الخميس، 19 ديسمبر 2013

فعاليات الندوة الفكرية السنوية 26 للجمعية الوطنيةالثقافيةالأمين العمودي

  فعاليات الندوة الفكرية السنوية 26  للجمعية الوطنيةالثقافيةالأمين  العمودي
بقلم: بشير خلف
           اختتمت فعاليات الندوة الفكرية السادسة والعشرين للجمعية الوطنية الثقافية الأمين العمودي التي انتُظمت هده السنة بدار الثقافة بمدينة قالمة صباح يوم الإثنين 16 ديسمبر 2013..وكان الافتتاح صباح يوم السبت 14 ديسمبر 2013.
          محاور الندوة كانت كالتالي:
ــ المحور التاريخي:  حوادث 08 ماي 1945 وموقع قالمة ضمنها .
ــ المحـــــور الأدبي: قالمة وحوادث 08 ماي في الأدب الجزائري.
ــ المحور الثـــقافي : من الاهتداء بالنجوم على المواقع إلى اختراع العالم الجزائري الدكتور بوناطيرو .
ــ المحور السياحي : قالمة جنّة أرضية بروعة مناظرها ، وحمّاماتها الطبيعية.
محـْــــــــور التكريم :  تكريم الشهيد بومهرة أحمد ، والمجاهديْن بوجمعة صيصلي ، بوصبيع عبد المجيد.

      في اليوم الأول من الندوة ، وبعد مراسيم الافتتاح التي أشرف عليها رئيس الجمعية الأستاذ الهادي منّاني ، تطرّق الأساتذة إلى المحور السياحي ، حيث انصبّت المداخلات على موقع ولاية قالمة كإقليم سياحي، وتضاريسه الطبيعية الخلاّبة والمخضرّة في كل الفصول، والغابات الخضراء ، والمياه المتواجدة طوال السنة، والمتوّجة بسدّ بني حمدان.. كما تتوفر ولاية قالمة على منابع مائية معدنية، وحمّامات طبيعية للعلاج معروفة وطنيا، وعالميا كحمامات دباغ ، وأولاد علي ، وغيرها..ولاية سياحية بامتياز .
       كما ألقى في هذا اليوم الأول من الندوة عالم الفلك الدكتور بوناطيرو محاضرة قيّمة تطرّق فيها إلى إشكالية تطوّر علم تحديد المواقع، والاتجاهات في مجاهل البرّ ، وغياهب البحر ..من الاهتداء  بالنجوم إلى اختراعه كعالم جزائري ، مرورًا بأهمّ التجارب الإنسانية في مجال الخرائط ، والطوبوغرافيا، وتحديد المواقع، والاتجاهات، ومشاركة العرب والمسلمين في نفْع الإنسانية بهذه البحوث العلمية التي تفيد البشرية.
       ودعّم الدكتور بوناطيرو كلامه بكتابه الموسوم بـ " علْم الميقات " ..الساعة الفلكية الإسلامية .دراسة تاريخية ــ دينية ــ فلكية مع انعكاسات اقتصادية اجتماعية .
      في اليوم الثاني تطرّق الأستاذ علي بوصبيع إلى:
1 ــ  حوادث 08 ماي 1945 بقالمة وغيرها من البلاد الجزائرية متوقفا عند المحطّات التالية:
ــ تاريخ الجزائريين مع فرنسا تاريخ محن ومصائب .
ــ حوادث 08 ماي مفصلٌ تاريخي.
ــ كلمة الأهالي تعني أن الجزائريين في درجة غير درجة المعمرين ، وأنها تعني المساواة مع الحيوانات .
ــ أسباب حوادث 08 ماي ونتائجها الوخيمة على الجزائريين ، ولكنها أيقظت الشعب الجزائري.
ــ نتيجتها بُدئ التحضير للثورة الجزائرية المباركة .
2 ــ خصّص الحاضرون وقفة تأبينية لفقيد الجزائر الدكتور أبو القاسم سعد الله حيث عدّدوا مناقبه الكثيرة ، فتناول الكلمة في البداية الأستاذ بوزيد كحّول ، فالإعلامي باديس قدادرة ، ثم كاتب هذه السطور ، كما كانت إذاعة ولاية قالمة أثناءها تغطّي الحدث بمحاورة العديد من الحاضرين عن الراحل سعد الله .
3 ــ أخذ الإبداع الشعري نصيبه في هذا اليوم الثاني من الندوة ، إذ أمتع الحضورً كلٌّ من الشعراء : خليقة عبد الحكيم ، مراد أبو بكر من الوادي ،الشاعر الفلسطيني عُدي شتات نجل الشاعر الكبير ابن الشاطئ القادم من جيجل، الشاعر علي مناصرية من تبسة، عبد الغني ماضي من قالمة، وعبد الكريم بوخضرة ، دريد منيرة من قسنطينة، بشير غريب من الوادي، الجيلاني سلطاني من الوادي.
4 ـ وقد خُصّصت الجلسة الأخيرة من اليوم الثاني للأدب الجزائري في حوادث 08 ماي 1945 ، حيث تناول هذا الموضوع كل من الدكاترة: حسن ثليلاي ، محمد الصديق بغورة، باديس فوغالي  الذين تعمّقوا في تتبع الأدب الجزائري سردا وشعرا في التوثيق لهذه الحوادث سزدا وشعرا بعدها مباشرة ، وقبل الثورة، وأثناءها، وبعدها ..ام يتخلّف الأدب الجزائري عن دوره في التنديد بهذه الحوادث، والتشهير بها، والتبشير بانبلاج الفجر ، فجر الثورة المباركة.

       اليوم الأخير من الندوة خُصّص في البداية للشعر ، ثم لتكريم الشهيد بومهرة أحمد ، والمجاهديْن بوجمعة صيصلي، وبوصبيع عبد المجيد بحضور أقربائهم، وأصدقائهم ، وتنتهي الندوة في جوّ بهيج بحضور نخبة من المثقفين أبناء قالمة ، ومثقفين قدموا من الوادي والجزائر العاصمة، وولاية تيبازة، وقسنطينة، وسوق أهراس .


الأربعاء، 11 ديسمبر 2013

.أعلام الشعر الملحون

 .أعلام الشعر الملحون
اصدار جديد
       صدر ضمن سلسلة إصدارات دار الثقافة لولاية الوادي كتاب : موسوعة الشعر الشعبي - أعلام الشعر الملحون لمنطقة سوف الجزء الرابع لمؤلفه الدكتور أحمد عن مطبعة مزوار الوادي .السنة 2013
        مما جاء في تصدير الكتاب (المقطع الأول):
     أطلق العلماء كلمة " التراث " على مجموع ما وصل إليه الإنسان من الحضارات السابقة التي يتوارثها السلف من الخلف ومن جيل إلى جيل ، وهي نتاج تجاربه ورغباته وأحاسيسه في شتى الميادين سواء أكانت في اللغة أو الأدب أو العلم أو الفكر بل ويمتد ذلك ليشمل جميع النواحي المادية والوجدانية من فلسفة ودين وفن وعمران وتراث وفلكلور واقتصاد ومجموع العلوم والمعارف التي توصل إليها الإنسان 
      وبالنظر إلى هذا التنوع وتعدد مصادر التراث قسم علماء العصر الحديث التراث إلى قسمين مادي ولامادي . فالتراث المادي هو كل النتاج الملموس للإنسان والذي يرى بالعين ، ويشتمل على كل ما شيده عبر كل العصور من أبنية وعمارات كالقلاع والمساجد والكنائس وبيوت العلم والأضرحة والزوايا والقصور والمنازل والأسواق والخانات والمراكز الصحية والحمامات ...الخ. والحرف اليدوية والصناعات التقليدية ، كالخزف والفخار والنحاس والزجاج، والصياغة والحياكة والنسيج والغزل...الخ ، والفولكلور والموسيقى الشعبية وأدواتها التقليدية غيرها من الأشياء...
        وأما التراث اللامادي فهو مجموع النتاج الفكري للإنسان الذي يعبر فيه عن إبداعاته على مر العصور في مختلف المعارف ، سواء أكان في العلوم أو الفلسفة أو اللغة أو الأدب أو الشعر أو التاريخ، أو الحكايات والأمثال الشعبية والأسطورية والتاريخية التي ظلت ترددها الأجيال، وتمجد فيها القيم العليا وحب الوطن ، وغيرها من العلوم التي ارتبطت بشكل مباشر مع الإنسان وواقعه وحياته اليومية .

الثلاثاء، 10 ديسمبر 2013

أمسية امرأة وكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة

أمسية امرأة وكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية بالوادي
بقلم: بشير خلف
       في إطار نشاطاتها الفكرية ، والأدبية الشهرية نظّمت المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية لولاية الوادي أمسية أدبية مساء يوم السبت 07 ديسمبر 2013 بمقرّها الرئيس ببلدية حسّاني عبد الكريم ، تحت شعار: ( امرأْة وكتاب) ..ضيفة هذه الأمسية القاصّة المبدعة لامية بلخضر التي حملت معها متعة الحكي ، وجمالية السرد ، وسحْر فضائه ..وهي القادمة من الأوراس الأشمّ .
       في حضور مميّز لمثقفين من الولاية، ومبدعين في الأدب والفكر، ومهتمّين بالسّرد الحديث جرت فعاليات الأمسية التي استهلّها الأستاذ تامّة التجاني مدير المكتبة الذي رحّب بالمبدعة القاصّة الضيفة، وكذا بالحضور الذين داوموا على حضور كل فعاليات ، ونشاطات المكتبة سواء في مقرّها الرئيس، أو في ملحقاتها بالبلديات.
       إثر ذلك أُعطيت الكلمة للقاصة لامية بلخضر التي أثــنت على الدعوة الموجهة إليها من مدير المكتبة، وفرحها بالمجيء ، وسعادتها بين جمهور مميّز ، لتقدم بعض مقاطع من نصوصها السردية بدءًا من مجموعتها القصصية الأولى: ( عصيٌّ على النسيان) التي صدرت عن جمعية شروق الثقافية بباتنة سنة 2008 ..
1 ــ  فمن قصة " انعكاسات المستحيل "  بهذه المجموعة ، قرأت القاصة بعض المقاطع ، منها:
( ... تسارعت خطواتي أكثر ..وتسارعت دقّات الفؤاد، وأنا أمتطي الحافلة !
قبل المجيء إلى هنا .. أقنعت نفسي بأن أُخلّف كل شيء ورائي وأرحل . لا يهمّ كمْ من الوقت يستغرق جرحي ليندمل !  المهمّ أنه سيندمل أخيرًا . طول الطريق وأنا أفكر : « كيف سيستحيل كل شيء هنا ؟ » هل من الممكن أن يتألم شيء ما لرحيلي ، أم أن الكلّ هنا عايش الافتراق حتى الاعتياد ؟ )
2 ــ ومن مجموعتها الثانية ( لك ... أعلنتُ الولاء ) التي صدرت عن دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع بعين مليلة سنة 2013 قرأت القاصة بعضا من مقاطع قصص هذه المجموعة ، فمن قصة : " الذكرى واللهب "  :
( يؤرقني السؤال : هل حقًّا رحلنا من الماضي ، أم أن الماضي خلّفنا ومضى ...في حين أننا لا زلنا نعتصر ما تبقّى عالقا منه فينا ؟ !  ... الماضي يبعد عنّا كثيرا حتى وإنْ بدا على بُعْد بضع سنين !! ... أتذكر جيدا كيف كنا ..كيف كان الحلم يسكننا ، أو ربّما كيف كنّا نسكنه ..ثم صار ذاك الحلم وهما ، أو قلت إنْ شئتَ مستحيلا ! ؟ أحلامنا تتشابه كثيرا ...آمالنا وُلدت سويًّا، ثم انتهت وانتهينا .أقترب نحو المدفأة ..الليل يقارب على الانتهاء، وأظنني تخطّيت النهاية مذ زمن . والذكرى لا زالت تتمايل بيني وبيني ..تسائل عن المستقر.)
      ومن نفس المجموعة قرأت من قصة : " دُعابةٌ للأمل "
( لا أدري ...أكان ذلك وهما ؟ أم أن القدر مثلا قرر أن يجمعنا ؟  أخيرًا !!!!  بعد ما جرّني الشوق في كل الأمكنة ..أسائلها عن حضرتك ؟ ؟ ... لن تصدق كنت أبحث عنّي فيك  ! !  كلّفني السفر إليك شيئا أنستنيه لحظة رؤياك !!  في آخر مرّة ودعتك ، منّيتُ نفسي أن لن نفترق إذا ما التقينا مرّة أخرى ..لا يهمّ كم من الوقت يلزم لنلتقي من جديد ، ولا يهمّ أين سنلتقي !! )
3 ــ وتحت إلحاح الحضور تحدثت القاصة لامية عن مشوارها في الكتابة عامة، وانحيازها للسرد بداية بالخاطرة، فالقصة القصيرة ثم الرواية ..الانطلاقة كانت بنادي الفكر والإبداع بمدينة المعذر، وهي طالبة في التعليم الثانوي ، والنص القصصي الأول نُشر في صحيفة رسالة الأطلس التي كانت تصدر بباتنة تحت عنوان الرحيل ، ليتواصل النشاط الثقافي والإبداعي القصصي ضمْن فضاء " نادي الحرف العربي " بجامعة باتنة ، والمشاركة في مسابقات القصة، والفوز في كل مرّة على التوالي بالمراتب الأولى، لتصدر للكاتبة وفي آخر سنة لها بالجامعة سنة 2008 مجموعتها القصصية الأولى ( عصيٌّ على النسيان ).
4 ــ مناقشة تلت مداخلة القاصة شارك فيها مبدعو السرد مثلما ما شارك فيها مبدعو الشعر لتخلص إلى أن القاصة لامية بلخضر تواجدت في الساحة الأدبية الجزائرية بخطًى ثابتة ، وبتأنٍّ ، ووعيٍ فكري معرفي متدرّجٍ ، وتحدٍّ للراهن من خلال طبْع أعمالها على حسابها الخاص؛ كما أن نصوصها السردية تتطوّر بتوالي الأيام ، وتتسامى فنيا ومعرفيا، وتتجاوز الذات المتشكية ..الذات الرومانسية إلى آفاق أوسع ، إلى تساؤلات الكينونة ، وعلاقة الذات مع الآخر في نصوص تتميز بالتكثيف ، والشعرية ، وتغليب الجملة الفعلية الموسومة بحركية الشخوص في فضاء زمكاني متحرّكٍ ، وبتقنية إدهاش المتلقّي من خلال تكتيكات لغوية حداثية.
      مسيرتها الإبداعية بعد مجموعتيْها القصصيتيْن تتواصل بقرب صدور روايتها الأولى:( متْحف الذاكرة)
5 ــ وكما في كل مثل هذه الأمسيات الأدبية الجميلة التي تنظمها المكتبة العمومية أمتع الفنان المطرب غزال عبد الرحمن بصوته الجميل، وأدائه المميّز ، وعزفه على العود رفقة العازف المميّز على الكمان منّاني نورالدين .. أديا أغنيتين من الطرب الجميل تماهى معهما الحاضرون ؛  ممّا أضفى على الأمسية جمالا في جمال ..من جمالية السرد إلى جمالية الطّرب .


الجمعة، 6 ديسمبر 2013

الجــــــــــــــــمالية المكانية في السّرد القصصي

السّرد والصحراء                   
                       الجــــــــــــــــمالية المكانية في السّرد القصصي
                    لدى الكاتبة الأديبة الرّحّالة إيزابيل إبراهاردت
                          قصتا :" النقيب " ،"  تحت النير" نموذجًا
بقلم: بشير خلف
مدخـــل
      الصحراء ذلك السحر الأسطوري الكامن في المخيال الجمعي للإنسانية عامة ، وفي الذاكرة العربية بشكل خاص ، حيث ” تبرز الصحراء في الوعي ، والمُخيّلة مَـجْمَعًا للنقائض، منسجمة مع طبيعتها  المتقلِّبة ، فهي لا تسكن حينًا حتَّى تثور، ولا ترضى لحظة حتَّى تغضب، تفرح فيتحوَّل الكون إلى مسرح شعريّ رائع، وتغضب ، فيكون في غضبها الهلاك والشقاء.
        ولوج الصحراء فـــتْحٌ لإمكانية السرد.. أن تعيش وترى ، وتحكيَ عمّا رأيت، والرؤية هنا لا تأبه كثيراً بالمنظور الحسي ، بل تتعداه. فالصحراء هي واحدة من مُحرّضات روح المغامرة الإنسانية، وهي التي توسع أفق التصور المحفّـــز على الإبداع..
       إن للصحراء سردَها، وسرد العرب في جذوره سردٌ صحراوي إجمالا، إذا كان يخيّـل إلينا أن الشعر هو فـــنّ الصحراء الأثير، أو الوحيد فإن ذلك الوهم سببه ثبات الشعر أكثر من النثر ، والمرويات السردية، أن الشفاهية هي مفتاح الصحراء وعنوانها، وهي مفتاح السرد الصحراوي حتى بصيغة المعاصرة المتأثرة بالكتابة والكتابية.. إنها الكتابة بلغة الرمل..
      يقول الشاعر أحمد عبد الكريم: « كتابة الصحراء ، لا تعْـني الوصف الخارجي لجغرافيا الصحراء بطريقة وثائقية، وإنما تعـني نقْـــل روح الصحراء من خلال تفاعل الإنسان مع المكان والتعبير عنها بشكل عميق بعيدا عن النظرة الايكزوتيكية ».( الغرائيبية) ، ويذكر في مقاله عن رواية ربيعة جلطي “ نادي الصنوبر” ـ التي تتناول عالم التوارڤ ـ ما ورد على لسان المرحوم عثمان بالي في كلامه للجمهور في إحدى الحفلات: « الليلة إن شاء الله ما قدرناش نجيبوا لكم الصحراء.. ندّوكم أنتم للصحراء ».(1)
       وأولئك الذين ولجوا الصحراء، أياً كانت دوافعهم، قد غادروها وهم مُثقــلون بوفرة من الحكايات. غير أن الصحراء في الوقت نفسه مرتع فــــــــذٌّ للخيال، وفضاء لا يُضاهى لمسارات من السرد لا تنتهي، وهي التي ألهمت شعراء ، وروائيين ، ومغامرين ، ومستكشفين ، وجواسيس ، ومغرمين بأحابيل الجغرافيا وعتمات التاريخ، ومتصوفةً، ومهووسين بالتحرش بحدود الموت ، وغيرهم ليدخلوها ، ويخرجوا منها وهم على غير ما كانوا عليه.
        في هذا الأفق كتب لوكليزيو رواية "صحراء" ، ومثله فعل، ولكن في مدار تجربة مختلفة، لورانس وهو يكتب "أعمدة الحكمة السبعة" ، وكذا انطوان ده سانت ـ أكزوبري "أرض البشر"
      تناول روائيون عرب عديدون الصحراء حاضنة مكانية لها فرادتها، والتي تحدد تعرجات الأحداث وتؤطرها ؛ ذلك لأن للصحراء قوانينها ، وسطوتها الثقيلة على إنسانها، وقدر هذا الإنسان ومصيره. لكن هؤلاء الروائيين رصدوا لحظات التحول في الصحراء ، لحظات الاختراق التاريخية مع دخول المستعمر،  واكتشاف النفط ، وبناء المدن، وانتشار وسائل التقنية ، ومؤسسات الإدارة الحديثة، أي في شبكة علاقاتها مع خارجها.. نذكر هنا، رواية " فساد الأمكنة " لصبري موسى، وروايات "النهايات" و " سباق المسافات الطويلة " و" مدن الملح بأجزائها الخمسة " لعبد الرحمن منيف. أما ما فعله إبراهيم الكوني فإنه رسم الصحراء في عزلتها الكونية وعذريتها، وتمنُّعها، حتى بعد تصديها لغزو الأغراب "المجوس والفرنسيس"، وإصرارها على البقاء مِهاداً للحكايات العجيبة والأساطير، وعالماً فسيحاً مُقْــفرًا للإنسان.
     
أسماء أخرى عربية في إبداعية السّرد والصحراء
        وعندما نتقصّى متْــن السرد ، والصحراء حتى إلى وقت قريب سيقفز تأكيدًا أمامنا اسم الروائي الليبي إبراهيم الكوني بكمّ رواياته، وبثيماتها المنفتحة على فضاءات متفرّدة زماناً ومكاناً وأنماط علاقات، ورؤية ورؤيا.
      إنّما مجال السرد والصحراء لم يبق حكْرًا على هذا الأخير لكوْن أسماء أخرى ظهرت على الساحة العربية وخاصة في منطقة المغرب العربي منهم الروائي الموريتاني موسى ولد ابنو وروايته “مدينة الرياح”، والروائي المالي عمر الأنصاري صاحب رواية “الرجال الزرق” والحديث عن الصحراء يجعلنا نلتفت إلى تجربة مهمة، هي تجربة الكاتب الجزائري حبيب السايح ، الذي عرفت فترةُ إقامته بأدرار تحولا نوعيا في لغة ، ومعمارية ، وتيمات رواياته ، وفي تبلور رؤية جديدة عبْــر تلك اللغة التي تنسكب كلمات معجونة بالرمل.
      إضافة إلى أعمال سردية أخرى تتخذ الصحراء فضاء معماريا كرواية نادي الصنوبر لربيعة جلطي ، ورواية اعترافات أسكرام لعـــزّ الدين ميهوبي ، والمجموعة القصصية " رحمونة " لعبد الله كرّوم ، وأخيرا رواية " مملكة الزيوان " للصّدّيق الحاج أحمد، ورواية  " تنزروفت .. بحثًا عن الظلّ"  لضيف الله عبد القادر ، ورواية " الشهيلي " LE  SIMON باللغة الفرنسية لعلي عبيد من الوادي، ورواية " أعوذ بالله " للسعيد بوطاجين .

الرّحّالة إيزابيل إبراهاردت
      ومن الذين ولجوا الصحراء ، وفتنتهم فعشِــقوها ، وكتبوا عنها وأبدعوا ، وبقـــدْر ما ألهمتهم الصحراء فإنهم خلّدوها في أعمال سردية رائعة أشبه ما تكون بلوحات تشكيلية رائعة الجمال ..الكاتبة الرّحّالة إيزابيل إبراهاردت ذات الشخصية التاريخية المثيرة للجدل, ليس فقط لأنها جـــزء من ذاكرة الجزائر, وقطعة من فسيفسائها, ولكن لشهرتها العالمية ككاتبة, وما أحيط حولها من جدل ، وشكوكٍ في تحرّكها، وعلاقاتها .
        لقد وجدت في الجزائر جنتها الأرضية, ووطنها المفقود, فاعتنقت دينه الإسلامي الحنيف ، وساندته في فضْح بشاعة الاستعمار, وساهمت في ثقافته, وكل هذا بنشاطها وبقلمها الجريء ، وأسلوبها الرومانسي الدافئ تارة ، والساخر تارة أخرى؛ وهذا ما نستشفّــه من كتاباتها ، ومراسلاتها الصحفية.
     عشقت إيزابيل الوادي( وادي سوف) ونخيلَها، وكثبانَها الرملية، وأزقَّــتها وآبَارها، وساحاتِها، ومآذنَها، وإبلها فجاءت كــلُّها صورا متناسقة منسجمة في كتاباتها عن الوادي ، كما كانت واضحة جليّة في ذهنها ومخيّلتها . لقد بلغ عشقُ إيزابيل للوادي حتى أن الذين عاشوا حياتهم كلها في هذه المدينة لا يمكن أن ينافسوها في معرفتها لها، واطلاعها على أتفه الجزئيات، والدقائق في الحياة الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والروحية لهذه المدينة حينذاك وهي التي أطلقت على مدينة الوادي : " مدينة الألف قـــبّة وقــــــبّة " .
      لقد عرفت إيزابيل عن الوادي خيرها وشرها، جِــدّها وهزلها، عفّتها، وفجورها ، عاداتها وتقاليدها. عرفت من أهلها صدقهم وكذبهم، غدرهم وإخلاصهم، صداقتهم وعداوتهم.. كل ذلك سجّلته في نصوص سردية جميلة أشبه بلوحات تشكيلية في غاية الجمال .
      من أعمال الأديبة إيزابيل إبراهاردت1 - (في ظلال الإسلام الدافئة).2 - (مذكرات الطريق).3 - (صفحات الإسلام).4 - (يوميات) 5 - (في بلاد الرمال).6 - (يسمينة.7 - (مخطوطات على الرمال).

جمال القصّ ومتعة السّرد
       لعل أول دافع إلى قراءة رواية ، أو قصّة  هو تحقيق مُــتعة السرد، إذ إن لدى الإنسان بصورة عامة دافعًا كامنًا يمكن أن نسميه مجازًا غريزة السرد ، فكلٌّ منّـا يودّ أن يروي قصة ، أو يحكي خبرة عاشها، أو سمعها وانفعل بها ، أي إن لدى الإنسان دافعًا أساسيًا لتفريغ شحنة الانفعال ، والخبرة ، والمعرفة التي يكتسبها في موقف ما ؛ كما أن لدى الإنسان ميلًا إلى الحديث عن خبرته في شكل سرد ، أو حكاية ، فإن لديه أيضًا ميلًا إلى سماع حكاية الآخرين عن خبراتهم . ولعل السرّ الكامن في هذين الدافعين اللذين هما في الواقع دافعٌ واحــــدٌ، يكمن في متعة عيش التجربة سردًا، رواية وسماعًا، من غير جُهِْــد ولا معاناة ، أو بقـــدْرٍ أقل من الجهد ، والمعاناة.    

الدلالية المكانية في العمل السّردي
        إن الحيز المكاني في النصّ السّردي هو الفضاء الذي تتحدد داخله مختلف المشاهد ، والصور ، والمناظر ، والدلالات والرموز، التي تشكّل العمود الفقري له ؛ إذ يُعـــدّ الخلفية المشهدية للشخصية القصصية . فهو مسرح الأحداث، والهواجس التي تصنعها الذاكرة التاريخية برموزها المتنوعة، مادامت صيرورة النص سوى جزء من صيرورة الواقع، وآليات المكان، ما هي إلاّ وسيلة من الوسائل الرئيسة لرصد الواقع على مستوى السرد ، وما بعده أي على مستوى الموقف والرؤية.‏  
      ّ فالمكان من أهمّ العناصر الأساسية في بناء العمل السردي ، وخاصة الروائي ؛ فهو الإطار الذي تنطلق منه الأحداث ، وتسير وفقه الشخصيات (2) فالمكان يسم الأشخاص ، والأحداث الروائية في العمق على حدّ قول غالب هلسا ، فالمكان هو الذي يلد الأحداث قبل أن تلده، فيعطينا تصوّرا لها وللأشخاص وللزمان(3)..المكان والحركة تشكّل وحدة لا تنفصم وهذا ما يعطيها ديناميكية ، فلا يصبح المكان مجرّد عنصر ثابت معزول عن  عناصر النص السردي ؛ بل هو المؤثر ، والمتأثر بها.
     وهذا يقودنا للقول: إن المكان هو القاعدة المادية الأولى، التي ينهض عليها السرد وعلاماته اللغوية منوطة بخــلْق بناء فضاء خيالي "حميمي" له مقوماته الخاصة، وأبعاده المميزة، التي تُعبر عن الهُــوية ، والكينونة ، والوجود.‏

الجمالية المكانية في قصص إيزابيل إبراهاردت
       الكاتبة إيزابيل في نصوصها السردية المُشبعة بروح الصحراء ، وطبيعتها الساحرة ، وتعرية معاناة إنسان الصحراء من قساوة المستعمر، وكذا من صحراء عصيّة جعلها تركّــز على ذكْــر التفاصيل المكانية بما فيها من محتويات،  وألوان، وشخصيات تتحرّك كي تــــــصنع مصيرها الآني البئيس المُثقــل بجريرة ماضٍ ليس من صُــنْعها ، أضفى هذا التركيز شاعرية على لغتها الوصفية  التي ترسم فضاء مكانيا مكثّــفًا من الناحية الفنية:
« تربّت في موقعٍ جنائزي أين تطفو في ذلك المكان الخرِبِ الحزينِ روحُ الأُلْـــفيات الغريبة الزائلة. مرّت طفولتها هنا بين الأطلال الرمادية، والأنقاض ، وبقايا ماضٍ ظلّت تجهله تمامًا .. من كبرياء هذه الأمكنة الحزينة اكتسبت شحنة إيمانية أكبر بالقـــدَر،  والأحلام ؛ غريبة الطبع ، حزينة من بين كل بنات جنسها ..هي ذي ياسمينة البدوية .»( من قصة ياسمينة ..ص 27 )
« ... تحرق الشمس بَــلاط الشوارع الباهت اللون . يربض الظلّ الأزرق المهزوم تحت الأقواس ، وخلْف الدعامات ..تتجوّل زهور وياسمينة . اليدان متشابكتان . تحت الشمس المنتصرة تعرضان رشاقتهما كأنهما قطّان صغيران لطيفان .» ( من قصة زهور وياسمينة .. ص 128 )

الجمالية المكانية في قصص إيزابيل إبراهاردت
1 ـ قصّة " النقيب " نموذجًا أوّل
       إن قصة " النقيب " بطلها طبيب شابٌّ رمت به الأقدار من وراء البحار إلى الوادي مُجنّدا في القوات الفرنسية لأداء الخدمة العسكرية، تَحُـــسّ وكأنه قريبٌ إليك لِما يحمله من براءة وطيبة. لم يندمج مع زملائه العسكريين ، يقتله الملل وبقدْر ما كان يتحاشاهم كان يتعاطف مع الأهالي المرضى ، ثم مع الأهالي خارج الثكنة لتربطه علاقة عاطفية مع شابّة أرملة :
« ...كثبان بلا لون ، متراكمة ، متراصّة ، متموّجة تتغيّر مسحاتها في كل ساعة ، تكابد جميع تغيّرات النور ، لكنها جامدة ، وكأنها نائمة في حُلْمٍ أبديٍّ تحتضن القصر العديم اللون الذي تُواصل قبابُه المتعذّرة الحصر إرغاءها المتناهي ..شوارع صغيرة ضيّقة ملتوية ، تُحاذيها منازل قديمة من الجبس، تقطعها أطلالٌ ، أو يــمرُّ أحيانًا ظلُّ نخلة نحيفٌ فوق الأشياء الخاضعة هي أيضًا للنور.. ساحات صغــــيرة تؤدي إلى دروب صامتة تنفــــتح في خيْبة على الصحراء الفسيحة المتأجّجة ..برْجٌ ناصع البياض معزول وسط الرمال ، والذي من على شرفته ترى تموّج الكـــثبان اللامتناهي ، وفي الحُفر العميقة مخْـــــــــمل النخيل الأسود ...» ( من قصة النقيب ..ص 62)
« ... ساعة الرحيل اللّذيذة ، والتأمّل الكئيب لديه هي عند المساء ، عند غروب الشمس ، يذهب إلى مقهًى عربي صغير مقابل لـ " بيرو عرب " ، ويتمدّد هناك ليتأمّل الفتنة التي تُولد كل يوم من جديد في حُلّة مختلفة : الساعة الحمراء .­
        تتلوّن بنايات البرج البيضاء أمامه بالورديّ أوّلاً لتُمسي تدريجيا حمراء كأنها الجمر ، مُبهرة ، لا معقولة ..تبدو كل الخطوط المستقيمة ، أو المقوّسة المرتسمة على حُــمرة السماء ، وكأنها مرصّعة بالذهب ..خلْف قباب المدينة المشتعلة تلتهب الكثبان الكبيرة ، ثم إنّ كل شيء يبهت تدريجيا ليأخذ المسحة الوردية القُـــزحية ...ضباب خفيف باهت بلون الشاموي الفضّي ينزلق على نتوء البنايات ، وقمم الكثبان . من الدعامات العميقة ، والأروقة الضيّقة بين الكثبان الرملية تزحف الظلال البنفسجية ، تصعد نحو القمم المُـتّقدة لتُـــطفئ الحريق ، فيغرق كل شيء في ظلٍّ أزرقَ بحريٍّ غامقٍ .» ( قصة النقيب ..ص 69)
2 ــ قصة " تحت النّير " النموذج الثاني
« سيدي مرغني هو ممرٌّ ضيّقٌ بين كثيبيْن رمادييْن بمدخل وادِ مزروعٍ بالنخيل أين تختبئ مجموعة صغيرة من المنازل الفقيرة الآيلة للسقوط ، المبنية من الحجر الرمادي الخام بنفس لون الصحراء ، والتي عوض السقوف تعلوها قبابٌ صغيرة تجعلك في " سُــوفْ " يختلط عليك أفـــق المدينة بأفق الكثبان الرملية ..تسكن هذه الدشرة قبيلةٌ بربريةٌ قدمت من الشمال منذ زمنٍ طويلٍ ، وبقيت محافظة على تقاليدها، ولهجتها الشّاويّة ..من على الكثبان الرملية ينفتح الأفق فسيحًا جــدًّا ، وأزرق جــدّا ، ونحو الشرق ترى بحْـــرًا هائجٌا وجامدًا ، كثبان وكثبان على مرمى البصر بعضها قممُه حادّة ، وبعضها الآخر قممه مسطّحة ..هنا وهناك عبْر الرمل الذهبي نقاط سوداء متناثرة : إنها حدائق نحو الغرب ، سهْلٌ فسيحٌ أدكنُ أين تتناثر القباب أيضًا ، وعلى جانبي الدروب المبهمة قبور متعذّرة الحصْر ، مبثوثة هكذا دون ترتيب، ودون حائطٍ واقٍ،  دون أيّ زينة ، ولا خوْفٍ .»( من قصة تحت النير ..ص 83)
« ... تحبّ أيضا ( تاسعديت) عند الأمسيات التي تسبق ليلة الجمعة المباركة أن تجلس فوق أعْـــلى كثيب في العرق العملاق لتنظر إلى الشفق الأحمر عند الغروب ، ولترى المصابيح التي يُوقدها " السوافةّ " بوقار بالقرب من قبور موتاهم ..هذه القناديل النحيفة التي تسهر لرعاية الموتى في شفق الغروب الأحمر المشتعل تحـْـــــــسبُها الفتاة أرواحًا يقظة ، أو مخلوقاتٍ حيّةً عيونها من النار تـنظر إليها ، وترمـــش بأجـــــــفانها »( من قصة تحت النير .. ص 83)
« ... الصيف صيف ، وأحيانًا يتسلّلان خارج المدينة في الليالي المقمرة ، ينزلان إلى أسفل الهضبة التي شُيّدت فوقها مدينة الوادي نحو متاهة الكثبان الرملية التي تُواري في طيّاتها الرمادية الحدائقَ العميقة التي تجتذب ، وتضخّ برودة المياه الباطنية في أسفل الحُفر الكبيرة التي تشبه الأقماع العملاقة ..عادة ما يختاران الغيطان ­المهجورة المجاورة لطريق " الدبيلة " ­، وهناك يتمدّدان على بُرنس عبد القادر المُلقى على الرمل ، والذي يوفّــر لهما ساعتها سريرًا ملكيا أحمر ، فيتأمّلان ظلال النخيل الرقيقة وهي تتلاعب على الرمل الأبيض تحرّكها الريح الباردة ، ريح " سُوف " الأبدية ، كما يتأملان أشعّـــــة القمر وهي تتسلل خلْف الجذوع المتمايلة ، وبين عراجين­ التمر المُصفرّة ، ويستمعان لهمْس الجريد ، وكأنه صوت أمواج بحـــــرية .» ( من قصة تحت النير ..ص 88)
« ..تعصف رياح " الشهيلي "  ، ويسود صمْتٌ كئيبٌ منطقة " سوف " الناعسة .يغمر ضبابٌ رمادي السماء، ومن الكثبان الباهتة اللون يظلّ الغــــــــبار ينهمر إلى ما لا نهاية كالأمواج الخفيفة لبحرٍ تداعبها الريح .»( من قصة النير ..ص 89)
       المكان عند هذه الكاتبة ليس فقط عالما تتحرك فيه الشخصيات، أو ديكورا يقع في الخلفية لأفعال الشخصيات ،  أو مسرحا للأحداث ؛ بل إنه فاعل أساسي فيها ، له وظيفة ودور أساسي في نصّها السردي بعيدا عن كونه لمسة تصويرية فنية فحسب في كمال الديكور المُتخيل، بل هو نظام داخل النص ، والمكانيةُ هنا تمثل درجات من الانفتاح..
       كما أن تيمات الصحراء متميّزة : ( رياح الشهيلي ، منطقة سُـــوف الناعسة، الكثبان الباهتة اللون ، يظل الغبار ينهمر ، متاهة الكثبان الرملية ، الغيطان ، ظلال النخيل تتلاعب على الرمل الأبيض ، ريح سُوف الأبدية ، جذوع النخل المتمايلة، بين عراجين التمر المصفرّة ، همْس الجريد...)

جمالية الوصف السردي وغايته
       للوصف أهمية كبيرة في القصة، حيث يشكل عالمها الحسّيّ، ويرسم المساحة والخلفية التي تقع فيها أحداثها، ويجسّد الأشياء التي تشغل الحيّز والفراغ ويقرّبها من عين المتلقّي، كما أن فنَّ السرد أحوجُ ما يكون إلى الخيال، وكلّما كان الكاتب أقدر على تـــثوير المخيّلة بأقصى طاقاتها إلاّ وكان إبداعه أقدر على إثارة المتلقّي ، وأوْلى بالبقاء.
" يعتبر الوصف من أبرز وأهم الأساليب الفنية، التصويرية والتعبيرية التي حفل بها الأدب في مختلف العصور في شتى أشكال القول الأدبي، إلى الحدّ الذي جعل منه تقليدا أدبيا يتفاضل فيه الأدباء ، ويتمايزون ، ويتميزون عن بعضهم البعض". (4)
       ولهذا اعتُــبر " الوصف حتمية لا مناص منها ، إذ يمكن كما هو معروف أن نصف  دون أن نسرد ، ولكن لا يمكن أن نسرد دون أن نصف كما يذهب إلى ذلك جينيت" (5)
       إذن فالوصف نمطٌ من أنماط السرد إلا "أن السرد حركة، والوصف سكون، فالسرد مرتبط بالحدث ،ومرتبط بالزمن، بينما الوصف هو تأطير الحدث في لحظة زمانية ومكانية ساكنة، والسرد يتوقف عند البدء بالوصف" فالوصف من أهم الأساليب التعبيرية والتصويرية (6) وأدق تحديد للوصف ولوظائفه هو انه " بمقدار ما يكون الوصف نافعًا في السّرد ، مطوِّرًا للحدث ، مُلقيا عليه شيئا من الضياء ، ممكّنًا للنصّ الروائي من الارتشاش بمسَحَاتٍ من الجمال الفنّي ؛ بمقدار ما يكون مُــؤذيًا للسرد إذا جاوز الحدّ. (7)

جمالية الوصف المكاني لدى إيزابيل
« ... كثبان بلا لونٍ، متراكمة، متراصّةٌ، متموّجةٌ تتغيّر مَسَحَـاتُها كل ساعة، تكابد جميع تغيّرات النور، لكنها جامدةٌ وكأنها نائمة على حُــلْمٍِ أبديٍّ، تحتضن القصْر العديم اللون الذي تُواصل قبابُه المتعذّرة الحصرَ إرغاءها اللامتناهي...»
« … تصعد الشمس الحمراء ببطْءٍ خلْف الجبال التي يغمرها ضبابٌ خفيفٌ. يمرّ وميضٌ أحمرُ أمام الأشياء كأنه حجابٌ من الحياء. أشعّة الشمس الوليدةُ تنـثر تيجانًا على قمم النخيل لتبدوَ قبابُ أضرحة الأولياء الفضّية، وكأنها من الذهب الخالص…»
       ما نلاحظه في هذه الفقرة أن الوصف ذو طبيعة متحركة حيث بعث الحياة في الجماد ، وأدخل عليه أوصافا بشرية :(متراصّة، متموّجة، تتغير، تكابد، تصعد، يغمر ، يمرّ ، تنثر ؛ ولمسات جمالية ( كأنها نائمة على حُلْمٍ أبديٍّ ، تحتضن القصر العديم اللون، إرغاءها اللامتناهي ، يغمرها ضبابٌ خفيفٌ ، يمرّ وميضٌ أحمر أمام الأشياء كأنه حجابٌ من الحياء ، أشعّة الشمس الوليدة تنثر تيجانًا على قمم أضرحة الأولياء الفضية وكأنها من الذهب الخالص)، وهذا لم يأت عبثا ؛ وإنما لوجود تمـــاهٍ بين الكاتبة ، والطبيعة الصحراوية التي عشقــتْها ، وافتتنت بها .
« ... حين ظهر جاك نهض المرضى ، البعضُ بعناءٍ كبيرٍ ليقدّموا التحية العسكرية مرتبكين . خمس أو ستّ نساءٍ نهضْن أيضًا ، ورفعْن أيدِيهنّ فوق رؤوسهنّ المنحنية كأنهنّ يطلبْن العفْو. رأى جاك في نظرة هؤلاء الخشية ، والريبة بوضوحٍ .
     ترتدي مجموعةٌ من الرجال برانسَ ترابية اللون ، بشرتهم سمراء ، قسماتهم تنمّ على شراسة طبعهم ، عيونهم ملتهبة تحجبها نِقابات وسخة بالية ؛ أمّا النساء فأكثر سُـمرة من الرجال ..الـمُسنّات منهن اللاتي فقدن معظم أسنانهنّ ، وجوههنّ مجعّدةٌ ، تحملْن فوق رؤوسهن ضفائر كثيرة من الشعر الأبيض المصبوغ بالحنّاء ، وأخرى من الصُّوف الأحمر ، وحلقات ، ومناديل ..الصبايا قسماتهنّ بارزةٌ متناسقة، شهوانية ، سُمرتهنّ داكنة ، والعيون واسعةٌ يبدو عليها الحذر ، تكسوهن على الطريقة العتيقة مَلْحفاتٌ زرقاء داكنة كأنها سوداء.» ( من قصة النقيب ..ص 65 – 66) (8)
     ما يُستشفُّ من الفقرتين السالفتيْن جمالية السرد، وتواتر حركة الشخصيات، وتشخيص معاناة الأهالي من المرض أوّلاٌ في الظاهر، وثانيا التعبير بالحركات الجسدية عن الشعور بالدونية، والخضوع ، وتقديم الولاء ظاهريا رغم المرض ، وأمارات الفاقة التي تنهش أجسادهم ، كل ذلك في لوحة تراجيدية تماهت فيها الشخصيات مع بصمات الصحراء : ( برانس ترابية اللون ، بشرتهم سوداء ، النساء أكثر سمرة من الرجال...)  

الخاتمة
     وفي أكثر من موقع من قصص المجموعة يبدو ارتباطُها بدقّةِ ملاحظاتها للحراك اليومي للناس، وبالتواصل الاجتماعي معهم، وهنا في رأيي تتّضح رسالة الأديب الفنان لتمكُّـنهِ من أدواته، فيعرّي المجتمع من زيْــفه، ويكشف تناقضاته، ويفضح سلوكات الكثير من أفراده من خلال شخصيات النصوص السردية، وقد نجحت إيزابيل في هذا نجاحًا كبيرًا ممّا يجعل المتلقّي يقف مندهشًا حيال تلك السلوكات ، أيشفق على تلك الشخصيات؟ أم يُــدينها ؟ أم يُدين المجتمع ؟ أم يدين المستعمر ؟ أم يدين المتعاملين معه ؟
      الاشتغال في الإبداع السّردي يحتّم في بعض الحالات على الكاتب المبدع الخوض في دقائق حياتية إنسانية عميقة، ومواضيع راهنة حارقة، أو ماضية فــلتت من أصابع الزمان تغيب عن عيني الإنسان العادي في وعاء لغوي جذّاب ..في شعرية لغوية ممتعة، وأداء تشكيلي جمالي.. فيعيد لها الكاتب المبدع ألقها، وحياتها، وقد تتماهى هذه المنفلتة بما هو راهنً في النصّ المُبْدع ..فلكي نبدع سرديا وشعريا، فإننا ننشئ حدثًا أسلوبيا يتخطّى المعيار الكلاميّ السائد.
المصادر والمراجع
(1) ـ أ . محمد بن زيان : في السرد والصحراء . يومية الجزائر نيوز ليوم : 04 فيفري 2013
(2) ـ غالب ھلسا :المكان في الرواية العربية عن كتاب الرواية العربية واقع وآفاق، دار ابن رشد للطباعة والنــــــــشر .ط1،(د ت)،بيروت ،ص 111
(3) ـ المرجع السابق .ص 209
 (4)  - عثمان بدري، وظيفة اللغة في الخطاب الروائي الواقعي عند نجيب محفوظ، دراسة تطبيقية، جامعة الجزائر، معهد اللغة العربية وآدابها، 1996، 1997م، (رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه.)، ص: 92.
(5)  - عبد المالك مرتاض : تحليل الخطاب السردي، ع ، س، ص: 264.
(6)  - عبد الحميد المحادين، التقنيات السردية في روايات عبد الرحمان منيف. ص: 54. المؤسسة العربية للدراسات والنشر والتوزيع. 1999
(7)  - عبد المالك مرتاض في نظرية الرواية ..بحث في تقنيات السّرد. ص: 295. سلسلة عالم المعرفة . الكتاب 240 ط1 ــ 1998
(8) ــ إيزابيل إبراهاردت : مجموعة قصص . ترجمة : أ. ميهي عبد القادر. دار الثقافة لولاية الوادي، رابطة الفكر والإبداع بالوادي . ط1 ــ 2009

من هي إيزابيل إبراهاردت ؟
• هي كاتبة رحّالة من أصلٍ روسيٍ ولدت سنة 1877م في سويسرا من أمٍّ روسية تُدعى ناتالي إبراهاردت حرم موردر، وأبٍ مجهولٍ بالقرب من جنيف.
• قدمت أول مرة إلى الجزائر سنة 1897م واستقرّت مع والدتها في عنابة.
• وفي سنة 1899م عادت إلى الجزائر، ورأت لأول مرة وادي سوف، فأُُعجبت به وكتبت عنه خاطرة أسمتها " المغرب "
• وفي سنة 1900 أقامت هذه الكاتبة الرحالة مدة سبعة أشهر بوادي سوف قبل أن تُطرد من قِبل السلطات الفرنسية بتهمة إثارة الشغب، بعد محاولة اغتيالها بمنطقة " البهيمة " خارج مدينة الوادي.
• تعرّفت الكاتبة على سليمان هنّي، وهو عسكري من الأهالي، وتزوّجته. اعتنقت الدين الإسلاميّ على يد أحد شيوخ الزوايا، واتّبعت الطريقة القادرية.
• أحبّت الكاتبة الجزائر، وكتبت عن معاناة أهلها من تعسّف الاستعمار الفرنسي الشيء الذي سبّب لها كثيرا من المتاعب.
• تُوفّيت هذه الكاتبة الرحّالة سنة 1904 إثر فيضان واد عين الصفراء بالجنوب الغربي الجزائري.
في الأشهر الأخيرة من حياتها أقامت ايزابيل في قرية عين الصفراء الموجودة قرب الحدود المغربية الجزائرية . توفيت في فيضان طوفاني في عين الصفراء يوم 21 أكتوبر 1904.
         كانت تقطن بيتًا مأجورًا مع زوجها ، وانهار البيت الطيني في الفيضان. كان عمرها 27 سنة فقط . وجد عناصر الجيش الفرنسي، والذين كلّـفهم الجنرال ليوطي بعملية الإنقاذ، وجدوها ميتة غرقا تحت انقاض بيتها، وكانت تمسك بيديها مخطوطا كبيرا هو عبارة عن كتاب " تأملات وملاحظات " خطّـت فيه مسارها ، ومسيرتها القصيرة الحافلة بالأحداث، وعنونته ب"المتسكع". توفي زوجها سنة 1907.



الجمعة، 29 نوفمبر 2013

أمين الزاوي في حوار مع جريدة الشروق اليومي

حين أقارن بين قارئ بالفرنسيـة وآخـر بالعربية في بلـد
كالجزائر أشعـر وكأنّني أمام شعبين
        آخر عمل روائي صدر للروائي أمين الزاوي كان روايته الجديدة التي اختار لها ”نزهة الخاطر” عنوانًا. وحسب الزاوي فإنّ هذا العمل يشتغل على تيمات جديدة، ويستحضر شيئا من السياسي لمقاربته بالواقع. في هذا الحوار الذي خصّ به أمين الزاوي ”الشروق” يجيب عن عدد من الأسئلة ذات العلاقة بالإبداع في الجزائر، ولا يتردّد صاحب ”الرعشة” في نقد بعض الممارسات الثقافية، بين قوسين، التي أساءت للمشهد الإبداعي جزائريا وعربيا، كما يحاول مقاربة المسألة اللُّغوية في الإبداع الجزائري. ويؤكد الزاوي أنّه بالرغم من أنّ زمن ثقافة بريجنيف قد ولّى، إلا أنّ الجزائر لم تتخلّص بعدُ من مرحلة الممارسة البريجنيفية في الثقافة.
    
      روايتك الأخيرة ”نزهة الخاطر” تشتغل على تيمات قلت إنها مختلفة، حدثنا عن عملك الأخير، وما الذي أراد الزاوي أن يقوله روائيا من خلاله؟
      أنهيت رواية جديدة باللُّغة العربية اخترت لها عنوان ”نزهة الخاطر”، صدرت في طبعة مشتركة لبنانية جزائرية، عن منشورات ضفاف بيروت ومنشورات الاختلاف الجزائر، و”نزهة الخاطر” رواية تقارب ظاهرة الجنون، وارتباطه بالجنس والدين والتهميش والأسفار، رواية ”نزهة الخاطر” تعيد ربط الرواية العربية الجديدة والحداثية بذاكرتها الشجاعة في التراث العربي الإسلامي، وهي وإن ترتبط بهذا التراث، إلا أنّها رواية تجري أحداثها ما بين حاضر الجزائر العاصمة وقرية صغيرة من قرى الجزائر اسمها باب القمر وأوروبا. رواية تستعرض قضية تبدو لي أنّها تُطرح لأول مرة في الكتابة الروائية العربية، وهي مسألة حب الأخ لأخيه حتى الاندماج الكلّي، حيث كثيرا ما يسكن الواحد نفس الآخر…
       رواية ”نزهة الخاطر”، نصٌّ في الدين الشعبي البسيط والمتفتح على الحياة والاختلاف والثقافات، ومن خلاله تتبدّى الحياة الاجتماعية بكلّ عنفها الجميل.
      رواية ”نزهة الخاطر”، هي نصٌّ يعرض أيضا لتاريخ الجزائر في العشر سنوات الأولى من الاستقلال، وهي أول رواية جزائرية تستحضر شخصية مصالي الحاج، مؤسس الحركة الوطنية الجزائرية الحديثة، وتحاول أن تقرأ ما عاناه هذا التيار السياسي بعد الاستقلال…
    
     قلت إنّ الروائي العربيّ مفصولٌ عن تراثه، فهو يريد أن يكون مخنّثًا في الكتابة..، هل نستطيع القول إنّ الروائي العربي صار بلا موقف سياسي، خاصة إزاء جغرافيا التحوُّلات الاجتماعية الحاصلة عربيًا، فهو إذن مخنّث سياسيًا أيضا ؟
       لماذا أخفقت الحداثة الروائية في الأدب العربي؟ أعتقد أن هذا الإخفاق في الرواية، كما في الفكر، سببه أنّ ما أسس في العقل العربي الإبداعي أو التفكيري هو من ”المنقول” أساسًا، فالعطب الذي يُصيب النص الروائي العربي يعود في بعض ذلك إلى كون الروائي غير مثقف معرفيًا، الرواية العربية تأسّست على الخطاب السياسي الغاضب، ولم تتأسّس على الخطاب الاجتماعي العارف، ولو كان الروائي العربي قارئا معرفيا، لعاد أساسا إلى التراث الفقهي الشجاع لاستثماره في مواجهة السلفيات الجديدة والتعصُّب المرضي في السياسة وفي الدين، ما في ذلك شك فقد حاول الروائي جمال الغيطاني مشروع العرفانية في الرواية، ولكن تجربته لم تأخذ البعد الذي تستحقُّه، من هنا أقول إنّ أية حداثة قادمة من قطيعة مع الذات وقائمة على قراءة مشوشة للآخر، وهذا نظرا لعطب في الترجمة إلى العربية، حيث إنّها متخلّفة لا تواكب ما يجري حولها، وأيضا تعيش رقابة ومقصا لا يرحم، هذه حداثة روائية معطوبة، وهو ما نحن أمامه الآن، إذ أصبح المثقف العربي لا يقرأ تراثه الشجاع، ولا يعرف تراث غيره أو يعرف قشوره أو المشوّه منه، القادم في ترجمات غير أمينة وخاضعة لرقابة أخلاقية وأمنية.
      لذلك فما هو قائمٌ في الأدب من تخنيث، قائمٌ أيضا في السياسة، فالروائي العربي اليوم الذي كان ذات يوم يساريًا، تراه يتلهّف على المال ويكتب لذلك نصوصًا مليئة بالغموض السياسي والمراهقات الأيديولوجية والاجتماعية والانتفاخ اللُّغوي.

في حوار نادر أُجري مع مولود معمري منذ أكثر من ثلاثين سنة، سُئل عن مشكلات الكاتب الجزائري الذي يكتب بالفرنسية، فأجاب بأنّ أهمّ مشكلة هي مشكلة القُرّاء، لارتفاع نسبة الأميّة، ولذلك فأغلب قرائنا في الخارج..، من دون شك تغيّرت المعادلة اليوم، ومع ذلك يلجأ الروائيون الجزائريون الذين يكتبون بالفرنسية، إلى دور النشر الفرنسية، هل الدخول إلى القارئ الجزائري عبر البوابة الفرنسية ضرورة ؟
      شخصيًا أقول، وأنا الروائي الذي يكتب باللُّغتين العربية والفرنسية، وهذا ثابت من خلال ما أشهده في لقاءاتي مع القرّاء في المدن الجزائرية، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، بأنّ القارئ باللُّغة الفرنسية وبعد أربعين سنة من التعريب، هو الأكثر حضورا والأكثر فاعلية وتفاعلا مع الرواية، ولم يعد القارئ بالفرنسية من الجيل القديم، بل إنّ ما ألاحظه وفي كلّ لقاءاتي ومناقشاتي وبيعي بالتوقيع، بأنّ القارئ للرواية الجزائرية بالفرنسية، أصبح خلال العشر سنوات الأخيرة من الشباب، وهذه ظاهرة تحتاج إلى تفكير وقراءة سوسيولوجية وسياسية وثقافية ولغوية،
       هناك عودة إلى اللُّغة الفرنسية بشكل واضح في القراءة الروائية والأدبية بشكل عام، وبعيدا عن التفسير السياسي البسيط إني أقول إن المجتمع الذي يُقبل على اللغات الأجنبية مجتمعٌ ديناميكي، وقابل للتقدُّم، ولكن دون التفريط في لغاته الوطنية، للأسف فالكتابة بالعربية لا تحظى بذات الاهتمام في بلادنا، مع أنّ لنا كتابا متميّزين من الجيل الجديد، ولكنّهم يعانون نوعًا من التهميش، ولعلّ ما نقرأه هنا وهناك من بعض مظاهر الغضب التي تأخذ شكلا لغويا يؤكد بداية انقسام جديد في المجتمع الثقافي الجزائري على أساس لغوي.
      ما هو مطلوب اليوم، هو إعادة ربط الجزائر بمحيطها الثقافي العربي، وخاصة محيط الكتاب، إعادة ربطها المتواصل بالكتاب العربي التنويري الجيّد، خارج مناسبة معرض الكتاب الدولي، الكتاب حياة مستمرّة ويومية، ونحن نعيش قطيعة واضحة مع سوق الكتاب العربي، سواء بالتصدير أو الاستيراد، فلا الكتاب الجزائري بالعربية المنتج في الجزائر يصل إلى المكتبات العربية، ولا الكتاب العربي يصل إلينا، وحال الكتاب بالفرنسية ليس أفضل من الكتاب بالعربية، لكن هناك عدة قنوات متاحة لتوصيل الكتاب بالفرنسية، منها العلاقة المعقّدة اجتماعيًا ولغويًا بين الجزائري والمجتمع الثقافي الفرنسي.

      أمين الزاوي يكتب باللُّغتين العربية والفرنسية، هل ينطلق الزاوي من خلفية معيّنة عندما يكتب لقارئ يستهلك بالحرف العربي، وهل ينطلق عند الكتابة لجمهور يستهلك الإبداع بلغة موليير، من المنطلقات نفسها؟
      أنا لا أخون قارئي، كان بالعربية أم بالفرنسية، أكتب بذات الحسّ التكسيري في اللُّغتين، أطرح ذات المشكلات وأقاربها بذات الرؤية دون خوف، أحترم القارئ العربي كثيرا، ولكنه يخيفني كثيرا، لأنني أشعر بأنّ له أحكامًا مسبقة، فهو يُصنّف النص الإبداعي من زاوية نظر غير أدبية، ونظرا لطغيان الثقافة الدينية الأيديولوجية الاستهلاكية، فالقارئ بالعربية ينطلق من هذه القاعدة لمقاربة النص الروائي الذي له منطقه الخاص به، لذا حين أقارن ما بين قارئ بالفرنسية وآخر بالعربية، في بلد كالجزائر، أشعر وكأنني أمام شعبين، وهذا ناتج عن غياب الثقافة النقدية في الثقافة الرائجة بالعربية عندنا.

      عندما يقول الزاوي ”إنّه ليس المهمّ أن تُعجب رواياتي القرّاء.. المهمُّ أن أكون حرّاً..”، هل معنى ذلك أنّ الزاوي لا يرى في قارئه ما يدفع إلى هذه الحرية ؟
       أنا أكتب لا لأُرضي القارئ، أكتب لأقلقه، لأثير فيه أسئلة قد يخاف مواجهتها، الرواية التي لا تُعلّم النقد رواية فاشلة، الرواية التي لا تساهم في صناعة قارئ قادر على الاختلاف وقبول الآخر ورؤية نفسه في المرآة، هي رواية لا تُقدّم كثيرا للمجتمع الإبداعي. يهمُّني خلق ”تشويش” لدى القارئ العربي الذي أصبح يعيش حالة من الطمأنينة الكاذبة، يهمُّني خلخلة القارئ الذي أضحى يتعامل مع الدين بطريقة سياسية، أن أجعله يطرح أسئلة أخرى ولكنّها من داخل المرجعيات التاريخية والمعرفية والإيمانية نفسها.

ازدهرت في فترة ما نقاشات حول موضوع المجايلة الأدبية في الجزائر، وأوشكت تلك النقاشات أن تتحوّل إلى عداوات، لكن ماانفكّت تخبو، هل معنى ذلك أنّ الأجيال الروائية تصالحت فيما بــــينها ؟
      الأدب لا يتقدّم أو يتأخّر في علاقة طردية مع عُمر الكتّاب، الأدب يتطوّر مع صناعة النصوص الجيّدة، يتطوّر أو يتأخّر مع دَرَبَة التجربة الفردية والتجربة الجماعية أيضا، لاتزال نصوص أدبية شعرية أو روائية تعود إلى عصور قديمة أو حديثة، حيّة ومعاصرة تُقرأ وتثير الأسئلة والتأويلات وتؤثر في الذائقة الفردية والجماعية.
        أسمعُ بعض النقاشات الفارغة حول صراع الأجيال الأدبية، حيث كلُّ طرف يريد أن يعلّق إخفاقه على الآخر، أقول بأنّ ما يُميّز الكتابة هو الإبداع، فكم من الشيوخ يعيشون بعقلية مستقبلية ويُبدعون نصوصًا حداثية، وكم من الشباب عمرًا يعيشون بعقلية قروسطية تقليدية متجاوزة.


     من الغريب أن يقف النقد الأدبي في الجزائر عاجزا عن مواكبة الحركية الإبداعية الروائية في الجزائر، ما الأسباب وراء ذلك برأي الدكتور أمين الزاوي؟
         أعتقد أن الجامعة الجزائرية من خلال أساتذة النقد والأدب المعاصرين لا تقوم بدورها، فالنقد الجامعي غائب، والأستاذ الجامعي للأسف تحوّل إلى ”معلّم” يكتفي بتلقين معلومات قالها ذات يوم طه حسين أو شوقي ضيف أو زكي مبارك أو محمود أمين العالم (مع احترامي لهؤلاء جميعا)… وانتهى الأمر، الجامعة معزولة، غائبة عن الحركة الأدبية الروائية في الجزائر، وهذا الغياب جعل النقد الصحفي البسيط يأخذ مكان النقد الجامعي، وأصبح الصحفي هو من يصنع الأسماء، والجامعة تتبع هذه الصناعة دون قراءة أو إعادة قراءة، بل تُكرّسها في كثير من المرّات دون مُراجعات. الجامعة الجزائرية عليها أن تتفتّح وتنفتح على الرواية وعلى الروائيين، خاصة أقسام اللغة العربية وآدابها، فهم على قطيعة شبه عدائية، في عموم المشهد، لا أتحدّث عن استثناءات بسيطة، فهناك أساتذة يحاولون ملاحقة المشهد الروائي كالأستاذ وحيد بن بوعزيز وعامر مخلوف ومونسي حبيب واليامين بن تومي ورشيد كوراد ولكنّهم قلّة، على قطيعة مع  الإنتاج الروائي بالعربية وعلى العكس من ذلك، نجد أقسام اللغة الفرنسية وآدابها مرتبطة بالإنتاج الروائي الجزائري بالفرنسية، في النقد باللُّغة الفرنسية للرواية الجزائرية باللُّغة الفرنسية، نجد تجاوبًا ما بين النقد الجامعي الأكاديمي والنقد الصحفي، بل إنّ النقد الصحفي تابعٌ للنقد الجامعي.

      طرح الزاوي في وقت سابق سؤالا هامًّا مفاده لماذا لم يُتوّج الأدب الفرانكفوني المغاربي بنوبل، وطُرح في محاولة الإجابة مشكلتان، أولاهما تتعلّق بكون هذا الأدب ظل أدب استهلاك موسميًا، وثانيهما تقلُّص إشعاع اللُّغة الفرنسية والآداب التي تكتب بها أمام ما يكتب، من رواية وشعر، في لغات صعدت فجأة كالصينية واليابانية والكورية والتركية.. هل معنى ذلك أنّ الأدب المغاربي المكتوب بالعربية أوفر حظًّا في التتويج بنوبل يوما ما؟
       بدا لي من خلال قراءاتي للرواية المغاربية المكتوبة بالفرنسية منذ الجيل الأول الذي مثّله محمد ديب وإدريس شرايبي وألبير ميمي وكاتب ياسين ومالك حداد ومولود معمري ومحمد خير الدين وغيرهم، وحتى جيل أزمة العشرية الدموية في الجزائر، بدا لي بأنّ هذا الأدب مرتبط كثيرا بالمواسم السياسية والأيديولوجية من موقف المساندة أو موقف المعاداة، وشعرتُ بأنّ الرواية المغاربية تنقصها الرؤية الفلسفية، تفتقر إلى التأمُّل كأساس للكتابة الروائية، وأشعر أيضا أنّ الروائي المغاربي مثقّفٌ سياسيًا وتنقصه الثقافة الفلسفية والنفسية واللُّغوية التي بها يستطيع تقليب العالم على قراءات معقدة، بدا لي أيضا أنّ الرواية المغاربية بسيطة، والبساطة فيها ليست بساطة إبداعية، بل هي نتاج خلل ثقافي فلسفي، وربما هذا الخلل أيضا ناتج عن انقطاعها عن تراثها العربي والبربري، فغالبية الروائيين لا يقرأون بالعربية ولا يقرأون بالأمازيغية، فهم يمرُّون إلى عالمهم عن طريق الترجمة. كما أنّ الموضوعات التي تطرحها الرواية المغاربية هي موضوعات محليّة جدا، والمحلي هنا ليس ذلك الذي يدهش بارتباطاته الإثنية والدينية والنفسية، بل ذلك المحلي اليومي الاستهلاكي السياسي. وحين أقول هذا حال الرواية المغاربية المكتوبة بالفرنسية، فإنّ الرواية بالعربية ليست أفضل حالا، فهي أيضا عاشت ولاتزال رهينة السياسي الموسمي، والرواية الجزائرية بالعربية، مع استثناءات قليلة متميّزة تتمثل فيما يكتبه كلّ من بشير مفتي وسمير قسيمي وعبد الوهاب بن منصور وإسماعيل يبرير وربيعة جلطي، باستثناء هذه الأسماء فالرواية الجزائرية بالعربية فيها كثير من المراهقات السياسية والاجتماعية، و فيها كثير من الانتفاخ اللُّغوي الذي لا يخدم الفنّ الروائي.
      بقي لي أن أقول بأنّ الروائية أحلام مستغانمي حقّقت شيئا أساسيًا في الأدب الروائي العربي، لم يسبقها إليه سوى نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس، إذ أنها صالحت ما بين القارئ العربي والرواية، وهذا إنجاز حضاري كبير.

مَنْ مِن الروائيين المغاربيين يصنع الاستثناء بالنسبة لأمين الزاوي؟
       بالفرنسية تُعجبني تجربة بوعلام صنصال لما فيها من عمق أسئلة جديدة، خلَّصت الرواية الجزائرية من ”محليّتها” العابرة، ودفعت بها إلى الموضوعات العالمية.
      وبالعربية ما زلت أعتبر الروائي المغربي المرحوم محمد شكري واحدا من أساتذتي بجرأته وثقافته الانسانية العالية.

      سؤال أخير، هل صار المثقف العربي يعيش على ضفاف المؤسّسات الثقافية الرسمية، وهل معنى ذلك أنّنا دخلنا زمن الفردانية إبداعيًا؟
       الدولة لا تصنع ثقافة، الدولة تحافظ على مؤسسات الثقافة التي من المفروض أن يعيش فيها المثقفون بنشاطهم ونقاشهم وكتبهم وتفكيرهم وتفكيراتهم، لقد مضى زمن ثقافة بريجنيف، وأشعر أنّ بلادنا لم تتخلّص بعدُ من مرحلة الممارسة البريجنيفية في الثقافة، فهيمنة الدولة وغياب المجتمع المدني واستقالة المثقفين وانتشار الثقافة الرسمية التي لا يثق فيها المجتمع، كلُّ هذه من مظاهر البريجنيفية الثقافية، مؤسسات الدولة لا تصنع ثقافة، مؤسسات الدولة تساعد المثقفين على إنتاج ثقافات (بالجمع) وتكون الحكم العدل بين الجميع، بهذا نستطيع أن ننتج ثقافة ومثقفًا يقف فيه المجتمع الذي يعيش فيه وله، على مؤسسات الدولة أن تعمل على تحويل الثقافة إلى أساس المواطنة بمفهومها الراقي الحضاري، حيث يتحقق الاختلاف والنقاش والاستماع والاحترام والعيش المشترك فكريًا واجتماعيًا وسياسيًا.
      أمام هذا الوضع نجد النجاح الإبداعي العربي أو الأوروبي الذي يحقّقه بعض المبدعين الجزائريين لا يتحقّق من خلال مؤسسات الدولة ولا برعايتها، فما ترصده الدولة الجزائرية وبإرادة سياسية عالية، وهذا شيء إيجابي، يجب التأكيد عليه وتكريسه، من دعم للثقافة لا مثيل له في دول العالم العربي وحتى في بعض الدول الأوروبية، ولكن مع ذلك لم نستطع فرض الكتاب الجزائري في السوق العربية، ولا في السوق المتوسطية الأوروبية، ولا حتى الإفريقية، لا نسمع بدار نشر جزائرية حقّقت صوتًا في المكتبات العربية أو الفرنسية أو السينغالية، مع أنّ ما يُدفع لها شيء خارق للعادة، وكلّ ما حقّقه بعض الكتّاب وبعض السينمائيين الجزائريين من نجاحات يعود إمّا إلى دور نشر أجنبية عربية أو فرنسية، أو شركات إنتاج خارجية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشروق اليومي :27-11-2013
حـــوار: ميلــــود بن عمـــار


                                                                  من أقوال عظماء الجزائر م ن أقوال الراحل عبد الحميد مهري الشهيرة تأكيده ع...