الجمعة، 17 أبريل، 2015

من المثقف العضوي إلى المثقف الفيسبوكي

                                      من المثقف العضوي إلى المثقف الفيسبوكي
       مقالي الصادر بيومية بـ " ديوان الحياة " الموسوم ( من المثقف العضوي إلى المثقف الفيسبوكي) الذي يشرف عليه الكاتب الروائي والإعلامي الخيّر شوّار، بتاريخ 15/04/2015 بعنوان:

                       بدائل معاصرة تُطيح بالمثقف التقليدي من عليائه
       كلما وقع المجتمع في مأزق، أو ألمَّ به خطْبٌ ما، أو واجه معضلة تاريخية تساءل أفراده عن المثقف، أين هو؟. لماذا هو صامت ؟. ويُسهَــبُ في الحديث عن وظيفته، وأي دور يمكن أن يؤديه ؟. وأحسب، بدءاً، أننا نُحمِّل المثقف ما لا طاقة له به، ونفترض أنه يمتلك عصا سحرية، بها يستطيع أن يغير من اتجاه ما يحصل، وكأن المثقف ليس جزءاً من المجتمع بما يشوبه من أزمات، وهو القادر على إخراج الجميع من المآزق التي لم، ولن تنتهي؛ وننسى أو نتناسى أنّ هناك بدائل أخرى أقوى من المثقف اكتسحت حياتنا، ودفعت به إلى الصفوف الخلفية .
       توجد في كل مجتمع شريحة اجتماعية متميزة عن باقي شرائح المجتمع، تكون مؤهلة للتأثير في ذلك المجتمع سلباً وإيجاباً وتأخذ مواقع ريادية في رسْم هوية وشخصية ذلك المجتمع.
       كما تتحمل هذه الشريحة مسؤولية كبيرة في تحديد اتجاه تكامل هذا المجتمع نحو الرشد والنضوج في جميع مجالات حياته من خلال بثّ الوعي داخل صفوف المجتمع، وممارسة النقد البناء والإيجابي للأفكار، والقيم، والاتجاهات الاجتماعية، والسياسية، والثقافية، وغيرها وتبنّي قضاياه وتحديد اولوياته. هذه النخبة ليست المثقف وحده؛ بل هناك نُخب كثيرة : عسكرية، سياسية، اقتصادية، سياسية، صحية، أكاديمية جامعية، مجتمع مدني، دينية، ثقافية،...
       وقد نستأنس بتعريف للمثقف أورده الفيلسوف الأمريكي الراحل إدوارد شيلر بقوله : " المثقفون هم قطاع من بين المتعلمين يسعون إلى صياغة ضمير مجتمعهم ليتجه اتجاها راشدا، ويؤثرون على القرارات الكبرى لهذا المجتمع ."
       السؤال الجدير بالطرح هنا، هل هذه النخبة بإمكانها أن تؤدي أدوارها التوجيهية والتنويرية وفْق المواصفات السالفة الذكر في عالم متغيّر، متعدّد مصادر المعرفة، وزاخر بنتاجات التكنولوجية الحديثة التي سهّلت الحصول على اصناف المعرفة بيُسْرٍ، وبلمسة زرٍّ. لا ننس أيضًا مراكز القوى الاقتصادية والمالية التي تتحكّم في القرار السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، وتوجّه الإعلام بكل مكوّناته نحو خياراتها الممنهجة.
علينا أن نُــقــرّ أن دور المثقف قد بهُت في هذا العصر الذي يشهد تراجعا لإسهامات المثقفين، أو النخبة في تنمية المجتمع، وغياب تأثيرهم الاجتماعي والثقافي في حركة الواقع المجتمعي، فلم يعودوا قادة الرأي العام، ولا هم بالاستشرافيين للمستقبل القادم، فقد رحلت تلك الأوهام حين كانوا ينظرون لعطائهم بوصفه إنارة للطريق ومنقذا للخروج من التيه الذي قد يحلّ بالمجتمع.
        بكل مرارة منْ نصفهم بالنخبة ليس لهم حضور بارز في تحريك مجريات الأمور كما كانوا في السابق إبّـــان التحولات المجتمعية والفكرية بل أنهم مثلهم مثل سائر الفئات الاجتماعية.
عالمنا العربي والجزائري يمور بالأحداث اليومية لا أثر لنخبنا المثقفة حتى وهي في مواقع الأحداث للمساهمة في إطفاء نار الفتن، بل العجز حتى في إصدار بيان.. ناهيك عن التواجد والتأثير في التجمعات أو الملتقيات الوطنية والدولية في قضايا المال، والاقتصاد، والتربية، والصحة، والبيئة، والسياحة، وغيرها. حتى جامعاتنا منكفئة على نفسها ومعزولة عن المجتمع، لا أساتذتها ــــ إلاّ القلّة ــــ ولا طُلاّبها المتخرّجون لهم الرغبة في المساهمة في التأثير في المجتمع، أو حتّى التعبير عن رأي النُّخب الأكاديمية الجامعية فيما يجري محليا، وطنيا، عربيا .
        لا أحسب أن المثقف الذي يُــدلي بآرائه، وتعليقاته حول بعض قضايا الساعة في الطّلاّت الفيسبوكية، أو التويترية، أو اليوتوبية ينتج معرفة، هي فحسب تنفيسٌ عن الذات، وتواصلٌ افتراضي مع الغــير.

       في تقديري الشخصي طالما أنّ محنة المثقف في عالمنا المعاصر هي نتيجة عدة عوامل مؤثرة بعضها من صنعه، وأغلبها ناتجة عن ظروف موضوعية تتجاوزه فإني أقــــرّ أن المثقف الحقيقي عليه أن لا يرفع راية الاستسلام، وذلك أوّلاً بالكتابة والتأليف في حقول المعرفة وفق اختصاصه، والاّ ينتظر الجزاء المادي الآني ؛ وألاّ يتردد في الانخراط في الشأن العام، وألاّ يكون بعيدا ومعزولاً عن الحراك الاجتماعي. إذْ لم تعد النخب والأحزاب هي التي تصنع العالم، بل تصنعه الشاشات، ووسائل الإعلام، وثقافة الصورة، وأسواق السلع، وأسعار البورصة وآليات الربح، وأبطال الفرق الرياضية، ومافيات الضغط.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للتعليق، أو الإثراء ..اضغط على رابط( ليست هناك تعليقات).دوّنْ تعليقك داخل الكستطيل وارسلْه.

الثلاثاء، 14 أبريل، 2015

رحيل غونتر غراس

                                  رحيل غونتر غراس
       فقد الأدب العالمي أمس الكاتب الألماني الكبير غونتر غراس الذي انطفأ عن 87 عاما، تاركا إرثا أدبيا ومواقف نادرة بين المثقفين الغربيين. لقد فضّل مخترع الطفل الذي لا يكبر ويدمر محيطه بصرخاته في «الطمبور» أن ينهي حياته يساريا مناهضا «لوحشية» الرأسمالية ومؤمنا بأن الدولة وحدها التي تضمن العدالة الاجتماعية والاقتصادية بين المواطنين، وذهب أبعد من ذلك حين أدان بصوت عال «النفاق الغربي» حيال إسرائيل. وحق للأكاديمية السويدية أن تصفه في حيثيات منحه جائزة نوبل سنة 1999 بكاتب الضحايا والخاسرين.
       وإذا كان نقاد الأدب يضعون ثلاثية غونتر غراس: الطمبــــــــــور ( الطبل والصفيح)، القط والفأر وسنوات الكلب، ضمن الروايات التي أحدثت انقلابا في الأدب الألماني والعالمي، فإن سيرته ومواقفه صنعت الحدث ووضعته في عواصف من الجدل. ولعل سيرته «تقشير البصل» التي كشف فيها عن انتمائه إلى وحدات خاصة في الجيش النازي في شبابه وإخفائه للأمر طيلة حياته كان لها مفعول القنبلة في الأوساط الأدبية والسياسية في أوروبا. وحتى و إن ارتفعت أصوات تحيي شجاعة الكاتب ونزاهته في تصفية الحساب حتى مع ذاته، فإنها أعطت فرصة لخصوم لم يترددوا في الحديث عن «الماضي النازي» لأكبر كاتب ألماني في العصر الحديث. ولم تهدأ عاصفة المذكرات حتى هبت عاصفة القصيدة النثرية التي نشرها غراس في أفريل 2012 النص  أدان  النفاق العالمي تجاه إسرائيل، وتغاضيها عن امتلاك سلاح نووي يهدد استقرار العالم، و الصمت على تحرشها المستمر بإيران وتخطيطها لضرب هذا البلد لثنيه عن امتلاك السلاح النووي.
       وشجب غراس في قصيدته التي حملت عنوان» ما يجب أن يقال» تهديد إسرائيل بشن ضربات وقائية ضد المنشآت النووية الايرانية معتبرا أن ذلك قد تؤدي إلى «القضاء على الشعب الإيراني للاشتباه بأن قادته يصنعون قنبلة ذرية». وكتب غراس :»هناك دولة أخرى تمتلك منذ سنوات ترسانة نووية تتطور يوما بعد يوم، مع أنها تبقى سرية ومن دون أن تخضع للتفتيش فأي عملية تدقيق محظورة»، مشيرا إلى «الصمت المعمم على هذه الوقائع» التي يصفها بأنها «كذبة ثقيلة» لأن «تهمة معاداة السامية ستوجه مباشرة» إلى الذي ينتهك هذا الصمت. وتساءل «لماذا أقول الآن فقط (...) آن القوة الذرية لإسرائيل تهدد السلام العالمي الهش في الأساس؟ لأنه ينبغي أن نقول الآن ما قد يفوت أوانه غدا».
      وتابع “لن اسكت بعد الآن لأني سئمت من نفاق الغرب” حيال إسرائيل “المسؤولة الفعلية عن هذا التهديد”. وبالطبع فإن تهمة معاداة السامية ألصقت بالكاتب
      وأعلنت  تل أبيب غونتر غراس شخصا غير مرغوب فيه  ووصفت المثقفين الغربيين الذين سكتوا عن قصيدته بالمنافقين ، ولم يكن بين هؤلاء “المنافقين” الفيلسوف برنار هنري ليفي  الذي وجه للكاتب الألماني  رسالة نارية وصفه فيها بالنازي الجديد وصديق المتطرفين، وقال الفيلسوف أن غراس الذي يعد من كبار الكتاب الأوروبيين لم يجد أفضل من نشر «قصيدة»  يشرح فيها بأنه ليس هناك من خطر جدي فوق رؤوسنا سوى هذا الخطر الذي يأتي من بلد صغير جدا، من أصغر بلدان العالم، دولة إسرائيل. الاستهجان ظل لفترة طويلة مادة للصحافة الألمانية التي تعودت النظر بعين الريبة إلى الكاتب منذ سقوط جدار برلين. لكنه حملاتها لم تنل من مكانته التي بناها حجرا حجرا هو الذي تقلب بين فنون كثيرا من الرسم على النحت إلى الرواية التي منحته المجد. والغريب أن المناوئين الذين أصبحوا لا يتأخرون في التذكير بماضي عسكري انتمى إليه وهو يافع، لا يذكرون أن أمه و أخته تعرضتا للاغتصاب من طرف جنود روس في قوات التحالف.
العجز المشاغب ظل على دينه، يساريا يرفض مجاراة المركزية الأوروبية في خطابها الذي يضخم الذات، بل على العكس من ذلك استدعى التاريخ بمساوئه لتدريب الناس على النظر إلى الحقيقة مستعينا بفانتازيا هي ابنة خيبة وسخرية ومريرة.
       وقبل أسابيع من رحيله قال غراس أن الحرب الثالثة التي يخشى الناس حدوثها، بدأت فعلا، لكن بطريقة أخرى.
       وباختفاء غراس  يفقد العالم واحدا النجوم المضيئة في عصرنا، كاتب انحاز للحق وعاش رافضا للهيمنة التي تنتجها ثقافة ينتمي إليها، منتصرا للقيم الإنسانية. القيم التي يبدو انها سائرة نحو الانقراض في عالم يسيطر عليه تجار السلاح  وعرابو الحروب.

جون إيرفينغ مدافعا
غونتر غراس بطلي  ككاتب و كبوصلة أخلاقية
بقلم جون إيرفينغ * ترجمة عمر شابي

      في خضم الزوبعة التي أثارها كشف غونتر غراس عن ماضيه كمجند في صفوف الجيش النازي، و قبل أن يصدر قصيدته المشهورة الأخرى «ما يجب أن يقال» لم يكن الكثيرون يجرأون على الوقوف في صف الكاتب الألماني المثير للجدل، لكن الكاتب الروائي الأمريكي الشهير جون إيرفينغ عبر عن موقفه باعتباره لغراس بطلا و نموذجا للاستقامة الأخلاقية، و هنا ترجمة لنص كتبه إيرفينغ دفاعا عن غونتر غراس مأخوذا من موقع جريدة الغارديان البريطانية.
       كيف أشعر حيال ما وصفه كورت فانغوت بأنه «عاصفة من القذارة» بشأن الثرثرة الوطنية في وسائل الإعلام الألمانية، في أعقاب كشف صديقي غونتر غراس عن كونه قد انساق للانخراط في صفوف الجنود المقاتلين تحت الحكم النازي في ألمانيا الهتلرية و عمره 17 سنة؟
      من خلال ما قرأت من افتتاحيات و آراء و الكثير من الملاحظات التي عبر عنها كتاب مثلي، و نقاد و صحفيين من مختلف التوجهات السياسية، يتضح أن هناك توقعات برغبة تدعي التهذيب في سلوكها تهدف إلى تفكيك حياة غراس و أعماله انطلاقا من -يا له من جبن- موقع الإدراك المتأخر ، الذي يتموقع فيه الكثير من المثقفين مرتاحين للهجوم على أهدافهم.
      غراس يبقى بطلا بالنسبة لي، في الحالتين ككاتب و كبوصلة أخلاق، شجاعته في كلتا الحالتين ككاتب و كمواطن ألماني كانت مثالية- شجاعة تزايدت و لم تنقص منها أبرز تصريحاته الأخيرة.
غراس تجند في سن الخامسة عشرة، و قال أنه اختار التطوع في صف الجنود النازيين أساسا لأنه كان يرغب في «الابتعاد عن البيت». أتساءل هل يمكن لأحد من منتقديه أن يتذكر حاله و هو في سن 15. كان قد سجل للتطوع في سلاح الغواصات، لكن في الأشهر الأخيرة من الحرب كان الجيش النازي يضم إلى صفوفه كل شخص يجده أمامه.
      لا أحكم على ما يمكن لمجند سنه 17 عاما أن ينتظر من وراء تطوعه في الجيش و بالمختصر من أجل القتل والاغتصاب.
        لقد ترشحت لأجل أن أكون ضابط تدريب و عمري 19 سنة في 1961، كان يمكنني أن يكون في فيتنام على الأرجح في بداية 1965، بعد تخرجي من الجامعة، لكن طفلي الأول ولد في مارس من تلك السنة.
       في تلك الأيام لم يكونوا ليأخذوك للقتال إذا كنت أبا. لم أخدم في الجيش مطلقا. كنت معارضا سياسيا للحرب، لكنني الآن أرغب في الذهاب،  كنت أكثر فضولا بشأن الحرب أكثر مما كنت حساسا لها، و شعرت بالذنب لأنني حين صرت أبا، و أنا لا أزال طالبا في الكلية و قد تم صرفي من خدمة الجيش (لم يكن الأمر مقصودا).
      أنا أعالج ببطء، و هذا شأن الكثيرين من الكتاب. كتبت روايتي عن فيتنام، «صلاة لأجل أوين ميني»، بعد 20 عاما من الحرب. تعمدت أن أضع مجريات روايتي عن الإجهاض «قواعد بيت عصير التفاح» متأخرة في الثلاثينات و الأربعينات، لأجعل قصتي بعيدة قدر الإمكان عن النقاش السياسي الدائر حول الإجهاض حاليا. أحب أن آخذ بعدا زمنيا عن الأشياء التي أكتب عنها و التي أثرت في بجدية-بسيكولوجيا و عاطفيا.
كتبت عن طفولتي و عن مراهقتي ليس في روايتي الأولى و لا الثانية، حينما كنت لا أزال شابا يافعا، لكن في روايتي الحادية عشرة و روايتي الحديثة، «إلى حين وجدتك»، حين صرت في أواخر الخمسينات و بدايات الستينات من العمر. فقط حينها كشفت لوسائل الإعلام أن التجارب الأساسية الغالبة في تلك الرواية كانت مستوحاة من سيرتي الذاتية – و تحديدا الأب المفقود الذي لم أقم بالإشارة إليه، و الاعتداء الجنسي ( في حالتي كان في سن الحادية عشرة مع امرأة في العشرينات من عمرها، في الرواية كان الشخص ذو 10 سنين و المرأة في الأربعينات).
       الآن توجد كل هذه الشكاوي في ألمانيا حول متى اختار غراس أن يكشف عن ترشحه للانخراط في الجيش عندما كان مراهقا، الرجل ( والكاتب) هو نموذج للبحث عن الذات و نموذج لضمير الأمة.
      الناس يقولون أنه تعمد إخفاء تلك المعلومات إلى حين فوزه بجائزة نوبل للآداب، لأنه ما كان ليحصل على الجائزة لو كان معلوما أنه كان في صفوف الجيش النازي. (لو كان صحيحا أن لجنة جائزة نوبل ما كانت لتمنحه الجائزة في ظل مثل هذه الظروف، إذن لكان على اللجنة ذاتها أن تقوم بعملية استبطان لذاتها- أعتقد أنها جائزة من أجل الأدب، و ليس من أجل الاستقامة السياسية.)  و بعض الناس يقولون أن غراس اختار توقيت الكشف عن ماضيه لكي يبيع أكبر عدد ممكن من كتاب سيرته الذاتية الجديد.
سمعت هذا حينما تحدثت علنا عن تجربتي الجنسية بينما كنت ابن 11 سنة مع امرأة أكبر مني سنا- من أنني مجرد بائع كتب. كم هم مغفلين القراء الحقيقيون للروايات المعقدة بحسب ما يعتقده النقاد و الصحفيون؟ لم يتناقص عدد قراء غراس و لا عدد قرائي.
انتشار العداء الواسع في وسائل الإعلام الألمانية كان بغيضا. غراس كاتب جريئ، و قد كان على الدوام رجلا جريئا.
       ألم يكن يضع نفسه في مكان الخطر أولا في سن الخامسة عشرة و بعدها لما بلغ السابعة عشرة؟ و الآن مرة أخرى و هو في سن 79؟ و مرة أخرى الكلاب الصغيرة الجبانة تعض عقبيه.

      كان هناك كاتب ألماني آخر متميز، طوماس مان، الذي كتب عن «حساسية الكاتب –المعروفة جيدا- تجاه الازدراء و حيال الأحقاد التي يتعرض لها...لا يهم بمقدار ما تتضح تلك الاعتداءات  وهي نابعة من بغضاء شخصية». و أضاف مان أن «الأعداء هم الشيء الضروري المصاحب لكل حياة قوية...و غالبا ما يكونون الدليل الجلي على قوتنا».

السرقات الأدبية بجامعاتنا الجزائرية

                          السرقات الأدبية بجامعاتنا الجزائرية
       يضع رئيس جامعة توقيعه فوق توقيع طالبة في مجلة تصدرها جامعته، والمقال الذي يوقعه الأستاذ الدكتور بالاشتراك مع الطالبة المحظوظة منقول بالكامل من رسالة ماجستير الطالبة المعنيّة التي أشرف عليها أستاذ آخر، و حرص القيّمون على المجلة على إرفاق المقال بملخّص بالفرنسية أنجزه – على ما يبدو- السيد غوغل بالنظر لتراكيبه الغريبة.
       وفي المجلّة ذاتها توقّع أستاذة ومسؤولة مقالا صدر في مجلة جامعة فلسطينية وينسب أستاذ آخر مقالا صدر في مجلة سعودية إلى نفسه.
       نعم، حدث ذلك في العدد الأوّل الصادر في جوان 2014 من مجلة كتب على غلافها أنها مجلة دولية محكمة( ونحوز نسخة منها ونسخا من ضحاياها) .
        والمثير في قصّة المجلة أن القائمين عليها لم يتقبلوا إثارة القضية و فسروا الأمر بمؤامرة تدبرها قوى شريرة وروى أحد  مكتشفي الفضيحة أنه يتعرض مع زملائه الأساتذة لمضايقات، واتهامات بازدراء المنطقة التي تتواجد بها الجامعة.
       ما حدث ليس جديدا على الجامعة الجزائرية، لكن أن يقوم به مسؤولون مؤتمنون على تسيير جامعة فتلك أم المشكلات التي لا تتطلب اتخاذ إجراءات بسيطة بل فتح نقاش وطني حول وضعية الجامعة الجزائرية. لأن السرقات المتكرّرة للبحوث العلميّة تكشف عن انتقال ثقافة اللصوصيّة إلى معاقل العلم، ولا يستهدف النهب هنا أكل الطلبة أو أموال المخابر، ولكنه يستهدف منتوجا علميا لأساتذة في دول لم تكن موجودة حين كانت الجامعة الجزائرية تخرّج كبار المفكرين والباحثين.
       وفوق ذلك فإن قيام مسؤولين في جامعات بأعمال تتنافى مع أخلاق رجال العلم بل ومع الأخلاق العامة، يمكن أن يساهم في إشاعة هذه السلوكات المشينة بين إطارات المستقبل الذين سيتعلّمون في الجامعة أن السرقة والغش «نورمال». والجزائر في غنى عن هذه الفئة الكريمة المتوفرة بالشكل الكافي والوافي و التي نقرأ يوميا  عن انجازاتها في الصحف.
        وأغرب من هذه الممارسات الصمت عنها، إذ لا تسمع احتجاجات أو إدانة من نقابات الأساتذة التي توقف نشاطها، على ما يبدو، عند المطلب البدائي بالزيادة في الأجور.

هامش

      المجلة المعنية بالاحتفاء، هنا، تحمل تسمية البرهان (؟) وتصدر عن كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية بجامعة عباس لغرور في خنشلة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المرجع : يومية النصر بتاريخ:الاثنين 16 / 03 / 2015 

الأربعاء، 8 أبريل، 2015

مجلة القباب في عددها الجديد

                    مجلة القباب في عددها الجديد
   بقلم: بشير خلف
       انتظمت احتفائية أدبية صباح يوم السبت الرابع من شهر أفريل 2015 بدار الثقافة بمدينة الوادي، احتضنت كوكبة نيّرة من المثقفين، والكُتّاب، والمبدعين، والمهتمّين بالمشهد الثقافي، وفي صدارتهم الأستاذ محمد حمدي مدير دار الثقافة، ومدير مجلة " القباب "، والذي حرص على أن تعود المجلة إلى الصدور.. وفي حلّة جديدة بهيّة بدءا بالعدد السابق الذي صدر في شهر ديسمبر 2014.
       ما دار في هذه الجلسة الحميمية تركّز على الإصدار الجديد لمجلّة القباب في عددها السابع، وهو عددٌ أدبيٌّ بامتياز، وقد سبقه في شهر ديسمبر 2014 العدد الثقافي.. بعد الافتتاح والترحيب أُعطيت الكلمة للدكتور عادل محلّو رئيس التحرير الذي ما ينيف عن الشهريْن رفقة الفنان التشكيلي كمال خزّان منكبّيْن على إعداد المجلة، تصفيفًا، وتنسيقًا ، وإخراجًا ، وتصميمًا ، وبالإستئناس بالشاعريْن بشير ونيسي، غريب بشير..
        الدكتور عادل محلّو بيّن في مداخلته ضرورة أن تكون المجلة معرفية أكاديمية مرجعية لكل مثقف، كما هي مرجع للباحثين.. مجلة مفتوحة للأقلام الجادّة محليا، ووطنيا، وعربيا، وقد تحقّق هذا الهدف في هذا العدد الأدبي الذي كما كتب به كتاب ومبدعون من ولاية الوادي، كتب به كتاب ومبدعون من الجزائر والعالم العربي: الشاعر والباحث أحمد مكّاوي، الشاعر والباحث بشير ونيسي، الكاتب والباحث محمد الصالح بن علي، الشاعر والباحث غريب بشير، الباحث الأستاذ محمد بن يحي، الشاعر والبحث الأزهر محمودي، الكاتب والقاص بشير خلف، الأستاذ الباحث الدكتور أحمد زغب.
      ومن الوطن : الباحث الدكتور لخضر بركة من بلعباس، الأستاذ الشاعر عيسى ماروك من سيدي عيسى، ومن خارج الجزائر الباحث الدكتور محمد سعيد زكري من المغرب الشقيق.
     في باب مرايا الحرف ( إبداع شعري) من الجزائر : الشاعر محمد خليل عبّو.. الجلفة، الشاعر مصطفى صوالح محمد..الوادي، جمال رميلي..خنشلة، الشاعر طارق خلف الله.. بسكرة،الشاعر البشير شوشاني..الوادي، الشاعرقاسم شيخاوي ..تسمسيلت.الشاعرة نوال يتيم..الوادي
      من العالم العربي: الشاعر أحمد بلحاج آيت وارهام.. المغرب، الشاعرة أسيل سقلاوي ..لبنان، الشاعر الناصر بن عون ..تونس.
     وفي باب زوايا السرد ( إبداع سردي) حكاية مترجمة من الموروث الشعبي الأمازيغي، الروائي القاص عبد المنعم بن السايح..تقرت، القاصة حواء حنكة.. الوادي .
     من العالم العربي: القاصة صابرين الصبّاغ ..مصر، القاص عبد الرشيد حاجب ..إسبانيا.
     في باب ( جسور) ..أدب مترجم : قصيدة المنبوذة للشاعر الفرنسي لويس أراقون، ترجمة الأستاذ الشاعر لطفي حمدان ، قصيدة حلم في حلم للشاعر الأمريكي أدغار ألان بو، ترجمة الدكتور يوسف بديدة.
      المجلة ثرية بمواضيعها التي تجمعها الأبواب التالية:
كلمة العدد للأستاذ محمد حامدي مدير دار الثقافة، ملف العدد( الأمّ في الأدب الجزائري)، دراسات أدبية، كِتاب العدد، مرايا الحرف " شعر "، حكايا النجع، زوايا السرد، جسور، نشاطات دار الثقافة بالصور.
      جلسة أدبية تقييمية للمجلة من حيث الشكل، والمحتوى من جهة، وإعلام الحاضرين من طرف رئيس تحرير المجلة الدكتور عادل محلّو بالعدد القادم الذي سيصدر في شهر اجوان المقبل ، إضافة إلى العدد المخصّص لأدب الطفل . كما كانت جلسة لإهداء المجلة.
     من خلال النقاش الهادف، والمداخلات البنّاءة تمّت الموافقة من السيد محمد حامدي مدير دار الثقافة، والمشرف العام على المجلة أن تعود المجلة في الأعداد القادمة إلى مقاسها السابق( 16 في 24 سم)في شكل كتاب متوسط الحجم ممّا يساعد على ترتيبه كمرجعٍ بجانب الكتب الأخرى، ويسهل تناوله، واستثماره؛ عكس المقاس الجديد للمجلة في عددها السابع الأخير( 18 في 28 سم)، كما وعد بأن يُدرج كل عدد جديد من المجلة بعد لأْيٍ من صدوره ضمْن الشبكة العنكبوتية حتى يستفيد منه القرّاء أينما تواجدوا.
          حرس رئيس التحرير الدكتور عادل محلّو وبحكم كثرة اطلاعه على المجلاّت العربية المعاصرة في شكليْها الورقي والإلكتروني، أن تكون مجلة القباب مجلّة ثقافية مميّزة سواء في جانبها الفنّي، أم في محتواها، وأن تُــضاهي المجلاّت العربية المعاصرة، وتأكيدا فإن المتلقّي الذي تكون المجلّة بين يديه سيلاحظ هذا في طريقة توزيع المواضيع، وتيمات العنونة لأبواب المجلة، وعتبات المواضيع.
      أبواب المواضيع : ملفّ العدد، دراسات أدبية، كِتاب العدد، مرايا الحرف، حكايا النجع، زوايا السرد، جسور.
      عتبات المواضيع: رثاء الأم في الشعر الجزائري المعاصر، صورة الأم في روايات واسيني الأعرج، الأم وميلاد القصيدة الأولى، النقد الاجتماعي في الشعر الشفاهي عند الأمّهات. الصورة الفنية وشعرية الخطاب، الشرح الصوفي وإشكالية وضع المصطلح، سيماء العنوان في قصيدة طقوس الجسد والشهادة، شموخ الماضي وكبرياء المجاهد، عمود الدخان، حمحمات الروح، عائشة، توِق، حكاية الأفعى، أضغاث ذاكرة، سهم القلم، اللوح المفقود من خزانة حمورابي...
       توشّحت الصفحة الأخيرة من الغلاف بقصيد رائع للشاعرة نوال يتيم :" ترنيمة العاشقة العفيفة "
      أبدع الفنان التشكيلي كمال خزّان في التصميم والإخراج الفني للمجلة.

      هذا العدد الأدبي من مجلة " القباب " لبنة جديدة تُضاف إلى صرْح الثقافة الجزائرية، والعربية كما أنها سجلٌّ تدويني خالد يؤرخ لمسار الحراك الثقافي بربوع منطقة وادي سُوف الثرية بعلمائها، ومثقفيها من قديم.

السبت، 21 مارس، 2015

النصّ الرقمي


                    النصّ الرقمي
قراءة في كتاب 
بقلم: بشير خلف
       الكتابة الرقمية ظاهرة فرضها التطور الهائل الذي شهدته وسائط الاتصال في العصر الحديث بفضل الثورة التكنولوجية التي جعلت من العالم ‘قرية كوكبية صغيرة’.
       وقد أسهمت المنابر الإلكترونية عامة ومواقع التواصل الاجتماعي بشكل خاص في خلق حراك اجتماعي شمل مختلف مناحي الحياة. وهو ما نجم عنه تحول عميق في الحياة المعاصرة على جميع الأصعدة والمستويات. لكونها شكلت فضاء حرا لتدفق المعلومات والتعليق على الأحداث.
       لقد أحدثت الثورة الرقمية تغييرا جذريا في مفهوم إنتاج النصوص وتلقيها؛ فلم يعد المؤلف مجبرا على المرور من مصافي دور النشر كما كان الأمر سابقا، لأن المواقع الالكترونية المختلفة تتيح إمكانية هائلة لكل فرد لكي ينشر ما يشاء.
       لقد أصبح النص الرقمي معمارا تسهم في تكوين نظامه الاستطيقي أدوات ووسائط متنوعة يدخل فيها اللغة والصوت والصورة واللون والضوء والحركة؛ فكثير من النصوص تلجأ في بنائها الجمالي إلى عناصر سيميائية مختلفة مثل الموسيقى واللوحة والإلقاء الصوتي إلى جانب العلامات اللغوية التي لم تعد حركتها تنمو في شكل خطي تسلسلي ولكنها أصبحت متحركة تنمو بصورة تشعبية في اتجاهات مختلفة.
        ومما يثير الانتباه أن هذه العناصر التي أصبحت تدخل في صميم تكوين النص الرقمي أنها لم تعد مجرد مصاحبات إشارية وعلاماتية ينحصر دورها في إضاءة النص، ولكنها أصبحت أدوات مهمة في توجيه القراءة وبناء المعنى من خلال الإيحاء بالمحتمل الدلالي للخطاب. مما يعني أن طبيعة الوسيط الحامل للعلامة وشكل عرضها يحددان الصيغة الملائمة لتلقي النصوص والخطابات؛ فالنص الرقمي لا يعبر طريقه نحو التشكل والدلالية إلا بمصاحبة مجموعة من الوسائط التي ترافق أو تحيط به في صورة شبكة معقدة تشتغل خارج القوانين التي تميز نظام المعنى كما تفرزه الانتاجية النصية المتشكلة في فضاء مادي قد يكون الورق أو غيره.

النص الرقمي وإبدالات النقل المعرفي
      المجلة العربية السعودية الشهرية كعادتها منذ سنوات ترفق عدد المجلّة الشهري بكتاب قيّمٍ تُهديه إلى قرّائها؛ ففي شهر جانفي 2015 كانت الهديّة الكتاب 219 يحمل عنوان" النصّ الرقمي، وإبدالات النقل المعرفي" بقلم الدكتور محمد مريني، أستاذ في كلية الناظور بالمغرب، باحثٌ قديرٌ، نشطٌ ، له ما ينيف عن العشر أعمال صادرة منذ 2006 حتى هذه السنة 2015 بهذا الكتاب الذي بين أيدينا.
       الكتاب من الحجم المتوسط: 116 ص، 14 في 21 سم. محتويات الكتاب :
مقدّمــــة .الفصل الأوّل: ما قبل النصّ الرقمي . الفصل الثاني: النصّ المتشعّب التجسيد الأمثل للنصّ الرّقمي. الفصل الثالث: أنماط النشر التراثي في المكتبات الرقمية العربية. الفصل الرابع: الثورة الرقمية وإبدالات الكتابة والقراءة. لائحة المصادر والمراجع.
       في مقدمة الكتاب: يشير المؤلف إلى إن القرن العشرين هو عصر النصّ بامتياز، فيه انهارت الفلسفات العقائدية الكبرى لتحلّ محلّها الإبدالات المعرفية التي تحقّقت بفضل كشوفات الدرس  الألسني، وما رسّخه من بدائل منهجية، منها وفيها سيعرف مفهوم النصّ تنويعات عدّة بعد ارتباطه بعالم المعلومات، والفضاء الشبكي.

ما قبل النص الرقمي
          في الفصل الأوّل، ما قبل النصّ الرقمي يقف المؤلف عند الجذر اللغوي للفظة ( نصّ) في المعاجم العربية كلسان العرب لابن منظور، أساس البلاغة للزمخشري، الرسالة للشافعي محمد بن إدريس، والمعجم الوسيط لإبراهيم مصطفى، وآخرين. ليخلص إلى أن المعنى اللغوي الذي هو: الرفع، الإظهار، البروز ، بلوغ منتهى الشيء وأقصاه يختلف عن معناه لدى علماء الشريعة الإسلامية. كما توقف عند معنى النص في الاصطلاح عند العرب المحدثين، إذ تنوّعت التعريفات بتنوّع الاتجاهات والمدارس الفلسفية والنقدية، ليكتفي بتعريف واحد للدكتور عبد السلام المسدي في حديثه عن مفهوم النص الأدبي، فالنصّ " ...إنه جهازٌ ينظمه تماسكٌ لغويٌّ خاصٌّ "، "هو فعْلٌ أو ظاهرةٌ سيميائية تشمل علامة مادية، ولغوية متعدّة المعاني؛ إيحائية تتجاوز أُحادية الدّلالة إلى تعدّديتها "  
        من هذا المنطلق يشير بعض الدارسين إلى وجود بعض الاضطراب والتشويش في تداول هذا المصطلح عند العرب المحدثين، حيث هناك اختلاف بين مفهوم النص في الثقافات المتفرعة عن الجذر اللاتيني، وبين الثقافة العربية الإسلامية، فالنصّ في الثقافة اللاتينية هو النسيج الذي تولدت عنه مفاهيم عديدة بالتشبيهات والاستعارات، وفي الثقافة العربية الإسلامية؛ معنى النصّ ليس النسيج، إنما هو الظهور والبروز.
        لقد كان النص مرتبطا بطريقة تكوينية بالكتابة، ذلك أن النصّ هو ما كان مكتوبا، ربّما لأن طريقة تشكيل الحروف في الكتابة بصورة خطّية تُوحي أكثر من الكلمة بما تحمله الكتابة من معاني الانحباك، والتشابك التي توجد في العمل المكتوب، إذ يتعلّق الأمر هنا بضمانة الأشياء المكتوبة التي تجتمع فيها وظائف المحافظة التي تتمثّل في الثبات، واستمرارية التدوين الهادفة إلى تصحيح ما يعتري الذاكرة الإنسانية من هشاشة. إنّ النصّ المكتوب سلاحٌ ضدّ الزمن، وضدّ النسيان، وضدّ مكْر الكلام. وذلك في مقابل الكلام الشفهي الذي يمكن التراجع عنه، وتبديله، وإنكاره بكل سهولة.
     ارتبط مفهوم النص تاريخيا بعالم من المؤسسات مثل: القانون، الكنيسة، الأدب ، التعليم؛ حيث النص موضوع أخلاقي: هو الكتابة باعتبارها تشارك في العقد الاجتماعي. لقد افترضت الاتجاهات الكلاسيكية أنّ النصّ يحتوي على معنى قارّ ونهائي؛ أي أنه يعبر عن الحقيقة ويحتوي عليها، ومع ذلك فإن الحقيقة ليست معطاة سلفًا إذ كثير من النصوص يحتاج إلى تأويل لاستنباطها، ولذلك تعددت مدارس تأويل النص واتجاهاته. 
       عرف مفهوم النص في العقود الأخيرة تغيّرات جذرية مع تيّارات ما بعد الحداثة..لم يعد  النص كيّانًا مغلقًا محمّلاً بالأحكام القطعية التي تقوم على أن المؤلف وحده يمتلك اليقين، ويعرف الحقيقة المطلقة، إذْ صار النص كيانًا مفتوحًا محمّلاً بدلالات لا تنتهي. من هذا المنظور سيتغير مفهوم القراءة التي ستُعرّف بأنها ( عمليّة صبّ المعاني في النصّ)، وليست عملية استخراج المعاني من النص، أو عملية الوصول إلى ما يريد الكاتب قوله.
      النصّ مفتوح ينتجه القارئ في عملية مشاركة، لا مجرّد استهلاك، هذه المشاركة لا تتضمّن قطيعة بين البنية والقراءة، وإنما تعني اندماجهما في عملية دلالية واحدة، فممارسة القراءة إسهامٌ في التأليف.. النص لم يعد منتوجا نهائيا، بل أصبح يُنظر إليه في تعالقه مع نصوص أخرى دليلا منفتحا متعدد الدلالات. تؤشّر هذه التحوّلات على الإبدالات التي يأتي بها النص الرقمي خاصة في شكله المتطوّر الموسوم بــ ( النصّ المتشعّب) .

النصّ الرقمي المتشعّــب
       في الفصل الثاني الذي يحمل عنوان " النص المتشعّب ..التجسيد الأمثل للنصّ الرقمي " يتحدث المؤلف عن الشروط التي تسم النص بأنه رقمي وليس ورقيا، إنْ أشرنا إلى نص بأنه رقمي، فإن هذه الإشارة تحيلنا على الوسيط الذي يُعرض من  خلاله هذا النص. لذلك فإن الرقمية تحيل على الارتباط الوثيق بين النص وجهاز الحاسوب الذي تُعرض من خلاله هذه النصوص، سواء على مستوى الإنتاج ، أم على مستوى  التلقّي.
          وهذا ما يجعل النصّ الرقمي يتميّز عن كلٍّ من النص الشفهي، والنص المخطوط، والنص المطبوع التي تُنقل بوسائط أخرى. لكن النص الرقمي ليست له صورة ثابتة واحدة، بل له تنويعات عدّة تحقّقت من خلال الإمكانات المتعدّة التي يتيحها  كلٌّ من الحاسوب، والفضاء الشبكي.
      لقد كان ظهور النصّ المتشعّب ثمرة لمباحث ودراسات متنوعة، وذلك في سياق فكرة " التناظم بين المعارف " التي مفادها أنّ هناك تناغمًا وتداخلاً بين الحقول المعرفية المختلفة.
      شكّل النصّ المتشعّب منعطفا جديدا قياسًا إلى النصّ التقليدي الشفهي والكتابي، وذلك بالنظر إلى جملة من الخصائص التي تجعله يستوعب مجموعة من الإضافات غير موجودة بالنص الورقي، كأنظمة الخط، والصوت، والصورة، كما تقوم إضافة لذلك بين النص وقارئه علاقة تناظرية وغير أحادية، فعملية التواصل لا تكون في اتجاه واحد، كما هو الحال في النص التقليدي.
     تستند عملية القراءة إلى فكرة مركزية مفادها أن النص المتشعب مزود بوصلات تسعف في تنشيط عملية القراءة، والانتقال إلى الشذرات النصية المختلفة التي يمكن الوصول إليها من خلال النقر على " الفأرة" إلاّ أن توالي عمليات الانتقال بين النصوص من شأنها أن تحوّل القراءة إل متاهة تجعل من المتعذّر على القارئ ضبْط المسار بين نقطة الانطلاق، ونقطة النهاية يشعر بأنه فقد الاتجاه، وقد لا يعرف أين هو، بل قد لا يتذكّر ما كان يبحث عنه.
      إن توالي فتح النوافذ الجديدة يدخل القارئ في دوّامة تفقد النص المتشعب منطقه الخاص، ذلك أن كاتب النص المتشعب يُخضع نصّه لبناء خاصٍّ من خلال إضافة روابط، وشبكات، ووحدات معلومات. حين يقرأ القارئ نصا ورقيا فهو يعرف المكان الذي يوجد فيه، لأجل ذلك يستخدم بعض المعالم كأرقام الصفحات، وفهرسة المحتويات، ورأس الصفحة...الخ ؛ أمّا في النصّ المتشعّب فلم تعد هناك حاجة إلى أغلب هذه المؤشرات الدالة. إنك خلال قراءة النص المتشعب لا تسافر على طول نهر هادئ كسفرك مع النص الورقي، بل تسلك طرقا مختصرة ، أو منعرجات مرور من عقدة إلى أخرى، ومن وصلة إلى أخرى تفتح هذه النافذة أو تلك، وأحيانا عدة نوافذ لها علاقة بموضوع النص المتشعّب، أو لا علاقة لها به، وكلها مفتوحة في الحاسوب، تذهب إلى هذه النافذة أو تلك، أو تعود إلى هذه، وتترك تلك. إذ يمكن أن تجد نفسك في غابة من المعلومات .
      يستغلّ النص المتشعب كل الإمكانيات والبرامج التي يوفرها الحاسوب، وشبكة الإنترنيت، وهي إمكانيات تخضع للتطور المستمر، وتتراوح بين أنواع الخط المختلفة الأشكال، والصور الثابتة والمتحركة، والأصوات، والأنغام الموسيقية، والأشكال الجرافيكية، والألوان المختلفة. إنّ أهمّ ما يميّز النص المتشعب هو تعدّد أنظمة العلامات التي يوظفها.
     لقد ارتبط النص الورقي بالحروف والألفاظ . قد يحمل هذا النص صورا لكنه لا يمكنه أن يحمل العناصر الصوتية، وهذا يحدّ من قدراته التواصلية والتفاعلية. إن هذا التنوع من الوسائط يجعل النص الرقمي المتشعب بمثابة ( نصٍّ جامعٍ) يتيح إظهار طابع التعددية الممكنة لتعريف الشيء الواحد.
        لقد أتاح النصّ المتشعّب الرقمي للقارئ العربي إمكانية معالجة النصوص بطريقة آلية، والبحث في متنها بطريقة أفقية وعمودية. من هنا تحرّرت النصوص من قبضة الخطّية الصارمة التي فرضها عليها جمود الورق. إنّ معالجة النص الرقمي المتشعّب hypertext إضافة إلى ما تتيحه للمتلقّي من خدمات، وتسهيلات تكشف مسارات التشعب داخل النص المفرد، فهناك أيضا إمكانية ربط النص بخارجه، أو ما يعرف بعملية " التناصّ البيني " ، فقد وسّعت تكنولوجيا الوسائط المتعددة من مفهوم التناصّ الذي لم يعد مقصورا على الربط بين الوثائق التي تُقدّم في شكل نصوص، بل بينها وبين الوثائق الإلكترونية الأخرى في شكْل أصوات وصور ثابتة .

أنماط النشر التراثي الرقمي
        بذل المؤلف جهدا كبيرا في البحث عن تواجد النصوص الرقمية المتداولة في الثقافة العربية الرقمية، ليقف عند المكتبات مكتفيا بمكتبات التراث، حيث يرى أن ما يجمع بين هذه المكتبات هو أنها تُقدّم نصوص التراث مرقّمة، أي عوض تقديم المنتوج مطبوعًا على الورق كما تفعل ذلك المكتبات التقليدية، تعمد إلى رقمنة الكتب وتجعلها جاهزة للاستعمال، من خلال الخدمات التي يتيحها كل من الحاسوب، والفضاء الشبكي .
      هناك اختلاف بين هذه المكتبات على مستوى الرقمنة وتنوّعاتها التي يخضع له المنتوج المعرفي، هناك:
1 ــ مكتبات تكتفي بتصوير المادة اعتمادا على الماسح الضوئي.
2 ــ مكتبات تعيد كتابة المادة، اعتمادا على برنامج معالج الكتابة.
3 ــ مكتبات تعرض المادة اعتمادا على تقنية الربط التشعّبي.

الثورة الرقمية وإبدالات الكتابة والقراءة
    يذكّر مؤلف الكتاب وكما هو معروف بأن الكتابة الرقمية تتطلب من المؤلف أن يكون ملمًّا بفنون الميديا والبرمجة، وبأبجديات التعامل مع الحاسوب حتى يستطيع معالجة نصوصه على برامج الكتابة، معنى ذلك أن الاشتغال على النصّ الرقمي يستلزم معرفة تقنيات قصد التعامل مع الحاسوب، والإمكانيات التي يتيحها من خلال وصلاته، وأيقوناته، وبرامجه المختلفة، كما يُفترض في المؤلف أن يحسن التعامل مع الشبكة العنكبوتية لكي يستفيد من الخدمات التي تقدمها.
       إنّ التعامل مع النص الرقمي يعطي إمكانيات مهمة للتحكم فيه، وتوجيهه وفق متطلبات الكاتب، والقارئ معًا؛ فالبرنامج يسمح للانتقال في جسد النص بسرعة وحيوية بواسطة النقر على الفأرة، أو بتشغيل لوحة المفاتيح، كما يكفي النقر بلمسة واحدة للانتقال إلى أيّ صفحة، أو فصل، أو مجلد جديد، أو صورة، أو مقطع موسيقي، ويمكن للكاتب وهو يدبّج نصّه فتْح تسجيل صوتي، أو محاضرة. إن المؤلف الرقمي يشتغل من خلال الحاسوب، وتوظيف البرامج، فهو لم يعدْ يهتمّ بالنص الظاهر فحسب، بل بالنص الخفي أو البرنامج، كما يعمل على الإبداع، والصبغة الجمالية للنص.
      من المثير إلى أن العالم المعاصر يشهد توغّلاً شديدا للثقافة التقانية في الثقافة الفنية، وهو توغّلٌ يصل إلى حدّ الاندماج ، إذ صارت الآلات الذكية، والحواسيب جزءا من عمليات الاصطناع الفني في مختلف الفنون الجميلة كالموسيقى، والرسم، والنحت، والتصوير، والتصميم...ألخ.
     النص الرقمي المتشعّب أحدث مظاهر عدة على عملية التواصل المعرفي والثقافي والأدبي في عالمنا المعاصر، منها :
1 ــ طبيعة النص الرقمي تكرّس الطابع التفاعلي للعلاقة بين الكاتب والقارئ، إذْ لم يعد المؤلف يمتلك وحده سلطة القول، لم يعدْ يكتب وحده؛ بل القارئ يعيد كتابة ما يقرأه بالتعديل، أو الإثراء، أو بالرأي المخالف عقب نشْر ما يقذفه المؤلف في الشبكة مباشرة.
2 ــ خصوصيات النقل الرقمي المتمثلة في سرعة الإنجاز، وانخفاض التكلفة بما يسمح بفتح عالم النشر أمام الجميع.
3 ــ انحسار موهبة الكاتب أمام ذكاء الآلة، ذلك أن النص الرقمي لم يعد أسير الكتابة الخطّية، بل أصبح مجالاً لتلاقي الخط والصوت والصورة، وهذا قد يراه البعض ممّا يكرّس فكرة نهاية المؤلف.
4 ــ التباس في حقوق  المؤلف الرقمي( حقّ) المؤلف مصطلح ذو صبغة قانونية يحيل على نوع من التعاقد الضمني بين المبدع والمستفيد من هذا الإبداع سواء أكان أدبًا، أم فنًّا، أم علمًا، أم اختراعُا. من هنا فإن الحقوق تتعلق بشخص المبتكر، ولها علاقة باسمه، وبسمعته، وبشهرته، وهي لصيقة بشخصية المؤلف زمكانيا.
       لكن ظهور النشر الرقمي قلّب هذه الحقوق رأسًا على عقب، لذلك يبدو من الصعوبة فرض قـــــــوانين ( حقوق المؤلف)في صيغتها التقليدية على مستخدمي الإنترنيت، أو الأقراص المدمجة، أو غيرها من الوسائط الحديثة ، ممّا ظهر على السطح مجموعة من الظواهر:
ــ سهولة استنساخ المواد في البيئات الرقمية، وذلك لوجود العديد من صيغ الانتحال، والتخفّي، والتدليس، والقرصنة، والسرقات الأدبية التي يصعب التفطّن إليها، وتتبّع أصحابها.
ــ الطابع المفتوح للنشر عبر فضاء الإنترنيت الذي صار شبكة عالمية، بحيث يصبح من المستحيل التحكم في مراقبة المادة المعروضة مهما كانت وقوة وصرامة القوانين.
ــ وجود حالات كثيرة من الاعتداء على حقوق المؤلف في الأعمال المنشورة في البيئة الرقمية المتمثلة في الاعتداء على النصوص، وإعادة نشرها بأسماء أخرى، أو التصرف فيها ، أو نسخها ، أو القصّ منها، وصعوبة تتبّع المعتدين.
          إنّ هذا الكتاب بقدر ما يؤرخ لمسار النص الإنساني في صورته الشفهية ثم الكتابية، فالرقمية، فإنه يحفّزنا على أن نستفيق من نومنا، ومن غفلتنا على أن عالم اليوم هو عالم انفجار المعرفة، وتنوّع وسائط معالجتها، ونشرها في صور جذّابة، وبواسطة نصوص رقمية متشعبة تترافق فيها المعرفة مع وسائط أخرى تعطي للنص بهاءه، وجماليته.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 للتعليق أو المشاركة: اضغط على ( روابط هذه الرسالة ، ثم اضغط على ( إرسال تعليق) واكتب تعليقك داخل المربع وارسلْه.

     

الخميس، 19 مارس، 2015


                           النص الأدبي المتميّز لا جنسية له
بقلم: بشير خلف
        القلم الأنثوي واقعٌ يفرض نفسه، ويمكن تقييمه من حيث هو بوحُ الخلجات السريّة حينما تجتمع النساء في دائرة مغلقة لها خصوصية، واستثناء قد لا يفهمها الرجل ..المرأة أبرع في التقاط النتوءات المهملة، وأدقّ في تصوير التفاصيل المهمّشة، والتي لا يراها الرجل، أو يتجاهلها بحكْم تقييمه المختلف عن المرأة، والذي قد لا يرى أهمية لهذه التفاصيل.
        العديد من النقاد يروْن أن النص الأدبي يستطيع المتلقّي الخبير أن يكشف جنس كاتبه على الفور بحكم الاختلافات الكثيرة التي تلوّن النص إنْ كان أنثويا أو ذكوريا ..قد يختزل الكاتب بعض المشاهد، وينغلق على الحدث بشكل مكثّف دون الخوض في الجزئيات المُملّة، والتفاصيل المخلخلة للفكرة، فيأتي نصّه متينا، مركَّزًا مشبعا غنيا، في حين تبدو المرأة أشبه بشبكة عصبية متصلة ببعضها، ومنفعلة مع كل الدقائق الصغيرة والبعيدة، فهي تتسع أفقيا بينما نص الرجل يتغلغل عموديا، وإنْ كان النص الأدبي يحمل صبغة الذكورة أو الأنوثة، فإن القاسم المشترك بينهما هو الهدف .
       إن النص الأدبي لا يأتي أنثويا بحتًا، ولا ذكوريا بحتًا، لأنهما متصلان ببعض فطريا، ومتناغمان في سياق المبنى العام للنص.. فالمرأة حينما تكتب معاناتها، إنها تفعل ذلك في إطار علاقتها بالرجل أبًا كان أم زوجًا، أخًا، ابنًا، حاكمًا، أو مســـؤولا.. فالعلاقات الإنسانية المتفاعلة تفرض نفسها في النص كعنصر هام وحيوي؛ ومن هنا نقف على ضفاف الإشكالية التي يطرحها المصطلح، إشكالية مجتمع يقبل المرأة ويرفضها، وفي رفضه ينكر عليها ذاتيتها وتفردها واختلافها، الأمر الذي يؤثر في مكانة المرأة لصالح تثبيت مكانة الرجل. وواضح ما في هذا الموقف من التناقض، والازدواجية، والتعارض مع منطق يفترض التساوي في الواجبات، ويغض الطرف عن الحقوق. والحال إن أهم حقوق المرأة هو التعبير عن ذاتها وحقها في بلورة رؤيتها لذاتها عبر الإبداع.
        شخصيا ومن خلال تجربتي الإبداعية، وخبرتي .. وقراءاتي الكثيرة للنصوص الذكورية والأنثوية أرى أن الملامح الأنثوية المنتِجة للنص الأدبي لا تنتقص من قيمته الفنية البتّة، ويُفترض في رأيي ألاّ تكون مقياسًا يُصنّف الأدب بسببه إلى أدب نسوي، وأدب ذكوري لأن ذلك عمليا لا يخدم القيمة الفنية للنص الأدبي المنتج ؛ بل هو تصنيف نظري أكثر، ولعلّنا إنْ أخفيْنا في بعض الإبداعات هُــوية منتجة النص الأدبي تمامًا، أو استبدلنا اسم الأنثى باسم ذكر لما تنبّه المتلقّي لذلك، فالنص المميّز ذو المقومات الإبداعية الراقية يفرض نفسه بغضّ النظر عن جنس منتِجه..

الأربعاء، 18 مارس، 2015

شيخ المؤرخين الجزائريين أبو القاسم سعد الله بأقلام أحبابه


شيخ المؤرخين الجزائريين
أبو القاسم سعد الله بأقلام أحبابه
بقلم : بشير خلف
       المرحوم الدكتور أبو القاسم سعد الله من كبار المثقفين الجزائريين الذين حملوا هموم أمتهم، ومجتمعهم ، متسلّحين بالأصالة التي استمدّوها من الثقافة العربية الإسلامية؛ والفعالية التي اقتبسوها من المناهج الغربية الحديثة المُحْكمة، في ظل ظروف مثبّطة ومعاكسة، لم تمنعهم من الإبداع، والمساهمة في تنوير المجتمع والأمة وحلّ مشكلاتهما، وخدمة العلم والثقافة، وترقية الإنسانية.
      الدكتور أبو القاسم سعد الله الذي ولد سنة 1927م بضواحي البدوع ..المنطقة الفلاحية غربي قمار بولاية الوادي، وهو باحث ومؤرخ، حفظ القرآن الكريم، وتلقى مبادئ العلوم من لغة وفقه ودين، وهو من رجالات الفكر البارزين ومن أعلام الإصلاح الاجتماعي والديني في الجزائر والعالم العربي، والذي غادر دنيانا مساء يوم السبت 14 /12/ 2013 م.
       الرجل كان موسوعة علمية وفكرية.. تلاميذه وتلميذاته الذين نهلوا من فكره الغزير، ومنهجه العلمي الفريد.. هؤلاء الذين لا يمكن حصرهم منهم العديد صاروا أساتذة، ودكاترة في الجامعات الجزائرية وخارجها، كما أن الأساتذة الذين زاملوه وصادقوه وعملوا معه في الجامعة الجزائرية، لم ينسوا تلكم السنوات التي كان لهم فيها نعم الصديق، ونعم العالم الموسوعي، ونعم القدوة .
هؤلاء جميعا رأوا أنهم مدينون إليه، فكان الوفاء من خلال مساهمتهم جميعا في كتاب أشرف على إعداده، وجمع مادته الدكتور أ.د. محمد الأمين بلغيث.

الراحل أبو القاسم سعد الله القائل:
« إنّ الأمم التي لها حضارات قادرة على الصمود والمقاومة، هي التي تفرض نفسها على الحضارات الأخرى، وهي التي تمجّد تاريخها، وتفتخر به، وتجعل له من الرموز ما يصبح به مثلاً يُحتذى، وهدفًا جديرًا بالتقليد؛ بينما الأمم التي ليس لها نصيبٌ في الحضارة، أو تخلّفت عن ركبها بعض الزمن نتيجة عجزها عن المقاومة تحاول أيضًا تمجيد ما عندها من رموز، فترفعهم إلى عليّين، وتحيطهم بهالةٍ تجعلهم بهالة يبلغون بها السماء.»

الكتاب: ( رحيل شيخ المؤرخين الجزائريين.. أبو القاسم
سعد الله بأقلام أحبابه)
         صدر في آخر السنة الفارطة 2014 عن دار البصائر الجديد للنشر والتوزيع بالجزائر العاصمة كتاب من الحجم الكبير بعنوان:" رحيل شيخ المؤرخين الجزائريين.. أبو القاسم سعد الله بأقلام أحبابه " جمع مادّته، ونسّقه، وأعدّه الأستاذ الباحث الدكتور محمد الأمين بلغيث أستاذ بجامعة الجزائر العاصمة.. يقع الكتاب في 625 صفحة تضمّ إضافة إلى مقولة ( كاستهلال) من مقولات الراحل سعد الله ومقدمة الكتاب، 58 موضوعا وألبوم صُورٍ، تُستهلّ هذه المواضيع بموضوع للمرحوم موسوم بـ : " من أجل أحفادنا "
        جاءت فكرة هذا الكتاب بعد رحيل المؤرخ سعد الله فقد حرص الدكتور بلغيث على جمع ما كتب أحباب المرحوم في مختلف الجرائد، وأردفها ببعض الأعمال والمواضيع السابقة لأحباب سعد الله لتنضاف إلى ما نشره الدكتور نجيب بن خيرة بمناسبة رحيل سعد الله، لتُجمع هذه وتلك في سفْرٍ واحدٍ لعلّه يساعد في معرفة مختلف الرؤى حول سعد الله .

مقولة الاستهلال
        يتحسّر سعد الله على الحيْف الذي تلقاه الكتابة في الوسط الجزائري الذي لا يعترف بقيمة الكتابة، ولا يقدّر المكتوب، ولا الكاتب:
« إنّ ظروف الكتابة في الوسط الذي نعيش فيه، لا يعترف بقيمة الكتابة، ولا يقدّر المكتوب، ولا الكاتب؛ ولذلك تجدنا نكتب بالأسنان، والأظافر، والأصابع المقطوعة، والكراسي المبتورة، وإننا نسير رغْم أنف التيار المعاكس؛ وليس لنا مكانٌ نختلي فيه إلاّ المقابر، ولا منضدة نكتب عليها إلاّ الجماجم، ولا وسيلة نتشبّث بها غير القنوط ، فمنْ يظنّ أننا نكتب ما نكتب على مناضد الرّخام ، وأرائك الحرير فهو غِـــرّ، أو مغرور. إننا نمارس فنّ الكتابة كما يمارس ( سيزيف) جرّ صخرته، أو كما عاش المتصوّفون لحظة تعذيب النفس، والبدن في سبيل الخلاص ...»

المقدّمة
        في مقدمة الكتاب يؤكد الدكتور بلغيث على أن كلّ منْ عرف سعد الله شيخ المؤرخين الجزائريين يعترف بأنه من طينة الكبار الذين رسموا لأنفسهم مسارًا جمع بين التعمّق في جميع مجالات المعرفة الإنسانية، وخبراتها المتعدّة وتراكماتها عبْر العصور، وبين اعتزاز شديد برموز وطنه العربي الإسلاميّ الكبير .إذْ يُعتبر سعد الله رائدًا في تاريخ الجزائر الثقافي من الفتح الإسلامي إلى استقلال الجزائر، وهذا ما أدرك قيمته كلٌّ من عرف معاناة المؤرخ طيلة أربعة عقود من الزمن التي استغرقتها عملية الجمع والتحرير، والتنسيق، ثم الطباعة والتوزيع للقسم الأكبر من عمل المؤرخ .
       ومن أجل هذا وغيره يقول بلغيث أحببنا أخلاق، ومسار وشخصية هذا المؤرخ، والإنسان الذي سار على درْب الصالحين من أمته، مُدركًا قيمة الزمن مهما طال، وأهميّة التدوين لأنه هو منْ نبّهنا أنّ أسلافـــنا، ( أو هذا الشعب المعوان على الخير) يصنعون التاريخ ولا يحسنون كتابته وتدوينه؛ لهذا كتب سعد الله ما كتب، ودوّن ما استطاع تدوينه، لأنه هو الذي قال ذات مرّة :
« إنّ الجزائر رغم ما يُقال عنها لا تتنكّر لمنْ أحبّها، ولمن عاش وعانى من أجلها، فالوطن يطلب من أبنائه الوفاء والتضحية، ولكنه لن يضيع حقّهم في المكانة اللائقة بهم في حوليات تاريخه، وسجلاّت رموزه. إنّ هذه الجزائر الحبيبة عاشت بقيمٍ، وثوابت أخلص لها أجدادنا وكافحوا من أجلها، وماتوا دونها، ولا يليق بجيلنا اليوم أن يتنكّر لهم تحت أيّ عنوان أو مبرّرٍ.»
        جاءت فكرة هذا الكتاب بعد رحيل المؤرخ سعد الله فقد حرص الدكتور بلغيث على جمع ما كتب أحباب المرحوم ممّن تتلمذوا عليه، وصار بعضهم أساتذة باحثين أكاديميين درّسوا إلى جانبه، وزاملوه لسنوات، بل لعقود ..كتبوا عنه في مختلف الجرائد، وأردفها ببعض الأعمال والمواضيع السابقة لأحباب سعد الله لتنضاف إلى ما نشره الدكتور نجيب بن خيرة بمناسبة رحيل سعد الله، لتُجمع هذه وتلك في سفْرٍ واحدٍ لعلّه يساعد في معرفة مختلف الرؤى حول سعد الله .
مواضيع الكتاب
         يتصدّر مواضيع الكتاب، موضوع للدكتور سعد الله بعنوان : من أجل أحفادنا ..ص: 9 ، مؤرخ في: 13 اجوان 1990 م يتحدث فيه عن مآسي العهد الاستعماري الفرنسي بالجزائر من خلال الشواهد التي عاناها وذاق مرارتها الشعب الجزائري، وهي جرائم بشعة في حقّ الإنسانية : الإبادات الجماعية، النفي الجماعي، مصادرة الأراضي، والممتلكات الردية والجماعية، والأوقاف، الحكم بالإعدام والنفي، أو السجن المؤبد، والأشغال الشاقّة، والغرامة الثقيلة، الاعتداء على حرمات الموتى، هذه جرائم بشعة في حقّ الأفراد والجماعان؛ أمّا الجرائم في حقّ الدولة فهي أشنع وأبشع .
         يلي هذا الموضوع بالكتاب التعريف بسيرة ومسيرة المرحوم سعد الله : كتاريخ ولادته ومكانها ومساره المعرفي والتحصيلي، وتخصصه ، والوظائف العلمية والإدارية التي تولاّها في الجزائر وخارجها، والمؤتمرات والمحاضرات، النشاط الأكاديمي، المؤلفات، الترجمات، البحوث، آخر مشاريعه.
من الأساتذة الذين وردت لهم مواضيع بالكتاب:
الدكتور ناصر الدين سعيدوني، الدكتور محمد الأمين بلغيث، الدكتور محمد العربي معريش، الكتور المرحوم إبراهيم ميّاسي، الأستاذ محمد رحاي، الأستاذ لحسن بن علجية، الدكتور عثمان سعدي، الدكتور رابح لونيسي، الدكتور إبراهيم لونيسي، الأستاذ مصطفى داودي، الأستاذ مازن مطبقاني، الأستاذ أحمد بن السايح، الدكتور علي غنابزية، الدكتور قمعون عاشوري، الأستاذ محمد نوار، الدكتورة فوزية محمد بريون، الدكتور عبد الكريم عوفي، الدكتور ميلود عويمر، الأستاذ محمد بوعزّارة، الأستاذة صاري أمينة، الأستاذ الأخضر رحموني، ....
مواضيع الكتاب كلها تنويه واعترافٌ بخصال الراحل العلمية والأخلاقية، وإقرارٌ بما قدّمه للعالم العربي والإسلامي، رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه.


الثلاثاء، 10 مارس، 2015

نص الخطاب الذي ألقته الكاتبة الجزائرية آسيا جبار عند دخولها الأكاديمية الفرنسية، يوم 22 جوان عام 2006


نص الخطاب الذي ألقته الكاتبة الجزائرية آسيا جبار عند دخولها الأكاديمية الفرنسية، يوم 22 جوان عام 2006
السيدات و السادة أعضاء الاكاديمية
         أريد أولا ذكر الشاعر جان كوكتو، الذي جرى استقباله هنا في أكتوبر 1955، في نفس التاريخ الذي دخلت فيه المدرسة العليا للأساتذة بباريس، وهو ما يتذكره إثنان أو ثلاثة من الذين درسوا معي وصديقاتي الحاضرين اليوم بيننا .
         "جان كوكتو" إذن بسمو وعذوبة غير متكلفين في كتاباته وصوره، قال في مقدمة خطابه:” يجب علي أن أتجنب كلمات المناسبات، التي يدفعنا نحوها لاشعوريا المكان التاريخي”.
          هل أتجنب كلام المناسبات بدوري؟ المجازفة بالنسبة لي أكبر: لست أملك ظرافة ولا حمية جان كوكتو، المُحتفى به طيلة حياته في المجتمعات الرفيعة ووسط الجماهير المتنوعة. على الأقل الكلمات الأولى لشاعر ألف قصيدة حقول الغناء التي ألقاها في هذه القاعة بالذات، تأتي إلي لأعبر لكم عن تشكراتي لأنكم قبلتموني إلى جانبكم . صوت كوكتو هذا يتدخل كهامس في مسرح يسمح لي بالسيطرة على تصلب ناشئ من حيائي أمامكم.
         لأن هذا المكان يسكنه الكثيرون من الذين كانوا على مدار أربعة قرون تقريبا يتناوبون في عمل دؤوب على اللغة الفرنسية، وحملتهم إلى هنا أعمالهم ذات الطبيعة العلمية، الخيالية، الشعرية أو القانونية. وسط هذا الشعب من الحاضرين/ الغائبين، الذين نسميهم إذن ” الخالدين” أختار كملاك حارس ثان، دونيس ديدرو، الذي لكم يكن مثل فولتير، أكاديميا، لكن شبحه سيكون لي وهذا ما أحسه، الظل الحارس.
         “تهيأ لي، كتب الفيلسوف سنة 1751، أنه ينبغي أن أكون بالمرة في الداخل و الخارج”. وهكذا حدد ديدرو مساره بينما هو ينهي رسالته عن الصم البكم.أستعير منه زاوية المقاربة هذه، لأضع نفسي ” في آن واحد في الخارج وفي الداخل” لأقوم بالثناء كما جرت العادة على من سبقـني في الجلوس على الكرسي رقم 5 العميد جورج فيدل.
أيتها السيدات و السادة و هي تابعة للسابقة…
         اسمحوا لي بالتحدث عنها الآن : فرنسا على مدار أكثر من نصف قرن واجهت الحركة العالمية التي لا تراجع فيها المتعلقة بتصفية استعمار الشعوب، وحدث أن جرى على الأرض التي ولدتُ بها ترك إرث كبير من حياة البشر الذين جرى سحقهم، وتضحيات خاصة وعامة لا عدّ لها، وهذا مؤلم على جانبي التمزق .
           كان الأمر يتعلق أيضا بمواجهة أكثر اتساعا لأوروبا مع كل العالم الثالث، وعلى فلاسفة التاريخ أن يقدروا لماذا أخذت الحربان العالميتان جذورهما دون شك في أن ألمانيا وهي قوة توحدت سنة 1870 وجدت نفسها مستبعدة من التقسيم الكولونيالي لأفريقيا في القرن التاسع عشر.
         أفريقيا الشمالية في زمن الإمبراطورية الفرنسية ـ كبقية أفريقيا بالنسبة لمستعمريها الإنكليز، البرتغاليين أو البلجيكيين- عانت طيلة قرن ونصف بالتمام من سلب خيراتها الطبيعية. ومن تدمير أساساتها الاجتماعية، وبالنسبة للجزائر، الإقصاء من التعليم بلغتي هويتها، البربرية الضاربة في جذور التاريخ، واللغة العربية، التي لم أتمكن حينها من ملاحظة خاصيتها الشعرية إلا في آيات القرآن التي بقت عزيزة علي . الاستعمار جرحٌ كبير عاشه أجدادي لأربعة أجيال يوما بيوم.
          السيدات و السادة، الاستعمار عاشه أجدادنا يوما بيوم على مدى أربعة أجيال على الأقل، وكان جرحا كبيرا!جرحا فتح البعض ذاكرته مؤخرا ، وبخفة من خلال مسخرة الحسابات الانتخابية. قبلها في 1950 ضمن “خطاب حول الاستعمار” بين الشاعر الكبير إيمي سيزار بنفس كلماته القوية، كيف أن الحروب الكولونيالية في أفريقيا و آسيا، وبالفعل “نزعت غطاء الحضارة” و “وحشت” كما قال أوروبا.
           في قلب حرب الجزائر من جهتي، على العكس استفدت من حوارات دافئة مع المعلمين الكبار لسنوات الخمسينات: لويس ماسينيون، دارسٌ للإسلام من نوعية نادرة، لأجل أبحاثٍ حينها حول التصوف النسوي في القرون الوسطى، المؤرخ شارل أندري جوليان الذي كان عميدا لي في جامعة الرباط في حوالي 1960، وأخيرا عالم الاجتماع المستعرب جاك بيرك الذي وقف إلى جانبي ويا للحسرة مباشرة قبل موته في قلب العنف الإسلامي خلال العشرية الماضية المسلط على المثقفين في الجزائر.
           سأضيف إلى هذه القائمة، الصديق السابق الذي لا يظهر غاستون بونور الذي من مصر جاء ليُـنهي حياته العملية كأستاذ في المغرب. كان واحدا من القلائل الذين شجعوني في بداياتي كروائية، وهو ما فعل في وقت متأخر الشاعر بيار إيمانويل الذي أخذ مكانه بينكم.
         أنتهي بالخصوص إلى ذكْــر امرأتين أعطتاني القوة لأكون ما أنا وأقصد مؤلفة تكتب بالفرنسية: احداهما السيدة بلاسي، في مدرسة البليدة، بقراءتها البسيطة لشعر بودلير- كان عمري 11 سنة-، الأخرى في باريس، الأستاذة دينا دريفوس التي مررت لي من خلال دراسة ديكارت وكانط شيئا من الصرامة، كنت في التاسعة عشر…
         أريد أن أضيف، وأنا أفكر في الكثير من الجزائريات اللاتي يكافحن اليوم من أجل حقوقهن كمواطنات، اعترافي بجميل جيرمان تيليون، التي سبقتنا جميعا، بأعمالها في الأوراس، كان ذلك في الثلاثينات، وبعملها الحواري في خضم معركة الجزائر سنة 1957، وأيضا لكتابها “الحريم وأبناء العم” الذي كان لنا منذ الستينات “الكتاب المضيء”، عمل واضح الرؤية أكثر مما هو مثير للجدل.
         مثل جورج فيدل، توجهت للفلسفة. متحمسة، كنت في الواحدة والعشرين، بالمنزلة الرفيعة لأبن رشد، ابن رشد هذا العبقري الأندلسي الذي كان أحيت جرأة تفكيره الموروث الغربي، لكن وحين تعلمت الإنكليزية، اللاتينية والإغريقية، ومثلما رغبت دون جدوى في تحسين عربيتي الكلاسيكية، كان علي أن أقلص من طموحي والقبول مكرهة لأصير مؤرخة. في هذا المنحى أحادية اللغة الفرنسية التي تم فرضها في الجزائر المستعمرة، كانت تريد تقليل قيمة اللغات الأم، وتدفعنا أكثر للبحث عن أصولنا.
        وهكذا أقول نبضت “رغبتي الملحة في اللغة”، لغة متحركة، لغة أصنع إيقاعاتها لأقول لنفسي أو لأعبر على أنني لا أحسن الحديث لنفسي، وإلا يا للأسف أحيانا في الجرح… وإلا في الصراع بين لغتين، لا بين ثلاث لغات، وفي هذا المثلث غير المتساوي الأضلاع، على مستويات قوة أو تواضيح مختلفة علي أن أجد مركز توازني أو اهتزازي لأضع كتابتي، وأجعلها تستقر بدل المخاطرة بجعلها تهرب مني.
         اللغة الفرنسية، لغتكم أيتها السيدات والسادة، صارت لغتي، على الأقل كتابة، الفرنسية إذن مكان تنقيب لأعمالي، فضاء لتأملاتي أو لأحلامي، هدف لطوباويتي ربما، ولأقول حتى أنها إيقاع تنفسي اليومي: ما أريد وضعه الآن، أو أن أبقى خيالا واقفا على عتبتكم.
         أتذكر العام الماضي في جوان 2005، اليوم الذي انتخبتموني فيه عضوا لأكاديميتكم أجبت الصحفيين الذين كانوا يريدون معرفة ردّ فعلي قائلة “كنت سعيدة لأجل الفرنكوفونية في البلاد المغاربية”.
         الرصانة تفرض نفسها، لأنه تملكني إحساس فيزيائي تقريبا أن أبوابكم لن تنفتح لي وحدي، ولا لكتبي فقط، لكن لظلال زملائي التي لا تزال حية - كتابا، صحفيين، مثقفين، نساء ورجال الجزائر الذين دفعوا في عشرية التسعينات حياتهم ثمنا للكتابة، ولعرض أفكارهم، أو فقط لأنهم مارسوا التعليم باللغة الفرنسية. منذئذ، بفضل الله بدأت بلادي شيئا فشيئا تكوي جراحها.
           سيكون ربما مفيدا أن نذكر أنه في طفولتي في الجزائر تحت الاستعمار (كانوا يسمونني حينها “فرنسية مسلمة”) بينما هم يعلموننا أن “أجدادنا الغاليين (من بلاد الغال)” في تلك الفترة تحديدا الغاليين، أفريقيا الشمالية (التي نسميها أيضا نوميديا) أرضي العريقة كانت لديها كتابة أدبية رفيعة النوعية، باللغة اللاتينية…
          سأذكر ثلاثة أسماء كبيرة: أبوليوس، المولود سنة 125 بعد المسيح في مادور (مداوروش الحالية بسوق أهراس) في شرق الجزائر، كان طالبا في قرطاج ثم في أثينا، يكتب باللاتينية، يلقي محاضرات رائعة بالإغريقية، له أعمال أدبية كثيرة، أبرزها “الحمار الذهبي أو التحولات”، وهي رواية عن التشرد، حافظت حيويتها، وحريتها و قهقهاتها على عصرنة عجيبة… يا لها من ثورة، ينبغي ترجمتها للعربية الشعبية أو الأدبية، لا يهمّ، الأكيد أن ذلك سيكون لقاحا منقذا يجب القيام به الأصوليات من كل حدب التي ظهرت اليوم.
           بينما ترتوليان الذي ولد وثنيا في قرطاج سنة 155 بعد المسيح، و الذي اعتنق المسيحية فيما بعد، فهو مؤلف لحوالي ثلاثين عملا منها دفاعاته ذات الصرامة النقية ويكفي أخذ جملتين أو ثلاثة التي برزت من القرن الثاني المسيحي واللاتيني لتبدو فجأة وكأنها كلمات خطيب منبر يبغض النساء وغير متسامح من أفريقيا. مثلا لنأخذ مقطعا من تأليفه “عن حجاب العذارى” وفيه هذا التأكيد: ” كل عذراء تكشف نفسها – يكتب ترتوليان- تتعرض لنوعٍ من الدعارة !” و في مكان آخر يقول ” منذ أن كشفتم عن رأس هذه الفتاة، لم تعد عذراء كاملة في نظرها”.
           نعم، لنترجمه بسرعة إلى العربية، لنثبت لأنفسنا، على الأقل أن الهوس بكره النساء الذي يختار دائما الجسد الأنثوي كقضية ليس فقط تخصصا “إسلاميا”.
           في منتصف القرن الرابع، مرة أخرى في الشرق الجزائري ولد أكبر أفريقي من ذاك الزمن القديم، ولا شك أنه كذلك في كل أدبنا: أوغسطين، ولد لأبوين بربريين تأثرا باللاتينية… ولا فائدة من التطرق لتفاصيل مسار معروف لأب الكنيسة هذا: تأثير أمه مونيك التي تتبعته من قرطاج حتى ميلان، ونجاحاته الفكرية والمجتمعية، ثم مشهد الحديقة الذي اهتدى إثره، وعودته إلى منزل والده في تاغاست، وبداياته كقسيس في هيبون (عنابة الحالية) وأخيرا كفاحه الطويل لما لا يقل عن عشريتين، ضد الدوناتيين، من البربر الذين اعتنقوا المسيحية، لكنهم بقوا متصلبين بشدة في انشقاقهم.
           بعد عشرين سنة من النضال ضد هؤلاء الذين كانوا بمثابة “المسيحيين الأصوليين” في وقته، والذين كانوا على اتصال مع أتباعهم الذين يتكلمون البربرية، اعتقد أوغسطين أنه هزمهم: بالتحديد تصور أنه انتصر عليهم سنة 418 في قيصرية ( شرشال) موريطانيا (مدينة عائلتي و جزء من طفولتي).
          كان مخطئا. بعد ذلك بثلاثة عشر سنة، مات سنة 431 في هيبون التي حاصرها الوندال الذين جاؤوا من إسبانيا والذين على سواحلها قاموا خلال عام واحد بتدمير كل شيء تقريبا.هكذا يشكل هؤلاء الكتاب الكبار جزءا من تراثنا، ينبغي أن تتم دراستهم في الثانويات المغاربية: باللغة الأصلية أو في ترجمات فرنسية وعربية .
          علينا التذكير أنه لقرون رافقت العربية انتشار اللاتينية والإغريقية في الغرب حتى نهاية القرون الوسطى. بعد 711 وحتى سقوط غرناطة سنة 1492 عربية الأندلسيين أنتجت أعمالا جليلة من مؤلفيها ابن بطوطة الرحالة المولود في طنجة، ابن رشد الفيلسوف الذي شرح أرسطو ليرد على الغزالي، وأخيرا المتصوف الكبير في الغرب الإسلامي ابن عربي، الذي سافر من بجاية غلى تونس ومنها عاد إلى قرطبة ثم إلى فاس.
            العربية كانت حينها أيضا لغة علوم ( طب، فلك، رياضيات و غيرها). وهكذا ففي لغة الآخر (البدو من الجزيرة العربية أدخلوا البربر في الإسلام ليغزوا معهم إسبانيا) كان أجدادي الأفارقة يكتبون ويخترعون. آخرهم وجه للحداثة يرمز للقطيعة كان ابن خلدون الذي ولد بتونس، وكتب تاريخه عن البربر في الجزائر، في منتصف القرن الرابع عشر وأنهى حياته سنة 1406 في المشرق، كما فعل تقريبا قبله بقرنين ابن عربي. بالنسبة لهذين العبقريين المتصوف الأندلسي والمتشكك مخترع علم الاجتماع كانت لغة الكتابة محركا لهما، هما ينتميان للعالم، اختارا المنفى على موطنهما على أن يتركا التأليف.
         فيم تنفعني اليوم لغتي الفرنسية ؟ أطرح السؤال على نفسي بصراحة مذ كان عمري 20 سنة، لقد اخترت تدريس التاريخ المغاربي في الجامعة.
        مثل العميد فيدل أحب في هذه المهنة حرية الفكر التي تضمنها، وكذا الاتصال بالمفكرين الشباب لنوصل لهم ما نحب، ونبقى يقظين معهم لأنهم يوجهون بوصلتنا بينما نحن نتقدم في السن. لم أفعل بعد كل شيء سوى أنني مددت في عمر نشاط والدي الذي كان معلما في الثلاثينات في قلب جبال الجزائر، وحيدا في مدرسة لا تصل إليها الطريق، يعلم الأطفال بالفرنسية، ويضيف دروسا للكبار من جيله، يضمن لهم تكوينا سريعا في الفرنسية ويهيئهم بذلك لمزاولة وظائف صغيرة في الإدارة لكي تحصل عائلاتهم على مواد منتظمة.
         منذ الخامسة عشرة انتميت إلى مفهوم ساخن للأدب.” أكتب لأتعرف على نفسي” يقول الشاعر هنري ميشو، وتبنيت بصمت هذه المقولة.
         الكتابة صارت لدي نشاطا ليليا في الغالب، بأي حال نشاطا دائما، بحث تتقطع معه الأنفاس… أكتب بحمية “الاجتهاد” يعني بالبحث المصوب نحو ماذا، نحو الذات أولا. أتساءل، مثل من ربما بعد كل شيء مثل بطل أبوليوس المتحول الذي سافر إلى تيساليا، سوى أنني لا أريد أن أحتفظ من هذا التقارب الرنان بغير حركة و تسكع لوسيوس، نظير المؤلف ابن بلدي قبل تسعة عشر قرنا…
        هل تتساءلون انني أكتب متحولة، مقنعة وهذا القناع الذي لا تريدون مع ذلك نزعه هل هو اللغة الفرنسية ؟
        منذ عقود لم تعد هذه اللغة عندي لغة للآخر- تقريبا جلدي الثاني، أو لغة متغلغلة في داخلي، نبضاتها ضد خفقات القلب، قريبة جدا من الشريان التاجي، ربما تحيط بعقبك بعقدة خيط متدلية، لتصنع إيقاع مشيتك (لأنني أكتب و أمشي، يوميا تقريبا في حي سوهو أو على جسر بروكلين)… ولا أحسّ حينها سوى بنفسي سوى عينان تنظران وسط عالم عملاق يولد. فرنسيتي تصير طاقة باقية تساعدني على تجرّع الفضاء الأزرق الرمادي، كل السماء.
         كان يمكن أن أصبح في نهاية السبعينات بالمرة سينمائية بالعربية و روائية بالفرنسية. رغم فيلمي الطويلين، الذين احتفي بهما في البندقية و برلين، لو أنني أصررت على الكفاح ضد ذكورية الممسكين بسينما الدولة في بلادي، بصورها الكاريكاتورية من الماضي، و صورها الشعبوية المثيرة للأسى، كنت سأختنق كما كان مصير العديد من السينمائيين الذين تم تكوينهم بجدية. هذا العقم الهيكلي كان ينبئ في العمق في الجزائر بموجة اللاتسامح والعنف الذين عرفتهما عشرية التسعينات. كنت إذن سأغامر بالعيش صماء و عمياء بطريقة ما، لأنني ممنوعة من الإبداع المرئي-المسموع.
         لكن من خلال استطلاعي لأخذ ذاكرة نساء الجبال في الظهرة بالعربية وأحيانا البربرية المستعملة كصمام لذكريات الذبيحة المؤلمة تلقيت صدمة نهائية. كانت عودة للمنابع، لأقل حتى أنه كان درسا أخلاقيا وجماليا من نساء من أعمار مختلفة من قبيلة أمي، كن يتذكرن حياتهن أيام حرب الجزائر، وأيضا حياتهن اليومية.
          تحررت ألسنتهن مع صور مفاجئة، نصف كتابات، مرة وغريبة، تترك إيمانا قويا أو مطمئنا كنبع ماء يغسل و يمحي الأحقاد. نساء جبل شنوة أعدن لي بصيرتي وفرنسيتي تنورت بهن تعلمت الرؤية من جديد، ومع رغبة في التوصيل بطريقة شبه فرجيلية لهذا الواقع، استعدت الوحدة الداخلية، بفضل تلك الكلمات المحفوظة من أخواتي، وحيائهن اللامعلوم، وأيضا الصوت الأصيل الذي بدأ يختمر في قلب فرنسية كتابتي، و هكذا مسلحة أو متصالحة اتجهت نحو آفاق رحبة.
           هناك على الضفة الجنوبية التي تركتها، من ينظر بعد الآن إلى كل امرأة التي لم تكن لها من قبل حقّ النظر، تمشي بخطى صغيرة مطأطئة، عيناها نحو الأسفل، تغطي وجهها، جبهتها وكل جسدها بثياب شتى، من صوف وحرير وقفاطين؟ أجساد متحركة صارت بينما كان تمدرس البنات من كل الأعمار مفروضا في أصغر قرية فيما يبدو تحت الرقابة بصورة أشد ؟
          المهندسة المعمارية الشابة في نوبة نساء جبل شنوة، تعود إلى منطقة طفولتها، نظرتها إلى القرويات تطلب تبادل الكلام، وتتداخل حواراتهن.
        هل من الصدفة أن كل أعمال النساء في السينما تضيف للصوت وللموسيقى ولنبرة الأصوات المأخوذة والمفاجأة بعدا أكثر عمقا من الصورة ذاتها ؟ كما لو أنه ينبغي الاقتراب أكثر من الشاشة، وملئها، لكن الصوت ممتلئ، حادّ كصخرة، هش وغني كقلب بشر.
        هكذا توجهت للعمل في مجال الصورة والصوت، لأنني كنت أقترب من لغة أم لا أريد رؤيتها إلا في الفضاء، أرغب في أخذ هيئتها نهائيا، لغة كضربة الشمس تصنع إيقاعا خارج أجساد المرأة الماشية، الراقصة ، التي دائما في الخارج، تحد أساسي.
      أما بالنسبة للفرنسية في نهاية أي ترحال بشري يمكن أن نصنع ظفيرة للغة تبدو واضحة في نسيج أصوات أخواتي ؟ كلمات كل لغات العالم تتلامس، تتهجأ، تطير مثل سنونوة تصنع عشها.. نعم الكلمات يمكن أن تتنفس، لكن شكل رسمها ، لا يلغي أجسادنا الحاملة للذكريات.
        القول دون تصنع إن كتابتي بالفرنسية تحمل بذور أصوات وإيقاعات الأصل، مثل الموسيقى التي جاء بيللا بارتوك ليسمعها سنة 1913 حتى في قمم الأوراس. نعم لغة كتابتي تنفتح على المختلف، تتخفف من محظورات الاختراق، تتمطط لكي لا تبدو كغطاء مائدة مملوء تشده خيوط الصمت.
          فرنسيتي تنورت منذ عشرين سنة من ليلة “نساء جبل شنوة” وبدا لي أنهن لا زلن يرقصن من أجلي في مغارات سرية، بينما يشعّ البحر المتوسط عند أقدامهن، إنهن يحيينني، يحمينني . حملت إلى ما وراء الأطلسي ضحكاتهن، صور “شفا” – نطقتها بالعربية- يعني للبرء. لأن فرنسيتي، مغلفة بالمخمل، لكن أيضا بأشواك لغات كانت مخفية، ستجعل ربما جروح الذاكرة عندي تندمل.
           السيدات و السادة، أنها رغبتي الأخيرة في “الشفاء” لنا جميعا، لنفتح واسعا “كتاب الشفاء” - نطقتها أيضا بالعربية - كتاب شفاء (الروح) لابن سينا، المسلم من اصفهان الذي كان سباقا للعلم في شتى تخصصاته، وفاجأ قبل بيك دو لا ميراندول بأربعة قرون القراء والعلماء المتابعين…
        لا يمكنني من أجل أن أختم، ألا ألتفت نحو فرانسوا رابلي ” العابر الكبير للطرقات الخطرة” كما يسمى، رابلي إذن الذي كان في مونبيليي يدرس الطب، انغمس في كتب الشفاء. وفي رسالته من غارغونتيا إلى بنتاغريال سنة 1532، أي قبل قرن من إنشاء الأكاديمية من قبل الكاردينال دوريشليو قدم النصيحة بتعلم ” أولا الإغريقية، ثانيا اللاتينية، بعدها العبرية للآداب المقدسة، والعربية لنفس السبب” وأضاف غارغونتيا سريعا للبرنامج ” القانون المدني، أريد أن تعرف عن ظهر قلب كل النصوص الجميلة”.
           ولهذا أتصور أيتها السيدات أيها السادة أنه في هذه اللحظة فوق رؤوسنا يتحاور فرنسوا رابلي في الأعالي مع ابن سينا، بينما أضحك أنا هنا تجاه العميد فيدل الذي بفضلكم أخلفه اليوم.
ترجمة عمر شابي
منشور بالكامل بالفرنسية على الموقع الرسمي للأكاديمية.