الثلاثاء، 12 مايو 2026

 

                                                           روح الثقافة

      الدكتور عبد الرزاق بلعقروز يطالعنا في مقدمة كتابه "روح الثقافة " بجملة من الأفكار التي تُعَدُّ بسْطًا أوليًّا لما سيتناوله في فصول الكتاب، حيث عنونها بـ"الثقافة باعتبارها نشاطًا نوعيًّا للإنسان"، وأول ما يطالعنا به هو أنه جال في الخواطر، والأفهام: ــ المفهوم السلبي عن الثقافة، والمفهوم الارتكاسي لها اللذان يُرسّخان السكون التاريخي، والوجود النظري المجرد.

     فحال الثقافة من حال الحامل لهذا الإرث الرمزي، فإذا كان المثقف فاعلًا مؤثرًا في العالم، فإن صورة الثقافة تظهر متجددة لها وظيفتها التغييرية، والتحسينية للعالم، وأما إنْ كان حال المثقف منفصلًا عن الحركة، وعن الاشتباك مع الواقع والتاريخ، فإن صورة الثقافة تنكمش، وتخبو، وتصبح أثرًا بعد عين.

    لذا فإن صورة الثقافة من صورة المثقف وفعله، موتها من موته، وحياتها من حياته.

      فالنشاط النوعي للإنسان هو الذي يرسم قيمة الثقافة بمعناها المنبسط في الذات وفي التاريخ.

     وهنا يأخذنا التساؤل نحو سَبْر الشروط التي تحقق الفعل الثقافي النوعي، أو متى تكون الثقافة قوة تترك أثرها في العالم، وتجدّد في الإنسان قيمه؟ وهناك شقان للإجابة عن هذا السؤال:

1ـــ الأول يُعنى بالثقافة ومضمونها.

2 ـــ والثاني يخصُّ المثقف وذاته.

     أما الثقافة فإنها ليست مجرد أسلوب في الحياة جامد وساكن، يعيد إنتاج الأفكار، والممارسات بصورة تكرارية جامدة، فهي هنا أقرب إلى المدلول المتصلب الساكن والثابت.

 

       يبيِّن الكاتب أن الثقافة التي تنتج النشاط النوعي للإنسان وتُــسائله عن دوره الوجودي وأثره في العالم، هي تلك التي ترى العالم في حالة حركة وصيرورة وتعاقب القوى عليه في فرض معانيها على الأشياء.

     والإنسان ليس نموذجًا ثابتًا وليد اندفاعات التاريخ المريضة، بل هو الإنسان الذي يُسهم بالفعل الثقافي في صناعة تاريخ جديد، أو يخترع تاريخًا جديدًا، إنه ضد المفاهيم الجبرية عن الفعل والتاريخ، فحركة التاريخ لم تنتهِ بعدُ، وما زالت تتجه نحو إمكانات عديدة وفرص مستقبلية أخرى.

     يتضح إذن أن بثَّ الحياة والحركة والتجديد في الثقافة مشروطٌ بتجديد الرؤية إلى العالم، والعالم هنا هو تلك الآثار التي تتركها النفس الإنسانية في سفرها التأويلي للعالم، وهو العلامات التي تتركها ثقافة من الثقافات بوصفها أعراضًا على أفعالها النوعية في التاريخ، فالعالم اليوناني هو قوة الفكر، والفلسفة، والشعر، والعالم الإسلامي هو فعل العلم، والقراءة، وحركة العمران في التاريخ، والعالم الأوروبي هو تجربة الحداثة في مركزية الإنسان، وتقدير النظام العلمي، والعقلنة.

      وهكذا، وبمقتضى هذا الإقرار في مدلول كلمة العالم أن الثقافة الفاعلة، والنوعية هي تلك التي تنظر إلى العالم على أنه مشروع إنجازيٌّ، وليس مكانًا جغرافيًّا يعيش فيه الإنسان حياته الحيوية.

     أما عن سَبْر حال المثقف الذي يتحقَّق بالإبداع، والتأثير في العالم، فهو الذي ينثر الحكمة على الجميع، ويشعر دومًا أن ما يملكه من أفكار، ومفاهيم، وفنون (أفكار الثقافة) هي العامل الحاسم في تغيير الإنسان، أو تحويله، ولكي يصل إلى هذا المقصد لا بدَّ له أن يفجر مكنوناته الروحية أولًا، ثم مكنوناته الفكرية ثانيًا، كما يظهر بعمله في الواقع، والتاريخ.

      فالمكنونات الروحية، مثل العلم، والإخلاص...، متى لبسها المثقف كانت له درعًا واقيًا من الانجذابات نحو الجزئيات ،والصدامات الثقافية.

      إن المثقف يهتدي بوهج الحقيقة، والقيمة العليا الهادية، والسامية، بينما تنفجر مكنوناته الفكرية بالقراءة، والحوار، والمتابعة، والخدمة، والعمل؛ فالفكر يتقوَّى بالقوى الروحية ويتقوَّى بالعمل المستمر المترابط مع حركة الواقع والمنفتح على التجارب الثقافية السائدة تبادلًا وتكاملًا.

     إذن، مفهوم الثقافة يتأسس على أن الوجود يساوي الإبداع والأثر في العالم، والإرادة تعادل إثبات الحياة لا نفيها، الإثبات الحيوي الذي يغير من الإنسان من أعماقه وليس من خارجه فقط. وتتجذر الثقافة في الموارد الروحية للإنسان، التي هي أساس الحركة وخط الانطلاق ونسج الفعل.

 

 قسم الكاتب كتابه إلى حمسة أبواب:

1- في العقل الروحي والتنوع التنظيمي

2- الثقافة وسمات المنهج

3- في البدء كانت الروح إرشادات في تربية الإنسان

4- الفلاسفة والجائحة: تنازع التأويلات

5- أي دور للثقافة في ظل الوباء البيولوجي؟

 

      معنى الثقافة هو الأمر الحاسم لمعرفة ما إذا كان لها دور أم لا. فإذا كان البعض يرى أن الثقافة هي الموروث الرمزي لمجتمع من المجتمعات من غير دور له في الواقع، فإن هذا المفهوم جامد لا حركة فيه، ويرى آخرون أن الثقافة هي وحدة أسلوب الحياة في مجتمع من المجتمعات من غير قوة في هذه الحياة أو حركة فيها، فإنه مفهوم لا تاريخي ولا حركي. أما المفهوم الذي نراه ضمن هذه التحديات الجديدة، فيرتبط بالبُعْد الأخلاقي، والقيمي للإنسان، فالثقافة هي فعلٌ في هذا العالم، وليس سكنًا فيه فقط، وروح هذا الفعل هو تقويم الأفكار، والأفعال التي تظهر، وتعطل حركة الإنسان في العالم أو تصرف سعيه عن الإبداع، والتجاوز والإقدام.

     فالثقافة إذن هي نمطٌ متميز من الوجود النوعي للإنسان، ومعجمه التأويلي للعالم لا يعرف إلا مفردات: الحياة والحركة والإثبات، والقوة المعنوية، والتأثير، والتجاوز، والفعل الارتقائي.

ـــ للثقافة دور حاسم ومكين في ظل هذا الظرف الذي تمرُّ به الإنسانية، فلها الدور التقويمي لمجمل الأفكار والأفعال الحائدة عن مطالب الصحة الفكرية والبيولوجية، فالتثقيف هنا فعل توجيهيٌّ وإسهام تطوعيٌّ نراه فيما تقوم به مؤسسات المجتمع المدني من تفريج للكروب وإعانة لمن هم في أمسِّ الحاجة إلى متطلبات الصحة العمومية.

 

       ويخلص مؤلف كتاب روح الثقافة الدكتور بلعقروز بخلاصة إلى أن الثقافة لا بدَّ أن تكون فعلًا تغييريًّا، وتعديليًّا للإنسان:

 فكرًا، وقولًا، وعملًا، فعلًا مستمرًّا، وقويًّا، وزاخرًا بالقيم الإنسانية السامية، فالإنسان من غير ثقافة تلازمه في حال الاعتدال، وفي حال المرض، هو كتلة بيولوجية تسري فيها مطالب الغريزة المتكررة والثابتة.

      إن الثقافة إذن هي روح الإنسان العارجة نحو المعنى، والقيمة.

     كان المرحوم مالك بن نبي دومًا منفتحًا على نصوص وعلوم متنوعة، وهذا هو سِرُّ الإبداع الذي طبع فكره. ومن سماته الظاهرة: قراءة النصوص ثم هضمها ثم الأخذ بها إلى الواقع لأجل تحسينه والرفع من قيمته.

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

                                                              روح الثقافة        الدكتور عبد الرزاق بلعقروز يطالعنا في مقدمة كتابه ...