الخميس، 23 أكتوبر، 2014

الأزمة أزمة غياب مشروع ثقافي مجتمعي متكامل

         مساهمتي في ملفّ " ديوان الحياة " لجريدة الحياة الجزائرية الذي يشرف عليه الكاتب الروائي الخير شوار الصادر يوم الأربعاء 22 أكتوبر 2014..أزمة المقروئية في الجزائر، هل سببها النص الذي لم يرتق إلى مستوى المتلقّي ؟ أم المتلقّي ليس في مستوى النصّ ؟ أم هناك أسباب أخرى؟
                          ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بشير خلف: الأزمة أزمة غياب مشروع ثقافي مجتمعي متكامل
الأربعاء 22 أكتوبر 2014 / يومية الحياة الجزائرية
       في العقود الأخيرة من القرن العشرين كانت الشركة الوطنية للنشر والتوزيع ( S.N.E.D) بالكاد الشركة الوطنية الوحيدة التي تحتكر طباعة، ونشر الكتاب بالجزائر، وعدد النسخ التي تُـطبع حينذاك مرتفعة، وثمن الكتاب منخفض جدا، لأنه مدعّم من الدولة، ومكتبات الشركة منتشرة في أغلب الحواضر الجزائرية، حتى تمنراست، وبشار، وورقلة؛ إلاّ أن الكتب ظلت مكدسة في مخازن الشركة، وخاصة بمخزنها الرئيس بباب الوادي، وفي السنوات الأخيرة من عمر الشركة عشرات العناوين لكُــتاب معروفين جزائريين سيما الروايات كنّا نشتريها بدنانير لا تزيد عن أصابع اليد من مكتبات الشركة التي تستقبل أعمال الكُتّاب باللغتين، ولجان القراءة بها تُــقيم فترفض، أو تقبل، فتطبع وتسوق، والدولة سخّرت لها كل ما يساعد على نشْر الكتاب إلى أبعد نقاط الوطن، ورغم ذلك الكتب مكدسة، بالرغم حينذاك أن نسبة المقروئية مرتفعة مقارنة بأيامنا هذه.
      ومنذ سنة 2007. .سنة الجزائر عاصمة للثقافة العربية التفتت وزارة الثقافة إلى الكتاب، وتولّت طبع مئات العناوين في كل مناحي الفكر، وحفّزت الكُـــتاب، والمبدعين على التأليف، فظهرت في الساحة الثقافية أعمال كل من لديه موهبة الكتابة، إلاّ أن هذه الكتب التي تتكفّل بها الوزارة لا تُباع؛ بل تُــوزع على المؤسسات الثقافية، والمكتبات التابعة لوزارة الثقافة ومنها المكتبات الرئيسة بمقر الولايات، وفروعها البلدية؛ إلاّ أن الملفت للانتباه أن هذه الكتب بدورها مكدسة بهذه المؤسسات، بل منها ما يزال في الكراطين، وأغلب المثقفين، ومنْ هم في حاجة إلى هذه الكتب لا يعرفون عنها شيئا لأن علاقتهم بهذه المكتبات شبه منعدمة، بل حتى المؤلف الذي يأخذ نسبة عشرة بالمئة من ثمن الكتاب لا يأخذ من دار النشر التي تطبع كتابه في إطار عقد مع الوزارة أكثر من عشرين نسخة لا تكفي حتى أصدقاءه، فلا يتمكن من ترويج كتابه، أو التعريف به، ولا يحد كتابه في أيّ مكتبة كي يشتريه، وترفض دار النشر منحه، أو بيعه نسخًا أخرى.
        مجهودات كبيرة، وأموال تُصرف لنشر الكتاب، وتوزيعه، وتقريبه من القارئ الكبير والصغير وباللغتين، إضافة إلى تنظيم أيام للمطالعة، واحتفائيات " القراءة في احتفال " بأغلب ولايات الوطن، ضفْ إلى ذلك تزويد هذه المكتبات المنشرة في كل الولايات، والعديد من البلديات بآلاف العناوين في كل مجالات الفكر الإنساني، والعلوم والتكنولوجيا كل سنة من آخر الطبعات من مصر، لبنان، المغرب، السعودية، فرنسا، بلجيكا، وغيرها؛ إلاّ أن دخول هذه المكتبات والاشتراك فيها، والاستفادة منها محتشم؛ حتى أن مسؤولة مكتبة وهي تُـــريني آلاف العناوين المرتبة بالرفوف، وأخرى وصلت حديثا تنتظر دورها في الفهرسة ثم الترتيب تأسفت بمرارة على هذه الكنوز من المعرفة الإنسانية التي لا تجد من يُــقبل عليها.
        تكدّس الكتب في المخازن، ورفوف المكتبات دون أن تمتدّ إليها يد القارئ الجزائري ليست في القطاع الثقافي العام؛ بل حتى في دور النشر الخاصة حيث نجد من بين أزيد من مئة دار نشر خاصة، منها خمسة دور نشر كبرى تابعة للقطاع الخاص تتوفر فيها معايير الاحترافية السائدة في دور نشر العالم المتقدم، هذه الدور التي تصدر سنوياً ما يقارب 500عنوان في دار القصبة والبرزخ، وألفا ديزاين وهومة، والشهاب إلى جانب جمعيات ثقافية تتقاسم مع هذه الدور سوق الكتاب في الجزائر من بينها جمعية الجاحظية، وكذا رابطة كتاب الاختلاف التي استطاعت نشر أزيد من 150عنواناً منذ تأسيسها العام 1998إلى اليوم.
       في تقديري الشخصي المعضلة ليست في النص.. فالنص الجزائري المعاصر ذو مستوى عالٍ؛ إنما المعضلة في عدم وجود القارئ، وذلك نتيجة انعدام مشروع ثقافي استراتيجي متكامل كسائر القطاعات الأخرى بالمجتمع، مشروع تتعاضد فيه كل القطاعات المهتمة بالتنشئة الاجتماعية، والثقافية، والتكوينية، من خلاله يُكوّن القارئ منذ صغره في علاقة حميمية مع الكتاب بدءا من الأسرة.

       المقروئية كما هو معروف تحصل بإجادة مهارات القراءة والتعوّد عليها بالدربة لتتحوّل إلى مطالعة واعية تثقيفية، مُـنطلقها الأول، والأسرة الجزائرية بالرغم من تحسّن مستوى الدخل لديها، ولدى الطبقة الوسطى من المجتمع الجزائري، فإنها تُــنفق على الكماليات، واقتناء الأجهزة المنزلية، وآخر صيحات الأثاث ،ولا تنفق على الكتاب، والنظام التربوي يؤكد على الأعمال التربوية التكوينية المكملة، والمدعّمة للعملية التعليمية كالأنشطة الجمالية، والترفيهية، والمطالعة المخصصة لها أسبوعيا حصصا زمنية، والكتب بالمؤسسات متوفرة بما فيه الكفاية؛ إلاّ أن الأساتذة والمدرّسين يهملونها، أو يعوضونها بمواد رئيسة.
http://www.elhayat.net/article9520.html

الجمعة، 17 أكتوبر، 2014

بشير خلف عطاء فكري متواصل

                 فضيلة معيرش ..... بشير خلف عطاء فكري متواصل
يومية الوطن الجزائري:12/10/2014
بقلم: فضيلة معيرش
       شغفه بالأدب ضارب في القدم .. أحلامه سامقة .. نضاله متواصـل ..إصراره على خلق التميز فتح في وجهه عوالم التفرد ؛ فهو عصامي التكوين ، لم ينتسب إلى أي معهد...
إرادته وطموحه جعلا منه تلميذا في بداية مشواره يتفوق على أقرانه .. انتمى إلى سلك التربية والتعليم كمعلم سنة 1964 م ثم مكونٍ بعدها ... كاتب شقّ مجاري الدمع العصيّ بثقة ومثابرة . نبعه الإبداعي يخرج من بين صخور عمره المثخن بالمرارة، والقسوة وخاصة أثناء مشاركته في الثورة التحريرية وسنه لم يتجاوز التاسعة عشر.. الثورة التي سجن لأجلها .
      كان متقدا ومحبا للعلم والتحصيل ، تلقّى القسط الوافر منه على يدي علماء أجلاء في سجن " لامبيس " بباتنة كسجين سياسي...قبض على المعاني وقد خبر مضامينها ودلالتها وسبر الناس والأماكن والأزمنة ، وإنْ كان الأدب الموجه للعقل يحمل رسالة ويحقق كذلك التوازن بين الفرد والبيئة
        الكاتب بشير خلف نشأ ببيئة صحراوية بولاية الوادي وبالتحديد بقمار ، ويظل مفتخرا بالصحراء وهو القائل فيها : « الصحراء ذلك السحر الأسطوري الكامن في المخيال الجمعي للإنسانية عامة ، وفي الذاكرة العربية بشكل خاص ، حيث تبرز الصحراء في الوعي ، والمُخيّلة مَـجْمَعًا للنقائض، منسجمة مع طبيعتها المتقلِّبة ، فهي لا تسكن حينًا حتَّى تثور، ولا ترضى لحظة حتَّى تغضب، تفرح فيتحوَّل الكون إلى مسرح شعريّ رائع، وتغضب ، فيكون في غضبها الهلاك والشقاء. » .
       ...وإنْ كان بدأ في ملازمــــــة الإبداع السردي منذ سنة 1972 م . يقول عن السرد وارتباطه بالصحراء : « إن للصحراء سردَها، وسرد العرب في جذوره سردٌ صحراوي إجمالا، إذا كان يخيّـل إلينا أن الشعر هو فـــنّ الصحـــــراء الأثير، أو الوحيد فإن ذلك الوهم سببه ثبات الشعــــــر أكثر من النثر ، والمرويات السردية؛ أن الشفاهية هي مفتاح الصحراء وعنوانها، وهي مفتاح السرد الصحراوي حتى بصيغة المعاصرة المتأثرة بالكتابة والكتابية.. إنها الكتابة بلغة الرمل.. " .
       بشير خلف كاتب غزير في كمه وعطائه ...تغريك غزارته تجوب مدنه الإبداعية دون أن تستطيع الإلمام بها. تعنيك قوة حجته ، تماهيه المتقن في التنقل السليم بين الماضي ، ومجاراته للحاضر ، وتأمله في المستقبل .. حتى عتباته - عناوين مقالاته تبدو غاية في الانتقاء، وهو القائل :
« عتبة النص العنوان إنها أولى العتبات، أو العلامات التي يتلقاها القارئ لفك مفاتيح النص ومعرفة فحواه وهو المفتاح التقني ، والعتبة الأولى للنص بما يؤديه من وظائف انتباهية و إغوائية وتسويقية وجمالية، ومن هنا تأتي أهميته في شدّ الانتباه ، وتوجيه مسار القراءة بما يحقق غايته ومرماه. »
ويقول أيضا الدكتور الطيب بودربالة في العنوان باعتباره عند السميائيين:
« العلامة الدالة والشيفرة المتوجة للعمل الإبداعي ، ويعتبر العنوان أيضا عندهم التاج وقمة النتاج الإبداعي والكاتب المقتدر هو الـــذي يستطيع المواءمة الواقعية بين العنوان وعمله الإبداعي »
      ويقول أيضا: « العنوان نصٌّ مختزل ومكثف ومختصر ، إنه نظام دلالي رامز له بنيته الدلالية السطحية، وبنيته الدلالية العميقـــــــــة مثل النص . ولا يخفى على أحدٍ وجود شبه كبير بين العنوان وتسمية المولود الجديد ، فالتسمية تؤسس لنسب الطفل واندماجه في الجماعة ، وكذلك الحال بالنسبة للعنوان الذي يؤسس لانتماء النص الأدبي والثقافي والإيديولوجي والحضاري » .
        ونستشفّ ذلك من خلال ارتباط عناوينه بالنصـــــوص باعتبار العنوان أيضا مرتبط بعدة وظائف احتوائية وتناصية والمرجعية والتأثيرية والجمالية وغيرها ... في مجموعته القصصية الخامسة " ظلال بلا أجساد " وقد تضمنت 12 قصة عكس من خلالها الظروف الصعبة أثناء العشرية الحمراء التي رسخت في ذاكرته؛ لذا نجد قصصه تستشف مضامينها من الواقع نظرا لاختياره العميق الضارب في الدقة فهو يتمتع بالسلاسة والأسلوب الشيق والجذاب يقول في مقطع من قصة " الرحيل" :
ــ يا إلهي.. شابٌّ مثلك في ريعان الشباب متحصّلٌ على إجازات جامعية عالية.. دبلوم الدراسات العليا في الفيزياء يتسوّل منصب عملٍ، كمدرّس في التعليم، وفي أيّ مستوى…؟!
        فيردّ عليه الشابّ بنوعٍ من التحدّي:
ــ التسوّل قد يكون مقبولا في وقت ما، وفي ظروف ما يا سيّد.
وبينما هو يتحاور مع الشاب رنّ الهاتف فينشغل رئيس المصلحة بالردّ على المكالمة، وأثناءها راح الشاب يسترجع ذكرياته.. فيتذكّر أيام الدراسة بالخارج، وتعرُّفه على زميلة له في الجامعة، فتنشأ علاقةُ حبٍّ وطيدة بينهما، فهي من أسرة ثريّة، لكنها أحبّت فيه نزعته الإنسانية، وقلبه الكبير.. كما وجدت فيه الهمّة العالية، والإرادة القوية ؛ وأحبّها هو لتواضعها، وصدقها، وتحلّيها بالقيم الأخلاقية النبيلة ؛ ولكن حبّه لوطنه، وشوقه لأمه المريضة أجبره على ترْك هذه البلدة الأجنبية، والعودة إلى الوطن، وكانت المفاجأة أن الوطن الذي أحبّه.. سوقُ العمل فيه أغلقت أبوابها في وجهه.
      يقول له الموظف :
ــ لو كنتُ في سنّكَ لساعدني دبلومٌ كهذا على عبور الحدود، واجتياز الموانع بطاقة الفتوّة، ولزرعتُ جسدي في كلّ مُــدُن العالم.» ص 28
يردّ الشابّ على الموظف قائلا:
ــ هذا نكرانٌ للأوطان، ولا يغفره التاريخ، ولا الأجيال الآتية.»ص29
      يبرز الكاتب الظروف النفسية، والاجتماعية للبطل، والبحث عن وظيفة .
يكشف الكاتب من خلال هذه القصة عن دوافع الشاب الذاتية، والاجتماعية والمهنية تارة بالإشارات وتارة بالتلميحات ، وحبه البارز للوطن والانتماء رغم المغريات والمتاحات عكس الموظف الذي ينعدم لديه الوفاء، وحب الانتماء ويغلب عليه الطمع ...هذه الآليات السردية التي تطبع رؤى وأساليب بشير خلف تجعله يخرج من نمطية التكرار ...وينحو منحى الاستقلالية والتفرد .
         فقصصه صادقة مرتبطة بالواقع، ومنخرطة فيه لذلك تبقي محافظة على خصوصيتها مهتمة بالوضع والوعي الاجتماعي ...والواقعية مرتكزة على جماليات الإبداع .
       بشير خلف وضع نفسه في مكان يقدم فيه لغيره العطاء الوافر.. حبه لغيره جعله يشكل توليفة موسومة بالعطاء . ينتج حبكاته ببراعة العارف المتمرس ...فالحياة كما يقال قصص أجملها ما يُــكتب بالدماء .
بتواضعه وتمكنه ولج مجالات إبداعية تؤسس لمملكته الخاصة؛ لأن الإبداع المتميز اختصاصه ... أفكاره تستلهم من واقعـــــــــــــه .
     الرجل مع كل نص جديد يزداد ثبوتا وبروزا ..ويبرز هذا في الدراسات، والمقالات العديدة في مختلف المجالات.
        يقول في انتقائه لمواضيعه : « سعيت من خلال كتاباتي في الجمال والفنون إلى التذكير بهذه المبادئ السماوية ، كما أني ذكرت أن الشعور بالجمال هو شعور فطري لدى الإنسان و القبح مكتسب ....»
      نصوصه لها علاقة وطيدة بالبعد الإيحائي ، نصوص تمنح له حق الإقامة الدائمة في مملكة الإبداع .
يقول في هذا الفيلسوف الفرنسي فولتير : « كلمة واحدة رقيقة أسمعها وأنا حي، خير عندي من صفحة كاملة في جريدة كبرى ، حينما أكون قد مت ودفنت » .
       بشير خلف حمل للكلمة معنى ، عزف على أوتار التغيير والفكر ، بحث عن عالم جديد للحياة ، لامس بريشته المحبة ونحت ملامح للتأمل ...هدفه منح القارئ عالما مختلفا .. رؤية جمالية ، لجأ فيها إلى الوضوح مع صبغة من الألوان ..فهو لم ينظر للحياة من جانب الضعف والخنوع .. بل استطاع مصاحبة الأخر ، وترجم أفكار تأمله ، وفك رمـــــــوز صعوبات واقعه .فاستطاع نشر بعد إنساني من خلال نصوصه التي لم تشابه غيرها.. هي نصوص متجددة وجديدة .
        تلك الكتابات التي كتبها في فترة السبعينات من القرن الماضي ما تزال تسطع من بين جنبات رؤاها ، ما تزال تنثر عبير التوجيه والتقويم بحقول البيان والواقع. يقول في دراسة بعنوان " ......" : "
تلك الكتابات التي أزاحت الأوجاع ...انبجست فاستحقت شرف الاستمرار – لفتت النظر إليها بقوة – استطاع من خلالها الوصول للهدف الذي كانت تصبو إليه .
       إن كان الجرح النازف لا يستطيع تضميده إلا أمهر الأطباء ...كــــذلك الواقع المزري لا يستطيع تحريره وتضميده بعد نفض غبار الاستعمار: أولا إلا الحرف النازف بقوة لتضمده الكتابة الهادفة ....ففي الجرح تتسع الكتابة ...
         بشير خلف دلّــل كتاباته من خلال خمس مجموعات قصصية، ومازال وفيا لهذا الفن المدلل ...منها
" أخاديد على شريط الزمن " صدرت سنة 1977 م
" القرص الأحمر " صدرت سنة 1986 م
" الشموخ " صدرت سنة 1999 م
" الدفء المفقود " صدرت سنة 1999 م
" ظلال بلا أجساد " صدرت سنة 2007 م
        يقول الكاتب والناقد الجزائري جيلاني شرادة في تلك المجموعات القصصية : « بشير خلف الذي عهدناه أديبا وقاصا مبدعا؛ بل وممن تطوَّر على أيديهم الفن القصصي الجزائري في مراحله الأولى، فهو من الجيل المثابر لفترة السبعينات من القرن الماضي .
قدم بشير خلف للمكتبة السردية في الجزائر خمس مجموعات قصصية كان لها تأثيرها على الساحة الإبداعية وبها عُـــرف كاتبنا »
       وقد طرق أيضا باب الكتابة للطفل التي تعـــد من أصعب الكتابات وهو القائل : « الكتابة لا تُمنح مثل الحرية هي موهبة.. ممارسة ، وشعور بالمسؤولية ...هي سعي مستمر للإمساك بزمامها ، ليس لها وصفة ،
كما ليس لها دواء ،القدرة على الكتابة للطفل تنبع من الذات أولا ، ثم من العيش بين الأطفال والتعرف عليهم     ومعرفة مراحل نموهم وخصائص كل مرحلة ...القراءة الكثيرة لعالم الطفل..» .
        أدرك بشير خلف أن الأدب الموجه للطفل يلبي شغفه ويكمل إعداده إعدادا صحيحا للحياة العملية من خلال المعارف المقدمة له في كثير من المجالات ...التاريخ الجغرافيا الدين والحقائق العلمية .»
ويقـــرّ مرة أخرى بصعوبة الكتابة للطفل ليقول :
« الكتابة للطفل عصية.. أغلب الكتاب الكبار في العالم أقروا بصعوبتها ، وعجزهم عن ممارستها ، وهذا ما وقع للكاتب - أوران هاريس – الذي كلما أراد أن يكتب للأطفال كان لابد أن يعيش معهم ...الأمر الذي اضطره بداية إلى العمل في مدرسة أطفال حيث عاش معهم بدرجة من الصدق يلعب معهم ، ويضحك معهم ..... وأيضا متابعة نشاطاتهم والانتباه والإصغاء لما يتعلق بهم .»
       وهو القائل : « الكتابة في حقيقتها فعْــــل ثوري ، وهي إنْ لم تكن كذلك ...يجب أن تكون » .
متواضع حدّ التأثير في الآخر لأنه يكتب بروحه وليس بقلمه ، يكتب بوجدانه وليس بنبضه .يكتب أيضا بإحساسه وليس بفكره يكتب لعشقه للحرف والصدق ...رجل لم تغلبه الظروف ، إمكانياته الفكرية عظيمة، يتمتع بقدْر كاف من التأثير ، قصة حبه لوطنه الجزائر وطن تفاني في حبه رعاه في قلبه .وصانه بعمق نضاله .
        فإن كانت الكتابة كما أشيع عنها مهنة الفقراء ، عند بشير خلف مهنة موسومة بالأوجاع ، لم يعبث بأوجاع غيره ...قد اقتحم مناحي الفكر الإنساني ، وأعترف له بالفضل بالعطاء ، ووضع لبنات في صـــــــرح الأدب من خلال التكريمات التي نالها وهو القائل : « إن الكتابة عند أي كاتب هي نوع من إثبات الذات وصورة لكينونته كمفكر ، وفضاء للترويج ...هي كلها ترسخ لفعل جميل يولد نوعا من الإدمان ...فالكاتب الموهوب والمتسائل لا تنطفئ لديه جذوة التساؤل » .
       هو كذلك يؤمن بأن الكتابة نوعٌ من التمرد الإيجابي الهادف للبناء، وليس الهدم وهذا ما نستشفه من خلال قوله : « خليق بالكاتب أي كانت نحلته ومذهبه أن يحمل في أحشائه بذور التمرد الإيجابي الذي يسعى باستمرار إلى أن يكون تمرده بنائيا وليس تهديميا ، بل وضع لبنات جديدة من أجل التنوير والتجديد وإبعاد كاد يعيق الإنسان في سيرته » .
        فالكاتب في نظر بشير خلف هو رسول المحبة والداعي المخول بنشر الخير والجمال ، والمخول أيضا بالدفاع عن الإنسان المقهور ، والوقوف بجانب القضايا العادلة التي يريدها أن تسود ، ويرى أيضا أقصد - الكاتب - بمثابة الموسيقار الذي يملأ الآفاق بأنغامه الإبداعيــــة الساحرة؛ لأنه سيتخذ من نغمه المناسب حلة مناسبة ليلبسها الحرف المناسب .. بلمسة جمالية مناسبة ، صادرة كسنفونية تعزفها الحروف والكلمات الهادفة فينتشي بها قلب المتلقي وتجد لأذنه القبول الكافي ...
       الكتابة عند بشير خلف هي رسالة مستمرة، ولا تتوقف عند مرحلــــة عمرية ، فهي تضمن التواصل مع الغير وكذا التعايش مـــــع الإنسان؛ لهذا نجده عضوا نشيطا وفاعلا في اتحاد الكتاب الجزائرييـــــن منـــذ
سنة 1973 م وعضو مؤسس مع طاهر وطار للجمعيـــــــــة الثقافيــة الجاحظية. يرأس حاليا الجمعية الثقافية الولائية بالوادي " رابطة الفكر والإبداع " .
       لغته بسيطة معبرة عن غايته الأدبية.. بعيدا عن لغة التداخل والغموض والإيغال في المتاهات .
ففي قصصه نجد الرسم الواضح للهدف والمطاردة الجادة للفكـــــرة والمعنى ومضامين تلك القصص فإنها تتوزع بين الذات والموضوع؛ حيث يعالج من خلال مخزونه الروحي الفكري والخيالي ...وغالبا ما يعني بقضايا المجتمع والناس التي كرس لها وقتـــه وجهده . وطارد فيها آليات أبعاد الحكمة والقيم ، وعكس مظاهر الحياة وسلوك الناس، وهذا على وجه العموم يبدو أنه يميز بالعموم الكتابات الصحراوية ...التي ترتبط أكثر بالبيئة وجانبها الجمالي والخيالي والعقلي والروحي، وعلاقة الأفراد المتماسكة والحميمية المتوارثة، والضاربة في العقل الصحراوي بقوة يقول في قصة ( التشظّي)، حيث نلمس فلسفة الكاتب واهتماماته بما يدور من حوله ، وطبائع الناس المختلفة، والتناقضات والتحديات وتمسك الكاتب بالفكرة المطروحة في كل عمل قصصي سردي باعتماده التكثيف الذي يطالعنا في العديد من الجمل والمونولوج الداخلي، والحالات النفسية ومهارته وشفافـــيته ليتمكن من النسج المكتمل للقصة كـــــــما يصوّر في هذا المقطع :
« تداخلت أصوات المعقّبين، أجمعت على تهدئة المتكلّم، وطمْأنته، وتثمين دوره منذ أن حلّ بالمنطقة. ابتسم بدوره، وبدا عليه الارتياح. مباشرة أخذ بضمّ الأوراق، وكأنه يُوحي إلى الحاضرين أن الجلسة انتهت .... . ويتدخّل أحدُ الحاضرين طالبا وجوب تكوين لجنة تحصر القضايا الهامّة للمدينة ؛ بينما كان هذا يطرح وجهة نظره همس أحدهم: « لقد أضعْنا وقتنا الثمين هذا الصباح.. إذا أردتَ قتْلَ مشروعٍ كــوّنْ له لجنة....»
فمضمون هذه القصة تمثل الوضعية الصعبة للمواطن وعدم وجود الكثير من الضروريات كالكهرباء والمياه الصالحة للشرب و السكن .
        الكاتب بشير خلف مازال ينثر فيض الود في نصوصه ممزوجة بشيمه النبيلة ، وغزارة معرفته ...وكم استطار فكري فرحا وأنا أتنقل بين نصوصه " في مجلة الحوار المتمدن " وهي تستقبلني بحفاوة ، وتحاورني لوقت متأخر من الليل ، وتكللني بمشاعر إنسانية فياضة.. تلك الرحلة مع منتجه تجعل القارئ يقر بروعته ، فيلامس أرضه الأدبية العامرة ويصاحب أفكاره المطروحة بموضوعية .
      هويته الفكرية أكدها من خلال نصوصه ، وتصالحه مع فكره ودفاعه عن رأيه ، ويحاور نصوصه ليخرج منها مواقف مؤيدة ورافضة تارة أخرى ...كل هذا وذاك عكس فلسفته ورؤاه الذاتية المغتربة داخل وخارج وطنه.. يقول في إحدى مقالاته بعنوان " الكتابة النسوية في الجزائر.. تحدٍّ لقيود، وتطلّع إلى إثبات الذات...
« شخصيا ومن خلال تجربتي الإبداعية، وخبرتي ..وقراءاتي الكثيرة للنصوص الذكورية والأنثوية أرى أن الملامح الأنثوية المنتِجة للنص الأدبي لا تنتقص من قيمته الفنية البتّة، ويجب في رأيي ألاّ تكون مقياسًا يُصنّف الأدب بسببه إلى أدب نسوي، وأدب ذكوري لأن ذلك عمليا لا يخدم القيمة الفنية للنص الأدبي المنتج، بل هو تصنيف نظري أكثر»
        لذلك نجد مقالاته تارة ناقمـــــة، وتارة مقوِّمة لاعوجاج ما ، كيف لا وهو الذي خبر ظلمات السجون في الفترة الاستعمارية ...؟
        حمل فكره وجابه به الكل فانتصر ، هو كاتب أراد أن يقول ما يشاء وقت ما يشاء وبالطريقة الراقية المثلى التي يشاء ...أثبت خصوصيته الفكرية ، خلق مواقف مؤثرة ، سلك دروب هموم بلده لينعش الأرواح العطشى لمنبع الكلمة العذبة .يأخذك في رحلته الكتابية لتكون شغوفا بها ، مبعثرا بين خلجات تعابيره.. مترنّما بأسلوبه المتماهي الأخاذ .. متناغما مع لغته الراقية..من أول سطر إلى آخره
إنْ كانت الثورة التحريرية ساهمت في شدّ عوده في مجال النضال، وفي مجال الحرف فأضحى فارسا من فرسان الحرف.
        يقول الكاتب والناقد الجزائري جيلاني شرادة : « ومنذ مطلع القرن الحالي قد توجه نحو الدراسات الفكرية، والبحوث الثقافية ذات الطابع العلمي التأملي والثقافي؛ منها خمس دراسات تتمحور حول العلم والأدب والفنون والجمال، وثلاث وقفات تأملية حاور فيها الكاتب الفكر والثقافة، وهي الكتب الأخيرة التي تحمل العناوين التالية : "وقفات فكرية" ، "مرايا" ،" مؤانسات ثقافية ».
      ويقول نفس الكاتب أيضا عن كتابه الأخير: " كتاب "مؤانسات ثقافية" للمبدع والمفكر بشير خلف هو أكثر من مؤانسات ، فحتى وإن عكست التسمية الحسّ الأدبي للكاتب، فهي في حقيقتها نقرات فكرية، وثقافية مُوقظة لمخيال المثقف، فارزة لتشابك خيوط الفكر المحلي والعربي، ومصححة لمواقف فكرية وقضايا ثقافية مختلفة .... .

      هي إذن أفكار ومفاهيم خاض فيها الكاتب بكل جرأة وجدية ، نافضا الغبار على العديد من التصورات والرؤى في الغرب الأوربي أو في الشرق العربي ، ليحط الرحال دائما عند الفرد والمجتمع الجزائري ، محللا لثقافته، وهويته ببعديهما العربي المتوسطي والإفريقي. مركزا على السلوك التربوي، والشعور الإنساني الراقي في تجلياته الحضارية أملا وطموحا لمعانقة كل ما هو سامٍٍ بنّاء، وراقٍ تنموي، يأخذ بنا نحو الأفضل من حلم الأجيال نحو التسلق السليم لسلم الحضارة .»
http://www.elwatandz.com/r_ation/etude/14969.html

الأحد، 12 أكتوبر، 2014

أمسية فكرية أدبية ممتعة مع الروائي الجزائري

     أمسية فكرية أدبية ممتعة مع الروائي الجزائري: سمير قسيمي(  أمسية قراءة في كتاب)
بقلم: بشير خلف
       أمسية أدبية فكرية ممتعة انتظمت مساء يوم أمس السبت 11 /09/2014 بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية ببلدية حساني عبد الكريم بولاية الوادي.. الجلسة في إطار " كاتب وكتاب " كان ضيف الأمسية الكاتب الروائي النشط سمير قسيمي الذي قــــدِم من الجزائر العاصمة.. والكتاب الذي كان محور الأمسية روايته الأخيرة : ( حبٌّ في خريف مائلٍ ) الرواية صدرت أخيرا عن: منشورات ضفاف، ومنشورات الاختلاف ، وستُعرض لأوّل مرّة في المعرض الدولي للكتاب في طبعته الأخيرة.
     كان الحضور مميّزا ومن عشّاق السّرد الروائي.. في البداية رحّب الأستاذ تامة التجاني مدير المكتبة الرئيسية بالروائي الضيف، وقدّم مسيرته الأدبية، ذاكرا رواياته الست التي أصدرها، وحصوله قبل سنوات على جائزة الهاشمي سعيداني للرواية التي ترعاها جمعية الجاحظية، وما قاله النقّاد والروائيون المتخصصون في المشرق العربي عن أعماله، وما تتميّز به مثل روايات: يوم رائع للموت، هلابيل، الحالم، في عشق امرأة عاقر، تصريح بضياع، إضافة إلى روايته الجديدة.

      تحدّث الروائي سمير عن رحلته في عالم السرد، وكيف انجذب إليه، وبدأ يشغل عليه، والعراقيل والتجاهل اللذيْن صادفهما مع نشر وتوزيع أول رواية له، وكيف وزّعها مجانًا على الصحافة المكتوبة، والأصدقاء، وفي مطار الجزائر الدولي ولم يُلتفت إليها داخل الوطن، فكانت الالتفاتة السحرية من إحدى المبدعات المصريات، وقد أجبرتها ظروف تأخّر انطلاق الطائرة في مطار الجزائر لتقع الرواية بين يديها، ويجلب انتباهها العنوان الذي كان بالفرنسية، والمتن الروائي بالعربية، أعجبتها الرواية، وبعد رجوعها إلى القاهرة كتبت عنها دراسة، وعن كاتبها.
        تحدث سمير عن روايته الجديدة " حبٌّ في خريف مائل " عن مضمونها، والأفكار التي تحملها، والشخوص، والبطل الرئيس صاحب الخمس والثمانين سنة.. سمير في روايته هذه ينوب عن نور الدين بوخالفة في سرْد الرواية.. هو في هذه الرواية " راوٍ متخفٍّ " تقنية حسب قوله كثيرا ما يلجأ إليها بعضُ الروائيين، ليُقوّل هذا الراوي المتخفّي ما لم يجرأ الروائي صاحب النص على قوله لدواعي اجتماعية، سياسية، أخلاقية، ...
       يقول سمير: « بعد ستّ روايات حتى الآن، لا أزال لم أشعر بالرضا عن نفسي؛ إذْ لا أزال أبحث، وألهث وراء الرواية التي أحلم بها..  »
        وعن التقنية الروائية يرى سمير: « ...هناك عدة طرق لكتابة الرواية، وكل رواية تفرض تقنيتها على كاتبها، والرواية الحقّة هي التي تجعل المتلقّي يقرأ نصّا غير متوقّع.. كما أن الأدب الإيطالي الذي من رواده الروائي الكبير الراحل ألبرتو مورافيا، صاحب روايات :الاحتقار، السأم، مراهقون، أنا وهو، ...والذي ثبّت سمير فقرة من أقواله في بداية روايته الجديدة حول ضرورة أن تكون الرواية واقعية مستمدّة من حياة الناس اليومية.. يقول سمير: « إن الأدب الإيطالي المعاصر يتفوّق عن الأدب اللاتيني لتميّزه بالمشهدية والحركية الجمالية، وتشخيص حيوات الناس بصيغ جذّابة، وهذا سرّ نجاح السينما الإيطالية. »
       النقاش كان ثريّا شارك فيه العديد من الحضور.. الأسئلة تعددت، وتنوعت: ما مدى تأثير الأدبي اللاتيني فيك باعتباره أدبا مشهديا سينمائيا يتجدد ويبهر جماليا ؟ ..هل تشبّعتَ بثقافة سينمائية ؟ .. هل هناك مشكل مقروئية في الجزائر، خاصة للأعمال الروائية؟ ..لماذا ينعدم عندنا إعلام ثقافي في الجزائر يحتفي بالإصدارات، ويروّج لها، وينظم ندوات حولها، ويستضيف مبدعيها ؟ ..هل هناك نقْدٌ متخصص في الجزائر خارج النقد الأكاديمي المغلق على نفسه بالجامعات الجزائرية ؟
     الروائي سمير أجاب إجابات وافية عن هذه الأسئلة وغيرها، وما لاحظه الحضور أنه ملمٌّ بالحركة الأدبية العربية، والأجنبية وخاصة عالم الرواية وكتّابها.

         كانت أمسية رائعة اختتمها الروائي سمير ببيعٍ بالإمضاء لروايتيْه : " تصريحٌ بضياع " و " وحبٌّ في خريف مائلٍ " .
     
      كما كُرّم الروائي سمير قسيمي في الختام




الأحد، 28 سبتمبر، 2014

إصدار جديد حول أربعينية الراحل الدكتور أبو القاسم سعد الله بالوادي

      إصدار جديد حول أربعينية الراحل الدكتور أبو القاسم سعد الله بالوادي
بقلم: بشير خلف
       بمقرّ المكتبة العمومية بقمار انتظمت أمسية ثقافية مساء السبت 27 سبتمبر 2014 حضرها جمهور من المثقفين والمبدعين، ومحبّي الراحل شيخ المؤرخين الدكتور أبو القاسم سعد الله، وخاصة كوكبة من الشباب كانوا حاضرين ومهتمّين.
        موضوع الأمسية : تقديم كتاب " من وحْي الذكرى" مجموع مداخلات المشاركين في أربعينية الراحل أبو القاسم سعد الله التي انتظمت في 25 جانفي 2014 .. الكتاب من إصدارات المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية لولاية الوادي.


       في البداية رحّب الأستاذ تامّة التجاني مدير المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية بالولاية بالحضور، ونوّه بمثل هذه الأمسيات الثقافية، والجلسات الأدبية لما لها من التثقيف، والتوعية، ونشْر المعرفة، والتعلّق بالكتاب والمطالعة، ليتطرّق إلى الكتاب موضوع الأمسية، حيث استعرض مواضيع الكتاب، وكُتّاب هذه المواضيع وعلاقاتهم الشخصية بالراحل، من حيث منهم منْ درسوا عليه، وآخرون زاملوه في التدريس بجامعة الجزائر، والبعض نهلوا من معارفه الغزيرة والمتنوعة، وآخرون صادقوه وعرفوه عن قرْبٍ.. كل هؤلاء تكلموا عنه في الأربعينية بهذه المواضيع المدبّــجة من شهود معاصرين للراحل.

      الكتاب من الحجم المتوسط ذو إخراج فنّيّ جميل يقع في 160 صفحة ..الغلاف من تصميم الفنان التشكيلي سواسي محمد البشير.. مضمون الكتاب إضافة إلى تقديم الإصدار للأستاذ تامة التجاني، وكلمات مدير الثقافة بالولاية الدكتور حسن مرموري، ونجل الراحل الدكتور أحمد، والدكتور العقبي بن عبد المجيد حبّة، وكلمة عرفان وتقدير لفقيد الجزائر أستاذ المؤرخين الجزائريين للدكتور ناصر الدين سعيدوني؛ تأتي مواضيع الكُـــتّاب المشاركين : الأستاذ محمد الهادي الحسني، الدكتور أحمد حمدي، الشاعر السعيد المــثردي( قصيدة)،الدكتور عبد العالي رزاقي، الدكتور محمد الأمين بلغيث، الدكتور أحمد زغب، الدكتور ابراهيم لونيسي، الأستاذ سعد الله عبد الرحيم، الأستاذ سعد العمامرة، الأستاذ بشير خلف، الشاعر سليمان جــوادي ( قصيدة).

      ثم أحيلت الكلمة للأستاذ خلف بشير الذي استعرض علاقته بالراحل ومعرفته به التي بدأت من خلال مجلة الثقافة في أواخر السبعينات، والثمانينيات من القرن الماضي، وإهداء الراحل له المجموعة القصصية " سعفة خضراء " لتتوطد فيما بعد العلاقة من خلال اللقاءات في زيارات الراحل لمسقط رأسه " قمار" وتبادل المؤلفات، وخاصة ما تطبعه رابطة الفكر والإبداع، وإصدارات مديرية الثقافة، ودار الثقافة سيّما مجلة " القباب " التي أُعجب بها الراحل، وكان حريصا على أن تكون بين يديه بكلّ أعدادها.

      الأستاذ عبد الرحيم سعد الله ابن عمّ الراحل والذي يعتبر الرجل المقرب من الدكتور الراحل، والذي يلازمه في زياراته لمسقط الرأس، وزياراته المتكررة له في العاصمة، أكّد في كلمته أن أبا القاسم بقدر ما هو موسوعة معارف، وباحث، ومثقف، ورحّالة، وصاحب نظرة عالمية للفكر والثقافة؛ إلاّ أنه يعشق الصحراء الجزائرية، ويعتزّ بانتمائه إليها؛ كما أن نظرته إلى ربوع " سُوفْ " نظرة حميمية خاصة من حيث زخمها الثقافي والتاريخي، وكثرة علمائها، وحركية مشهدها الثقافي، وثبات الهُوية بها كالأصالة، والعروبة، والقيم الإسلامية.. من ذلك أنه أوصى بأن يُدفن في مسقط رأسه بمدينة قمار.
         الراحل كما أكّد ابن عمّه رجل صلبٌ .. محارب ومقاوم من أجل الحفاظ على هذه القيم في مواقفه، وآرائه، وكتاباته، ومن أجل هذا كــثُــر أعداؤه في الجزائر وفرنسا من فرنكونيين، وعلمانيين، ويساريين، وطرقيين، حيث لاقى الأمرّيْن من هؤلاء، ومن العديد ممّن بأيديهم الحلّ والربط بالجزائر، حتى أنه فضّل المنفى الاختياري في الأردن للتدريس في الجامعة هناك ممّا مكّنه من جمْع بعض المال لبناء مسكنه الخاص بدالي إبراهيم بالجزائر العاصمة، المسكن الذي عجز عن بنائه طوال مساره العلمي والبحثي مثلما عجز عن شراء سيارة أخرى غير التي ملكها من نوع بيجو 505 إذ بقيت عنده حتى إلى السنوات الأخيرة من عمره، ولعلّ الفرصة الوحيدة التي من خلالها تحصّل على جائزة مقدارها خمسة آلاف دولار، كان بإمكانه أن يستغلّها لفائدته إلاّ أنه آثر التبرّع بها لجامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة.

      في نهاية الجلسة الأدبية ذكّر الأستاذ الهادي منّاني رئيس جمعية الأمين العمودي الحضور بفكرة الأربعينية، وكيفية بلورتها التي كانت في مدينة قالمة في شهر ديسمبر 2013 ، والجمعية الثقافية الوطنية الأمين العمودي في ندوتها الفكرية يُــبلّغ بوفاة الدكتور بلقاسم سعدالله، فتخصص نصف يوم للحدث، وتقرر أن تكون الأربعينية بمدينة الوادي، حيث شُرع في تحضيرها بمشاركة، ومساهمة القطاع الثقافي كمديرية الثقافة، ودار الثقافة، والجمعية الثقافية الوطنية الأمين العمودي، والرابطة الولائية للفكر والإبداع.

      في كلمته الختامية تعهّد الأستاذ تامة التجاني مدير المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية بالولاية بأن هذا الإصدار بداية الغيث، وأنه شخصيا حريص على أن تتناول هذه الإصدارات وفق الإمكانات المُتاحة كل شخصيات الولاية الفكرية والثقافية على التوالي سواء كانوا أحياء، أو رحلوا، وأن تحتفي المكتبة الرئيسية بسيرهم، وبما قدموه للجزائر من فكر وإبداع، وتنوير للعقول.

      وقد وُزّعت نسخ الكتاب هديّة لكل الحاضرين في نهاية الجلسة الثقافية. 

الخميس، 25 سبتمبر، 2014

 الجزائر أول دولة عربية تتبنى مشروع "المكتبات الصغيرة"

الجزائر أول دولة عربية تتبنى مشروع "المكتبات الصغيرة"

الفكرة ظهرت بالولايات المتحدة وتنتشر في حدائق واشنطن

     جمعية "كان يا مكان" من "مغنية" تؤسس مكتبتها في حديقة عامة
     وصلت فكرة المكتبات الصغيرة التي تنتشر في حدائق واشنطن إلى الجزائر التي صارت أول دولة عربية تتبنى هذا التقليد الذي يهدف إلى تشجيع عامة الناس على القراءة والمطالعة. وأعلنت الجمعية الثقافية "كان يا مكان" من مدينة "مغنية" في تلمسان، عن إطلاق مكتبتها الإعلامية من "ساحة إفريقيا"، وهي تأخذ شكل خزانة صغيرة مخصصة للكتب، وتهدف إلى التشجيع على المطالعة وتبادل الكتب بين الجميع، وفكرتها، حسب بيان للجمعية تلقت "البلاد" نسخة منه، أن أي "كتاب لم نعد بحاجة إليه ربما يكون مفيدا لشخص آخر، حيث نقوم باستبداله بأي كتاب موجود داخل الخزانة"، وذلك تحت شعار "دي كتاب وحط كتاب"، أي "خذ كتابا واترك كتابا".
      وتنتشر في حدائق واشنطن مكتبات صغيرة جدا تشجع على المطالعة، وتتشكل هذه المكتبات بطريقة بسيطة جدا، إذ يمكن لأي شخص أن يأخذ الكتاب الذي يريد من تلك العلب الخشبية، شرط أن يضع في المقابل كتابا آخر. وتأخذ هذه المكتبات الصغيرة غالبا شكل بيوت عصافير، وفي بعض الأماكن تأخذ شكل ساعة حائط، أو "روبوت"، أو غير ذلك حسب خيال القائمين على المكتبة. ويقول "كيفن سوليفان" الذي أسس مكتبة صغيرة قرب منزله شمال غربي واشنطن، وأهداها لزوجته بالتزامن مع عيد الأم "في بعض الأحيان يصلنا 11 كتابا جديدا". ويضع هذا الرجل نحو ثلاثين كتابا في الأسبوع في هذا الصندوق الخشبي ونصف الكتب الموضوعة في هذه المكتبة الصغيرة، هي للأطفال.  
      ويعود السبب في ذلك إلى أن كيفن وزوجته يقيمان قرب مدرسة، وهكذا يمكن أن يتوقف التلاميذ والأهالي لاستعارة كتاب. ويعود الفضل في هذه الفكرة إلى مدينة "هودسون" التي كانت أول من اعتمد هذه المكتبات في العام 2009، ونشأت الفكرة تحديدا مع تود بول الذي كان يبحث عن طريقة يكرم بها كرم والدته التي كانت تعمل مدرسة. فشيد مبنى خشبيا صغيرا باللونين الأبيض والأحمر، وملأه بالكتب وكتب عليه "كتب مجانية". ثم حذا جيرانه حذوه، ووضعوا مكتبات صغيرة على قارعة الطريق، واليوم وصلت هذه الفكرة إلى أوكرانيا وباكستان، والآن إلى الجزائر كأول دولة عربية.


الخميس، 18 سبتمبر، 2014

جدل حول تناقص الروايات الجزائرية بالموسم الجديد

جدل حول تناقص الروايات الجزائرية بالموسم الجديد
      افتقد الموسم الأدبي الجزائري الجديد، الذي بدأ في شهر سبتمبر/أيلول الجاري، إلى إصدارات روائية جديدة بالكمّ الذي شهده في الموسم الماضي.
       فبينما جادت قريحة أدباء الجزائر في الموسم الماضي بنحو 30 رواية باللغة العربية، تناقص العدد في الموسم الحالي إلى 10، ما أعطى الشارع الأدبي تفسيرات مختلفة للظاهرة. إذ إن بعض المعنيين أرجع المسؤولية في انخفاض عدد الإصدارات الجديدة إلى الناشرين الجزائريين، في حين ذهب فريق آخر إلى اعتبار الروايات الثلاثين في الموسم الماضي لم تلق الاحتفاء المطلوب والمتابعة اللازمة، مستدلين على ذلك باختفاء معظم الروايات بمجرّد أن انتهى عرس معرض الكتاب الدولي في الجزائر.
     مجموعة ثالثة ربطت تناقص عدد الإصدارات الجديدة بمسألة الجوائز، محيلين الظاهرة إلى "خيبة أمل" الروائيين الجزائريين بعد غياب أسمائهم عن جائزة البوكر العربية مثلاً. ولم يكن فوز الروائي إسماعيل يبرير عام 2012 بجائزة الطيب صالح، عن روايته "وصية المعتوه"، إلا تعويضاً عن خيبة البوكر، إضافة إلى وصول الروائي أحمد طيباوي إلى المرتبة الثالثة العام الماضي 2013 في روايته الصادرة عن منشورات الاختلاف بعنوان "موت ناعم".
      لكن كل النقاش الدائر لم يغيب حقيقة أن القراء العرب والجزائريين تنتظرهم أعمال نوعية؛ كرواية "الحب في خريف مائل" للروائي سمير قسيمي. وقد استفاد قسيمي من روايته السابقة "الحالم"، التي أوصلته إلى القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد في 2013، ليصبح اليوم من الأسماء المشهود لها بالتميز والإبداع جزائرياً وعربياً.
       وتدخل رواية "هذيان نواقيس القيامة" لكاتبها محمد جعفر على قائمة الأعمال المتميزة لهذا العام، إذ يتحدث عن هذا العمل الروائي الأردني جلال برجس، قائلاً: " "هذيان نواقيس القيامة"، نزعة مخالفة للعادي، وسعياً إلى ابتكار الجديد الصادم . نعتقد أن روايته ليست للقارئ الأرق، بل إنها الأرق بعينه، كما قال الراحل مؤنس الرزاز، الذي تحدث عن نوع من الروايات التي لا تقرأ إلا لاستجلاب النوم".

      أما الروايات المترجمة إلى اللغة العربية لهذا الموسم، فمن أبرزها "فضل الليل على النهار" للروائي الشهير ياسمــينة خضرا، ترجمها الروائي محمد ساري. إنه عمل روائي ضخم يتحدث عن العلاقات الجزائرية الفرنســـية منذ الفترة الاستعمارية حتى الاستقلال، وقد أثـــارت الرواية، كعادة روايات خضرا، لغطاً كبيراً، خصوصاً بعدما نقلها المخرج الفرنسي أركادي إلى الســينما عبر فيلم يحمل العنوان نفسه، وقد أثار حفيظة الكثـيرين. ولكن، على رغم ذلك، تظلّ أعمال خضرا تحظى باهتمام كبير من قراء الفرنسية والعربية على السواء.

السبت، 13 سبتمبر، 2014

الدين والحرية

الدين والحرية
بشير خلف

معرفة الدين والإيمان به وممارسته لا يتمّ إلاّ بشرْط الحريّة..  الحرية هيّ النصاب الأعلى لهذه المعرفة؛ وإلاّ حلّت معرفةٌ دينية أخرى قسْرية تنتجها الدولة على أساس أن مصير الأفراد بيدها دنيا وآخرة، أو تيّارات أخرى ترى نفسها من الفرقة الناجية، وأن الله وضع رقاب الناس بيديْها .

الثلاثاء، 9 سبتمبر، 2014

  فـــنٌّ وثقافة .. الملتقى المغاربي الأول للموروث الفنّي بالوادي

  فـــنٌّ وثقافة.. ..الملتقى المغاربي الأول للموروث الفنّي بالوادي
بقلم: بشير خلف   
      علاقة الثقافة بالفن علاقة متماهية.. الفن مكوّنٌ من مكوّنات الثقافة، سموّ الثقافة وأنسنتها فنّ إنساني راقٍ؛  ذلك أنّ هذه العلاقة قوية ويدركها المثقفون المتمرّسون، كما يدركها الفنّانون النيرون ، لو نأخذ علاقة الثقافة بالفن التشكيلي، لوجدنا الإبداعات التشكيلية تتّسم بالألوان الزاهية المعبّرة وقد تحولت إلى لغة جميلة ذات معاني رائعة، ومشاعر إنسانية تغذّي المتلقّ ، وتُمتعه ، لأنّ أغلب الفنانين التشكيليين يدركون العمق الروحي للألوان، والزخرفة في الأعمال الفنية التشكيلية ؛ من ناحية اخرى نجد علاقة الفن الموسيقى بالثقافة قوية بحيث نستمع إلى المعزوفات الموسيقية، ونترجم مقطوعاتها إلى كلمات يطرب لها القلب، والعقل معاً وتشرح صدرنا نغماتُها الرائعة، لنغني مع صوت الكمان، والبيانو، والعود، والطبل وتتحول الأنغام إلى كلمات عذبة نغنيها، ونكتبها قصائد شعرية، ونثْــرا، وسردا قصصيا وروائيا، وأداء مسرحيا .

      في هذا الإطار نظّمت جمعية " ثقافة وفن " بولاية الوادي الملتقى المغاربي الأول للموروث الفني الذي افتُتحت فعالياته مساء أمس الإثنين 08 سبتمبر 2014 بدار الثقافة الجديدة بالوادي، والذي يتواصل طوال أربعة أيام، ستكون ثرية بـ : معرض للفنون التشكيلية لفنانين من الشقيقة تونس والوادي، قراءات شعرية لشعراء من الجزائر والمغرب وتونس: ريحانة بشير من المغرب، ومن تونس: منير الوسلاتي، سنية مدوري، ومن الجزائر: حرير السعيد، بشير المثردي، بشير غريب، بشير ونيسي، حرير وفاء، يوسف بديدة، زكريا نوار، المهدي غمام، خليقة عبد الحكيم..
          محاضرات في أهمية الموروث الشعبي، والحفاظ على الهُوّيّة: الأستاذ منير الوسلاتي الدكتور أحمد زغب.
         جلسات طربية، حفلات فنية بمشاركة مطربين معروفين كالفنان عبد الله مناعي، غزال عبد الرحمن، العازف منّاني نور الدين، المطربة حورية صوالح، زكية الجريدي من تونس

حـفْــل الافتتاح
       جرت فعالية افتتاح الملتقى مساء يوم الإثنين 08 سبتمبر بدار الثقافة الجديدة ـ الشط ـ بمدينة الوادي بحضور جمهور متميّز من مثقفين وكُتّاب ومبدعين، وفنانين تشكيليين، وضيوف من المغرب وتونس: شعراء، وفنانين تشكيليين، وفنانين، ومسؤولي القطاع الثقافي بالولاية.

       في البداية طاف الحضور بمعرض راقٍ للفنون التشكيلية ضمّ لوحات ذات مستوى فني راق للتشكيليين التونسيين: بلال التبيني، ليليان هلولي، ومن الجزائر( الوادي) بليغ ونيسي..

كما تعرّف الضيوف من المغرب وتونس على معرض إصدارات القطاع الثقافي بالولاية.
      الشاعر المعروف إسماعيل غربي في كلمته الافتتاحية رحّب بالحضور سيّما الضيوف الأشقّاء من المغرب وتونس، متطرّقا إلى أهمية الموروث الشعبي الذي هو معبّرٌ بصدقٍ عن حركية الإنسان، وارتباطه بالهُوية الجمعية، وعلاقته بالفنون.

ثم جاءت كلمة الدكتور حسن مرموري مدير الثقافة الذي رحّب بالحضور، وأشاد بمثل هذه الملتقيات، وبخاصة لمّا تتوسّع، وتأخذ الصبغة المغاربية، مؤكدا على دعمه لكل نشاط ثقافي، أو فني هادف..



كما أن كلمة الشاعر التونسي منير الوسلاّتي مدير دار ثقافة بتونس العاصمة كانت مثمِّنة للملتقى من حيث
كونه ثقافيا فنيا، ومدعّما للأخوة المغاربية.

        وتميّز الجزء الثاني من هذه الجلسة بقراءات شعرية منوعة، رافقها عزْفٌ للعود من أنامل المطرب غزال عبد الرحمن.. القراءات الشعرية للشاعرة المغربية المعروفة رئيسة جمعية المبدع ريحانة بشير



، الشاعرة التونسية سنية مدوري المتحصلة على جائزة نازك الملائكة،
الشاعر القدير حرير السعيد من الوادي،





















الشاعر المتميز بشير غريب الذي أطرب الحضور بقصيد ملحون، وآخر فصيح.




الشاعرة وفاء حرير





تمتّع الحضور بوصلات موسيقية رائعة، وكذا فلكلورية تونسية من أداء المطرب المتميز غزال عبد الرحمن، وعازف الكمان المبدع منّاني نور الدين؛ والفرقة الفلكلورية التونسية: نسمة الكاف التونسية برفقة الفنانة التونسية زكية الجريدي.