاحقه أينما تواجد، وتخلّى عنه القريب، والصديق، وتآمر عليه الكلّ، ترتفع آهاته.

 الكاتبة الفلسطينية طه وداد من مقال لها بعنوان:

(الجمال آخر ما تبقّى من إنسانيتنا)

 «الجمال ربما لا يُنقذ العالم كما حلم دوستويفسكي، لكنه بالتأكيد يمنع العالم من أن يفقد معناه الحقيقي.

     ربما الفكرة الأساسية لهذا المقال هي محاولة النجاة من شعوري الخاص بالخطر: خطر العدم، وخطر الحضور.

       الخطر الأول يأتي من حرب المعدات العسكرية المثالية، والخطر الثاني من الصور الفوتوغرافية المثالية.

      عرف هذا العام قسوة لا نظير لها، فلم نكن مستعدين لما شهدته حواسنا، وانسلّ إلى وعينا ولا  وعينا من مشاهد ومواقف وتجارب جعلتنا على تماس مباشر مع خطر التشوه، لا الموت فحسب.

     فهل نجونا تماما؟ وهل خطر الإبادة، أو الحرب التي لا تعرف رحمة هو الخطر الوحيد الذي يهدد شعورنا الإنساني بالحاجة إلى ركن جميل لنحيا فيه؟

     وهل للجمال علاقة بالسياسة ؟

      تقول مِرْآتي إنني جميلة، وتقول صور الحسناوات إنني خارج الزمن. ما معنى الجمال؟ وهل هو قادر على مواجهة هذا العالم؟

الاثنين، 10 نوفمبر 2025

 

صانعو الأدب ورافضو الأوسمة..

حين يصبح رفضُ الجائزة موقفا

كتب: بشير خلف

       في عالم الأدب، يمكن تمييز صنفين من الكُــتّاب:

1 ــ صنفٌ تلمع عيناه كلما رأى بريق الأوسمة.

2 ــ صنفٌ آخر يرفع حاجبيه بتأفف، وكأنه يقول:

«احتفظوا بذهبكم، أنا أكتفي بالقهوة والورق».

      وفي الوقت الذي يتهافت فيه الكثيرون على صيد الجوائز في محافلها العالمية، حتى باتت أسماءُ بعضهم ملازمة لصخب النجومية، والحضور الإعلامي، تُحسَبُ لأقلية أخرى نزعتها المضادة؛ فمنهم من رفض الجائزة بعد التتويج، ومنهم من قاطعها طوال حياته الإبداعية، لأسباب تتنوع بين السياسي، والأخلاقي، والإنساني، والوجودي، أو الأدبي الخالص.

      منذ عديد الأيام، رحل عن دنيانا الكاتب الروائي المصري صنع الله إبراهيم عن عمر ناهز 88 عاما، وهو أحد الذين تبوّؤوا مقعدهم بجدارة في نخبة رافضي الجوائز.

 


مبادئ تتحدى بريق الذهب

      لم تحظ الجوائز الأدبية بإجماع بين الكُــتاب منذ نشأتها. ففي عام 1925، رفض الكاتب الأيرلندي جورج برنارد شو جائزة نوبل للآداب، ساخرا من مؤسِّسها بالقول:

«قد أغــفرُ له اختراعه للديناميت، لكنني لا أغفر له اختراع جائزة نوبل».

     وفي عام 1926، رفض الروائي الأميركي سنكلير لويس جائزة "بوليتزر" المرموقة احتجاجا على قرارات تحكيم سابقة، قبل أن يقبل "نوبل" بعد 4 سنوات.

     وعلى المنوال ذاته، رفض ويليام سارويان جائزة "بوليتزر" عام 1940 لأسباب مبدئية، بينما وصفها إدوارد ألبي عام 1967 بأنها "شرفٌ في حالة انحدار".

      أمّا الموقف الأكثر تشددا فكان للفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، الذي رفض جائزة نوبل عام 1964 والوسام الفرنسي عام 1945، تحاشيا لما اعتبره " فخ السلطة الرمزية ".

    

الجائزة ساحة احتجاج سياسي

     بعد نصف قرن من مواقف سارتر، وشو، دخل الأدب العالمي فصلا جديدا من (جوائز بلا فائزين)، حيث أخذت المواقف المناهضة للجوائز بُــعدا سياسيا أكثر وضوحا، خصوصا في ظل الحرب الإسرائيلية على غزة.

      في الولايات المتحدة، انسحب 9 كتاب من جوائز "القلم" الأميركي عام 2023، وفي عام 2024، ارتفع العدد إلى 29 كاتبا، مما أدى إلى اختفاء الجائزة من الرزنامة، احتجاجا على موقف المؤسسة الذي اعتبروه مُطبِّــعًا مع إسرائيل.

 

       رفضت الكاتبة الأميركية من أصل هندي، الحائزة على جائزة بوليتزر، جومبا لاهيري، جائزة "إيسامو نوغوتشي" بنيويورك لعام 2024، بسبب فصْل موظفين ارتدوا الكوفية تضامنا مع الشعب الفلسطيني.

      أعادت الكاتبة من جنوب أفريقيا، زوكيسوا وانر، ميدالية معهد غوته التي فازت بها عام 2020، لأن ألمانيا، حسب وصفها،" تتواطؤ في الإبادة " وتصدّر الأسلحة لإسرائيل، وكأنها تقول:

"ا حتفظوا بزخارفكم، أنتم على الجانب الخطإ من التاريخ ".

"أعتذر عن عدم قبولها"

     

      عربيا، شكّـل موقف صنع الله إبراهيم عام 2003 حدثا بارزا، حين رفض جائزة ملتقى القاهرة للرواية العربية، احتجاجا على سياسات نظام الرئيس الراحل حسني مبارك، وَصمْت الحكومة المصرية إزاء ما يجري في العراق، وفلسطين.

     عندنا من الأدباء، والمبدعين وبخاصّة كُتّاب الرواية متلهّفون، وأفئدتهم محروقة على جوائز البترو خليج دولار، وصاروا شبه متأكدين على أّن الشرعية تُمنح من هناك.

                                                    أدب الرحلات.. تجوالُ  مغامرٍ نحو التثاقف والمعرفة كتب: بشير خلف      تكشف تسمية ...