السبت، 31 أكتوبر 2015

الأزمة ..أكثر من أزمة كتاب وقراءة


      الأزمة ..أكثر من أزمة كتاب وقراءة
بقلم: بشير خلف 
 أزمة الكتاب في العالم العربي بما في ذلك الجزائر، لا تعني فقط أزمة قراءة ، إنها أزمةٌ ثقافيةٌ شاملة، تبدأ بالأسرة التي ترى أن تجهيز المطبخ أوْلى من الكتاب .
       فقدان مشروع ثقافي مجتمعي، والنظرة الدونية لأهل الحلّ والربط للثقافة، القطاع الأوّل الذي ينال سوْط التقشّف ... إلى إشكاليات الطباعة، والنشر، والتوزيع والقراءة...ولا ننسى مستوى الدخل للفرد العربي، أمام تحدّي تعدّد الأبناء في العائلات المتوسّطة والفقيرة، وارتفاع أسعار الموادّ الاستهلاكية.. عوامل من مجموعة عوامل كثيرة تؤسس لمجتمع في طريق الانحدار نحو تميّع القيم، والهرولة نحْو ثقافة الاستهلاك.

الاثنين، 19 أكتوبر 2015

مجموعتي القصصية الأولى ..أيقونة الروح، وبدايات الحكي


مجموعتي القصصية الأولى ..أيقونة الروح، وبدايات الحكي
بقلم: بشير خلف
      إن أول قصة قصيرة كتبتُها كانت في سنة 1972، بعد أن حبرتُ عدة مواضيع اجتماعية أرسلتُها إلى صحيفة " المجاهد الأسبوعي " التي كانت يومئذٍ هي وصحيفة " الشعب " تملآن الساحة المعرّبة، وأيضًا صحيفة: النصر" بدرجة أقلّ، والتي عُرّبت سنة 1972.. ثم التفتُّ إلى مجلة " آمال" المجلة الشهرية الأدبية الثقافية، المخصصة لأدب الشباب، التي كانت تصدرها حينذاك وزارة الإعلام والثقافة بالجزائر، ويتولّى رئاسة تحريرها الأستاذ عبد الحميد السقّاي، فكانت أول قصة تُنشر لي في المجلة في عدد فيفري 1972 بعنوان: " الأبي" وتنشر لي أيضا في عددها الواحد والعشرين بتاريخ اجوان ـ أوت 1974 عمليْن في عدد واحد.. قصة قصيرة في باب القصة بعـنوان" القدر الساخر"، وقصيدة شعرية في باب الشعر عـــــــــنوانها:" صرخة جُـــرْحٍ" ..ويتتالى نشْرُ القصص القصيرة لي بالمجلة في أغلب أعدادها المتوالية:25 ،26 ،27 ،28 ،30 ،33،43،44... ولم تُرفض لي أيّ قصة.
        في أوائل جانفي 1977 اتصل بي الأستاذ بشير قاضي الموظف بديوان الوزير يعلمني بأن الوزارة قرّرت جمْع كل القصص التي صدرت لي بمجلة آمال، ويستشيرني عمّا إنْ كنت موافقًا على أن تصدر لي في عدد خاص من المجلة، فأبديتُ موافقتي في الحال، حيث صدرت في العدد 39 بتاريخ ماي ـ اجوان 1977 مجموعة قصصية تحمل عنوان" أخاديد على شريط الزمن.." عدد به 19 قصة، وخمسُ قصص قصيرة جدا.
      المفارقة أني لم أستلم العدد الخاص من وزارة الثقافة مباشرة، أو عن طريق البريد، إنما ابتعــتُه من مكـــتبة بمدينة الوادي كانت في كل شهر تصلها المجلات الثقافية العربية من تونس ( الفكر، الثقافة)، مـصر( الهلال، إقرأْ)، لبنان ( الآداب، الأديب) ، العراق( الأقلام، الطليعة الأدبية)، ليبيا( الثقافة العربية)، السعودية(الفيصل)، قطر ( الدوحة) ، وكذا مجلة  " الثقافة" و " الأصالة " ، ومجلة " آمال" ..
        وأنا أدخل المكتبة كعادتي كي أقـتني ما ألِــفتُ اقتناءه من تلكم المجلاّت العربية، فاجأني صاحب المكتبة بمجلة " آمال" يمدها إليّ، ويهنئني، وأنا لم أصدّق أن يصدر عدد خاص لي وحدي، ولا يشاركني فيه أحدٌ.. غادرت المكتبة لأجد نفسي دون وعْــي منّي أجلس على رصيف الشارع غير آبهٍ بحركة المرور، ولا بالمارّين، ولعلّ ما أبهرني ذلكم الإخراج الجيد، وذلكم التصميم الرائع للفنان التشكيلي الموهوب الطاهر أومان.. لوحة تشكيلية معبّرة عن عتبة المجموعة وقصصها.. إبداع جمالي راقٍ في تقنية الألوان وتوظيفها.
       وكأنني غير مصدّق أن يصدر لي هذا العمل الإبداعي، فبمجرّد عودتي إلى المنزل قرأت القصص المنشورة بالمجلة تباعًا، وقارنتها مع النسخة الموجودة عندي، فـكان التطابق التام.. أن يصدر لك عمل أدبي في ذاك العهد، ومن طرف هــيئة رسمية تتولّى الإشراف على الثقافة في الدولة الجزائرية، وتنعدم مؤسسات أخرى للطبع والنشر في البلد، يعني أنك وضعت رجلك في مسار الإبداع والكتابة.
       لم أستلم من وزارة الثقافة ولا نسخة واحدة من المجلّة، ولم أتلقّ تعويضًا.. بصدق هذه أبجدياتٌ ما كانت تخطر على جيلي من الكُتّاب والمبدعين حينذاك؛ كما أنّ ثقافة الإهداء إلى الأصدقاء، أو البيع بالإهداء غير معروفة ، حيث كانت الحركة الأدبية نشطة، والكتاب متوفّرا، وكذا المجلة الأدبية، ونسبة المقروئية مرتفعة ؛ فما أن يظهر على الساحة عملّ أدبيٌّ، أو فكريٌّ حتى يتهافت عليه القرّاء، وينفد بسرعة.. الكاتب حينها ليس في حاجة للتعريف بنفسه، أو بعمله من خلال الإهداء إلى الأصدقاء، أو بالبيع بالإهداء.
       العدد الخاص لمجلة آمال الذي صدر لي لا يزال أغلب مثقفي ومبدعي تلك المرحلة يحتفظون به، إذ كلّما التقيت بأحدهم ذكّرني به؛ إضافة إلى أنه كان جواز مرور لي في فضاء الكتابة السردية، وتوالي الإصدارات، بحيث نفس العدد طُـبع ككتاب " مجموعة قصصية " صدرت عن الشركة الوطنية للنشر والتوزيع سنة 1982 التي ترّأس إدارتها حينذاك الكاتب المبدع خلاّص الجيلاني، ثم صدرت المجموعة القصصية الثانية الموسومة بــ " القرص الأحمر " سنة 1986 وغيرها فيما بعد من الإصدارات لتوشّح مساري الفكري والإبداعي إلى أيامنا هذه، والحمد لله على فضله ونعمائه، وتوفيقه لي.
       

وفاة الكاتب المصري جمال الغيطاني بعد صراع مع المرض


وفاة الكاتب المصري جمال الغيطاني بعد صراع مع المرض
        توفى يوم الأحد 18 أكتوبر 2015  الروائي المصري الكبير جمال الغيطاني، بمستشفى الجلاء العسكري بالقاهرة حيث كان يرقد في مركز رعاية القلب المفتوح منذ منتصف أوت الماضي.
        وكان الغيطاني يعاني من ارتشاح في المخ، ومكث على أجهزة التنفس الصناعي مُنذ دخوله المستشفى، الذي نُقل إليه في حالة متأخرة، وذلك بعد أن توقفت عضلات قلبه تمامًا.
        ولد جمال الغيطاني في جهينة، أحد مراكز محافظة سوهاج ضمن صعيد مصر، في 9 ماي عام 1945، وتلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة عبد الرحمن كتخدا، وأكمله في مدرسة الجمالية الابتدائية، وفي عام 1959 أنهى الإعدادية من مدرسة محمد علي الإعدادية، ثم التحق بمدرسة الفنون والصنائع بالعباسية.
      وتعرض الغيطاني إبان ولاية الرئيس الراحل جمال عبد الناصر للاعتقال بضعة أشهر بسبب نشاطاته السياسية.
        وفي عام 1969، استبدل الغيطاني عمله ليصبح مراسلا حربيا في جبهات القتال وذلك لحساب مؤسسة أخبار اليوم، وفي عام 1974 انتقل للعمل في قسم التحقيقات الصحفية، وبعد 11 عاما وبحلول عام 1985 تمت ترقيته ليصبح رئيسا للقسم الأدبي بأخبار اليوم.
      قام الغيطاني بتأسيس جريدة أخبار الأدب في عام 1993، حيث شغل منصب رئيس التحرير.
      للغيطاني أعمال روائية وقصصية لافتة، منها: “الزيني بركات” و”متون الأهرام” و”التجليات” و”حكايات المؤسسة” و”سفر البنيان” و”أوراق شاب عاش ألف عام” و”خلسات الكرى” و”المجالس المحفوظية” وغيرها.
       وعرف الغيطاني بتصريحاته المعارضة لبعض رموز نظام الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك مثل وزير الثقافة “فاروق حسني” وأمين عام الحزب الوطني “أحمد عز”، كما هاجم الإخوان المسلمين بعد تولي محمد مرسي رئاسة مصر، وأصبح مؤيدا قويا للرئيس عبد الفتاح السيسي عندما أطاح بمرسي في تموز/يوليو 2013.
      وقد حصل الغيطاني على جائزة الدولة التشجيعية للرواية عام 1980، وجائزة سلطان بن علي العويس عام 1997، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، ووسام الاستحقاق الفرنسي من طبقة فارس عام 1987، وجائزة لورباتليون لأفضل عمل أدبي مترجم إلى الفرنسية عن روايته “التجليات” مشاركة مع المترجم خالد عثمان في 2005، وجائزة الدولة التقديرية عام 2007، وترجمت أعماله السردية إلى لغات متعددة.

الخميس، 8 أكتوبر 2015

الروافد الثقافية


        الروافد الثقافية 
    من الروافد الفكرية والثقافية المتميزة إنشاء قصور الثقافة، ودُور الثقافة، والمكتبات الرئيسية للمطالعة، وغيرها.
       التساؤل المطروح: هل ساهمت هذه الروافد عندنا في بناء آفاق المعرفة، والثقافة لدى الشباب؟ وهل بادرت، وتبادر بمسابقات ثقافية، وأدبية جادّة رصدت، وترصد لها جوائز تشجيعية لدعم الحركة الثقافية والأدبية، والنقدية لاكتشاف المواهب، والقدرات الشبابية، واحتضانها؟ ورعايتها سواء وطنيا أو محلّيا ؟
        من يملك الجواب فليذكّرْني لأنّ ذاكرتي لم تنقذني ...؟ ! !
      

الثلاثاء، 6 أكتوبر 2015

مجموعتي القصصية الأولى ..أيقونة الروح، وبدايات الحكي


مساهمتي في ملفّ " ديوان الحياة " الموسوم بــ (أدباء يستعيدون فرحة صدور "الكتاب الأول) الصادر صبيحة الأربعاء 30 / 09 / 2015 بيومية الحياة الجزائرية الذي يشرف عليه الكاتب والإعلامي الروائي الخيّر شوّار.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجموعتي القصصية الأولى ..أيقونة الروح، وبدايات الحكي
بقلم: بشير خلف
       إن أول قصة قصيرة كتبتُها كانت في سنة 1972، بعد أن حبرتُ عدة مواضيع اجتماعية أرسلتُها إلى صحيفة " المجاهد الأسبوعي " التي كانت يومئذٍ هي وصحيفة " الشعب " تملآن الساحة المعرّبة، وأيضًا صحيفة: النصر" بدرجة أقلّ، والتي عُرّبت سنة 1972.. ثم التفتُّ إلى مجلة " آمال" المجلة الشهرية الأدبية الثقافية، المخصصة لأدب الشباب، التي كانت تصدرها حينذاك وزارة الإعلام والثقافة بالجزائر، ويتولّى رئاسة تحريرها الأستاذ عبد الحميد السقّاي، فكانت أول قصة تُنشر لي في المجلة في عدد فيفري 1972 بعنوان: " الأبي" وتنشر لي أيضا في عددها الواحد والعشرين بتاريخ اجوان ـ أوت 1974 عمليْن في عدد واحد.. قصة قصيرة في باب القصة بعـنوان" القدر الساخر"، وقصيدة شعرية في باب الشعر عـــــــــنوانها:" صرخة جُـــرْحٍ" ..ويتتالى نشْرُ القصص القصيرة لي بالمجلة في أغلب أعدادها المتوالية:25 ،26 ،27 ،28 ،30 ،33،43،44... ولم تُرفض لي أيّ قصة.
         في أوائل جانفي 1977 اتصل بي الأستاذ بشير قاضي الموظف بديوان الوزير يعلمني بأن الوزارة قرّرت جمْع كل القصص التي صدرت لي بمجلة آمال، ويستشيرني عمّا إنْ كنت موافقًا على أن تصدر لي في عدد خاص من المجلة، فأبديتُ موافقتي في الحال، حيث صدرت في العدد 39 بتاريخ ماي ـ اجوان 1977 مجموعة قصصية تحمل عنوان" أخاديد على شريط الزمن.." عدد به 19 قصة، وخمسُ قصص قصيرة جدا.
المفارقة أني لم أستلم العدد الخاص من وزارة الثقافة مباشرة، أو عن طريق البريد، إنما ابتعــتُه من مكـــتبة بمدينة الوادي كانت في كل شهر تصلها المجلات الثقافية العربية من تونس ( الفكر، الثقافة)، مـصر( الهلال، إقرأْ)، لبنان ( الآداب، الأديب)، العراق( الأقلام، الطليعة الأدبية)، ليبيا( الثقافة العربية)، السعودية(الفيصل)، قطر ( الدوحة)، وكذا مجلة " الثقافة" و" الأصالة "، ومجلة " آمال" ..
         وأنا أدخل المكتبة كعادتي كي أقـتني ما ألِــفتُ اقتناءه من تلكم المجلاّت العربية، فاجأني صاحب المكتبة بمجلة " آمال" يمدها إليّ، ويهنئني، وأنا لم أصدّق أن يصدر عدد خاص لي وحدي، ولا يشاركني فيه أحدٌ.. غادرت المكتبة لأجد نفسي دون وعْــي منّي أجلس على رصيف الشارع غير آبهٍ بحركة المرور، ولا بالمارّين، ولعلّ ما أبهرني ذلكم الإخراج الجيد، وذلكم التصميم الرائع للفنان التشكيلي الموهوب الطاهر أومان.. لوحة تشكيلية معبّرة عن عتبة المجموعة وقصصها.. إبداع جمالي راقٍ في تقنية الألوان وتوظيفها.
وكأنني غير مصدّق أن يصدر لي هذا العمل الإبداعي، فبمجرّد عودتي إلى المنزل قرأت القصص المنشورة بالمجلة تباعًا، وقارنتها مع النسخة الموجودة عندي، فـكان التطابق التام.. أن يصدر لك عمل أدبي في ذاك العهد، ومن طرف هــيئة رسمية تتولّى الإشراف على الثقافة في الدولة الجزائرية، وتنعدم مؤسسات أخرى للطبع والنشر في البلد، يعني أنك وضعت رجلك في مسار الإبداع والكتابة.
        لم أستلم من وزارة الثقافة ولا نسخة واحدة من المجلّة، ولم أتلقّ تعويضًا.. بصدق هذه أبجدياتٌ ما كانت تخطر على جيلي من الكُتّاب والمبدعين حينذاك؛ كما أنّ ثقافة الإهداء إلى الأصدقاء، أو البيع بالإهداء غير معروفة، حيث كانت الحركة الأدبية نشطة، والكتاب متوفّرا، وكذا المجلة الأدبية، ونسبة المقروئية مرتفعة ؛ فما أن يظهر على الساحة عملّ أدبيٌّ، أو فكريٌّ حتى يتهافت عليه القرّاء، وينفد بسرعة.. الكاتب حينها ليس في حاجة للتعريف بنفسه، أو بعمله من خلال الإهداء إلى الأصدقاء، أو بالبيع بالإهداء.
         العدد الخاص لمجلة آمال الذي صدر لي لا يزال أغلب مثقفي ومبدعي تلك المرحلة يحتفظون به، إذ كلّما التقيت بأحدهم ذكّرني به؛ إضافة إلى أنه كان جواز مرور لي في فضاء الكتابة السردية، وتوالي الإصدارات، بحيث نفس العدد طُـبع ككتاب " مجموعة قصصية " صدرت عن الشركة الوطنية للنشر والتوزيع سنة 1982 التي ترّأس إدارتها حينذاك الكاتب المبدع خلاّص الجيلاني، ثم صدرت المجموعة القصصية الثانية الموسومة بــ " القرص الأحمر " سنة 1986 وغيرها فيما بعد من الإصدارات لتوشّح مساري الفكري والإبداعي إلى أيامنا هذه، والحمد لله على فضله ونعمائه، وتوفيقه لي.

الجمعة، 18 سبتمبر 2015

اللغة والهُويّة

اللغة والهُويّة

بشير خلف
        إنّ هُويّة كل مجتمع تتأسّس على لغته، فاللغة هي أمّ الرموز الثقافية المشكِّلة لهُويّة الإنسان، عكس ما يريده العرّابون القدماء، والجدد عندنا بالتبشير بأن الفرنسية غنيمة حرْبٍ، بها نعيش عصرنا، ونلج العالمية .
        الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر( 1889 – 1976 ) أصيل الأمة الألمانية القويّة التي تعـــتزّ بهويتها، ولغتها يقول: « إنّ لغتي هي مسكني، وهي موطني ومستقرّي، وهي حدود عالمي الحميم، ومعالمه، وتضاريسه؛ ومن نوافذها، ومن خلال عيونها أنظر إلى بقية أرجاء الكون الواسع . »

الجمعة، 4 سبتمبر 2015

كُتّاب جزائريون يستعيدون تفاصيل مدارسهم القرآنية الأولى.. العودة إلى المدرسة الأولى)


      مساهمتي في ملفــ " ديوان الحياة " بيومية الحياة الجزائرية ، الموسوم بــ (كُتّاب جزائريون يستعيدون تفاصيل مدارسهم القرآنية الأولى.. العودة إلى المدرسة الأولى) ليوم الثلاثاء 01/ 09/2015 الذي يشرف عليه الكاتب الإعلامي والروائي الخير شوّار.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كتاتيب القرآن الكريم .. وعِـــبْق التاريخ
بشير خلف
الثلاثاء 1 سبتمبر 2015 17 0
      أُدخِلتُ وأنا صبي لا يتجاوز عمري الخمس سنوات الكُتّاب ببلدتي الصحراوية في منتصف الأربعينات من القرن الماضي .. بلدتي كسائر البلدات الجنوبية، وكل ربوع الجزائر التي منع فيها الاستعمار الفرنسي تعليم الحرف العربي ،وُجدت ببلدتي تاريخ ذاك غير مدرستيْن: الأولى أنشأها الاستعمار الفرنسي سنة 1907 لتعليم أبناء الفرنسيين من موظفين ومدرسين، وأبناء بعض الجزائريين القلّة المتعاملين معه في البداية، والمدرسة الثانية هي مدرسة النجاح التي أنشئت سنة 1939 من طرف الأهالي وكان يدرّس بها أساتذة من نفس البلدة درسوا بجامع الزيتونة بتونس ثم عادوا إلى مسقط الرأس، يدير المدرسة حينذاك الشيخ المرحوم العلاّمة محمد الطاهر تليلي.
        أذكر أن المدرستين كانتا تضمان نفس التلاميذ، إذ أولياؤهم ممّن هم في مستوى معيشي مقبول، ولا يحتاجونهم كي يكونوا جانبهم في أعمال الفلاحة، أو التجارة، فكانوا يستفيدون من المدرسة الفرنسية، ومن المدرسة العربية التي كانت برامجها وفق برامج مدارس جمعية العلماء، وبطبيعة الحال فإن خريجي المدرستيْن وجدوا أنفسهم بسهولة في أسلاك الوظيف بعد الاستقلال، وفي مواقع المسؤولية؛ وللأمانة التاريخية فإن كانت هذه العائلات قلة من التركيبة السكانية بالبلدة، فإنها كانت على علاقة متينة مع السلطات الفرنسية حتّى خلال الثورة التحريرية.
       البقية من السكان الذين يشكّــلون الأغلبية، ولا موارد رزق لهم غير ممارسة الفلاحة الصعبة كزراعة النخيل والتبغ، وهي أقرب إلى الفقر منها إلى الكفاف بعضهم لم يتمكن من تعليم أبنائه لا في الكُــتّاب، ولا في المدرسة، والبعض الآخر وجّه أبناءه نحو التعليم القرآني في الكتاتيب التي كانت منتشرة في كل مساجد البلدة، والزوايا من معلمي قرآن وأئمة كلّهم متطوّعون.
ممّا أذكره أن السلطات الفرنسية في الأربعينات من القرن الماضي سعت بكل الوسائل لضمّ أبناء هذه الطبقات الفقيرة للمدرسة الفرنسية بالبلدة، البعض استجاب خوْفًا مُكرها، والأغلبية هرّبت أطفالها، وغيّبتهم بعيدا حتى لا يراهم أعوانها، وممّا أذكره أن شيخ البلدة المساعد لـ " قايد المدينة " وممثل السلطات الفرنسية طلب من والدي رحمه الله توجيهي نحْــو هذه المدرسة، فبعفوية الجزائري الأصيل الأمّي والمتشبّع بالروح الدينية البسيطة، والذي لا يريد لابنه تعلّم لغة المستعمر، هرّبني من البلدة وغيّبني مدة أسبوع كامل في أطرافها الفلاحية البعيدة، وشيخ البلدة يبحث عني وعن أمثالي دون جدوى، ووالدي مُــصرٌّ على عدم انضمامي إلى المدرسة، وقال قولته التي لم، ولن أنساها:
« لن أُدخل ابني مدرسة ستُخرجه لي كافرا فيما بعد»
        كسائر أبناء بلدتي الفقراء انضممت إلى الكُتّاب في سنٍّ مبكرة، وكان التعليم تقليديا يُكتفى فيه بتعليم الكتابة، وتلقين القرآن الكريم دون زيادة، وكما قال العلاّمة ابن خلدون:« فأمّا أهل المغرب فمذهبهم في الولدان الاقتصار على تعليم القرآن فقط، وأخذهم أثناء المدارسة بالرّسم ومسائله، واختلاف حملة القرآن فيه، لا يخلطون ذلك بسواه في شيء من مجالس تعليمهم، لا من حديث، ولا من فقه، ولا من شعر، ولا من كلام العرب، إلى أن يحذق فيه، أو ينقطع دونه، فيكون انقطاعه في الغالب انقطاعا عن العلم بالجملة.»
وممّا أذكره أن معلمي الأول " الطالب " رحمه الله، والذي واصلت معه حتى سـورة " يوسف " له سلوكات غريبة منها أنه في الحصة الصباحية يخصص نصفها الأول إلى تلقين الصغار الحروف والحركات بالإيقاع الصوتي الجماعي، وسماع ما حفظ الكبار ممّا أملاه عليهم وكتبوه في نفس الصبيحة، أو بالأمس؛ أمّا النصف الثاني فيكلف الكبار بتحفيظ الصغار السور القصار، وينتقي ثلاثة صبيان أو أربعة، اثنان يكلفهما بتدليك ساقيْه اللذيْن يكون مدّهما عن آخرهما فيتعاون الصّبِـــيان، أو يتكفّل كل واحد بساقٍ، ولمّا يتعب الاثنان يحلّ محلّهما الصبيان الآخران؛ ولمّا تكتمل حصة التدليك، أو " المسْد" كما كُــنّا نطلق عليها ينتقي " الطالب " أحد الصبيان الغير الأربعة، ويكون قد بسط على ركبتيه برنوسا لـ " التصدير"، أي زخرفة حواشيه بخيوط ذهبية، إذ هو يخيط والصبي يدخل الخيوط التي تكون موزعة بين أصابع يديه بطريقة فنية لتشكل الأيقونة التي يرغبها " الطالب "..هي ذكريات رغم ظروف الفاقة تركت بصماتها الجميلة .
        في أيامنا هذه تنوّعت وسائل تعلّم، وحفظ القرآن الكريم بفضل التكنولوجيات السمعية البصرية من حيث تقريب الفهم، والدّربة على الحفظ، والأداء الصوتي من ترتيل وتجويد؛ إلاّ أنّ هذا ليس في متناول الجميع. في أيامنا هذه المدارس القرآنية في المساجد، أو المنشأة مستقلة من طرف المواطنين، أو المدارس القرآنية بالزوايا لا تزال تؤدي وظيفتها، بل تدعّمت وكثُرت، وتضاعف الإقبال عليها في الأرياف، والبوادي، ومدن وبلدات الجزائر العميقة، وطريقة التعلّم بها، والتحفيظ لم تتغيّر كثيرا فلا تزال اللوحة، والطين، والسمق، وقلم القصب الأدوات الرئيسة؛ وما تغيّر حسْب ما ألاحظه من خلال أحفادي أن طريقة التحفيظ تغيّرت بعض الشيء، من ذلك أن معلمي القرآن المتمرّسين، والصبورين اختفوْا، وحلّ محلّهم شباب إمّا متطوّعون، أو أئمة شباب متخرّجون من معاهد التكوين لا يكلّفون أنفسهم عناء مع الصبيان حيث يكلفون الصبيان الكبار بنسخ ما يحددونه لهم من المصحف في منازلهم على اللوح ويحفظونه، وفي الغــد يعرضونه عليهم للتقييم والتقويم، وأمّا الأطفال الصغار فيتكفّل بهم هؤلاء بعد عرْض ما حفظوه.

                                                                  من أقوال عظماء الجزائر م ن أقوال الراحل عبد الحميد مهري الشهيرة تأكيده ع...