الخميس، 13 يونيو 2024

 

حوارٌ ثقافيٌّ من الأرشيف قبل 44 سنة

كتب: بشير خلف

    في يوم الإثنين 17 أوت 1981م، في إطا


ر قدومي إلى الجزائر العاصمة زائرًأ عاديا، أجرى معي حينذاك الإعلامي القدير بجريدة الشعب، بمقرّها القديم  تحت بناية شركة الخطوط الجزائرية، قُرْب جامعة الجزائر المركزية:

       باديس قدادرة، حوارا عن المشهد الثقافي الجزائري، وجرّني الحديث عن انعدام مشروع ثقافي وطني، والرّكود الثقافي الشامل .. حوارًا به عديد الأسئلة، والأجوبة تلخّصت في: ( الثقافة في بلادنا مسؤولية الجميع).

    حينذاك برزت إلى الساحة الثقافية الجزائرية: الهيئة الجديدة لاتحاد الكُتّاب الجزائريين التي انتظر الجميع منها الكثير.

      من الأسئلة التي طرحها عليّ حينذاك الأستاذ باديس قدادرة:

( ألا ترى أن هذا الركود سيُقْضى عليه بفضل الهيئة الجديدة لاتحاد الكُتّاب الجزائريين ؟)

     جوابي، كان يومها17 أوت 1981:

( إنّ الثقافة لا تخصّ اتحاد الكُتّاب فقط، بل تشترك فيها هيئات أخرى؛ إنما مسؤولية الاتحاد أخطرُ بكثير لأنه يضمّ تحت لوائه رجالات الفكر، والأدب ببلادنا ، ولكن لا هيئة اتحاد الكتاب السابقة قامت، ولا الهيئة الجديدة ستقوم بأعمال عظيمة يمكن الإشادة بها.)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   الحاصول:

ماذا تغير في (اتحاد الكُتّاب) بعد هذا الحوار الذي مرّ عليه 44 سنة ؟؟

 

الأحد، 2 يونيو 2024

 

عجوز تطهو البيض

كتب: بشير خلف


      لوحة للفنان الإسباني دييغو فيلاسكيز 1619

أمامنا مشهدٌ تدور أحداثه في مطبخ يمزج بشكل متناسق بين الظل، والنور حيث تظهر شخصيات اللوحة (العجوز، والطفل ) في المستوى الأول بشكل، ويُسلّط ُعليهم ضوء قوي ينبثق من جهة اليسار .

    

     بطلة اللوحة هي السيدة العجوز أمامها قِــدْر من الفخار تطهو فيه البيض يحتل مركز اللوحة، تحمل في يدها اليمنى ملعقة من الخشب تقلب بها البيض ، أما في اليد اليسرى تحمل بيضة أخرى ومن المفترض أنها ستحطمها بواسطة حافة إناء الطهي ، بالجوار يظهر طفل ( بطل المشهد الثاني ) ويبدو أنه أتى توا من الخارج منتظرا إعداد الطعام ، يحمل الفتى في يده اليمنى ثمرة شمام وقارورة من الزجاج في يده اليسرى .

      في اللوحة تتنوع العديد من عناصر المطبخ

الجمعة، 31 مايو 2024

" كــنْزة " نصُّ تراجيديا الإبادة الجماعية.. وجهاد، ومقاومة " الكنْــزات" 
كتب: بشير خلف 
 وصلتْني هديّةٌ جميلةٌ، ماتعة من الكاتبة الكبيرة، والروائية المُبدعة القديرة، والإعلامية الثقافية المُتميّزة، والناشطة الثقافية المُتألّقة: جميلة طلباوي..وصلتني روايتها التي صدرت أخيرا، الموسومة بــ :" كــنزة" نصٌّ روائيٌّ من الحجم المتوسّط في: 126 صفحة. صدر عن دار " خيال، المرافقة، والرفيقة للأدباء الجزائريين. 
 رواية بقـدْر ما هي ماتعةٌ لروائية قديرة لها من النصوص الروائية الصادرة قــبْــلُ؛ فإن الرواية الجديدة صادمةٌ للقارئ الـنّـبِه، الباحث عن الأحداث، والوقائع التاريخية لتاريخ الجزائر المعاصر، خاصّة ما ارتكبه الاستعمار الفرنسي من إبادات جماعية، ومجازر، وتجارب كيميائية، في صحرائنا الجزائرية، قضت على الأخضر، واليابس، وعلى كل المخلوقات: إنسانٍ، حيوانٍ، نباتاتٍ.. ولا يزال الضحايا من الأبناء، والأحفاد يعانون إلى أيامنا هذه. النصّ الذي بين أيدينا وثيقة تاريخية تُشخّص بشاعة سلوك الاستعمار الفرنسي، قبل الثورة التحريرية، وأثناءها في منطقة الساورة، خاصّة حينذاك في وادي الناموس،وبلدتي: "بني ونّيف.. والقنادسة." 
 النصّ الروائي فــنِّــيًّا وجماليا قدّمته الروائية جميلة طلباوي للمتلقّي، في: عشْر رسائل من خلالها تُحادث عبْر هذه الرسائل ولدها، فتكشف له عمّا يجهله من تاريخ بلاده الجزائر: تارات تُقدّم له معارف ومعلومات عن تاريخ منطقته، وبلاده، وما قام به الاستعمار الفرنسي في قالب حميميّ، مُشوّقٍ، وتارات أخرى تتساءل بحْثًا عن إجابات تُؤرقها: « ــ تسألني يا ولدي: ـــ لِمَ تغيبُ الشمسُ؟ ولِمَ يحُلُّ الظلام؟ ..وأنا واجمةٌ أمامك لا أملك إجابة.. فأغرقُ في ظلام السؤال، والإجابة في شمسٍ تسطعُ من فكركَ، تتوهّجُ في عيّنيّك الواسعتيّن، كأنّي بهما تعيدان السؤال بشكْلٍ مُختلف: ــ لماذا يحُلّ الظلام بعالمنا، لماذا يُقتل الصغار؟ ص: 15» ـــ « روت لي كنزة كيف قتل جنودُ الاحتلال الفرنسي زوجها أمام عــيْـنيْها، وكيف سحبوها من شعْـرها، وأخذوها بعيدًا عن خيمتها ، اغتصبوها، ثمّ رموْها في حمادة لا يحُدُّها البصر. ص: 15 » تراجيديا الإبادة الجماعية: ورد في نصٍّ كتبه جنديٌّ فرنسيٌّ حارب في الجزائر في خمسينيات الفرن الماضي، ما يلي: «كان أكبر مركزٍ للاختبار للأسلحة الكيميائية في العالم، باستثناء روسيا: اختبار المضلع كما يقول الخبراء 100كم طولًا يسيطر عليها الجيش الفرنسي، وكان في الصحراء الشمالية للجزائر بالقرب من مدينة "بني ونيف"، هذه القاعدة فائقة السرّيّة. ص: 07» «كان يُسمّى" عام الشكاير" لأنّ الأموات كانوا بالمئات، فكانوا يوضعون في أكياس لدفـنهم، كلّ هذا نتيجة التجربة الكيميائية التي قامت بها فرنسا الاستعمارية في مدينة الأغواط عام 1852 فأبادت ثلاثة أرباع السكّان، وهي الأولى في العالم قبل هيروشيما، ونغازاكي. ص: 07 » تـتحدّث الرواية عن الضحايا الأبناء، والأحفاد الذين يعانون من الإصابات الجسدية، والمعاناة المتواصلة محرومين من الحياة الطبيعية حتى الآن في بيئة صحراوية نتيجة التجارب على أرض يبابٍ فقدت فيها التربةُ مُسبّبات الحياة للإنسان، والحيوان، والنبات: « أفتحُ النوافذ لتصفعنا زوابع الرمل ملتهبة ببقايا تجارب أسلحة كيميائية لا يتحدّث عنها العالَمُ، سكنت رحِم وادي الناموس في بلدتنا الصغيرة بني ونيف الواقعة في الجنوب الغربي الجزائري، ونفايات سموم خلّفها الاحتلال الفرنسي، وطواها النسيان كما طوى ذكريات أجدادنا، كانوا هنا ينصبون الخِـيَم من حولهم، قطعان الأغنام تجعل لحياتهم معنى آخر، وفي البراري كانت الغزلان الشاردة تصنع جمال المكان، لكنها لا يمكنها أن تطوي ذكرى" كنزة لالّة البنات" أجمل بنات القبيلة، وغصّة في حلْق التاريخ. ص:12» « كما حزن سكانُ القرية للثعبان الكيميائي الذي استوطن أرضهم، وراح ينخرها في صمْتٍ. مات الزّرعُ، ماتت الغزلان وحتّى الثعالبُ، لم يبق لها أثرٌ في تلك الربوع؛ وما هي إلّا سنواتٌ قليلة حتى ظهرت أعراض السرطان عند خالتي الخادم، وعند زوجة أخيها، وعند ابنتها الصغرى؛ تساءل سكّان البلدة: ـــ هل يكون الثعبان الكيميائي ينفثُ سُمّه ؟. ص:32 » {شرَفُ جهاد ومُقاومة الكـنزات، والشُّرفاء}: ــ كنزة الأمّ: الشهيدة، كنزة بنت الشهيد عمار المجذوبي. ــ كنزة الابنة، كنزة بنت المجاهد السي عبد السلام. ــ كنزة الحفيدة، كنزة بنت قـدّور البيّاع، الخائن العميل لفرنسا. لئن حـفرت الروائية جميلة طلباوي عميقًا في الذاكرة التاريخية، وعرّت بشاعة الاستعمار الفرنسي، وتجرّده من الشعور الإنساني في منطقة وادي الناموس، ومدينتي بني ونيف، والقنادسة فـفي نصّها تحـدّثت بحماسٍ عن بطولات خارقة للمجاهدين، والمجاهدات أثناء الثورة التحريرية، والوقوف في وجْه الفساد، والفاسدين بعد الثورة. (جمالية السّرد، وتقنية الأسلوب): الاشتغال في الإبداع السّردي يُحتّم في بعض الحالات على الكاتب المبدع الخوض في دقائقَ حياتية إنسانية عميقة، ومواضيع راهنة حارقة، أو ماضية فــلـتت من أصابع الزمان غابت، وتغيب عن عيني الإنسان العادي في وعاء لغوي جذّاب.. في شعرية لغوية مُمتعة، وأداء تشكيلي جمالي.. فيعيد لها الكاتبُ المبدع ألقها، وحياتها، وقد تـتماهى هذه المنفلتة بما هو راهنٌ في النصّ.. فلكي نبدع سرديا، وشعريا، فإننا نُـنشئُ حدثًا أسلوبيا يتخطّى المعيار الكلاميّ السائد. وهذا ما يلمسه القارئ في هذا النصّ السردي الروائي للمبدعة جميلة طلباوي الموسوم بــ " كنزة" القارئ الخبير بفن السرد يتّضح له منذ بداية هذا النص، أن الفضاء الشعري الرّحْب للكاتبة جميلة لغةٌ، وأسلوبٌ، وبناءٌ فنيٌّ، كان مُتمدّدًا في النصّ.. صحيح أن الرواية لم تُكْـتب بتقنيات الشعر؛ لكنها في بعض المواقـف سُردت بلغة شعرية كـثيفة، جميلة، وبمفردات مثيرة تُحيل إلى أحداث جسيمة مُرعبة ارتكبها الاستعمار الفرنسي في الجزائر، لا يزال الشعب الجزائري الضحية يعاني منها، خاصة ضحايا التجارب الكيميائية. كما أن التخـييل الخصب في رواية" كنزة" يجعل القارئ ينزاح إلى فـضاءات أخرى مُهمة لم تقُـلها الرواية مباشرة، وهي فضاءات حرية الإنسان المُقـدّسة أينما تواجد، ومتى تواجد. وقد نجحت الكاتبة في سرْد الأحداث المأساوية، وجهاد، ومقاومة الشعب الجزائري أثناء الثورة التحريرية في مدينتي:" بني ونيف، والقنادسة، وبناء مشهدية روائية درامية تُحفّـزُ خيال المتلقّي ليستدعي كل مقومات الصمود، والتحدي، والمواجهة من خلال اللغة الرقراقة، والأسلوب المُشوّق، والعبارات التصويرية المُحفـِّزة للخيال. {من جمالية الحكي في الرواية}: «من قـصْر الطين العتيق العبق بالذكريات تلوح لك مدينة بني ونيف مُلْتفّة بهدوء يبعـث في النفس الطمأنينة، تبدو كما عجوزٌ متكـتّمة على أسرار، وحكايات يُـدمى لها الفؤادُ. في أحد أزقّته يقع بيتُ جدّكَ القديم، ألوذ إليه في لحظات انكساري، أو كُلّما غلبني الحنينُ. يتعالى صياحُ الدّيك، فتدُبّ الحياة في الأزقّة، والدُّروب، تفوحُ رائحة الخبز الشّهيّ من فُرْن الطين، ينضج مع الصباح.» ص:11 « وتسألني يا ولدي: ما الوطن؟ ما الوجع؟ ما الفجر؟ وما الشهيد؟ تنفجرُ الأسئلة في أزقّة الدبدابة، في الشعبة، وفي القنادسة نضالُ شعْبٍ يتوق للحرية، تقفز ذكرى شهيد المقصلة قيصري جيلالي. {من شعرية النصّ}: « وتسألني يا ولدي: لماذا الفراشاتُ أعمارهُنّ قصيرة، ولماذا لا تذوب ألوانهنّ على يدك الصغيرة حين تُمسكُ قبضتك عليها، وأنت تضحكُ ضحكتك البريئة. الفراشات يا ولدي كائنات جميلة، تُـزيّنُ عالمنا، ولا تنتبه لعمرها وهي تحلِّقُ. تقترب من النور، وتبتعد، وقد تحترق. تُحلّقُ في الفضاء عاليا، تكون في كامل أناقتها، وهي تُداعب الأزهار، تنافسها عرش الرياض البديعة، ثم ترحلُ قبل أن يفتُر جمالُها.» ص:35 «الموْجُ يتلوّى يفلُتُ من قلْب البحر، يُعانِقُ الغيْمة المُتعبة من قيظ الوجع، يركل يومًا آخر، يفلُتُ من حلمي، ويُبْقي الغصّة تتدحرج في فنجان قهوتي، تُذيبُ السّكّر، وتُبقي لي بِضْعَ وهْمٍ يُربّتُ على خيْبتي.» ص: 09 
«الموْجُ صاعِقٌ، يصعقُ لذّة الانتظار في قلبي، يصعق الدقائق في ساعةٍ فضّية توهِمُ مِعْصمي بامتلاك الزمن. الموجُ يُوشْوِشُ لي بأُهْزوجةٍ قديمة، أمتطي الكلمات، وأجتاحُ اللّحْن الجسور، تــتْرى، تـتْبعُني أسرابُ النوتات، تسْتحِمُّ في شمس الصوت المحموم.. لا صوْتَ للموْجِ حين تُغـنّي الشمسُ .»ص: 09 المُحصِّلة نصٌّ جميل ينضاف إلى مسار جميلة طلباوي الإبداعي المتشح بالإبداعية والجمال الفـنّي، الذي تألّقت فيه في مجموعة من الإصدارات الشعرية، والقصصية، والروائية.. مسارٌ نيّـرٌ في المشهد الثقافي الجزائري، والعربي؛ كما الإعلام الثقافي في إذاعة بشار منذ عقود.. ليباركها ربُّنا، ويوفّقها.
" كــنْزة " نصُّ تراجيديا الإبادة الجماعية.. وجهاد، ومقاومة " الكنْــزات" كتب: بشير خلف وصلتْني هديّةٌ جميلةٌ، ماتعة من الكاتبة الكبيرة، والروائية المُبدعة القديرة، والإعلامية الثقافية المُتميّزة، والناشطة الثقافية المُتألّقة: جميلة طلباوي..وصلتني روايتها التي صدرت أخيرا، الموسومة بــ :" كــنزة" نصٌّ روائيٌّ من الحجم المتوسّط في: 126 صفحة. صدر عن دار " خيال، المرافقة، والرفيقة للأدباء الجزائريين. رواية بقـدْر ما هي ماتعةٌ لروائية قديرة لها من النصوص الروائية الصادرة قــبْــلُ؛ فإن الرواية الجديدة صادمةٌ للقارئ الـنّـبِه، الباحث عن الأحداث، والوقائع التاريخية لتاريخ الجزائر المعاصر، خاصّة ما ارتكبه الاستعمار الفرنسي من إبادات جماعية، ومجازر، وتجارب كيميائية، في صحرائنا الجزائرية، قضت على الأخضر، واليابس، وعلى كل المخلوقات: إنسانٍ، حيوانٍ، نباتاتٍ.. ولا يزال الضحايا من الأبناء، والأحفاد يعانون إلى أيامنا هذه. النصّ الذي بين أيدينا وثيقة تاريخية تُشخّص بشاعة سلوك الاستعمار الفرنسي، قبل الثورة التحريرية، وأثناءها في منطقة الساورة، خاصّة حينذاك في وادي الناموس،وبلدتي: "بني ونّيف.. والقنادسة." النصّ الروائي فــنِّــيًّا وجماليا قدّمته الروائية جميلة طلباوي للمتلقّي، في: عشْر رسائل من خلالها تُحادث عبْر هذه الرسائل ولدها، فتكشف له عمّا يجهله من تاريخ بلاده الجزائر: تارات تُقدّم له معارف ومعلومات عن تاريخ منطقته، وبلاده، وما قام به الاستعمار الفرنسي في قالب حميميّ، مُشوّقٍ، وتارات أخرى تتساءل بحْثًا عن إجابات تُؤرقها: « ــ تسألني يا ولدي: ـــ لِمَ تغيبُ الشمسُ؟ ولِمَ يحُلُّ الظلام؟ ..وأنا واجمةٌ أمامك لا أملك إجابة.. فأغرقُ في ظلام السؤال، والإجابة في شمسٍ تسطعُ من فكركَ، تتوهّجُ في عيّنيّك الواسعتيّن، كأنّي بهما تعيدان السؤال بشكْلٍ مُختلف: ــ لماذا يحُلّ الظلام بعالمنا، لماذا يُقتل الصغار؟ ص: 15» ـــ « روت لي كنزة كيف قتل جنودُ الاحتلال الفرنسي زوجها أمام عــيْـنيْها، وكيف سحبوها من شعْـرها، وأخذوها بعيدًا عن خيمتها ، اغتصبوها، ثمّ رموْها في حمادة لا يحُدُّها البصر. ص: 15 » تراجيديا الإبادة الجماعية: ورد في نصٍّ كتبه جنديٌّ فرنسيٌّ حارب في الجزائر في خمسينيات الفرن الماضي، ما يلي: «كان أكبر مركزٍ للاختبار للأسلحة الكيميائية في العالم، باستثناء روسيا: اختبار المضلع كما يقول الخبراء 100كم طولًا يسيطر عليها الجيش الفرنسي، وكان في الصحراء الشمالية للجزائر بالقرب من مدينة "بني ونيف"، هذه القاعدة فائقة السرّيّة. ص: 07» «كان يُسمّى" عام الشكاير" لأنّ الأموات كانوا بالمئات، فكانوا يوضعون في أكياس لدفـنهم، كلّ هذا نتيجة التجربة الكيميائية التي قامت بها فرنسا الاستعمارية في مدينة الأغواط عام 1852 فأبادت ثلاثة أرباع السكّان، وهي الأولى في العالم قبل هيروشيما، ونغازاكي. ص: 07 » تـتحدّث الرواية عن الضحايا الأبناء، والأحفاد الذين يعانون من الإصابات الجسدية، والمعاناة المتواصلة محرومين من الحياة الطبيعية حتى الآن في بيئة صحراوية نتيجة التجارب على أرض يبابٍ فقدت فيها التربةُ مُسبّبات الحياة للإنسان، والحيوان، والنبات: « أفتحُ النوافذ لتصفعنا زوابع الرمل ملتهبة ببقايا تجارب أسلحة كيميائية لا يتحدّث عنها العالَمُ، سكنت رحِم وادي الناموس في بلدتنا الصغيرة بني ونيف الواقعة في الجنوب الغربي الجزائري، ونفايات سموم خلّفها الاحتلال الفرنسي، وطواها النسيان كما طوى ذكريات أجدادنا، كانوا هنا ينصبون الخِـيَم من حولهم، قطعان الأغنام تجعل لحياتهم معنى آخر، وفي البراري كانت الغزلان الشاردة تصنع جمال المكان، لكنها لا يمكنها أن تطوي ذكرى" كنزة لالّة البنات" أجمل بنات القبيلة، وغصّة في حلْق التاريخ. ص:12» « كما حزن سكانُ القرية للثعبان الكيميائي الذي استوطن أرضهم، وراح ينخرها في صمْتٍ. مات الزّرعُ، ماتت الغزلان وحتّى الثعالبُ، لم يبق لها أثرٌ في تلك الربوع؛ وما هي إلّا سنواتٌ قليلة حتى ظهرت أعراض السرطان عند خالتي الخادم، وعند زوجة أخيها، وعند ابنتها الصغرى؛ تساءل سكّان البلدة: ـــ هل يكون الثعبان الكيميائي ينفثُ سُمّه ؟. ص:32 » {شرَفُ جهاد ومُقاومة الكـنزات، والشُّرفاء}: ــ كنزة الأمّ: الشهيدة، كنزة بنت الشهيد عمار المجذوبي. ــ كنزة الابنة، كنزة بنت المجاهد السي عبد السلام. ــ كنزة الحفيدة، كنزة بنت قـدّور البيّاع، الخائن العميل لفرنسا. لئن حـفرت الروائية جميلة طلباوي عميقًا في الذاكرة التاريخية، وعرّت بشاعة الاستعمار الفرنسي، وتجرّده من الشعور الإنساني في منطقة وادي الناموس، ومدينتي بني ونيف، والقنادسة فـفي نصّها تحـدّثت بحماسٍ عن بطولات خارقة للمجاهدين، والمجاهدات أثناء الثورة التحريرية، والوقوف في وجْه الفساد، والفاسدين بعد الثورة. (جمالية السّرد، وتقنية الأسلوب): الاشتغال في الإبداع السّردي يُحتّم في بعض الحالات على الكاتب المبدع الخوض في دقائقَ حياتية إنسانية عميقة، ومواضيع راهنة حارقة، أو ماضية فــلـتت من أصابع الزمان غابت، وتغيب عن عيني الإنسان العادي في وعاء لغوي جذّاب.. في شعرية لغوية مُمتعة، وأداء تشكيلي جمالي.. فيعيد لها الكاتبُ المبدع ألقها، وحياتها، وقد تـتماهى هذه المنفلتة بما هو راهنٌ في النصّ.. فلكي نبدع سرديا، وشعريا، فإننا نُـنشئُ حدثًا أسلوبيا يتخطّى المعيار الكلاميّ السائد. وهذا ما يلمسه القارئ في هذا النصّ السردي الروائي للمبدعة جميلة طلباوي الموسوم بــ " كنزة" القارئ الخبير بفن السرد يتّضح له منذ بداية هذا النص، أن الفضاء الشعري الرّحْب للكاتبة جميلة لغةٌ، وأسلوبٌ، وبناءٌ فنيٌّ، كان مُتمدّدًا في النصّ.. صحيح أن الرواية لم تُكْـتب بتقنيات الشعر؛ لكنها في بعض المواقـف سُردت بلغة شعرية كـثيفة، جميلة، وبمفردات مثيرة تُحيل إلى أحداث جسيمة مُرعبة ارتكبها الاستعمار الفرنسي في الجزائر، لا يزال الشعب الجزائري الضحية يعاني منها، خاصة ضحايا التجارب الكيميائية. كما أن التخـييل الخصب في رواية" كنزة" يجعل القارئ ينزاح إلى فـضاءات أخرى مُهمة لم تقُـلها الرواية مباشرة، وهي فضاءات حرية الإنسان المُقـدّسة أينما تواجد، ومتى تواجد. وقد نجحت الكاتبة في سرْد الأحداث المأساوية، وجهاد، ومقاومة الشعب الجزائري أثناء الثورة التحريرية في مدينتي:" بني ونيف، والقنادسة، وبناء مشهدية روائية درامية تُحفّـزُ خيال المتلقّي ليستدعي كل مقومات الصمود، والتحدي، والمواجهة من خلال اللغة الرقراقة، والأسلوب المُشوّق، والعبارات التصويرية المُحفـِّزة للخيال. {من جمالية الحكي في الرواية}: «من قـصْر الطين العتيق العبق بالذكريات تلوح لك مدينة بني ونيف مُلْتفّة بهدوء يبعـث في النفس الطمأنينة، تبدو كما عجوزٌ متكـتّمة على أسرار، وحكايات يُـدمى لها الفؤادُ. في أحد أزقّته يقع بيتُ جدّكَ القديم، ألوذ إليه في لحظات انكساري، أو كُلّما غلبني الحنينُ. يتعالى صياحُ الدّيك، فتدُبّ الحياة في الأزقّة، والدُّروب، تفوحُ رائحة الخبز الشّهيّ من فُرْن الطين، ينضج مع الصباح.» ص:11 « وتسألني يا ولدي: ما الوطن؟ ما الوجع؟ ما الفجر؟ وما الشهيد؟ تنفجرُ الأسئلة في أزقّة الدبدابة، في الشعبة، وفي القنادسة نضالُ شعْبٍ يتوق للحرية، تقفز ذكرى شهيد المقصلة قيصري جيلالي. {من شعرية النصّ}: « وتسألني يا ولدي: لماذا الفراشاتُ أعمارهُنّ قصيرة، ولماذا لا تذوب ألوانهنّ على يدك الصغيرة حين تُمسكُ قبضتك عليها، وأنت تضحكُ ضحكتك البريئة. الفراشات يا ولدي كائنات جميلة، تُـزيّنُ عالمنا، ولا تنتبه لعمرها وهي تحلِّقُ. تقترب من النور، وتبتعد، وقد تحترق. تُحلّقُ في الفضاء عاليا، تكون في كامل أناقتها، وهي تُداعب الأزهار، تنافسها عرش الرياض البديعة، ثم ترحلُ قبل أن يفتُر جمالُها.» ص:35 «الموْجُ يتلوّى يفلُتُ من قلْب البحر، يُعانِقُ الغيْمة المُتعبة من قيظ الوجع، يركل يومًا آخر، يفلُتُ من حلمي، ويُبْقي الغصّة تتدحرج في فنجان قهوتي، تُذيبُ السّكّر، وتُبقي لي بِضْعَ وهْمٍ يُربّتُ على خيْبتي.» ص: 09 «الموْجُ صاعِقٌ، يصعقُ لذّة الانتظار في قلبي، يصعق الدقائق في ساعةٍ فضّية توهِمُ مِعْصمي بامتلاك الزمن. الموجُ يُوشْوِشُ لي بأُهْزوجةٍ قديمة، أمتطي الكلمات، وأجتاحُ اللّحْن الجسور، تــتْرى، تـتْبعُني أسرابُ النوتات، تسْتحِمُّ في شمس الصوت المحموم.. لا صوْتَ للموْجِ حين تُغـنّي الشمسُ .»ص: 09 المُحصِّلة نصٌّ جميل ينضاف إلى مسار جميلة طلباوي الإبداعي المتشح بالإبداعية والجمال الفـنّي، الذي تألّقت فيه في مجموعة من الإصدارات الشعرية، والقصصية، والروائية.. مسارٌ نيّـرٌ في المشهد الثقافي الجزائري، والعربي؛ كما الإعلام الثقافي في إذاعة بشار منذ عقود.. ليباركها ربُّنا، ويوفّقها.

الخميس، 23 مايو 2024

 

الجمال والأدب

كتب: بشير خلف

   هناك فرعٌ من فروع الفلسفة هو: «علم الجمال» جعل المُهتمّين بالجمال والفنون يتساءلون:

ـــ ما هو الجميل، وما الشروط التي تتوافر في الشيء حتى يُعـدّ جميلًا؟

     وأجابوا عن ذلك إجابات عديدة، ووضعوا القواعد المختلفة التي تـنطبق على كل جميل. وهذه الأسئلة، والإجابات، والقواعد يمكن تطبيقها على الإبداع الأدبي؛ لأن الأدب ليس له قيمةٌ إلا في جماله:

ـــ جمالُ لفظه، وجمالُ معانيه، وجمالُ عواطفه، وجمالُ خياله، فإن خلا من هذا الجمال لم يعُــدْ أدبًا.

     ومن أجل ذلك فإنّ الأدب يخاطب العاطفة لا العقل، كما هو الشأن في الموسيقى، والتصوير، والنقش؛ إنما الذي يخاطب العقل وحده هو العلم لا الفن؛ فالقصيدة من الشعـر، والوردة في غـصنها، والقمر في سمائه، والجبل المُعمَّم بالثلج، والتمثال المُحكَم الأنيق، والبناء الشامخ المشيد، والقطعة الموسيقية الجيدة التوقيع، ووجه المرأة الحسناء، والرواية الحسنة، والقصة الحلوة؛ كلها نسمِّيها جميلًا،

 

وكلها يخضع لقوانين الجمال، فإن اختلفتْ في شيء فاختلافٌ في التفاصيل لا في الأسس.





الجمعة، 5 أبريل 2024

 

الجمال.. وما أدراك ما الجمال؟؟

كتب: بشير خلف

     كيف نُعرِّفُ الجمالَ؟ وكيف نُحدّدُ جَــوْهَره، وأسُسَه الموْضوعية؟ ما هي المعاييـرُ التي على ضوْئِها نحْكُم على جمالية هذا الشيْء، وعلى قُبـْح ذاك؟

ـــ فهل الجمالُ كُـلُّ ما ترْتاحُ إليه عينا الإنسان؟ ..

ـــ هل هو كل ما يُعجبنا، ويُفـرحُــنا ، ويشدّنا إليه ، وما يُثير إعجابنا ؟

ـــ أم ذاك لا يكفي لـتعريف الجمال، وتحديد جوهره الحقيقي السَّـامي الذي يقترن بالخير، والفضيلة، بدليل أن السلوكَ الإنسانيَّ الرّاقيَ تـضفُه "بالجميل "، فنقول عنه: (عملٌ طيّبٌ .. سلوكٌ فاضل .. ما شاء الله !) .

      إن موضوعات الجمال التي كرّم الله بها عباده كثيرة، وفي الطبيعة أكثرُ، وأفْـسحُ ، وأجمل ، وأجْـذبُ ؛ حيث يغمرنا الجمال في عالم النباتات ، والأزهار، والطيور، والحيوانات، والجبال، وقممها، وسفوحها، وجداول الأنهار، وشلالات المياه المنحدرة، والبحار بمياهها الفيروزية ، وشواطئها الرائعة، وكثبان الرمال الذهبية المترامية، والنخيل الباسق، وعراجين التمر الناضجة في فصل الخريف ، ومغيب الشمس .. والجمال في الإنسان، وفي شكله الذي قال الخالـق عزّ وجلا في شان تكــريمه:

ـــ (ولقَــدْ كرّمنا بني آدمً وحَملْـناهُم في البرّ والبحْـر ورزقْـناهُم من الطيـبات وفـضّلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا...)..{الإسراء: 70}

     وقال أيضا:

ـــ ( لقَـدْ خلقْـنا الإنسانَ في أحْسنِ تقْويمٍ) { التين 01}

     كما نسْعدُ بالجمال ونحن نتـذوّقه في سماء الليل الصافية، وفي النجوم المتلألئة، والقمر يغمر الكون بضيائه .. نتذوّق الجمال في الغيمة ، في قطرات المطر الفضّية ، في قوس قُــزحٍ ، في الضباب يدثـّر ما حولنا بغُلالة شفّافة تُـنعِــشُنا ، الجمال نـتذوّقُـه في عيون الضِّباء ، في ابتسامات الأطفال

                      " من كتابي: الجمال فينا وحولنا ص: 05

                       الصادر عن وزارة الثقافة سنة2007 "


الثلاثاء، 2 أبريل 2024


 

رسول الفضّة1

       رواية تراجيديا الدّم والإبادة.. نصُّ لوْعة الحُبّ

                   وهمسات الشعر

 بقلم: بشير خلف

     أكملتُ اليوم للمرّة الثانية، قراءة النصّ الروائي"رسول الفضّة" للكاتب الجزائري: الشاعر، والروائي، والمترجم أحمد عبد الكريم.

     صدرت هذه الرواية بعد صدور روايات أخرى سابقا للمبدع أحمد عبد الكريم، الرواية الجديدة صدرت عن دار الحكمة بالجزائر سنة 2023 بدعْمٍ من وزارة الثقافة، وعُرضت في المعرض الدولي للكتل الأخير بالجزائر.. رواية  من الحجم المتوسّط في 173 صفحة، مَنْ يقرأ الرواية بتروٍّ، وبتعمّقٍ لا يشاطر كاتبها رأيه عندما يقول:

«إنّ هذه الرواية ليست سيرة للشاعر عبد الله بن كريو؛ بقدْر ما هي عملٌ تخييلي هدفه الاقتراب من زمن الشاعر، وروحه. ص:173»

     لئن كان النصّ الروائي "رسول الفضّة " الذي بين أيدينا شخصيتُه الرئيسة الشاعر المتمرّد على السلطات الفرنسية، العاشق الولهان لفاطنة الزعنونية ابنة أكبر الباشاغوات المُنًصّب من طرف السلطات الفرنسية على مدينة الأغواط.

      فإنها نصٌّ من الثراء الإبداعي، الجمالي، والتاريخي الفكري:

1 ــ تتحدّثُ الرواية عن تفاصيل حياة الشاعر الشعبي عبد الله بن كريو الشاعر، الثائر، المعروف بقصائده الثريّة في أشكال التعبير الجمالي التي سحرت المطربين في عهده كي يلحنوها ويغنوها في الأسواق، وفي المناسبات الأسرية، ويحفظها عُشّاق الشعر، ويتسامرون بها في مجالسهم.

     نصٌّ ماتعٌ، باذخٌ لا يكتفي:

1ــ  بالشعر، بل بمكوّنات الجمال والفنون، التي يهفو إليها عُشّاق الطرب، واللّحن الجميل، والمفتونين بسحر الشاعر العاشق عبد الله بن كريّو، وبصديقه المغني الجوّال النعيمي الذي يجوب أطراف الصحراء: أسواقها، ومواسمها، وأعراسها، ووعداتها مُردّدًا  قصائد الحبّ، واللوعة، ومكابدة الهجر، والنكران لفحول الشعر الملحون، يدفع حياته ذبْحًا في إحدى الحلقات برحبة سوق " بريزينية" وهو يؤدي ألحانه الجميلة مردّدا كلمات صديقه الشاعر الكبير عبد الله بن كريّو، ترك حزنًا كبيرا لدى الحاضرين، ولدى الأصدقاء، بلقاسم لبجاوي الشاعر القادم من عروس البحر الأبيض المتوسط " عين الحمام" ببجاية، إلى الأغواط التي فتنته الصحراء، وأغرته طيبةُ أهلها، وقد آثر حياة التيه والترحال، مُتّخذا تجارة الفضة، والحلي، وملابس النساء وسيلة للعيش، مجال تحرّكه رحْبٌ، ناشرا الجمال والفنون إلى جانب صديقيْه الشاعر عبد الله بن كريو، والقاضي الشاعر الجودي المبروك.

    لئن وُسم بلقاسم البجاوي بأنه " رسول الفضّة"، وناشر الجمال والفنون من بيعه الحلي، والملابس النسائية، ومرافقته للشعر، والشعراء، والغناء الطّربي، فغير بعيد كان الرّسّام الفرنسي حينذاك ثم الجزائري المسلم إيتيان دينيه يرسم لوحته في سوق بريزينة، أمام المتسوّقين

 

2 ـــ فجائعية التاريخ، " عام الخَلْية".. تدور أحداث الرواية، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين، في مدينة الأغواط التي تعرضت لأكبر مجزرة اقـترفها الاستعمار الفرنسي، أثناء محاولته اقتحام المدينة المقاومة، فأباد أكثر من ثلثي سكانها بواسطة غاز “الكلوروفورم” السام، حتى سمّي عام 1852 “عام الخلية” بسبب الخراب الذي حلّ بالمدينة، قال أحد العساكر الذين شاركوا في مذبحة الأغواط:

«عندما اقتحمنا المدينة، وسيطرنا عليها، هدّمنا ضريح المرابط، دفعْـنا إليه قطعة من المدفعية، أحْدثـنا ثغرة في الجدار، ثم فتحنا النار على البُــرج الشرقي.»

«ما يزيد عن ألفيْن ومئات الجُثث عُثِر عليها في الأيام التالية، أكثر من ثلثيها داخل المدينة، ما يعني أنّ حرْب الشوارع كانت على أشدّها، يُصاب فيها الإنسان بالجنون. ص: 04»

 

3 ــ تسْردُ الرواية لوعة الحب التي عاشها الشاعر عبد الله بن كريو. مع فاطنة الزعنونية بنت أحد أكبر باشاغاوات مدينة الأغواط، المُخلص للسلطة الفرنسية الاستعمارية، والمُدعّم من الحاكم العسكري بالأغواط ؛ لكن التقاليد العربية في الصحراء الجزائرية رفضت تزويجه بها، بسبب تغَـزُّلِه بها في شعْره، إذ تمّ نفْـيُه من طرف السلطات الاستعمارية إلى مدينة المنيعة الصحراوية، التي تعرض فيها إلى مضايقات وتضييق عاد بعدهما إلى مدينته الأغواط، ليطلب يد فاطنة التي طلقت من زوجها مرة ثانية، لكن والدها رفض زواجه بها.

     بعد سنوات من البطالة، نُقـل من جديد للعمل كقاضٍ للمالكية في مدينة غرداية، وفيها تعرّض لحادث سقوط من السطح، تسبّب في إصابته بالعمى، وقد عاد إلى مدينته الأغواط أعمى، وفي آخر حياته قام بحرق كتبه.

    الرواية لِشاعرٍ، ورسّامٍ، ومترجمٍ، وروائي، وناشط ثقافي، وأصيل منطقة ثرية طبيعيا بالجمال، والمآثر التاريخية والدينية، والحركة الثقافية المعاصرة، والمبدعين، والمثقفين، وصانعي الجمال، والفنون..إنها حاضرة بوسعادة.

    من خلال السرد لهذه الرواية يكتشف القارئ أن هذا النصّ السّردي يأتي في سياق الرواية السيرية، التاريخية: سيرة الشخصية الرئيسة الشاعر القدير، الشاعر العاشق، المظلوم عبد الله بن كريو؛ ورفيقه الحميم التاجر الرحالة، "رسول الفضة" بلقاسم البجاوي الذي ذهب ضحية غيرة التجار اليهود بدعْمٍ من الحاكم العسكري الفرنسي، وصديقهما المغني، عاشق الشعر، والإيقاع الموسيقي، واللحن الجميل، القتيل ضحية التقاليد والعادات العربية.. رواية تاريخية تؤرخ لمأساة اكتساح مدينة الأغواط من الاستعمار الفرنسي في بداية منتصف القرن التاسع عشرة، وتراجيديا القضاء على ثلثي سكانها بأبشع الأساليب.

      الفضاء الشعري الرّحب، في النصّ الروائي لمؤلف هذه الرواية" رسول الفضة" واضحٌ، كما جمالية اللغة، والأسلوب، والبناء الفنّي.،

 من نصّ الرواية ص: 08:

(...مسحَ الرّسّام السوقَ بعيْنيْه، رفع بصره إلى قرص الشمس، وأعطاه ظهره، اختار جدار الفندق العالي كخلفية للوحته، نصب مسنده في وسط  السوق قبالة خيمتين صغيرتين مهترئتين، تُستعملان كمحلّين، بهما بقولٌ، وأعشابٌ، وخضروات، و...)

 ومن صفحة: 10

{... لا أحد كان يظنّ أن" بريزنية" الواحة الصحراوية الهادئة " البرّ الزّين" كما يقولون عنها ستكون مسرحًا  لهذه الجريمة الشنعاء، جريمة قتْل النعيمي، المدّاح التي اهتزّت لها الصحراء، وتناقلها المسافرون، والرّوّاة في كل الأسواق.

    يا له من قدرٍ  بائسٍ أن تنتهي حياة هذا المغنّي الجوّال، هذه النهاية المأساوية.}

 ومن صفحة 24

( ... ففرّ من قريته " عين الحمام"، وهام على وجهه في كل البلاد حتى وصل إلى تونس. كان كالتروبادور الجوّال، ليس له من رفيق يؤنسه سوى عصاه، يعاقر الخمر، والحشيش. يقرأ أشعاره ارتجالًا، ولا يعيدها مرّتيْن.)

 من الصفحة 34

( بعد أن دكّ حصونها بالمدفعية التي كانت محشوّة بالكلور وفورم السّام عاث الجنرال في الأرض قتْلًا للأرواح، وتخريبًا للبيوت، والمساكن، وحرْقًا للأخضر من الحدائق، والواحات، ولليابس أيضًا.

    خُرّبت جنائن الأغواط التي كانت سرّ فتنتها، وهُدّمت  بيوتها حتى كادت أن تُمحى من الوجود؛ لذلك ما زال الأغواطيون يُسمّونه عام " الخَلْيَة"، لأن المدينة صارت  خرابًا، خلت ، وصارت مسرحًا للموت، والعدم ، وكادت تُصْبح أثرًا بعد عيْنٍ.)

    رواية ماتعةٌ تميّزت بأسلوب سلسٍ، رقراق اتّــكأ على حكائية مُشبعة بمخزون لغوي ثريٍّ، عربي، بلاغي يؤكد قدرة الكاتب، الشاعر، الفنّان، الروائي أحمد عبد الكريم على تطويع اللغة ، وتوظيف مكوّناتها، واستنهاض جمالياتها.

 

                                                                  من أقوال عظماء الجزائر م ن أقوال الراحل عبد الحميد مهري الشهيرة تأكيده ع...