الأحد، 24 يوليو، 2016

" إن لم تكن معي فأنت ضدّي"

" إن لم تكن معي فأنت ضدّي"
بقلم: بشير خلف
      ما جرى ويجري في تركيا شأنٌ داخلي ، لا ناقة لنا ولا جمل فيه؛ بالرغم من انتماء العديد من التيارات الإسلاموية عندنا إيديولوجيا للإيديولوجيا التركية التي تعمل بقاعدة " إنْ لم تكن معي فأنت ضدّي" مثلما مارسته، وتمارسه منذ أواخر الثمانينات هذه التيارات عندنا..

        المواطن الجزائري العادي يعي جيّدا أن الطفرة الاقتصادية التركية تخصّ الإنسان التركي وحده، وإذا كان البعض منّا يرى أنّ هذه الطفرة دليل على نجاح حزب العدالة والتنمية الإسلامي، ونجاح التجربة الإسلامية؛ فإن الجواب من أطراف أخرى ترى أن هذا الحزب الذي يقود تركيا ممثلا في قيادته خان القيم الإسلامية، وتحالف مع الصهاينة، وربط معهم علاقات متينة بما فيها التعاون العسكري، والإنسان التركي يدفع هذه الأيام ثمن الطفرة الاقتصادية، قطْعًا لرزقه، وتجويعا لأبنائه، وقمعا، وإقصاء، وتحقيقا أمنيا، وسجنا باسم الديمقراطية .. والعالم كله يسمع ويرى.

رسالة إلى صديق سحرته باريس

    رسالة إلى صديق سحرته باريس
بقلم :بشير خلف   
         صديقي ابن الجزائر العميقة، وسليل منطقة عزيزة حافظت على هوية الجزائر ولا تزال، أنجبت علماء، وقامات تفتخر بهم الجزائر.. سجلٌّ ثريٌّ  مشرّفٌ..
       صديقي من حقك أن تنبهر بباريس، وأن تهيم بها عشقا، مثلما أنا العاشق للجزائر والهائم بها حبّا ، إنما من حقّي أن أنظر إلى باريس ليس من سحرها السياحي، ومكياجها الكاذب..
       باريس يا صديقي بالنسبة إلي عاصمة الدولة الاستعمارية التي نكّلت ببلدي الجزائر، ولا تزال من خلال مواصلة الحرب ضدّ بلدي : هوياتيا، وثقافيا، واقتصاديا.. وكيف أنسى يا صديقي، والجرح الغائر لم يندمل، ولا أحسبه سيندمل.. باريس التي سحرتك هي الوجه البشع لفرنسا الاستعمارية، فرنسا الرسمية التي لا تزال تكنّ الحقد، والترصّد الخبيث لهذا الوطن وشعبه، وآخرها اليوم :24 جويلية 2016 وزارة الخارجية الفرنسية تعلن لرعاياه الفرنسيين عدم زيارة الجزائر، لأن الوضع الأمني فيها هشٌّ؛ بل وتؤشّر في خريطة على أن أكثر من مساحة الجزائر تفتقد إلى الأمن، أي أن الجزائر غير قادرة على تأمين الأمل لمواطنيها .. التهويل، والتخويف ، وزرْع الشكوك، وهي رسالة مسمومة إلى الجزائريين بأنكم في بلدكم غير آمنين.
           وحتى لا ننسى يا صديقي أحيلك إلى سجلّ التاريخ الذي لا يجامل مهما حاولنا خداع أنفسنا تحت تأثير مكونات العولمة، وضرورة التعاون مع الآخر، وطيّ الصفحة، وثقافة الاختلاف .
          أحيلك صديقي إلى سجل التاريخ، وإلى ما صرّح به ضبّاط فرنسا الذين شاركوا في غزو الجزائر، وما اقترفوه تجاه السكان في القرن التاسع عشر، أمّا ما انجرّ عن الاستعمار والاستيطان لمدة قرن وثلث، فذاك حديث آخر يا صديقي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنا لم أنس يا صديقي، ولن أنسى
         ارتكب جيش الاحتلال العديد من الجرائم ضد المدنيين، والتي سماها المؤرخون بالرازيا (بالفرنسية: Razzias):
        يروي العقيد مونتانياك (Montagnac):
«أخبرني بعض الجنود أن ضباطهم يلحون عليهم ألا يتركوا أحدا حيا بين العرب.. كل العسكرين الذين تشرفت بقيادتهم يخافون إذا أحضروا عربيا حيا أن يجلدوا»
. ويقول النائب البرلماني طوكوفيل (Tocqueville):
«إننا نقوم بحرب أكثر بربرية من العرب أنفسهم.. لم يستطع الفرنسيون هزم العرب حربيا فهزموهم بالتدمير والجوع»
        ويقول مونتانياك:
«لقد محا الجنرال لاموريسيير (La Moricière) من الوجود خمسة وعشرين قرية في خرجة واحدة، إنه عمل أكثر انعداما للإنسانية»
        ويروي:
«..فبمجرد أن حدد موقع القبيلة انطلق سائر الجنود نحوه ووصلنا الخيام التي صحا سكانها على اقتراب الجنود فخرجوا هاربين نساء وأطفالا ورجالا مع قطعان ماشيتهم في سائر الاتجاهات، هذا جندي يقتل نعجة، بعض الجنود يدخلون الخيام ويخرجون منها حاملين زرابي على أكتافهم، بعضهم يحمل دجاجة، تضرم النار في كل شيء، يلاحق الناس والحيوانات وسط صراخ وغثاء وخوار، إنها ضجة تصم الآذان.(مدينة معسكر يوم 19 ديسمبر 1841)»
         الرازيا كما يسميها الفرنسيون لا تهدف إلى معاقبة المخطئين وإنما صارت مصدرا لتموين الجيش. كان كل ما ينهب يباع ويوزع ثمنه على الضباط والجنود، ربع الغنائم للضباط والنصف للجنود كما يذكر شارل أندري جوليان.
       يقول دوكرو (DUCROT):
«ما نهب في [رازيا] واحدة حمولة 2000 بغل»
       ويقول النقيب لافاي (LAFAYE):
«كان الضباط يخيرون الفلاحين بين أن يقدموا لهم الأكل أو الإبادة، كنا نخيم قرب القرية، يعطيهم الجنرال مهلة لإعداد الطعام أو الموت، كنا نوجه سلاحنا نحو القرية وننتظر، ثم نراهم يتوجهون لنا ببيضهم الطازج، وخرافهم السمينة، ودجاجاتهم الجميلة، وبعسلهم الحلو جدا للمذاق.(تلمسان 17 يوليو 1848)»
        يعلق شارل أندري جوليان:
«وتنتشر الرازيا فتصير أسلوبا للتدمير المنظم والمنهجي الذي لم يسلم منه لا الأشخاص ولا الأشياء. إن جنرالات جيش إفريقيا لا يحرقون البلاد خفية. إنهم يستعملون ذلك ويعتبرونه مجدا لهم سواء أكانوا ملكيين أم جمهوريين أو بونابارتيين»
        يقول مونتانياك:
«إن الجنرال لاموريسيير يهاجم العرب ويأخذ منهم كل شيء: نساء وأطفالا ومواش. يخطف النساء، يحتفظ ببعضهن رهائن والبعض الآخر يستبدلهن بالخيول، والباقي تباع في المزاد كالحيوانات، أما الجميلات منهن فنصيب للضباط.(معسكر 31 مارس 1843)»
        ويروي الضابط المراسل تارنو:
«إن بلاد بني مناصر رائعة، لقد أحرقنا كل شيء، ودمرنا كل شيء..آه من الحرب ! ! ! كم من نساء وأطفال هربوا منا إلى ثلوج الأطلس ماتوا بالبرد والجوع (17 أفريل 1842)...إننا ندمر، نحرق، ننهب، نخرب البيوت، ونحرق الشجر المثمر 5 يونيو 1841...أنا على رأس جيشي أحرق الدواوير والأكواخ ونفرغ المطامير من الحبوب، ونرسل لمراكزنا في مليانة القمح والشعير 5 أكتوبر 1842»
         ويروي الجنرال لاموريسيير:
«...في الغد انحدرت إلى حميدة، كنت أحرق كل شيء في طريقي. لقد دمرت هذه القرية الجميلة.. أكداس من الجثث لاصقة الجثة مع الأخرى مات أصحابها مجمدين بالليل.. إنه شعب بني مناصر، إنهم هم الذين أحرقت قراهم وسقتهم أمامي 28 فبراير 1843»
        ويقول مونتانياك:
«النساء ولأطفال اللاجئون إلى أعشاب كثيفة يسلمون أنفسهم لنا، نقتل، نذبح، صراخ الضحايا واللاقطين لأنفاسهم الأخيرة يختلط بأصوات الحيوانات التي ترغي وتخور كل هذا آت من سائر الاتجاهات، إنه الجحيم بعينه وسط أكداس من الثلج (31 مارس 1842).. إن كل ذلك في هذه العمليات التي قمنا بها خلال أربعة أشهر تثير الشفقة حتى في الصخور إذا كان عندنا وقت للشفقة، وكنا نتعامل معها بلا مبالاة جافة تثير الرجفة في الأبدان (معسكر 31 مارس 1842).»
       ويقول الجنرال شانغارنييه (Changarnier):
«إن هذا يتم تحت القيادة المباشرة لبوجو الذي راح جنوده يذبحون اثنتي عشرة امرأة عجوزا بلا دفاع مدينة الجزائر (18 أكتوبر 1841)»
        ويقول الجنرال كانروبير ِ(Canrobert):
«ينفذ جنودنا هذا التدمير بحماس، إن التأثير الكارثي لهذا العمل البربري والتخريب العميق للأخلاق الذي يبث في قلوب جنودنا وهم يذبحون ويغتصبون وينهب كل واحد منهم لصالحه الشخصي، تنّس 18 يوليو 1845»
       ويقول النقيب لافاي (Lafaye):
«لقد أحرقنا قرى لقبيلة بني سنوس. لم يتراجع جنودنا أمام قتل العجائز والنساء والأطفال. إن أكثر الأعمال وحشية هو أن النساء يقتلن بعد أن يغتصبن، وكان هؤلاء العرب لا يملكون شيئا يدافعون به عن أنفسهم (23 ديسمبر 1948).»


الاثنين، 18 يوليو، 2016

"إيزابيل إيبرهارت بريئة من تهمة التخاذل مع الاستعمار الفرنسي"

"إيزابيل إيبرهارت بريئة من تهمة التخاذل مع الاستعمار الفرنسي"
         أوضح سعيد خطيبي أنه من المؤسف أن تتحوّل “شائعة” إلى قناعة في عقول البعض، وتُتهم إيزابيل إيبرهارت بـ “التّخاذل” مع الاستعمار الفرنسي، بسبب تأويل ذاتي لبعض كتاباتها دون قراءة نقدية لها. وقال خطيبي في حوار مع “الخبر” بمناسبة صدور روايته الجديدة، إنه رغم كل ما قامت به في حياتها القصيرة لصالح “الأهالي”، هذه الشّائعة تكاد تختصّ بها إيبرهارت لوحدها، على خلاف كتّاب وفنّانين أوروبيين آخرين، عاشوا بين الأهالي.

لماذا عرّجت على شخصيات ثانوية، قبل الوصول لإيزابيل إيبرهارت؟
 في “أربعون عاماً في انتظار إيزابيل” الرّاوي يتقاطع مع إيبرهارت في مستويات عدّة، فهو مثلها جاء من أوروبا ليعيش بين الجزائريين، ومثلها اعتنق الإسلام، وجرب حياة تيه، واستقر في واحد من الأمكنة التي استقرت فيها، في جنوب البلاد، هي ارتبطت بطريقة صوفية وهو فعل الشّيء نفسه، هي كتبت عن الحياة في الصّحراء، وهو كان يرسمها. اكتشف اسم وأعمال إيزابيل بعد أكثر من أربعين عاماً من رحيلها المفاجئ، وقضى أربعين عاماً أخرى في الجزائر وهو يبحث عن “حقيقة” إيزابيل إيبرهارت كامرأة وكاتبة. أربعون عاماً قضاها في “محاورات” مع نفسه ومع إرث إيبرهارت. كان من الممكن أن أختار سارداً عادياً آخر، لكني اخترت الطّريق الأكثر تشعباً في الكتابة. ففي سبيل البحث عن “الحقيقة” وفي إعادة تشكيل “البازل”، سيعيد الرّاوي اكتشاف ذاته وتفكيك حوالي نصف قرن من تاريخ الجزائر. في العادة، تكتفي الشّخصية بدور “وسيط” في النصّ، وتتيح للقارئ فرصة الدّخول في تفصيلات الحكاية، والمؤلف هو المطالب بأن يجعل منها “شخصاً” من لحم ودمّ، أن يجعل من الواقع متخيّلاً ومن المتخيّل واقعاً، من أجل “توثيق” التّاريخ أدبياً. وغالباً لا يستطيع الرّوائي أن يمنع نفسه من التورّط، بشكل أو بآخر، مع شخصيته ليكتب عن العالم انطلاقاً من ذاته.

كيف تعاملت مع الجدل حول تعاملها مع السّلطات الاستعمارية؟
 من المؤسف أن تتحوّل “شائعة” إلى قناعة في عقول البعض، وتُتهم إيزابيل إيبرهارت “التّخاذل”؛ بسبب تأويل ذاتي لبعض كتاباتها دون قراءة نقدية لها، رغم كل ما قامت به في حياتها القصيرة لصالح “الأهالي”. هذه “الشّائعة” تكاد تختصّ بها إيبرهارت لوحدها، على خلاف كتّاب وفنّانين أوروبيين آخرين، عاشوا بين الأهالي، مثلاً لم يسبق أن أشاع مؤرخ شيئاً عن الكاتب والفنّان إتيان دينيه (الذي ربطته علاقة وديّة بالحاكم العامّ بدايات القرن)، كما أن هذا الأخير تعرّض مرّة لاعتداء عنيف من طرف الأهالي. ما هو السّبب؟ تقول الرّواية الاستعمارية إن سبب تهجم الأهالي عليه كان لوحاته التي صوّرت نساء عاريات؟! وربما كان السّبب أمرا آخر!
      في الفترة التي ظهر فيها اسم إيزابيل إيبرهارت (نهاية القرن 19 وبداية القرن 20)، كان الكتّاب الفرنسيون ينظرون إلى “الجزائر” باعتبارها أرضاً مفتوحة “الغزو” العسكري والفكري، وهو ما تعكسه كتابات غي دو موباسان مثلاً، كان أدباً كولونيالياً إيكزوتيكياً، “أدب بطاقات بريدية”، يتعامل مع الجزائر كأرض للاكتشاف ويلغي الإنسان الجزائري، على عكس ما قامت به إيبرهارت، التي اهتمت بالإنسان الجزائري، وتركت خلفها كتابات “مستفزّة”. كرّست التجربة “الإيبرهارتية” نموذجاً جديداً حينها، سيسير عليه كتّاب آخرون من بعدها، كما لا ننسى أنها كانت مراسلة لواحدة من ألمع جرائد المرحلة “الأخبار”، التي كان يشرف عليها الكاتب والصّحافي فيكتور باريكان، المعروف عنه مواقفه التّقدمية، ونقده للسياسات الاستعمارية الفرنسية، في شمال إفريقيا، وخصوصاَ دفاعه عن حقوق الأهالي المسلمين في المساواة مع غيرهم. والحقيقة التي تسقط من أعين “المتحاملين على إيبرهارت”؛ أن فيكتور باريكان وإيزابيل كانا محلّ شكوك من طرف الإدارة الاستعمارية (يمكن مراجعة تقارير الشّرطة)، وطُردت إيبرهارت من الجزائر عام 1901 (لسبب غير منطقي، بعد محاولة اغتيالها من طرف شاب من الزّاوية التيجانية - لو كانت فعلاً مقرّبة من الإدارة الاستعمارية لكانت وفّرت لها الحماية)، ولم تعد إليها سوى عام 1902 بعد زواجها من سليمان أهني وحصولها على الجنسية الفرنسية. فإلى غاية سن الخامسة والعشرين لم تكن فرنسية، ولم تكن تحمل هوية فرنسية، وهي التي كانت تصف أوروبا “الغرب المُحتل” وتيهها في الصّحراء كان – ضمنياً – بيان احتجاج ضدّ ما فعله مواطنوها الأوربيون من فظاعات، سنوات الاحتلال.

لماذا اتّجهت صوب الشّرق، وليس الغرب، مثلما هو معمول به، بحثا عن شخصية روائية؟
 إذا كان المقصود من الشّرق: الجزائر، باعتقادي أن الجزائر لا هي شرق (بالمفهوم الكلاسيكي للكلمة) ولا هي غرب فعلاً، هي وسط، منطقة رمادية، يتقاطع فيها الشّرق والغرب في آن. ثم إن فكرة الكتابة عن إيبرهارت ظلّت تفرض نفسها عليّ منذ سنوات (هي جزء من المرويّات الشّفوية التي يتوارثها كبار السنّ في المدينة التي وُلدت وكبرت فيها)، لكن الأمر لم يكن سهلاً، فهو مشروع تطلّب بحثاً وتدقيقاً في كتاباتها، مُساءلة للأمكنة والفضاءات التي عاشت وكتبت فيها، خصوصاً مثلث: بوسعادة، وادي سوف وعين الصّفراء، للإحاطة بجوانب حميمة من حياتها، قبل الكتابة عنها، وإعادة بعثها روائياً.
     نعرف أن أعمال إيبرهارت لم تنشر سوى بعد وفاتها (عدا بعض القصص والمقالات التي نشرت في جرائد)، فقد استخرجت كراساتها ومخطوطاتها من الوحل، بعد وفاتها في فيضان وادي عين الصّفراء، وقبل نشرها تعرّضت لبعض التّعديلات (أو التّشويه)، مع تصحيح أجزاء منها، أو حذف وإضافة كلام لما كتبت، ومن الصّعب الآن الوصول إلى النّسخ الأصلية، وتطلّب الأمر مطابقة طبعات مختلفة من أعمالها، كما إنها بداية من عام 1906، ثم في فترة ما بين الحربين، أُحيط اسمها بهالة من “المديح” من كتّاب ونقّاد فرنسيين، لهذا توجّبت الكتابة عنها وتخليصها من المديح المجاني، من معجبين “رديئين” أحياناً، ثم الكتابة عنها بحياد، عن أفعالها الإيجابية وأخطائها أيضاً، بعيداً عن “التّقديس”، والحفر بهدوء في طبيعة علاقاتها الحقيقية بالجزائر، وحياتها في الإسلام، عن عمق صلاتها ببعض الأشخاص الذين رافقتهم في سنواتها الجزائرية المشتتة، لرسم بورتري شبه كامل عن شابة فعلت الكثير وهي لم تتجاوز سنّ السّابعة والعشرين. من مِن كتّاب القرن التّاسع عشر قام بما قامت به إيبرهارت؟! كانت وحيدة واستثنائية في تشرّدها، وصبرها و«قطيعتها” مع جيلها ومع من سبقوها، وفي رغبتها في تحرير الأهالي من الأكليشيهات التي كرّسها كتّاب ما بين 1830 و1900.
ــــــــــــــــــــــــــــــ

يومية الخبر:17 جويلية 2016

الجمعة، 15 يوليو، 2016

   الفن المعماري..!! ؟

     الفن المعماري..!! ؟
بشير خلف
         الفن المعماري أقدر من غيره على التواصل مع الآخر، والحضارة الإسلامية تواصلت مع مختلف الحضارات في الشام والعراق والهند والصين والأندلس، وأفادتها أكثر مما استفادت منها. وقد لعب الفن المعماري الإسلامي دوراً كبيراً في خلق حوار فني حضاري متميز، لأنه انطلق من هويته وحافظ على خصوصيته الثقافية، فاستطاع من خلال جمالية إبداعه الفني تقديم الوجه الحقيقي لحضارته.

       في مسيرتنا المعاصرة بكلّ حسرة ضيّعنا تلك العمارة الجميلة، واستبدلناها بعمارة مشوّهة، لا هي عمارة إسلامية، ولا هي عمارة محلّية ..مدننا وبلداتنا صورة لهذا التشويه البشع، فهذا يبني قصرا هندسته بلجيكية، وذاك يبني فيلا هندستها نرويجية، وهذا يتفنن، ويستورد مواد البناء من إسبانيا أو إيطاليا وهندسة منزله صينية ( مدينة عين مليلة وغيرها نموذجا) ..وهكذا.. إننا في مرحلة الضياع والتيه.

الثلاثاء، 5 يوليو، 2016

الثقافة العربية" تتحدى واقع المكتبات بالجزائر

           الثقافة العربية" تتحدى واقع المكتبات بالجزائر
 "مكتبة الثقافة العربية" في الجزائر تراهن على ما سمته الكتاب العربي الحداثي التنويري
        بدأت "منشورات الاختلاف" الجزائرية مغامرة جديدة، عندما فتحت مؤخرا مكتبة في العاصمة الجزائر اسمها "مكتبة الثقافة العربية"، في الشارع الذي يحمل اسم الكاتب شهيد الثورة التحريرية أحمد رضا حوحو، وغير بعيد عن مقر جمعية الجاحظية التي أسسها الروائي الراحل الطاهر وطار.
         وتبدو هذه الخطوة بمثابة سباحة عكس التيار، في زمن تقلّص فيه عدد المكتبات بشكل مخيف، لأسباب مختلفة. ويقر الروائي بشير مفتي -وهو أحد المشرفين على "منشورات الاختلاف" صاحبة المشروع- بهذا التحدي بالنظر إلى "الظروف الصعبة التي تمر بها الثقافة في بلادنا بشكل خاص، والمجتمع الجزائري بشكل عام الذي يدخل عهد الأزمة والتقشف".
       ويضيف مفتي للجزيرة نت أنه رغم التأثير السلبي للأزمات الاقتصادية على حركة الكتاب وتفاعل القارئ، فإن الرهان سيكون على مواجهة هذا الواقع المحبط والدفاع عن حق الجزائري في الحصول على كتب ذات نوعية، خاصة في ظل ارتفاع حجم المقروئية للأعمال الروائية والفكرية الجيدة في الفترات الأخيرة، وذلك من خلال الإقبال الكبير على الكتب في المعرض الدولي للكتاب بخاصة.
ويبدو أن اختيار اسم "الثقافة العربية" لمكتبة منشورات الاختلاف الجديدة، يتضمن تحديا آخر، يؤكده مفتي بالإشارة إلى أن المكتبات في الجزائر منقسمة تقريبا بين من تستورد فقط الكتب الجديدة بالفرنسية، ومن تستورد كتبا بالعربية غالبيتها في الدين والمطبخ والتعليم.
بشير مفتي: الوضع المستمر منذ عقود يكرس غياب الكتاب العربي الحداثي التنويري المميز 

شمعة في الظلام
      وخلص إلى أن هذا الوضع المستمر منذ عقود يكرس غياب الكتاب العربي الحداثي التنويري المميز، وتعهد بأن "يكون (هذا الكتاب) على الأقل حاضرا في مكتبتنا بشكل دائم".
       وبدا مفتى متفائلا بنجاح المشروع، وهو يضيف قائلا: "رغم مناخ الأزمة الذي يخلق إحساسا بالاختناق ومرات بالإحباط، نقول إن من يشعل شمعة يظل أفضل ممن يكتفي بلعن الظلام".
       ويتفق الكثير من المهتمين بالشأن الثقافي على أن واقع المكتبات في الجزائر ليس في أحسن أحواله. وهو ما يعزوه مدير "دار الألمعية" للنشر نبيل داودة إلى "الاختلال الرهيب في توزيع الكتاب، حيث توقفت الدولة -ممثلة في مؤسسة الفنون المطبعية- عن فتح نقاط بيعها، كما بيعت جل المكتبات التي كانت تابعة لها".
        وقال داودة -في حديث للجزيرة نت- إن داره للنشر التي تقع في شرق الجزائر تجد صعوبة كبيرة في إيصال منتجاتها للقارئ الجزائري، لغياب مكتبات مهنية مستقرة وشبكة توزيع جادة كذلك.
دادوة: نجد صعوبة كبيرة في إيصال منتجاتنا للقارئ الجزائري (الجزيرة)
مفهوم ملتبس
       ويضاف إلى هذه المشكلات مشكلة أخرى تتعلق بـ"المفهوم الملتبس" للمكتبة، حيث يوضح دادوة "عندنا في الجزائر نجد مفهوم المكتبة ينطبق على الكشك المتعدد الخدمات، كما ينطبق على الوراقة، وقد يلحق هذا النشاط من يطبع ويجد مذكرات التخرج أو يقدم خدمات لطلاب الجامعة من التصوير (طبق الأصل)".
        وهذا ما يؤكده محافظ "الصالون الوطني للكتاب" رئيس نقابة الناشرين الجزائريين للكتاب، أحمد ماضي، بالإشارة إلى أنه خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي كان في الجزائر حوالي 720 مكتبة كاملة بمعنى الكلمة، وفي أجمل وأهم شوارع المدن، لكن الأمر تغيّر بعد ذلك وتقلّص العدد إلى ما دون 120 مكتبة.
       ويعدّد ماضي أسباب التراجع بالقول إن مكتبات البيع في العالم تعتمد على الدعم المباشر عن طريق التمويل من الحكومة، أو الدعم غير مباشر من قبيل أن تشتري الجامعات الكتب من تلك المكتبات كنوع من الدعم، لا أن يشتريه من الناشر مباشرة.
         وأضف أن المكتبة يفترض أن تعفى من الضرائب، وأن يكون إيجارها رمزيا، لكن غياب تلك الشروط يؤدي إلى غلق المكتبات وتحويل نشاطاتها إلى تجارة ربحية مثل بيع الأحذية والملابس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الخير شوار-الجزائر/ الجزيرة

الكتاب الجزائري ضحية انهيار أسعار النفط

الكتاب الجزائري ضحية انهيار أسعار النفط
     تعرف الساحة الثقافية الجزائرية عودة ظاهرة قديمة هي "نشر الكتاب على حساب المؤلف"، مع تراجع الطفرة النفطية التي عرفتها البلاد في مطلع الألفية الحالية، وهو ما يهدد بتراجع الحركة الأدبية.
       وأصبح الكاتب مطالبا بتمويل عملية طبع كتابه المكلفة جدا في وقت لم يعد فيه الناشرون يقبلون على "المغامرة" بنشر كتاب أدبي غير مطلوب في السوق.
       وزاد الأمر سوءا مع حالة "التجميد" غير المعلن لـ"الصندوق الوطني لترقية الفنون والآداب وتطويرها" الذي تأسس قبل نحو عقدين، والذي عرف النشر عصره الذهبي مع تأسيسه خصوصا مع مواعيد التظاهرات الثقافية الكبرى التي عرفتها البلاد مثل المهرجان الثقافي الأفريقي، وتظاهرتي الجزائر وقسنطينة عاصمتين للثقافة العربية وتلمسان عاصمة للثقافة الإسلامية.
        ويفترض أن تموّل الحكومة النشر الثقافي عن طريق "الصندوق الوطني لترقية الفنون والآداب وتطويرها" الذي جاء ليسد فراغا كبيرا في تسعينيات القرن الماضي، حيث أفلست المؤسسات العمومية للنشر وأهمها "المؤسسة الوطنية للكتاب" التي كانت قبل ذلك تتكفل بهذا الجانب.
       وتتمثل طريقة دعم "الصندوق" في تمويل طبع 1500 نسخة من كل كتاب، على أن يعود ثلث الكمية المطبوعة إلى المؤلف، والثلث الثاني للناشر، والثلث الباقي إلى المكتبات العمومية.

تناقضات
      ولا تضبط نشر الكتب في الجزائر آلية محددة فهي تتأرجح بين النقيضين، فبعد "بحبوحة" سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، تراجعت صناعتها بشكل كبير مع التسعينيات، وأصبح الكاتب مجبرا على تمويل نشر كتابه.

عبد الكريم ينينة: يجب أن يبقى فضاء الكتاب بعيدا عن سياسات التقشف (الجزيرة)
      ومع ارتفاع تكاليف الطبع وزيادة أسعار الورق، أصبح نشر الكتاب المتوسط يكلّف صاحبه حوالي ألف دولار أميركي، بعد أن كان الأمر يكلف حوالي نصف ذلك.  
      وتراجع عدد الكتب المطبوعة بشكل كبير، وفي هذا يقول الناشر الجزائري عبد الكريم ينينة صاحب "دار الكلمة" إنه "لا يعقل أن نقرأ ثلاثين أو أربعين كتابا حديثا في السنة ثم نتقشف لنقرأ كتابا واحدا في السنة أو بضع صفحات".
      ويضيف ينينة في تصريحه للجزيرة نت أنه رغم هبوط أسعار النفط ودخول الجزائريين حالة التقشف، فإن "هناك مجالات حيوية لا يجوز الاقتراب منها، مثل الدواء والكتاب". ويؤكد أن الأمر يتعلق بـ"خسارة الأفكار التي لا يتطرق لها الخبراء وليس لها من يحصيها في أوطاننا العربية".

صورة قاتمة
عبد الرزاق بوكبة: غياب الكتاب يشجع بروز العنف في المجتمع (الجزيرة)
       ويعتقد الروائي عبد الرزاق بوكبة أن عودة الكاتب الجزائري للاعتماد على جيبه يفتح الباب أمام احتمالين "إما ألا يبقى إلا الكتّاب الحقيقيون الذين يضحون من أجل نصوصهم، وإما أن تستفحل ظاهرة الكاتب المغشوش الذي ينفق على تكريس نفسه".
      ويربط بوكبة في حديثه للجزيرة نت بين غياب دعم الكتاب وانتشار ظواهر العنف في الملاعب والمدارس والشوارع، مؤكدا أن "العنف هو ثمرة للتقصير في الاستثمار في الإنسان".
    ومن جانبها، تؤكد الروائية جميلة طلباوي عضو "المجلس الوطني للفنون والآداب" التابع لوزارة الثقافة في حديثها للجزيرة نت أن هناك "كتّابا لم يستفيدوا نهائيا من عملية التمويل، خاصة أولئك الذين يعيشون في المدن الداخلية وظلوا يدفعون من جيوبهم للناشر كي ترى كتبهم النور".
      وفي كل الأحوال، فإن عدد الناشرين الذي تضخم في زمن البحبوحة المالية بشكل كبير مرشح للتقلص مع تراجع تمويل الكتاب.
        وكان الناشرون هم المستفيد الأول من التمويل على حساب المؤلف نفسه الذي يجد نفسه مرة أمام ناشرين محتالين يستولون على التمويل الرسمي باسمه، ومرة أخرى يجبرونه على تمويل كتابه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الخير شوار – الجزائر/ الجزيرة

الخميس، 23 يونيو، 2016

تخوف ألماني من امتداد التأثير السلبي لجودة التعليم في الجزائر


            تخوف ألماني من امتداد التأثير السلبي لجودة التعليم في الجزائر
       اعتبرت دراسة ألمانية حديثة أن أزمة التعليم في الجزائر، على غرار نظيراتها من الدول العربية والإفريقية، لا تمثل خطرا على دول المنطقة فحسب، ولكنها تشكل تهديدا أيضا بالنسبة لأوروبا، وذلك بعد أن صنفها تقرير صادر عن للمنتدى الاقتصادي العالمي حول قطاع التعليم في المرتبة 119 عالميا من أصل 140 دولة شملها التصنيف في جودة التعليم.
      حدد الباحثون القائمون على هذه الدراسة التي أجراها معهد برلين لأبحاث السكان والتنمية والتي تم نشرها مؤخرا ثلاثة عوامل خطيرة أساسية تؤدي للتأثير السلبي لجودة التعليم في الجزائر على واقع الدول الأوروبي، والتي تتمثل في المحتويات التعليمية التي لا يتم إعدادها بناء على الاحتياجات الوظيفية، والظروف السيئة لتأسيس شركات متوسطة، وكذلك في انخفاض معدلات تشغيل النساء. وأكد الباحثون أن توافر فرص حياتية للشباب في المنطقة يعد أمرا ضروريا من أجل الحد من احتمالية نشوب نزاعات غير متوقعة. وأشارت الدراسة أيضا إلى ارتفاع عدد الأشخاص الذين بلغوا عمر التوظيف منذ أعوام كثيرة على نحو أكبر من عدد الوظائف المتوافرة، وأضافت أنه على الرغم من ارتفاع نسب التعليم في المنطقة مؤخرا، فإن جودة التعليم لا تتوافق مع متطلبات القرن الحادي والعشرين إلا بشكل نادر للغاية.
       وكان تقرير صدر شهر مارس قد كشف عن تدحرج موقع الجزائر إلى مرتبة متدنية في جودة التعليم بتراجع بـ19 مرتبة عن العام الماضي، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول جدية الاصلاحات التربوية التي أطلقتها الوزارة بعد ان حطمت الإضرابات الرقم القياسي وكذا لجوء التلاميذ إلى الدروس الخصوصية. وقال تقرير حديث للمنتدى الاقتصادي العالمي حول قطاع التعليم، إن الجزائر حلت في المرتبة 119 عالميا من أصل 140 دولة شملها التصنيف في جودة التعليم.
        وكان تقرير حول جودة التعليم لعام 2013 -2014، صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، كشف أن الجزائر حلت في المرتبة 100 بين الدول في جودة النظام التعليمي، ووضع التقرير قبل إعداده أسئلة تتعلق بالتعليم، في ما يخص مدى الرضا عن التعليم في الجزائر. وكانت الإجابات تشير إلى أن الجميع مقتنع أن الدروس الخصوصية حولت التعليم من المجاني إلى مجرد ديكور، لأنه صار بالمقابل وكأنه تعليم خاص. وصنف التقرير الجزائر في مرتبة متدنية بالنسبة لجودة النظام التعليمي من بين 148 دولة. وفي ما يخص جودة منهجي الرياضيات والعلوم، وضع التقرير الجزائر في المركز 100 أيضا، فيما وضعها في المركز 103في جودة إدارة مدارسها.

تغطي أحداث الثورة التحريرية خلال الفترة الممتدة من 1954 إلى 1962

تغطي أحداث الثورة التحريرية خلال الفترة الممتدة من 1954 إلى 1962


  فرنسا تسلم 22 مجلدا من الوثائق الدبلوماسية للجزائر. تغطي أحداث الثورة التحريرية خلال الفترة الممتدة من 1954 إلى 1962
          قدم السفير الفرنسي، برنار إيميه، ممثل للجمهورية الفرنسية في الجزائر، أمس، لعبد المجيد شيخي، مدير الأرشيف الوطني الجزائري، 22 مجلدا تحمل نسخا من الوثائق الدبلوماسية الفرنسية التي تغطي أحداث الثورة التحريرية الجزائرية خلال الفترة الممتدة من 1954 إلى 1962. وجاء في بيان للسفارة الفرنسية بالجزائر، أن هذه الخطوة تدخل في إطار الحوار السلمي وثقة تشارك مع الجزائر بشأن مسألة الأرشفة، والتي جاءت في أعقاب زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند للجزائر في 2012.
        وأضاف المصدر أنه تم تشكيل فريق عمل ثنائي، اين تم اجتماعهم 6 مرات بمشاركة مديري الأرشيف الجزائري والفرنسي، ومن  المقرر أن يتم عقد جلسة عمل بالجزائر، في الفترة الممتدة ما بين 19 إلى غاية 31 جويلية المقبل.

الجمعة، 17 يونيو، 2016

الفنان الراحل"المفتش الطاهر" "ظاهرة فنية لا تتكرر في الجزائر"



الفنانالراحل"المفتش الطاهر"
"ظاهرة فنية لا تتكرر في الجزائر"
       ممثل مسرحي وسينمائي جزائري من طينة الكبار، ثمرة فنية وثقافية نبعت من المجتمع الجزائري الأصيل، يعتبر ظاهرة فنية لا تتكرر في المسرح الجزائري، ترك الكثير من الأعمال، رغم رحيله في سن مبكرة.. إنه الراحل ”المفتش الطاهر”، صاحب رائعة ”عطلة المفتش الطاهر”، واسمه الحقيقي الحاج عبد الرحمان، من مواليد 12 أكتوبر 1940، بمدينة الجزائر العاصمة، هو فنان مسرحي ومؤلف سينمائي ترك العديد من الأعمال التي رسخت في ذاكرة المشاهد الجزائري، منها تمثيله لدور القسيس في مسرحية ”مونسيرا” التي تناولت موضوع الاستعمار، كما مثل في مسرحية ”بنادق أم كرار” لمؤلف ألماني، وجاب كل ولايات الوطن مع رفيق دربه بمسرحيات واسكاتشات فكاهية. كان مصورا في البداية، ليلتقي بصديق له اقترح عليه تقليد اللهجة الجيجلية، وهو ما أثار حفيظة الجيجليين في الأول، لكن مع الوقت تقبلوا ذلك من باب الفكاهة.
         كانت تجربته السينمائية مميزة رسخت في ذاكرة المشاهد الجزائري، ذلك لأنه فجّر قدراته في فيلمه الأول ”المفتش الطاهر” سنة 1972، الفيلم الذي جرت أحداثه بين الجزائر وتونس، وحقق رواجا لا مثيل له حتى الآن، مع المخرج الكبير موسى حداد، جعله يكسب شهرة واسعة مع مساعده الفنان يحيى بن مبروك الذي جسد دور مساعد المفتش في الفيلم، لكن الحاج عبد الرحمان لم يكتف بالضجة التي فجرها بفيلمه الأول، بل واصل سلسلة نجاحاته بالجزء الثاني من هذه السلسلة التي تمثلت في فيلم بعنوان ”المفتش الطاهر يسجل هدفا” سنة 1977. تدور قصة هذه السلسلة البوليسية في طابع فكاهي حول المفتش ”الحاج عبد الرحمان” ومساعده ”يحيى بن مبروك”، اللذان يقومان بمطاردة بعض المجرمين بطريقة فكاهية جعلت الجمهور الجزائري، وحتى العربي، معجبا بهما، لكن هذه السلسلة لم يكتب لها المواصلة، فقد توفي المفتش الطاهر يوم 5 أكتوبر 1981 عن عمر ناهر 41 سنة، وتشاء الصدف أن تكون وفاة ”لابرانتي” في الشهر نفسه؛ أي في 11 أكتوبر 2004، وكان لهذا الثنائي الفضل في اكتشاف عدة وجوه فنية، منها عثمان عريوات الذي شاركهم في إحدى مسرحياتهما، والفنان سيراط بومدين وغيرهما من الأسماء التي لمعت فيما بعد في السينما الجزائرية.
              دردشة صغيرة مع الفنان مصطفى برور، أحد رفقاء الراحل الحاج عبد الرحمان، وقال إنه شخصية مميزة وطيبة للغاية، مشيرا إلى أنه رفيق درب المفتش الطاهر في كل أعماله المسرحية، وصديق مقرب له:
”الحاج عبد الرحمان حبيبي، كنت معه في جميع الأعمال، خاصة عمله الأخير (القطط)، فأنا من قص عليه حكاية الفيلم وقام هو بكتابة السيناريو”.
       ونظرا لتأثر الفنان مصطفى برور لرحيل المفتش الطاهر، قدم فيلما مع يحيى بن مبروك ”لابرانتي” بعد عامين من رحيل المفتش الطاهر، حيث جسد لابرانتي شخصية المفتش الطاهر، بينما جسد مصطفى برور دور ”لابرانتي”. 
        في حين قال الفنان عبد الحميد رابية إن سر نجاح المفتش الطاهر وطائفة الممثلين المسرحيين في تلك الفترة؛ يكمن في أنهم يمثلون عن واقع المواطن وحياته اليومية، لذلك كان الإقبال على قاعات السينما في تلك الفترة كبيرا، لأن الثقافة في ذلك الوقت كانت تواكب ما يجري في المجتمع وليس مثل ما هو حاصل الآن، أين حول السياسيون الثقافة إلى لا شيء، يضيف رابية، الذي تكلم مطولا عن المفتش الطاهر وفترة امتلاء قاعات السينما بالجمهور، مقارنة بوقتنا الحالي قائلا:
 ”من هنا نتكلم عن عزوف الجمهور عن العروض المسرحية؛ لأن المواطن لا يجد نفسه ونمط حياته في تلك العروض”.
      قص رابية ظروف لقاء المفتش الطاهر برفيقه يحيى بن مبروك، وكيف بدأ الثنائي ينشط، وبعدها ثلاثي مع الفكاهي قاسي القسنطيني الملقب بالفأر لأدائه دور الفأر في أحد الأعمال، وقيامهم بعدة أفلام فكاهية مع عديد المخرجين مثل مهداوي، وإفتسان.

الخميس، 9 يونيو، 2016

رواية كاماراد في طبعة ثانية


 رواية " كاماراد" في طبعة ثانية بالأردن
    نظرا للمرافقة الإعلامية اللاّفتة، والتلقي النقدي الجيّد، الذي حظيت به رواية (كاماراد– رفيق الحيف والضياع) للروائي الجزائري الصدّيق حاج أحمد الزيواني، منذ صدورها الأول بدار فضاءات- الأردن قبل ستة شهور، وبحكم تيمتها الحسّاسة تلك المتمثلة في (الهجرة السرية للأفارقة نحو أوروبا)، وكذا للأجواء الإفريقية الجديدة، التي أدخلتها للرواية العربية، صدرت خلال هذه الأيام، الطبعة الثانية لرواية كاماراد بالجزائر، بالاتفاق بين الناشر الأصلي دار فضاءات- الأردن، ودار ميم- الجزائر، قصد تغطية الطلب المتزايد على الرواية ببلد منشأ الكاتب الجزائري الصدّيق حاج أحمد المعروف بالزيواني.
      الجدير بالذكر، أن الرواية تحكي قصة نيجيري مغامر حرّاق خائب في رحلته للفردوس، يدعى (مامادو)، يلتقي في العاصمة النيجيرية نيامي، بمخرج سينمائي فرنسي، فيطلب هذا الأخير من مامادو، أن يسرد له حكاية هجرته للفردوس، فيسرد مامادو للمخرج الفرنسي، تفاصيل هجرته ومسار طريقه الشاق، مع رفاق الحيف والضياع من الأفارقة، النيجيريين، والماليين، والكوتديفواريين، والليبيريين، والسيراليونيين، والكاميرونيين، وغيرهم من الرفاق، وقصة تهريبهم مع مهربي البشر، عبر صحراء الجزائر، ومدن الجزائر والمغرب، وصولا حتى جيب مدينة سبتة، والاستعداد لعبور السياج.
       الرواية تجربة جديدة، ومتفرّدة في السردية العربية، ويمكنها أن تفتح آفاقا جديدة للرواية العربية، في مغازلة مأساة شعوب القارة السمراء جنوب الصحراء الكبرى.

الثلاثاء، 7 يونيو، 2016

دعوة إلى التمسك بالهوية


دعوة إلى التمسك بالهوية

لوحات محمد سمارة  برواق “عائشة حداد”
         في معرضه الذي نظمه مؤخرا في رواق “عائشة حداد”، بالعاصمة، ينشغل التشكيلي الجزائري محمد سمارة بموضوع الهوية، ولهذا اختار للوحاته العشرين التي ضمها المعرض كلمة “هوية” عنوانا، في إشارة إلى ما لهذا الموضوع من أهمية في زمن يؤمَل منه أن يكون فاتــــحةً لتجاور الهويات وتلاقحــــها، لا لصراعها.
       ويرى سمارة، المولود سنة 1963، أن توجهه للفن التشكيلي جاء نتيجة دراسته له في المعهد التكنولوجي، إذ شكلت المعاهد التكنولوجية النواة الأساسية لتكوين الأساتذة في الجزائر قبل أن يتم حلها في تسعينات القرن الماضي. وبعد تخرجه، عمل هذا الفنان في مجال التعليم لمدة جاوزت 30 سنة، وهو يشغل الآن منصب مفتش تربية تشكيلية بولاية عين الدفلى.
       ويأتي معرضه تتويجا لقائمة طويلة من المعارض والصالونات في مسيرة سمارة، وليكون أيضا علامة فارقة تحفر عميقا في البعد المغاربي للجزائر المشكل أساسا من الخصوصية العربية الإسلامية ممثلة في الخط المغاربي الأندلسي.. “كل حرف استخدمته يمثل نوعا من العمارة”، هكذا يفسر سمارة الحضور الطاغي للأبجدية بنفحاتها المغاربية في لوحاته.
       ويعتمد الفنان على الأرضية الأمازيغية من خلال استخدام الرمز، والعادات والتقاليد، وحتى الأسماء التي أطلقها على بعض لوحاته مثل “التويزة” (لفظة محلية تعني المساعدة الجماعية التطوعية)، و”الكتاتيب” (مدارس تعليم القرآن وتحفيظه).. ويظهر بجلاء أيضا البعد الأفريقي في أعماله ممثلا في الوشم، والطقوس الاحتفالية، والعادات، والعمران.. وتشكل هذه العوامل مجتمعةً رسالة واضحة يطلقها الفنان لمواجهة تيار العولمة الجارف، من خلال التمسك بالخصوصيات الهوياتية من دون انغلاق قاتل على الذات.
          يعود تاريخ إنجاز بعض اللوحات المعروضة إلى سنة 2009، بينما أنجزت مجموعة ثانية سنة 2012، في حين تعود الأعمال المتبقية إلى سنتي 2015 و2016، وقد تعمد سمارة توشيح المجموعة الأخيرة بخطوط عمودية بارزة للتعبير عن الالتزام والرزانة والاستقامة التي تعد من قِيم الفرد الجزائري، أما اللون الأصفر الغالب على اللوحات فيمثل لون التربة والنشأة الأولى في أفريقيا، كما يمثل الحضن الدافئ وكرم الضيافة وحرارة دول المغرب العربي، وهي ميزات القبائل الأمازيغية المنتشرة على امتداد هذه الرقعة الجغرافية المترامية.
        وحول المدارس التشكيلية التي تأثر بها وأثثت خلفيته الفنية يؤكد سمارة: “مارست الواقعية في بداياتي في ثمانينات القرن الماضي، وعرجت على المدرسة الانطباعية في التسعينات، لأحط الرحال بعدها عند المدرسة التعبيرية. لقد جربت كل الأساليب، وأشعر الآن، وقد تجاوزت الخمسين، أن الوقت حان لأتميز بلمـــستي الخاصة”.
       ولا يخفي ســـمارة أن هناك الكثير من التشكيليين الجزائريين الذين تستهويه أعمالهم على غرار محمد خدة، ومحمد إسياخم، ونور الدين شقران، ومحمد بنيس، والطيب بلعباس، ونور الدين مقدس. ويؤكد أن العزوف عن الاهتمام بالفن التشكيلي ناتج عن تخلي الأسرة والمدرسة عن دورهما في ترغيب الأجيال الصاعدة بأهمية الفنون عموماً، وإعطاء الأولوية للجوانب المادية على حساب الجوانب الروحية، إلى درجة أن كثيرا من زوار المعارض يعتقدون أن الفن التشكيلي مجرد ديكور فقط، وهذا ما يستشف من الأسئلة التي يطرحها هؤلاء الزوار في العادة على الفنان التشكيلي.


الروائي واسيني الأعرج


الروائي واسيني الأعرج
مقترح التدريس بالعامية أخذ منحى سياسيا
وتحـــدي المدرســــة يكمــــن في البرامـــج
روايــة 2084 .. صرخــة لمــا سيحـــدث مـــن تفتيـــت للـــدول
        يكشف الروائي الجزائري الكبير والأكاديمي البارز واسيني الأعرج عن آخر نص روائي جديد يعكف فيه برؤية مستقبلية على تشريح مستقبل الدول العربية وتهديدات التفكك التي يواجه خطرها العالم بأسره، عبر مغامرة إبداعية جديدة تفاجأ أنها تصادمت مع تشابه في العنوان مع رواية لكاتب جزائري آخر، فلم يصنفها ضمن السرقة الأدبية رغم أنه صاحب الأسبقية لفكرة العنوان، ورد بدبلوماسيته المعهودة على مسألة مقترح التدريس باللهجة العامية وغياب الكثير من أصوات المثقفين عن النقاش المستفيض الذي طفا على الساحة الإعلامية، ويقف بالكثير من التعمق والموضوعية على راهن المثقف العربي ووزن الرواية العربية عالميا.
 ”الشعب”: نبدأ اللقاء بآخر رواية لك الموسومة بـ«2084 ..العربي الأخير” التي ينتظر صدورها ربما شهر نوفمبر المقبل وتطابق عنوانها مع رواية جديدة للكاتب الجزائري بوعلام صنصال..ماذا حدث بالضبط؟ ..هل اعتبرت أنها سرقة أدبية منك للفكرة.. وماهي تطورات هذه القضية ؟
الروائي واسيني الأعرج: لم أصنفها ضمن السرقة الأدبية أنا لم استعمل هذه الكلمة مطلقا، فروايته عنوانها “2084 ..نهاية العالم” بينما وسمت روايتي بـ«2084..العربي الأخير”.. صحيح هناك تشابه في عنوان الإصدارين، لكنني كنت دقيق قبل عام كامل أو أزيد عندما تحدثت بمدينة “مونبيليه” عن مشروع هذه الرواية وعنوانها، ونشر ذلك عبر وسائل إعلام عربية وتناقلتها الجرائد. وبالرغم من ذلك لا أتهم بوعلام صنصال لكنني أستغرب أنه ليس في الوجود نفس العنوان، فلو نشر روايته بعد سنة لتم تفهم الأمر. وأذكر أن العنوان استقيته من رواية الإنجليزي “جورج ارويل” ومن ثم جاءت فكرة الإسقاط على زمن محدد تجاوز الوقت الحاضر، على اعتبار أننا نتطرق في سردنا على عالم غير موجود غير أنه بصدد التكوين، ربما هي نفس الفكرة والعنوان الفرعي مختلف، وأتناول في هذا النص الروائي الحياة في قلعة داخلية مغلقة أي “اوريكا مثل “أمريكا” وعلى وزنها واختصرتها للقول أنه ينشأ في العالم الحركات المتطرفة، ونسجت في كل ذلك عالما خرافيا خياليا، فأصور فيه تفكك العالم العربي الذي لم يعد موجودا. واستغربت عندما أخبرتني صديقة أنهم ينتظرون أنت تصدر لروائي جزائري رواية بنفس العنوان ولقد سبقت صدور روايتي المقرر أن ترى النور شهر نوفمبر المقبل وتطرح في معرض بيروت مع نهاية نفس الشهر أو بداية شهر ديسمبر.

حذاري.. تهديد التفكك لن يرحم أحدا
ماهي المفاجأة التي تحملها إلى قرائك عبر 2084؟
 واسيني الأعرج: أحملهم إلى عالم جديد.. إنه عالم التجارب النووية وأمكنهم من اكتشاف تفاصيل قصة خبير عربي في المجال النووي يتعرض إلى الخطف من أجل تصفيته الجسدية حيث يزج به داخل قلعة ليشرف على برنامج نووي في مخبر أمريكي، فيقاوم الوضع الصعب والحصار المفروض عليه حتى لا تتكرر تجارب مؤلمة اقترفت في اليابان وفي زمن يكون فيه العرب قد تمزقوا وتفككوا بينما يصمد هذا الخبير بشجاعة. وعكفت مدة سنتين ونصف على كتابة هذه الرواية حتى يكون للشخصية ما يبررها وحرصت على الاحتكاك ببعض العلماء والخبراء.

أكدت في السابق أنك تنبأت بأحداث وقعت في الربيع العربي.. فهل يمكن أن ينتظر منك القارئ المزيد من التوقعات المستقبلية التي قد تتجسد على أرض الواقع؟
 واسيني الأعرج : يمكن القول أنها ليست توقعات سحرية، وإنما تتعلق بواقع موضوعي، حيث إذا قرأنا بحيادية، فنركز على الدراسات المستقبلية بالإضافة إلى الحادثة الأدبية التي تخضع إلى المنطق.. ففي رواية البيت الأندلسي صورت البيت الذي بناه الأندلسيون وساهم في تكوينه الاستعمار.. بتاريخه وأخطائه يتم هدمه ويعوض ببناية ومعمار خالي من أي روح.. اعتقدت أن البيت العربي مقدم على الانهيار إذا لم يسارع لإنقاذه في الوقت المناسب. وفي رواية 2084 .. صرخة لما سيحدث إذا لم يعجل باستدراك الوضع.. ولن يتم استدراكه، هذا البيت العربي يمكن أن ينهار وتنهار الخرائط، فيمكن أن نشاهد العراق عدة دويلات وسوريا سلسلة من الدول والسودان يمكن أن تتحول إلى أربع دول، وللأسف الجزائر ليست في منأى عن هذا المشكل والتهديد يطال حتى الدول التي تعتقد أنها لن يطالها المشكل العرقي والطائفي مثل بلجيكا وكندا وأمريكا التي تعاني من مشاكل الاثنية الإفريقية، لأن عمليات التفكك لن ترحم أحدا وسوف تمس الجميع، وأحاول رسم حقيقة جيوسياسية نتوقع ظهورها إذا لم يجسد مسار يسوي الانحرافات.

أين صوت المثقف من الربيع العربي الذي صار يقطر دما؟
 واسيني الأعرج : صوت المثقف العربي مزدوج، لأن الأمر بدأ بهاجس ثقافي وحضاري، وبرغبة الانعتاق والبحث عن الحرية لكن تلك الثورات تلاشت ولم يبق منها الكثير، أتذكر أنه منذ سنوات حذرت من تحول الثورات إلى وسيلة في يد الآخرين، وهذا ما حدث ويمكن إثارة العديد من الاستفهامات حول المسألة.. من يتحكم ويمول الصراع في سوريا؟.. وعلى اعتبار أن أحد أساسيات الثورة أن تكون حرة وتحمل أهدافا وفوق كل ذلك تمارس اللعبة السياسية، لكننا نرى أن الأموال تأتي من الخارج، وكل ما ذكرناه عن معايير الثورة لا ينطبق. ولاشك أن الصراع الدائر حول تحييد المناطق النفطية من أجل استغلالها بأسعار زهيدة، ونلمس النفاق الغربي الرأسمالي الذي يستنزف النفط وتجد جميع السفن المتوحشة لا تخضع إلى القانون، وبالموازاة مع ذلك الحركات الإسلامية المتطرفة لم تخسر شيئا كونها تبحث عن تمويل لحروبها. وبالمقابل تسجل حملة لتفتيت الدول وتحويلها إلى جزئيات، فهل بإمكان المثقف العربي الخروج من السياسي ليقيم قرارات أوسع من القرارات السياسية الضيقة؟ لكن ما نقف عليه أن الكثير منهم مربوطون سياسيا مع مجموعة من الأحزاب، ونبحث في كل ذلك عن المثقف الحر المنفصل.

 الأدب لا يقاس بالجوائز
 مازالت أسماء المبدعين الجزائريين تغيب عن القوائم القصيرة لجائزة البوكر باعتبارها من أكبر وأهم الجوائز العربية.. هل السبب يكمن في عدم ارتقاء الإبداعات الوطنية لمصاف هذا النوع من التتويجات؟
واسيني الأعرج: توجد العديد من الجوائز العربية القيمة التي تألق فيها الجزائريون، نذكر منها جائزة “كاترا” في دورتها الأولى على اعتبار أن القيمة الفعلية تقاس على ضوء عدة جوانب كون هذه الجائزة تترجم الأعمال الفائزة إلى خمس لغات وكنت من الفائزين الأوائل بها، بالإضافة إلى وجود دورات يحضر فيها بقوة الكتاب الجزائريين ووصول العديد من الروايات إلى القوائم الطويلة للبوكر، ومن جهة أخرى الأدب لا يقاس من حيث قيمة الجوائز ولا يمكن حصر القيمة الثقافية في الجوائز فمثلا الكاتبة أحلام مستغانمي لم تفز بالجوائز لكنها حققت بأعمالها انتشارا كبيرا واستقطبت جمهورا ضخما. ومع ذلك نعترف أن جائزة البوكر مهمة ويمكن مستقبلا أن يفوز بها الجزائريون.

تحدثت في إحدى التصريحات السابقة أننا نعيش في الجزائر موتا ثقافيا هل ما زلت تحمل نفس وجهة النظر.. وبرأيك من المسؤول عن ذلك؟
 واسيني الأعرج :هناك جهود بذلت، وانتقلت الثقافة من درجة الصفر إلى سقف أعلى بفضل تسخير إمكانيات الدولة وكان الأمر مرهونا بالرخاء النفطي، ويمكن أن يتغير الوضع ونعود إلى قواعدنا غير سالمين. وللأسف توجد ذهنية تعتقد أن الثقافة مسألة ثانوية، ويغفلون عن ضياع الشباب في الشوارع غير مدركين أنه نتيجة الخواء الثقافي.. فالشخص الذي لا يتفرج على مسرحية ولا يستمتع بالموسيقى دون شك لن يكون طبيعيا إذا الثقافة بإمكانها إنتاج العديد من الامتيازات والإضافات، وبلد مثل الجزائر يفترض أن يكون أفضل بكثير ثقافيا لأن السينما في السابق كانت أحسن عطاءً.

ما هو مقياس النبض الثقافي في كل دولة؟
 واسيني الأعرج :أكيد أنه الإنسان، فعندما تلج بلدا وتقتحم أسواقها وتعبر من مطارها وتركب حافلتها وتجد المواطن يحمل كتابا أو يقرأ صحيفة ويتحدث إلى الآخر بهدوء، تتلمس أن لديه قيما ثقافية في ذلك البلد، بينما عندما تسمع مشاحنات بين الأفراد فذلك يؤشر لمعطيات معاكسة. ولأن الهاتف لا يحل المشكل والذي ينور العقل القراءة لكن هذه الأخيرة غائبة، فالجيل الجديد أسرته التكنولوجيا ووسائل الاتصال الاجتماعية الجديدة، لكن يجب إرساء الضوابط، كون الذي لا يقرأ ميت دون شك.

علاقتي بالعربية عشقية وبالفرنسية برغماتية
 تتقن الفرنسية كما اللغة العربية.. هل يمكن أن يعود واسيني ليطرح إبداعا بغير اللغة الأم؟
 واسيني الأعرج : حبي للغة العربية كبير، إنها اللغة التي استحوذت عليها بجهدي في ظروف طغيان المدرسة الفرنسية، والفضل يعود كذلك إلى جدتي التي سجلتني في المسجد وفتحت أمامي المجال لأتلقى الحروف الأولى للغة العربية، لكنني مع ذلك أعتبر أن اللغة الفرنسية جميلة، وبفضلها تسنى لي التفتح على العالم، أي الاطلاع على الأدب الصيني والياباني وما إلى غير ذلك من ثقافات أجنبية حيث اقرأه بالفرنسية لأن الترجمة باللغة العربية مازالت ضعيفة ولا تصل إلينا إلا بعد سنوات. واللغة ليست نمط حياة بل حاجة أساسية ومهم جدا أن تكون لنا لغة ثانية أو ثالثة. وأتذكر أن اللغة الفرنسية في عام 1993 أنقذتني، عندما كان الناشر العربي جبانا بسبب الأوضاع آنذاك وكان محقا في تردده، واتذكر أنني كنت يومها مجبرا على الكتابة بلغة فولتير على مدار 5 أو 6 سنوات، ومن الروايات التي صدرت لي باللغة الفرنسية أذكر “دون كيشوت في الجزائر” أو السيدة المتوحشة، ولدي سلسلة من الروايات كتبتها باللغة الفرنسية ثم صدرت في وقت لاحق باللغة العربية، إذا هذه اللغة الأجنبية سمحت لي بالوجود وعن طريقها لم أتقبل الموت الذي كان مفروضا من طرف الناشرين، وما يمكن قوله أن علاقتي باللغة العربية عشقية بينما مع الفرنسية برغماتية.

الرواية تنجح عندما تتوغل في نفسها
برأيك ما هي نقائص الرواية العربية؟
 واسيني الأعرج :بذلت الرواية العربية جهودا كبيرة لكن يوجد نقص كون الرواية لا تتمثل في جمع سلسلة من الأحداث، بل يجب توفر البناء الفني وتجدده بشكل مستمر، مع ضرورة تجسيد الابتعاد في كل ذلك عن الأحادية حتى لا تموت الرواية، وإلى جانب ضرورة الاهتمام باللغة لأنها جد مهمة فيمكن توظيف اللغة الشعرية لكن يجب أن يبقى المبدع حذرا، ونقف على كل ذلك من خلال الترجمة للرواية العربية حيث عندما تدخل مخبر المترجم تفقد الكثير، وأذكر أن الرواية الصغيرة لما تترجم يعرف بها ويمكن تحديد الضعف الذي يكمن فيها في تفكيرها في الآخر ولا تفكر في نفسها. رغم أنه من الضروري أن تشرح ذاتها لأن الآخر لن يلتفت إلينا، ولأن الرواية تنجح عندما تتوغل في نفسها، ونجد الرواية الصينية واليابانية عندما اهتمت بنفسها اكتشفها الغرب. إذا حان الوقت كي تتجاوز الرواية العربية هاجس التتويج بجائزة نوبل كون الكاتب يمكنه أن يصنع بنفسه هذا الانتصار بالاحتراق وطرح إبداعات راقية.

ما هو مقياس الروائي الناجح.. ومتى يمكن القول أن الرواية فعلا حققت النجاح؟
 واسيني الأعرج : توجد سلسلة من العوامل، ومن بين العوامل الظاهرة نجد المقروئية أي عندما تكون نسبيا جيدة، إلى جانب الاهتمام النقدي بالعمل أي النقد الإعلامي ثم النقد الجامعي الذي يجعل الرواية ذات قيمة ثقافية تدرج ضمن الدراسات الجامعية، ثم الجوائز التي تهتم بالنص وتضعه في الواجهة، وعلى سبيل المثال روايتي الموسومة ب«مملكة الفراشة” الفائزة بجائزة “كاترا” صدرت لي فيها 17 طبعة والفضل الكبير في كل ذلك إلى الجائزة التي توجت بها أي تعد الجوائز من العوامل التي تساهم في نجاح النص الروائي. وخلاصة القول أن الكاتب يجب أن يبذل جهدا في كتابة نص مؤثر وقابل للديمومة لا يموت بزوال الحدث وتستمر الأجيال في قراءته وفوق ذلك يشعرون بوجدانيته.

هل يمكن أن نرى إبداعات الروائي واسيني الأعرج مترجمة إلى أعمال سينمائية؟
واسيني الأعرج: بالفعل كان هناك مشروع ضخم حول تحويل رواية “الأمير” إلى عمل سينمائي وتبنته الدولة، لكن للأسف المشروع انكسر، رغم أنه قطع شوطا كبيرا، وكأن قدر الأمير أن لا يحول إلى مشروع سينمائي او تلفزيوني. وأؤكد وجود مشروع مع مخرجين فرنسيين في فصل الخريف لتحويل رواية “سيدة المقام” إلى عمل سينمائي ولازلنا في الوقت الحالي في مرحلة التفاوض والنقاش. إلى جانب عمل آخر سيجسد سينمائيا ويتعلق برواية “أصابع لوليتا” حيث من المقرر أن تشرف على إنتاجه مجموعة “أم. بي. سي” لكن العمل مازال مجمدا، وأهم مشروع سيرى النور تحويل “مملكة الفراشة” إلى مسلسل تلفزيوني، على اعتبار أن هذا الإبداع لم يفز فقط بالجوائز بل كذلك بتحويله إلى عمل درامي، وينتظر الحسم في التوقيع على كتابة السناريو قريبا.

هناك من يعتقد أن واسيني يمكن أن يكون ناقدا كبيرا، كونك الأكاديمي والمبدع والمثقف المطلع على جميع التقنيات والأدوات الإبداعية ويدرك جيدا كيف يمكن تشغيلها لبناء نصوص إبداعية؟
 واسيني الأعرج : كنت ناقدا بعد عودتي من سوريا، وحملت مشروعا نقديا حول “اجتماعيات الأدب” وعكفنا في جامعة الجزائر على الاشتغال عليه، وشرعنا في تحديث البرنامج النقدي بالعاصمة، والأجيال التي جاءت بعدنا طورت المشروع النقدي لكن اكتشفت فيما بعد أننا في دائرة غير إنتاجية ونستهلك النظرية الغربية ولم نطورها في الأدب الجزائري والعربي والقوانين في كل ذلك لا تتناسب، وكنت أمام خيارين الاستمرار في النقد أو أوقف النقد وأتفرغ للرواية، ومنذ 20 سنة توقفت وانسحب واسيني الناقد، لكن ما زلت اقرأ رواية الامير والسؤال الجوهري الذي يثيره حول صدام الحضارات، وهذا لا يمنع أن نستمر في الدراسات والكتابة دون ممارسة النقد.

الرهان الكبير لا يكمن في اللهجات بل في العقل
 أخذ طرح مقترح الاستعانة في التعليم الابتدائي التدريس باللهجة العامية في الطور الابتدائي الأول نقاشا حادا وصف بالشرس إعلاميا لكن قيل أنه غابت عنه اصوات الكثير من المثقفين باللغة العربية؟
 واسيني الأعرج : ربما لا توجد متابعة لأنني في خضم ذلك النقاش كتبت مقالة طويلة في جريدة القدس العربي، واعتقد أن المشروع لم يقدم بالشكل الجيد ولم يشرح بصورة مستفيضة وكافية، لأن الاستعانة بالعامية لن يعوض اللغة العربية، وإنما استعمالها سيكون كسند في عملية الشرح وكل ذلك موجود لدى العديد من الدول العربية ويعد إطارا طبيعيا، على اعتبار أن المعلم لن يستعمل لهجة عامية “سوقية” وإنما عربية مخففة، وكون اللهجة العامية ثقافة الشخص التي يتحدث بها، إذا العامية تأخذ المستوى الثقافي للشخص، وللأسف مسألة التدريس بالعامية أخذت منحا سياسيا، ومن المفروض أن يأخذ بعين الاعتبار كيف يمكن أن نمنح الأجيال عقلا منطقيا محبا للخير والوطن أي عقلا نقديا مازلنا نفتقده في ظل وجود عقل مستفهم، والمشكل الكبير لا يكمن في المدرسة بل في البرامج المدرسية لأن المدرسة لا تخرج الارهاب وأي نقص مسجل يجب تحميل البرامج المدرسية كامل المسؤولية، وتحتاج المدرسة في الوقت الحالي إلى استراتجية ودينامكية حتى تضع الجزائري في أفق العالمية، والرهان الكبير ليس رهان اللهجات بل يكمن في العقل أي كيف ننشأ العقل بالمنهجية السليمة.

نتشوق لفك أسرار المغامرة الجديدة عبر رحلة 2084 هل انتهيت من الكتابة؟
 واسيني الأعرج :أنا بصدد تنقيح الرواية لنشرها مع “دار الآداب” وتكون جاهزة في معرض الكتاب بلبنان شهر نوفمبر المقبل، وبالموازاة مع ذلك أتفق مع “مجلة دبي الثقافية” لإصدارها في عملية نشر أولية وتوزع بأسعار رمزية.
 قبل أن نفترق نترك لك مساحة بيضاء تقول فيها ما تشاء؟
واسيني الأعرج : جريدة “الشعب” أعتبرها الجريدة العريقة وأتذكر أنني نشرت فيها أول قصة قصيرة منذ أربعة عقود كاملة أي في عشرية السبعينيات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يومية الشعب: حاورته: فضيلة بودريش  الإثنين 21 سبتمبر 2015