الثلاثاء، 16 ديسمبر، 2014

في ضيافة الأستاذ البشير خلف

كتب الدكتور عبد الله كروم الأستاذ بجامعة أدرار في حائطه يوم الثلاثاء 16 /12 /2014 ما يلي:
        في ضيافة الأستاذ البشير خلف
        قبل أن يمن الله علي بوظيفة قارة بجامعة أدرار، وفي فترة التسول عند عتبات الجامعات الجزائرية بحثا عن منصب أستاذ جامعي، نزلت ضيفا عند الأستاذ البشير خلف في بلدته العامرة "قمار" التي أنجبت لنا الدكتور أبا القاسم سعدالله والطاهر بن عائشة والأستاذ خلف وغيرهم..
        وفي تلك الزيارة التي مرّ عليها أكثر من عامين أكرمني الشيخ البشير كما هو أهله، ووسع لي بكل ما يحتاجه الضيف، ولو سألتني عن الوجبة الدسمة التي قدمها لي لأجبتك، بأنني نسيتها رغم أنها وجبة فاخرة، لكن المواقف التي لا أنساها أبداً في تلك الزيارة هو حب الشيخ للقراءة والمطالعة حبا جعلني أخجل من نفسي، وأول شيء  قرانا به هو الكتب حيث استقبلنا في مكتبته، وقال لنا ها هي مكتبتي هي لكم طالعوا الكتب التي تحبونها، إذ صاحبني في تلك الرحلة الأستاذ "عبدالله العماري " ،هو الآن أستاذ بجامعة تمنراست، وكان الشيخ البشير قد قرأ لتوه مذكرات الطاهر زبيري قائد الأركان الأسبق في ظرف قياسي. ودعانا لقراءتها، والمكتبة تشي بثقافة الرجل وحبه للفكر والأدب والتربية والثقافة..
         ومما أذكره تواضع الأستاذ البشير واحترام المجتمع له كمثقف يحترم نفسه ويرعى الثقافة في ولاية الوادي، ويعتبرونه المرجع والأب الروحي للمثقفين..
        ومما لا أنساه تلك الجلسة المسائية على بساط العشب الأخضر في قلب مدينة قمار، وزاد من المتعة دعابة صديقه وأنيسه الأستاذ محمد نوار، وهو ذو نكتة حاضرة ،دمث الخلق، يتميز بخفة الروح وتعلو على محياه ابتسامة لا تكاد تفارقه..
         تلك الجلسة الحميمية بين العشب الأخضر واللون الذهبي الذي رسمته العشية ونخب الشاي مع حالة الارتفاق والنظر لوجه الشيخ البشير ببسمته وهدوئه ولين عريكته..المشهدية طبعت الذاكرة بصورة لا تمحى منها وأعطت له بعدا شاعريا ..
          وكنت أرى الأستاذ البشير راهبا بين المسجد والمكتبة ومعتكفا في محراب التكنولوجيا، يلخص معلومة أو يدبج مقالة، او ينشر فكرة، او يتصيد فوائد المعرفة أو يواصل تنقيح باب في كتاب.. حفظه الله من كل عين.
      من دلائل إخلاص الأستاذ البشير خلف في عمله وكان قد تدرج في التعليم مدرسا ومسؤولا ومفتشا في التربية قبل أن يحظى بالتقاعد، هو توفيقه بمعية الله في تنشئة أسرة علمية، فكل أولاده يحملون مستويات عليا ولله الحمد "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء"..
        ورغم أن الشيخ البشير شخصية معروفة في الوادي غير أنه يرفض الوساطات لتوظيف أبنائه على غير وجه حق، ورأيت منه الامتعاض عند ذكر المحسوبية والوساطة رغم أننا في دنيا لا تسير إلا بالوساطة، غير أنه ترك ابنته تبحث عن حظها في التوظيف بجامعة الواد، ولم يكتب لها النجاح في ذلك العام..
        أستاذي البشير هذا قليل من كثير، أتمنى لك طول العمر والصحة والعافية ومواصلة النشاط الثقافي، والبارحة(حسبما وصلني) شنفت مسامع الجزائريين بحديثك عبر أمواج الإذاعة الوطنية عن شخصية أبي القاسم سعدالله.. دمت ماتعا تهذب الدنيا بتواضعك وكرمك وسعيك لغرس الثقافة في المجتمع.

قليل منك يكفيني* لكن قليلك لا يقال له قليل

مجلة القباب في حلتها الجديدة

مجلة القباب في حلتها الجديدة
بقلم: بشير خلف          

         هنيئا لكل مثقفي الولاية، وبورك كل من ساهم في إخراج هذا العدد الجميل.. كنت محظوظا هذا اليوم وأنا بدار الثقافة لمّا وصلت المجلة من المطبعة فاستلمت نسختي للتوّ ..إنها فرحة نثمن فيها كل من وضع هذه اللبنة الجديدة في صرح الثقافة بالوادي، والجزائر عامة ..الشكر موصول للأستاذ أحمد حمدي مدير دار الثقافة الذي لا يني يداه مفتوحتان لكل مسعى يرسخ الجمال والخير في القطاع الثقافي..
         إنني وبحكم حضوري بين يوم وآخر لحضور إنجاز هذا العدد فإني أشدّ على يدي الدكتور عادل محلو رئيس تحرير المجلة الذي كان له الفضل في جمع مادتها، والاتصال بالكتاب، وتحضير النصوص، والتنسيق والمتابعة والتنفيذ مع الفنان التشكيلي الرائع كمال خزان المبدع والصبور والفرح دائما بكل عمل جديد يتسم بالجمال والدهشة .. ما أروع المثقفين الذين يعملون بصمت ويقدمون أحسن الوجبات للإنسانية ..يا لله كم أنتم رائعون ليبارككم الله ويباركم مساعيكم.

الجمعة، 12 ديسمبر، 2014

لماذا تراجعت الملتقيات الأدبية في الجزائر؟

       مساهمتي في ملف " ديوان الحياة" الأسبوعي بيومية الحياة الجزائرية حول ( الملتقيات الأدبية) الذي يشرف عليه الكاتب والروائي والإعلامي الخير شوار
                               ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لماذا تراجعت الملتقيات الأدبية في الجزائر؟
بشير خلف: الملتقيات الأدبية.. تبقى فضاء للتواصل والتعارف والتثاقف
الأربعاء 10 ديسمبر 2014
        يبدو لي قبل أن نبحث عن تواري الملتقيات الفكرية والأدبية المتميّزة التي كانت تختصّ بها بعض الحواضر الجزائرية؛ بل حتى بعض المدن الداخلية من الجزائر العميقة كما كان حال ملتقى القصة القصيرة بمدينة سعيدة، وملتقى الرواية بقسنطينة، وملتقى محمد العيد آل خليفة للشعر ببسكرة وغيرها؛ أن نتساءل: هل كانت هذه الملتقيات مرتبطة بجمهور مثقف كان حريصا على حضورها من نفس الحاضرة، أو من جهات كثيرة كان يحجّ إليها المثقف، والكاتب والمبدع؛ وعلى حسابه الخاص، وكانت القاعات عامرة بالكتاب، والمبدعين كما هي عامرة بالجمهور المثقف الذي يعشق الإبداع، ويتذوّقه، ويناقش بعقلانية، وبذوق راقٍ ممّا كان يُعطي للملتقيات والندوات ألقًا وفعالية.. هل لا يزال هذا الجمهور المثقف موجودا؟
       نحضر اليوم ملتقيات ثقافية في هذه الولاية، أو تلك لا نجد أثرا للجمهور المثقف من المجتمع، تنظمها هذه الهيئة أو تلك، وكم يشقى منظموها في توجيه الدعوات، والاتصال بمن يروْن أنهم أهلٌ للحضور، وفي غالب الأحيان يكون الحضور مخيّبا للآمال. وليس الأمر في الجامعات أحسن حالا، فبمجرّد أن تتمّ مراسيم الافتتاح، وتبدأ الجلسات العلمية يبقى في القاعة غير المُحاضرين الذين أغلبهم غايتهم الحصول على شهادة المشاركة للاستفادة منها في الترقية، أو الطلبة الذين عادة ما يحضرون تلبية لأمر أستاذة الاختصاص، أو الأستاذ.
      أتذكر أن المحاضرة، والندوة في السبعينيات وحتى الثمانينيات في قاعة الموقار، أو في قاعة النفق الجامعي، أو قاعة اتحاد الكتاب الجزائريين، أو فروعه خاصة فرع وهران، وقسنطينة ،وكذا المركز الثقافي الإسلامي، أو في جامعة الجزائر المركزية خلال مناقشة رسائل التخرج، كانت القاعات تضيق بالجمهور من أطياف متعددة من المجتمع. كما كان الطلاب يتسابقون على المقاعد مع الأساتذة، والجمهور أيضا من خارج الجامعة يظل فارضا حضوره حتى انتهاء المناقشة، أو المحاضرة.
       في السنوات الأخيرة وحتى في أيامنا هذه تنظم هذه الجامعة، أو تلك ملتقى يتعلق بالشعر، أو بالسرد، أو المسرح ،أو بالنقد، أو ما يتعلق بالإبداع الأدبي فلا تستدعي أي مبدع من خارجها، ومن يحضرون من المبدعين فقد يكونون أساتذة، وما هو مؤكد أن الطلبة فيهم من سلكوا درْب الإبداع، ولهم مواهب وبإمكان الجامعة اكتشافهم، ورعايتهم، وإبرازهم في هكذا ملتقيات، ولكن لا يُلتفت إليهم؛ والعكس أن الملتقيات التي ينظمها القطاع الثقافي مركزيا، أو محليا لا يحضرها أساتذة الجامعات، ولا يُوصون الطلاب بحضورها حتى يبرزوا، ويشاركوا في الفعل الثقافي في المجتمع، ومنهم سيتكون المجتمع المثقف الذي يُعوّل عليه مستقبلا. .حتى النوادي الأدبية بأغلب الجامعات اختفت.
        قد يقول قائل : غياب الجمهور المثقف من الساحة يعود بالدرجة الأولى إلى انتشار وسائل المعرفة الحديثة التي صار في إمكان الكبير والصغير، المتعلم والمثقف، الطالب والأستاذ الحصول عليها من مصادرها، وبأسرع وقت، ولا حاجة لهكذا ملتقيات وندوات. . ومن ثمّة يرى عدد من المثقفين أن هذه الملتقيات الأدبية فقدت قيمتها وأهميتها، ولا أمل منها في التأثير على المشهد الثقافي. كما أن العديد من هذه الملتقيات هي تكرار مُــمِلٌّ لبعض المواضيع والوجوه، التي همّها في الحضور على المتعة السياحية أكثر من ممارسة الثقافة في الملتقى، كما أن تلك الملتقيات هدرٌ للمال، الذي من الأولى صرفه على المثقف والثقافة؛ كما أن التوصيات التي تخرج بها تلك الملتقيات كل عام مكررة ودون متابعة لتوصيات الملتقيات التي سبقتها، ودون أن يحمل هم تنفيذ التوصيات الجديدة.
        السؤال الجدير بالطرح : هل نحن فعلا بحاجة لمثل هذه الأنشطة والفعاليات الثقافية في الوقت الذي يفترض أن تصرف الأموال المخصصة لها في قضايا أكثر أهمية؟ .

       في تقديري الشخصي ونتيجة التجربة والمعايشة الشخصية، وإشرافي المتعدد في التنظيم والإشراف على العديد من الملتقيات والندوات، وكذا المشاركة في العديد من الملتقيات المحلية، والجهوية، والوطنية تبقى هذه المنابر الثقافية فضاءً ضروريًا يلتقي فيه بعض الكُتّاب والمبدعين، وخاصة المبدعين الشباب، والباحثين لتبادل التجارب والاستفادة من هذا الاحتكاك الثقافي.. احتكاكٌ أبانت الوقائع جدواه لهم من حيث الظهور، والاستفادة، وصقْل التجربة، وخاصة في الإبداع الشعري حينما يلتقي جمْعٌ من الشعراء يتفاوتون جيليا وتجربة شعريا في خيمة في الهواء الطلق.. إن أغلب الكتاب والمبدعين في الجزائر إنْ لم أقلْ كلهم تكوّنوا واستفادوا، وأنا واحد من هؤلاء أُقرّ أني استفدت من هذه الملتقيات، وتكوّنت فيها وفيها تعرّفت على الكثير من الكتاب والمبدعين، والمثقفين.

الرواية

الرواية

بشير خلف

يُقال : بأن الرواية هي البنت المدلّلة في فضاء السرد " المديني " وأنّ مبدعها متماهٍ كليا في عالم المدينة.. إنْ كان هذا القول صحيحًا؛ فماذا نقول عن مبدعي الرواية الشباب المعاصرين الذين تألقوا في هذا الجنس السردي الجميل، وهم بعيدون عن المركز ؟

الجمعة، 5 ديسمبر، 2014

 احتفائية الإعلان عن نتائج المسابقة الوطنية للرواية القصيرة ــ ط 2 ـ

   احتفائية الإعلان عن نتائج المسابقة الوطنية
للرواية القصيرة ــ ط 2 ـ
بقلم: بشير خلف
         مساء الثلاثاء 02 ديسمبر 2014نظمت الرابطة الولاية للفكر والإبداع بالوادي، وبالتنسيق مع مديرية الثقافة بالوادي، ودار الثقافة محمد الأمين العمودي احتفائية ثقافية متنوعة قصائد شعرية، ومقاطع موسيقية للمطرب الأستاذ  المتألق غزال عبد الرحمن ، والفنان المتميز العازف على الكمان مناني نور الدين حضرها نخبة متميزة من شخصيات ثقافية، ومسؤولين سامين في قطاع الثقافة، والتربية ، وكتاب، وشعراء ، ومثقفين ، وفنانين من داخل وخارج الولاية بمناسبة الإعلان عن نتائج مسابقة الرواية القصيرة الوطنية في طبعتها الثانية
        افتتح الاحتفائية الأستاذ الدكتور حسن مرموري  مدير الثقافة الذي أشاد بجهود الرابطة التي يرأسها الأستاذ والكاتب الأديب خلف بشير ثم أعطى إشارة الافتتاح..

       تلاه السيد رئيس الرابطة الذي تحدث عن مجريات المسابقة الوطنية للرواية، وكيفية تنظيمها، والإعلان عنها، في وسائل الإعلام والإنترنيت والفيسبوك، وكذا ومراسلة كل مديريات الثقافة وطنيا في شهر فيفري 2014 ، وتحديد منتصف شهر اجوان لقبول المشاركات التي بلغت تسع مشاركات توفرت فيها الشروط المطلوبة لتُحال على لجنة القراءة والتقييم المتكونة من السادة الدكاترة : نصر الدين وهابي من جامعة الوادي، والدكتور عميش عبد القادر من جامعة الشلف، والدكتور ميسوم عبد القادر من جامعة الشلف.

       تناول الكلمة بعد الوصلة الطربية الدكتور نصر الدين وهابي مقرر لجنة التقييم ، حيث أشاد التقرير بمستوى الروايات التسع المشاركة التي اتسمت بالمستوى الفني الجمالي الراقي، وتقنيات الحكي، وتوظيف الأحداث المعاصرة، فالمشاركون استفادوا من الثقافة المعاصرة السردية، بعض النصوص المشاركة تجاوزت ،أو تساوت مع نصوص روائيين يحتلون الفضاء السردي العربي، وأن رابطة الفكر والإبداع بهذه المبادرات دفعت إلى المشهد الثقافي الجزائري والعربي مبدعين جددا إلى ساحة السرد. 
   وإذْ تشيد اللجنة بالنتائج المُتوصّل إليها، تؤكد بحرارة أن كل النصوص الروائية القصيرة المُشارَك بها تضمّنت الكثير من عناصر البناء الروائي رغم التفاوت فيما بينها في الأدوات، واللغة، والموهبة؛ وهو ما يشير بإمكانية تطور ونجاح هذه القدرات السردية إذا استمرّ أصحابها في ممارسة الكتابة الروائية.

     كما تؤكد اللجنة بحرصٍ أن هذه المبادرة المنظمة من طرف الرابطة الولائية للفكر والإبداع بولاية الوادي تُعدُّ تجربة نادرة، ورائدة وطنيا، وتستدعي التشجيع والدعم المادي والمعنوي، مثلما تتطلب المؤازرة إعلاميا وأكاديميا؛ وعليه تهنئ اللجنة الفائزين، وتثمن المسابقة، وتشكر الرابطة ومعها كل السلطات التي ساهمت في صياغة الطبعة الأولى.
           علما أن المشاركات في المسابقة كانت من عدة ولايات جزائرية من تلمسان إلى الوادي مرورا بالبليدة، الجلفة، ورقلة، سكيكدة ، وغيرها.

         في هذه الطبعة الثانية حيث عادت الجائزة الأولى إلى الشاب عيساوي محمد عبد الوهاب من ولاية الجلفة عن روايته " بين السييرا وعين الأسرار " أما الجائزة الثانية فكانت من نصيب الشاب عبد المنعم بن السايح من دائرة تقرت ولاية ورقلة عن روايته " المتحرر من سلطة السواد " وكانت الجائزة الثالثة من نصيب الشاب قدور مهداوي من البليدة عن روايته " باب السبت "
        وكانت الجوائز المالية كالتالي :
الجائزة الأولى : سبعة ملايين سنتيم 70.000.د.ج
الجائزة الثانية :ستة ملايين سنتيم 60.000 د.ج
الجائزة الثالثة: أربعة ملايين سنتيم 50.000د.ج
      وتعهّدت الرابطة بطبع الروايات الفائزة في مدة أقصاها ثلاثة أشهر، على أن يتسلّم كل فائز 350 نسخة.



       

السبت، 15 نوفمبر، 2014

أمة تتفتت

 أمة تتفتت
بشير خلف

      اختلاف الأعراق، والمذاهب الدينية ليس مسوغًا لتفتيت الأمة الواحدة؛ فأبناء الهند، والصين أكبر أمتيْن عددا، وأكثرهما تعدّدا في الأعراق ..ارتضوا العيش معًا، وهاهم ينعمون بالسلام الاجتماعي، والوثبة الاقتصادية الرائدة المتنامية.

الأربعاء، 5 نوفمبر، 2014

لا أؤمن البتة بمصطلح "أدب السبعينيات"

لا أؤمن البتة بمصطلح "أدب السبعينيات"
 حاوره: الخير شوار
الثلاثاء 4 نوفمبر 2014/ يومية الحياة الجزائرية
 
لم تكن بداية القاص المخضرم بشير خلف عندما نشرت له مجلة "آمال" مجموعته القصصية الأولى في سبعينيات القرن الماضي، بل كانت محطة جديدة في مسيرته الأدبية الطويلة التي يواصلها بطرق مختلفة بكثير من الصبر والعناد والإصرار..
حاولنا الاقتراب من عوالمه الأدبية، فكان هذا الحوار مع "ديوان الحياة".
1- ما رأيك لو بدأنا الحوار من لحظة تبدو فاصلة في حياتك.. كيف تستعيد لحظة استلامك أول نسخة من العدد الخاص من مجلة "آمال" الذي كان يحمل مجموعتك القصصية "أخاديد على شريط الزمن" سنة 1977؟ 

ب.خ : المفارقة أني لم أستلم العدد الخاص من وزارة الثقافة مباشرة ، أو عن طريق البريد، إنما ابتعته من مكتبة بمدينة الوادي كانت في كل شهر تصلها المجلات الثقافية العربية من تونس، مصر، لبنان، العراق، ليبيا، السعودية(الفيصل)، قطر ( الدوحة) ، وكذا مجلة الثقافة ، ومجلة " آمال" ..وأنا أدخل المكتبة كعادتي كي أقتني ما ألِــفت اقتناءه من تلكم المجلاّت العربية، فاجأني صاحب المكتبة بمجلة آمال يمدها إليّ، ويهنئني، وأنا لم أصدّق أن يصدر عدد خاص لي وحدي، ولا يشاركني فيه أحدٌ.. غادرت المكتبة لأجد نفسي دون وعي منّي أجلس على رصيف الشارع غير آبهٍ بحركة المرور، ولا بالمارّين، ولعلّ ما أبهرني ذلكم الإخراج الجيد، وذلك التصميم الرائع للفنان التشكيلي الموهوب الطاهر أومان.. لوحة تشكيلية معبّرة عن عتبة المجموعة وقصصها.. إبداع جمالي راقٍٍ في تقنية الألوان وتوظيفها.
وكأنني غير مصدّق أن يصدر لي هذا العمل الإبداعي، فبمجرّد عودتي إلى المنزل قرأت القصص المنشورة بالمجلة تباعًا، وقارنتها مع النسخ الموجودة عندي، كان التطابق التام.. أن يصدر لك عمل أدبي في ذاك العهد ومن طرف هــيئة رسمية تتولّى الإشراف على الثقافة في الدولة الجزائرية، وتنعدم مؤسسات أخرى للطبع والنشر في البلد، يعني أنك وضعت رجلك في مسار الإبداع والكتابة.
2 ــ وكيف تقرأ تلك النصوص وأنت على مسافة بعيدة جدا عنها ؟

ب.خ : لعلّه من حسْن الصدف أني هذه الأيام أعيد كتابة هذه النصوص بنفسي تحضيرا لإصدارها مع غيرها في " المجموعة غير الكاملة " ..هذه الكتابة أعادتني إلى مضمون هذه النصوص لأجد أن أغلب القضايا التي كانت تؤرق الإنسان الجزائري هي نفسها اليوم، بل تضاعفت، ولعلّ الذي لفت انتباهي أمران إثنان أن التقريرية كانت سائدة في بعض النصوص القصصية، ثانيا خلوها من الإيروتيكية الفاضحة.. نصوص قصصية لا تخلو من التلميحات الجنسية العفيفة التي يتطلبها حدث القصة، دون أن تكون هي الغاية كأغلب السرديات المعاصرة.
3- بدأت زمنيا مع "جيل السبعينيات" الأدبي. هل توافق أولا على المصطلح ؟ وهل كنت تنتمي إلى تلك الجماعة التي أثارت جدلا طويلا في حينها؟ 

ب.خ : بدءا لا أؤمن البتة بهذا المصطلح إلاّ في إطار المجايلة العمرية بين الكتاب والمبدعين، ثم إنني بحكم بعدي عن العاصمة لم أشعر يوما أني أنتمي إلى هذا المجايلة.. يقيني الراسخ أن المبدع ابن بيئته، ومعايشُ محيطهِ، منه يستمد مضامين نصوصه. إن روائيي السبعينيات إذا ما سلّمتُ شخصيا بهذا المصطلح لايزالون حاضرين إنتاجا فكريا، وإبداعا أدبيا في الوقت نفسه الذي دخلت فيه الساحة الروائية أسماءُ جديدة تحاول بداية من ظهور المأساة الوطنية طرْق مواضيع جديدة، وبأساليب مغايرة في الكتابة تمثل الجيل الجديد من روائيي التسعينيات، وروائيي هذه السنوات من الألفية الجديدة، هو تداخل جيلي عمري لا أكثر.
في تقديري الكتابة الأدبية أكثر تعرضا من غيرها من الفنون الأخرى إلى التحول، والتطور بفعل التجريب، وبفعل تطوّر الحياة، واختلاف الأحداث اليومية المحيطية والعالمية، والقراءات الشخصية المختلفة؛ ومن هنا تنشأ رغبة كل جيل جديد في إحداث الفارق الفني، وفي السعي إلى التجاوز عمّن سبقوه.
4-بعد كل هذه السنين، ماذا تبقى من "جيل السبعينيات" الآن؟ 

ب.خ: بكل أسف إن هذا المصطلح موجود إلاّ في الجزائر، إذا سلّمنا بهذا المصطلح فهذا الجيل منه من تُوفّي، ومنه من توقف عن الكتابة نتيجة العجز وكبر السن، ولكن العديد لا يزالون أحياء ويكتبون ويبدعون، وتماهَـــوْا مع الأدب المعاصر في تيماته الحداثية دون أن يُقحموا أنفسهم فيما أطلق عليه الأدب الاستعجالي الذي وثّق للمأساة الوطنية واندثر، أو في النصوص السردية الإيروتيكية التي صارت الثيمة الرئيسة في النصوص السردية للسنوات الأخيرة.. أقلام من ذلك الجيل كان منطلقها الأول مجلة " آمال" والصحافة المكتوبة كصحيفة الشعب، والنصر، والجمهورية، والمجاهد الأسبوعي، ومجلة الثقافة؛ لكن البعض منها اليوم انطلق من المحلية إلى العالمية بامتياز، من طرف أسماء لم تهو: واسيني الأعرج، أمين الزاوي، الحبيب السايح، محمد ساري، بقطاش مرزاق، محمد زتيلي، زنير جميلة، زهور ونيسي ....وغيرهم، نصوص قمة في الفن والجمال، والقيم الإنسانية السامية.. نصوص يفتخر المتلقّي لمّا يحتفظ بها في مكتبته، ويعود إليها بين الحين والآخر، عكس العديد من النصوص الجديدة التي لا يندم المتلقي على منحها، أو الإلقاء بها في زاوية غير ناوٍ الرجوع إليها.
5-على غير العادة ما مجايليك، بقيت وفيا للقصة القصيرة والمقال ولم تتحوّل إلى الرواية. لماذا هذا الاستثناء؟ 

ب.خ: حتى القصة لم أبق لها وفيا، آخر مجموعة صدرت لي سنة 2007 ..انشغلت منذ تلك السنة بالكتابة عن مواضيع جذبتني إليها كالجمال، والفنون، والكتابة للطفل، والمجتمع المدني، وثقافة الحوار ...لتكون الحصيلة إحدى عشر كتابا، إضافة للمجموعات القصصية الخمس.. فيما يتعلق بالرواية، المادة لدي والحمد لله موجودة نتيجة خبرتي الطويلة قبل الثورة، وأثناءها، ثم مرحلة الاستقلال وما بعدها، وقراءاتي المختلفة للرواية ..مراحل كلها عشتها، وتفاعلت معها، لديّ مشاريع في هذا الإطار عساني أشرع فيها عمّا قريب.
6-بالمناسبة كيف تقرأ تجارب أدباء السبعينيات الروائية، مقارنة مع ما كتبه المؤسسون وما كتبه اللاحقون بعد ذلك؟

ب.خ : بكل صدق وموضوعية تأثّرت كثيرا بالنصوص السردية لأدباء جزائريين كتبوا قبل الاستقلال وأثناءه، ولا علاقة لهم البتّة بهذه التسمية التي في غير محلّها " جيل السبعينيات " رواية نجمة لكاتب ياسين. أيام قبائلية، ابن الفقير، الدروب الوعرة، الأرض والدم لمولود فرعون. محمد ديب وثلاثية الجزائر: الدار الكبيرة، الحريق النول، وغيرها والتي عرفتها كل الأسر الجزائرية في حلقات تلفزيونية رائعة.. نصوص مالك حداد : سأهبك غزالة، المعلم والتلميذ ،رصيف الأزهار لم يعد يجيب...
نصوص إنسانية رائعة ..نصوص أدباء المرحلة الموالية كنصوص الطاهر وطار وعبد الحميد بن هدوقة، عبد المالك مرتاض، الحفناوي زاغر، محمد مفلاح، الدكتور محمد مصايف، عبد العالي عرعار، الهاشمي سعيداني... رغم أنْ كان بعضها مؤدلجا، إلاّ أن الثيمات الجمالية والفنية كانت واضحة، وكانت وثيقة إبداعية تاريخية بامتياز.
7-عاصرت أجيالا من الكتّاب الجزائريين وارتبطت بصداقات مختلفة معهم؟ كيف تقرأ كل جيل؟ ثم هل تؤمن بمقولة " قتل الأب" في الأدب ؟

ب.خ: انتمائي لاتحاد الكتاب الجزائريين سنة 1973 يوم أن كان يجمع كل الأطياف الأدبية، وعضويتي في مكتبه الوطني لمدة خمس سنوات يوم أن كان يجمع الصحافيين والمترجمين، ومعايشتي للمنابر الثقافية العديدة بالجزائر والمدن الكبرى كقاعة المقار، وقاعة النفق الجامعي، ومقهى اللوتس بديدوش مراد، ومشاركتي حتى الآن في الملتقيات والندوات الفكرية والأدبية ،عوامل ساعدتني على القرب من أغلب الكُتّاب والمبدعين حتى الشباب منهم في السنوات الأخيرة جعلني استخلص بأنّ مقولة: " قتل الأب في الأدب " مقولة يطرحها البعض من الذين أوهموا أنفسهم ــ خطأ ــ أن من سبقوهم يحُـولون بينهم وبين الوقوف على أرجلهم، وتصدّر الساحة الأدبية، وتناسى هؤلاء أن النص الأدبي الراقي لا يؤمن لا بالمجايلة، ولا بوجود الأب الوهمي، وأن الساحة الأدبية تسع الجميع.
8-كيف تأقلمت مع التكنولوجيا الجديدة وتكيّفت معها في عمر متقدم ؟

ب.خ : بدأت أتعامل مع التكنولوجيا الحديثة وأنا مسؤول في التربية قبل تقاعدي، أي في منتصف التسعينيات لمّا زوّدتْ مديرية التربية مكتبي بجهاز حاسوب قديم يتعطّل باستمرار، هذا التعطّل المستمر جعلني ألجأ إلى صديق لي كان رئيس بلدية له خبرة تسبقني وقد عاد إلى التدريس، فكان كلما تعطّل الجهاز استنجدت به، وكنت ألاحظ أولا إصلاح العطب، ثم صرت أساهم في الإصلاح، وفي الآن نفسه أتدرّب على تقنيات الكتابة؛ إضافة أني ربطت علاقات تقنية مع شباب آخرين لهم تكوين في إدارة الحاسوب وبرمجته، ومن هذا التكوين العصامي الذي سمح لي بولوج عالم الأنترنيت في بداياته، والصراع في التقاطه في أقاصي الصحراء بصيغة 15/15 ثم التعايش مع تطوره، ومنه التعرّف على المواقع، والاستفادة منها، وكذا إنشاء مدوّنة خاصة بي في أوت 2008 " سوفْ. أوراق ثقافية " وولوج عالم النشر في عديد المواقع .. خطوات تأسّست على التحدّي وتجاوز الذات، والبحث عن المعرفة من مصادرها الواسعة المختلفة، ثم نشْــر أعمالي في هذه المواقع، والتواصل مع المثقفين والكتاب في الجزائر وخارجها.
عوامل إيجابية مكنتني بأن أتمرّس في فنيات الكتابة الإلكترونية بحيث كل مؤلفاتي من آخر مجموعة قصصية " ظلال بلا أجساد " الصادرة 2007 إلى إحدى عشر كتابا فيما بعد؛ إضافة إلى كل إصدارات رابطة الفكر والإبداع التي أرأسها كلها أنجزتها بنفسي كتابة، وتصفيفا، وتنسيقا، وتجهيزا للطبع مباشرة.. الحمد لله أني إضافة إلى ذلك ساعدت العديد من الكتاب والمبدعين في إعداد أعمالهم للطبع بنفس الكيفية. كما أني أتعامل حاليا مع آخر تكنولوجيات الهواتف الذكية، والوسائل السمعية البصرية الحديثة.
9-بالمناسبة بشير خلف ينشر كثيرا في المواقع الالكترونية والمدونات. كيف تقرأ ما يُنشر في تلك المنابر؟ وهل أضاف شيئا للمتن الأدبي الجزائري؟

ب.خ : الأدب الجزائري المعاصر من خلال هذه المواقع انفتحت له فضاءات التفاعل مع فضاءات عربية وغير عربية، وتحرّر من الضيق والإقصاء اللذين كانت تمارسهما المنابر الثقافية داخل الوطن، هذا الانفتاح سمح بتعرّف الآخرين على النص الأدبي الجزائري، ومقارنته مع غيره.. في هذه الفضاءات احتلّت النصوص الجزائرية الريادة، بل تفوقت على غيرها؛ وإلاّ كيف نفسّر اليوم تلكم الجوائز، والمراتب الأولى للنص الجزائري في المشرق العربي، ومنطقة الخليج، وفي أوروبا.. كما أن هذه النصوص بفضل هذه المواقع وجدت لها مكانة في المجلات الشهرية والدورية، والصحف اليومية العربية كمجلة دبي الثقافية، الدوحة، الفيصل، القدس العربي، الحياة، ...

http://www.elhayat.net/article10100.html

الثلاثاء، 28 أكتوبر، 2014

             ثقافة المواطنة والتحديات المعاصرة

               ثقافة المواطنة والتحديات المعاصرة
بشير خلف
       بمناسبة الذكرى الستين للثورة الجزائرية المباركة انتظم المنتدى الثقافي الشهري للرابطة الولائية للفكر والإبداع بولاية الوادي بدار الثقافة الجديدة مساء الأمس الثلاثاء 27 أكتوبر 2014، وبالتنسيق مع مديرية الثقافة ودار الثقافة محمد الأمين العمودي .. حضر المنتدى جمْعٌ مميّز من المثقفين، والمبدعين، والمهتمّين بالمشهد الثقافي، ومن هؤلاء مسؤولو قطاع الثقافة بالولاية: الدكتور حسن مرموري مدير القطاع، الأستاذ محمد حامدي مدير دار الثقافة، الأستاذ تامة التجاني مدير المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية، إضافةً إلى أساتذة جامعيين.
     أدار الجلسة الفكرية بشير خلف رئيس الرابطة والتي كان موضوعها:( ثقافة المواطنة والتحديات المعاصرة) من تقديم الدكتور أبو بكر منصور أستاذ علم النفس بجامعة الوادي.. الأستاذ الحركي المعروف بتآليفه وكتاباته العديدة، ومشاركته الدائمة في الحراك الثقافي.
     الموضوع المطروح جاء في وقته، وتزامن مع تراجع حبّ الوطن، والغيرة عليه، وجهْل العامّة بثقافة المواطنة، والتي نتيجة هذا الغياب سيطرة ثقافة المطالبة بالحقوق دون القيام بالواجبات حتى وإنْ كانت الإمكانات غير متوفّرة ممّا دفع بالعديد من المواطنين في السنوات الأخيرة لمّا لا يُستجاب إلى مطالبهم يلجؤون إلى العنف كقطْع الطرقات، وتهديم المرافق العامة، وحرْق المؤسسات، ونهْبها.
       تطرّق الأستاذ المحاضر في البداية إلى مفهوم المواطنة كمفهوم غربي حديث ارتبط بالدولة الحديثة بداية من منتصف القرن الثامن عشر ليتبلور أكثر في القرن التاسع عشر لمّا برز المجتمع المدني كقوّة موازية للسلطة يطالب بالحقوق المدنية للفرد والجماعة، مذكّرا بأن المواطنة كان الإسلام سبّاقًا لها حيث أوّل من أسّسها عمليا الرسول الكريم في المدينة المنوّرة، أوّل من أنشأ المجتمع المدني هناك الذي من أركانه المواطنة.

      المواطنة وفق المحاضر هي انتماء الإنسان إلى بقعة أرض واستقراره الدائم بها مع متساكنين آخرين، أي مواطنين مثله يشكلون معًا أمّة.. يخضعون معا للقوانين والنظم المسيِّرة لهذا المجتمع، حيث يستفيدون من نفس الحقوق، كما يؤدون نفس الواجبات.
      إن العنصر الأساسي في المواطنة هو " الانتماء " الذي من خلاله يشعر المواطن أنه منتمٍ إلى هذا الوطن، وهو جزء من هذه الأمة طالما أنه يعيش بين ظهرانيْها وعلى أرضها حتى وإنْ كان مولودا في دولة أخرى ويحمل جنسيتها، فالمواطنة روحها الانتماء بغضّ النظر عن العقيدة الدينية، أوالاختلاف الإيديولوجي.
       ولمّا نتكلّم عن الانتماء واستفادة كل المتساكنين في الوطن الواحد تبرز أمامنا فكرة الديمقراطية التي تُسوّي بين الجميع، وترتبط بها الحقوق المدنية كالحق في الحياة ،الحق في الحرية ،المساواة، الحق في العمل ، الحق في التعليم، الحق في الحماية الصحية، الحق في السكن، الحق في التنقل،...الحقوق السياسية كالحق في التعبير، الحق في تولّي المناصب السياسية والإدارية، الحق في التوظيف في كل القطاعات، الحق في الانتخاب والترشّح. الحقوق الاقتصادية والاجتماعية كالحقّ في المساواة وعدم التمييز وتكافؤ الفرص،التوزيع العادل للموارد والأعباء، الضمان الاجتماعي، توفير السلع العامة، العدالة بين الأجيال، الغذاء الصحي الكافي، توفير المياه، الرعاية الصحية.
       في بلادنا تعني المواطنة عند أغلب المواطنين حقوق دون واجبات، ومن هنا نشأ عندنا مفهوم المجتمع المُعال الاتّكالي؛ فالدولة في هذا المنظور عليها واجبات إعالة الجميع: (توفير لقمة العيش والوظائف والسكن والمقعد الدراسي والعلاج المجاني بالإضافة إلى سلسلة الخدمات الأخرى، فضلا عن تأمين سبل الحرية والأمن والاستقرار). وينتهي الحديث عند هذه الحدود، دون الإشارة إلى واجبات المواطنة في مختلف المجالات، التي تجعل المسؤوليات شراكة بين الدولة والمجتمع، وعلى رأس الواجبات أداء الضرائب، احترام القوانين والعمل بها، الخضوع لسلطة الدولة، الدفاع عن الوطن، وفي صدارته أداء الخدمة الوطنية، أداء الواجب في الوظائف، والأعمال.

      في الشقّ الأخير من المداخلة تطرّق المحاضر إلى التحديات المعاصرة التي تحول دون بلورة ثقافة المواطنة لدى المواطن العربي بما في ذلك الجزائري كالجهل بهذا المفهوم، تمركز الفرد حول الحقوق دون الاستعداد لأداء الواجبات، ضغْط المحيط الخارجي، والنزاعات الدولية وخاصة العربية التي لا يستطيع المواطن الفكاك من تأثيرها، الخوف الدائم من هذه الأحداث، الضغط المعيشي اليومي.. إن ثقافة المواطنة تبدأ من المدرسة وفي السنوات الأولى من التعليم، تقوم بها كل مؤسسات التنشئة الاجتماعية؛ كما أن ثقافة المواطنة تتكوّن بمرور السنوات عندما يسود الأمن والاستقرار داخل البلد، وتعمّ الطمأنينة، ويسود التسامح والعيش المشترك .
       كانت مداخلة قيِّمة؛ بل هي مجموعة من الاستفزازات، والتساؤلات  استهدفت طرْح الموضوع وإثارة النقاش لإثراء الموضوع من طرف الحضور، فكانت التساؤلات كثيرة والنقاش ساخنا، والمداخلات جوهرية و مفيدة، والإجابات مقنعة و ثرية ؛ ممّا أطال من زمن الندوة.


الأحد، 26 أكتوبر، 2014

أبو القاسم سعد الله .. بعيون مختلفة

      أبو القاسم سعد الله .. بعيون مختلفة
       قراءة في كتاب
بقلم : بشير خلف

      المرحوم الدكتور أبو القاسم سعد الله من كبار المثقفين الجزائريين الذين حملوا هموم أمتهم، ومجتمعهم ، متسلّحين بالأصالة التي استمدّوها من الثقافة العربية الإسلامية؛ والفعالية التي اقتبسوها من المناهج الغربية الحديثة المُحْكمة، في ظل ظروف مثبّطة ومعاكسة، لم تمنعهم من الإبداع، والمساهمة في تنوير المجتمع والأمة وحلّ مشكلاتهما، وخدمة العلم والثقافة، وترقية الإنسانية.
       الدكتور أبو القاسم سعد الله الذي ولد سنة 1930م بضواحي البدوع ..المنطقة الفلاحية غربي قمار بولاية الوادي، ‏وهو باحث ومؤرخ، حفظ القرآن الكريم، وتلقى مبادئ العلوم من لغة ‏وفقه ودين، وهو من رجالات الفكر البارزين ومن أعلام الإصلاح ‏الاجتماعي والديني في الجزائر والعالم العربي، والذي غادر دنيانا مساء يوم السبت 14 /12/ 2013 م.
     
      الرجل كان موسوعة علمية وفكرية.. تلاميذه وتلميذاته الذين نهلوا من فكره الغزير، ومنهجه العلمي الفريد.. هؤلاء الذين لا يمكن حصرهم منهم العديد صاروا أساتذة، ودكاترة في الجامعات الجزائرية وخارجها، كما أن الأساتذة الذين زاملوه وصادقوه وعملوا معه في الجامعة الجزائرية، لم ينسوا تلكم السنوات التي كان لهم فيها نعم الصديق، ونعم العالم الموسوعي، ونعم القدوة .
      هؤلاء جميعا رأوا أنهم مدينون إليه، فكان الوفاء من خلال مساهمتهم جميعا في كتاب أشرف على إعداده، وجمع مادته الدكتور نجيب بن خيرة.
    
     الراحل أبو القاسم سعد الله القائل:
« إنّ الأمم التي لها حضارات قادرة على الصمود والمقاومة، هي التي تفرض نفسها على الحضارات الأخرى، وهي التي تمجّد تاريخها، وتفتخر به، وتجعل له من الرموز ما يصبح به مثلاً يُحتذى، وهدفًا جديرًا بالتقليد؛ بينما الأمم التي ليس لها نصيبٌ في الحضارة، أو تخلّفت عن ركبها بعض الزمن نتيجة عجزها عن المقاومة تحاول أيضًا تمجيد ما عندها من رموز، فترفعهم إلى عليّين، وتحيطهم بهالةٍ تجعلهم بهالة يبلغون بها السماء.»

أبو القاسم سعد الله .. بعيون مختلفة.‏
     عنوان الكتاب الذي أصدرته أخيرا مؤسسة : عالم المعرفة للنشر والتوزيع لصاحبها الأستاذ رضا رحموني والكائن مقرّها بالمحمدية، بالجزائر العاصمة.
      الكتاب من الحجم الكبير به 85 مقالة تضمّها 421 صفحة، فضلاً عن المقدمة، والإهداء المُوجز إلى روح أبو القاسم سعد الله.
     جاء في المقدمة التي كانت بقلم الدكتور نجيب بن خيرة الذي أشرف على الكتاب:
« إنّ أقلّ ما يجب على الأمة لمن عاش حياته مجاهدا في سبيلها، مسبحًا باسمها، مدوّنا لتاريخها، حافظا للسانها، ذائدا عن حياضها، مدافعًا عن حقّها... أن تجعل يوم وفاته أحد أيامها الخالداتـ تهرع فيه إلى تمجيد ذكره، وإعلاء قدره، فتستطيب الحديث عنه، وتستملح سيرته، وتجعل أجيالها طرًّا ذاكرة تحفظ صورته، وعيونا تقتفي آثاره، وقلبًا منقوشًا على صفحاته الفراق... والأمم الكبيرة تكبر بقدْر ما تُجلّ عظماءها، وتُعلي من قدرهم، وتكرّم مثواهم؛ فإذا تناستهم وهم أحياء، ونسيتهم وهم أموات...فتلك بليّةٌ كاسفة، ليس لها من دون الله كاشفةٌ...! !»
      مقالات الكتاب الخمس والثمانون قيلت أيام وفاة الراحل، وكذا إثر ساعات دفنه في الصحافة الوطنية المكتوبة، وفي المنابر الجامعية.. مقالات أنصفت هذا الرجل العظيم، منها مقالة شكر وتقدير لنجله الدكتور أحمد ..شكر وتقدير لكل من واسى عائلة الفقيد، وشكرٌ خاصٌّ ليومية الشروق التي فتحت صفحاتها لعدة أيام سواء في نسختها الورقية، أو الإلكترونية لكلّ من أدلى بشهادة حول الفقيد، ثم إن الشروق هي السبّاقة في تنظيم يوم الثلاثاء 17/12/2014 جلسة تأبينية تحدّث فيها لفيف من رجال القلم، ومن أصدقاء المرحوم عن ذكرياتهم معه، وعن خصاله.
       لا نستطيع أن نُورد أسماء كل الذين وردت مقالاتهم في الكتاب في هذا الحيّز المكاني، فقد نكتفي بذكر بعضهم :
الدكتور إبراهيم لونيسي، الدكتور أحمد سعد الله، الدكتور أحميدة عميراوي، الأستاذ أرزقي فراد، الدكتور أزراج عمر، الأستاذ بشير بوكثير، الأستاذ التهامي مجوري، الأستاذ الطاهر الأدغم، الأستاذ الطيب برغوث، المرحوم أبو القاسم بن عبد الله، الدكتور حسن تليلاني، الأستاذ حميد عبد القادر، الأستاذ سهيل الخالدي، الأستاذ صالح عوض، الأستاذ عبد الحميد عبدوس، الأستاذ عبد الله عثامنية، الأستاذ عدّة فلاّحي، الأستاذ عز الدين ميهوبي، الدكتور الأمين بلغيث الأستاذ محمد الهادي الحسني، الدكتور مخلوف عامر، الدكتور ميلود عويمر،...

     أجمع كل من كتبوا عنه، وأدلوا بشهاداتهم عن المؤرخ والأديب الراحل الدكتور أبو القاسم سعد الله أن الفقيد كان منبع علم يغترف منه الباحث المتعطش، وقد وهب حياته من أجل إشاعة العلم والمعرفة في أوساط المجتمعات الإنسانية. وأفادت هذه الشهادات بأن " شيخ المؤرخين" كان يعتبر المعرفة الوسيلة الوحيدة لتحقيق وإرساء ما كان يسميها ب"أطر النهضة المعتدلة" فهو بحق كان أحد أعلام الإصلاح الاجتماعي والديني في العالم العربي لإيمانه "أن التغيير لابد أن يمر هادئا بالدعوة المستمرة إلى العلم، ونشر أسس وأبجديات التعلم". وتشير هذه الشهادات  إلى "أن اهتمام الدكتور أبو القاسم سعد الله العلمي الأكبر قد انصبّ على التحقيق، والتقصي، والكتابة في عمق الدراسات التاريخية لاسيما تاريخ الجزائر الثقافي لإيمانه القوي بأن معرفة الأمم لتاريخها هو إرهاصات بداية تحقيق وثبة نوعية مميزة تشمل شتى نواحي الحياة ".
     وهو القائل عن الجزائر المعاصرة وهي تدخل الألفية الثالثة وهو يتحدث عن بمرارة عن واقع المدرسة الجزائرية في كتابه " خارج السّرب " ص 24:
«... إن الربط بين المؤسسة التعليمية، ومستقبل البلاد الاقتصادي، والاجتماعي أمرٌ محتومٌ؛ إذْ من المفروض في هذه المؤسسة أن تُجذّر الهُويّة الوطنية في أذهان الشباب، وأن تساهم في وقْف أمواج هجرتهم، أو الهروب من بلادهم إلى أوطان أخرى يجهلون أجناسها، ولغاتها، وعاداتها.
     إنّ الرعب الذي كان يصوّره التلفزيون الجزائري أمام الأطفال، والعائلات قد نفّر الكثيرين من واقع بلادهم، وجعلهم يبحثون عن المَهَاجر، أو الأوطان البديلة.»
        وهو يجيب عن مجموعة من الأسئلة طرحها عليه منذ سنوات بشير حمّادي مدير أسبوعية الحقائق حينذاك، منها سؤال فحواه :
ـــ  انشغالكم بالكتابة التاريخية لم يبعدكم عن الكتابة في الشأن الراهن، وهموم الوطن والمواطن منذ الاستقلال، فما هو تقييمكم لسنوات العسر واليسر؟
       كان ردّه رحمه الله :
« لم أتخل يوما عن متابعة أحداث البلاد الجارية، سواء كنت أعيش داخلها أو في غربة عنها، وهناك أسباب وراء ذلك فأنا منذ حياة الطلب كنت أهتم بالأدب والتاريخ والصحافة، والصحافة والأدب تجعلان المرء يعيش الواقع ويتفاعل معه وينفعل به، وأعتقد أن كل مواطن يجب أن يحس بما يجري في البلاد باسمه، وبما يجري في بلاد العرب والمسلمين بحكم الانتماء إليها، بل عليه أن يحس بما يحدث في العالم من حوله لأنه يؤثر فيه وعليه سلبا وإيجابا، وها نحن نتحدث عن العولمة والقرية الصغيرة، فكيف لا نتفاعل مع ما يجري من حولنا ولا يكون لنا رأي فيه؟ بعض الحكام لا يريدون إشراك محكوميهم، ولو بالرأي فيما يقومون به، فهم يريدون أن يفعلوا ما يشاؤون بدون مساءلة ولا رقيب، إنهم يريدون الحكم في غفلة من شعوبهم، فإذا تحركت الشعوب، مع ذلك، فهم لا يريدونها واعية صامدة، وإذا فعلت سلطوا عليها وسائل الاستبداد من زبانية وقوانين جائرة حتى تبقى مقموعة مكبوتة، ونحن نتذكر ما كان يفعله معنا الاستعمار، فطالما نحن نيام على حقنا جاهلين لحقوقنا كان الاستعمار سعيدا فاعلا لما يريد معتبرا البلاد وأهلها في حالة استقرار ورضا، أما إذا تحرك الناس وقرأوا الصحف واستمعوا إلى الإذاعات، واجتمع بعضهم مع بعض في جمعية أو حزب أو نقابة وتحدثوا عن الحقوق والواجبات فإن الاستعمار تثور ثائرته ويلجأ إلى الوسائل الجهنمية لإجهاض أي تحرك، إن ذلك من طبائع الأشياء فليس هناك فرق في ذلك على الأغلب بين حكم استعماري وحكم وطني، فعلى المواطنين حينئذ أن يظلوا يقظين مهما كان الحكم، وقد رأينا حكاما كثيرين أساؤوا السلطة ولم يردعهم أحد، ورأينا قوانين جائرة أجيزت في غفلة ممن يعنيهم أمرها، وفي كل حين تزداد الضرائب وتبذر الأموال ولا نرى أو نسمع  تنديدا أو رفضا لانتخاب الحاكم الجائر، ولا انسحابا من الحزب الذي يدعمه، وها نحن نرى ˜الديمقراطيةŒ تُـــرفع شعارا فقط لا حقيقة، بينما تجري السفينة في اتجاه آخر وهو اتجاه الديكتاتورية والاستبداد.
       إن ما أطلقتم عليه ˜سنوات العسر واليسرŒ يدخل في هذا الحيز، فلو كانت فيه مساءلة وشفافية لما حدث العسر، ولو كانت الأمور بيد الشعب لاستفدنا من اليسر فائدة جلى، لقد حاولوا أن يجعلوا من الشعب أداة ولكنه لم يسلم لهم القياد، من حسن الحظ، رغم أنه عانى من العسر ولم يستفد من اليسر حتى الآن لقد حاولوا ˜مرمطةŒ الأرض به، وإدخاله إلى جهنم بالخديعة والإغراء ولكنه ظل شامخا، لقد فهم اللعبة ولكنه لم يستطع أن يوظفها لصالحه.. » { الحوار كامل في ثلاثة أعداد من أسبوعية الحقائق، الأعداد: 21،22 ،23 }
       رحم الله الرجل وأسكنه فسيح جنانه.. يرحل العباقرة وتبقى أعمالهم، وخصالهم، ومآثرهم في خدمة الإنسانية     
     
        الكتاب الذي بين أيدينا أشرف على جمْع مادته، وتنسيقه الدكتور الباحث، والأستاذ الجامعي بجامعتي الأمير عبد القادر، والشارقة بالإمارات العربية المتحدة، وتولّى طبْع الكتاب ونشره الأستاذ رضا رحموني صاحب دار عالم المعرفة للنشر والتوزيع الكائن مقرّها بالمحمدية بالجزائر العاصمة الذي أبى إلاّ أن يوزعه دون مقابل إكرامًا لروح الراحل سعد الله .



الخميس، 23 أكتوبر، 2014

الأزمة أزمة غياب مشروع ثقافي مجتمعي متكامل

         مساهمتي في ملفّ " ديوان الحياة " لجريدة الحياة الجزائرية الذي يشرف عليه الكاتب الروائي الخير شوار الصادر يوم الأربعاء 22 أكتوبر 2014..أزمة المقروئية في الجزائر، هل سببها النص الذي لم يرتق إلى مستوى المتلقّي ؟ أم المتلقّي ليس في مستوى النصّ ؟ أم هناك أسباب أخرى؟
                          ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بشير خلف: الأزمة أزمة غياب مشروع ثقافي مجتمعي متكامل
الأربعاء 22 أكتوبر 2014 / يومية الحياة الجزائرية
       في العقود الأخيرة من القرن العشرين كانت الشركة الوطنية للنشر والتوزيع ( S.N.E.D) بالكاد الشركة الوطنية الوحيدة التي تحتكر طباعة، ونشر الكتاب بالجزائر، وعدد النسخ التي تُـطبع حينذاك مرتفعة، وثمن الكتاب منخفض جدا، لأنه مدعّم من الدولة، ومكتبات الشركة منتشرة في أغلب الحواضر الجزائرية، حتى تمنراست، وبشار، وورقلة؛ إلاّ أن الكتب ظلت مكدسة في مخازن الشركة، وخاصة بمخزنها الرئيس بباب الوادي، وفي السنوات الأخيرة من عمر الشركة عشرات العناوين لكُــتاب معروفين جزائريين سيما الروايات كنّا نشتريها بدنانير لا تزيد عن أصابع اليد من مكتبات الشركة التي تستقبل أعمال الكُتّاب باللغتين، ولجان القراءة بها تُــقيم فترفض، أو تقبل، فتطبع وتسوق، والدولة سخّرت لها كل ما يساعد على نشْر الكتاب إلى أبعد نقاط الوطن، ورغم ذلك الكتب مكدسة، بالرغم حينذاك أن نسبة المقروئية مرتفعة مقارنة بأيامنا هذه.
      ومنذ سنة 2007. .سنة الجزائر عاصمة للثقافة العربية التفتت وزارة الثقافة إلى الكتاب، وتولّت طبع مئات العناوين في كل مناحي الفكر، وحفّزت الكُـــتاب، والمبدعين على التأليف، فظهرت في الساحة الثقافية أعمال كل من لديه موهبة الكتابة، إلاّ أن هذه الكتب التي تتكفّل بها الوزارة لا تُباع؛ بل تُــوزع على المؤسسات الثقافية، والمكتبات التابعة لوزارة الثقافة ومنها المكتبات الرئيسة بمقر الولايات، وفروعها البلدية؛ إلاّ أن الملفت للانتباه أن هذه الكتب بدورها مكدسة بهذه المؤسسات، بل منها ما يزال في الكراطين، وأغلب المثقفين، ومنْ هم في حاجة إلى هذه الكتب لا يعرفون عنها شيئا لأن علاقتهم بهذه المكتبات شبه منعدمة، بل حتى المؤلف الذي يأخذ نسبة عشرة بالمئة من ثمن الكتاب لا يأخذ من دار النشر التي تطبع كتابه في إطار عقد مع الوزارة أكثر من عشرين نسخة لا تكفي حتى أصدقاءه، فلا يتمكن من ترويج كتابه، أو التعريف به، ولا يحد كتابه في أيّ مكتبة كي يشتريه، وترفض دار النشر منحه، أو بيعه نسخًا أخرى.
        مجهودات كبيرة، وأموال تُصرف لنشر الكتاب، وتوزيعه، وتقريبه من القارئ الكبير والصغير وباللغتين، إضافة إلى تنظيم أيام للمطالعة، واحتفائيات " القراءة في احتفال " بأغلب ولايات الوطن، ضفْ إلى ذلك تزويد هذه المكتبات المنشرة في كل الولايات، والعديد من البلديات بآلاف العناوين في كل مجالات الفكر الإنساني، والعلوم والتكنولوجيا كل سنة من آخر الطبعات من مصر، لبنان، المغرب، السعودية، فرنسا، بلجيكا، وغيرها؛ إلاّ أن دخول هذه المكتبات والاشتراك فيها، والاستفادة منها محتشم؛ حتى أن مسؤولة مكتبة وهي تُـــريني آلاف العناوين المرتبة بالرفوف، وأخرى وصلت حديثا تنتظر دورها في الفهرسة ثم الترتيب تأسفت بمرارة على هذه الكنوز من المعرفة الإنسانية التي لا تجد من يُــقبل عليها.
        تكدّس الكتب في المخازن، ورفوف المكتبات دون أن تمتدّ إليها يد القارئ الجزائري ليست في القطاع الثقافي العام؛ بل حتى في دور النشر الخاصة حيث نجد من بين أزيد من مئة دار نشر خاصة، منها خمسة دور نشر كبرى تابعة للقطاع الخاص تتوفر فيها معايير الاحترافية السائدة في دور نشر العالم المتقدم، هذه الدور التي تصدر سنوياً ما يقارب 500عنوان في دار القصبة والبرزخ، وألفا ديزاين وهومة، والشهاب إلى جانب جمعيات ثقافية تتقاسم مع هذه الدور سوق الكتاب في الجزائر من بينها جمعية الجاحظية، وكذا رابطة كتاب الاختلاف التي استطاعت نشر أزيد من 150عنواناً منذ تأسيسها العام 1998إلى اليوم.
       في تقديري الشخصي المعضلة ليست في النص.. فالنص الجزائري المعاصر ذو مستوى عالٍ؛ إنما المعضلة في عدم وجود القارئ، وذلك نتيجة انعدام مشروع ثقافي استراتيجي متكامل كسائر القطاعات الأخرى بالمجتمع، مشروع تتعاضد فيه كل القطاعات المهتمة بالتنشئة الاجتماعية، والثقافية، والتكوينية، من خلاله يُكوّن القارئ منذ صغره في علاقة حميمية مع الكتاب بدءا من الأسرة.

       المقروئية كما هو معروف تحصل بإجادة مهارات القراءة والتعوّد عليها بالدربة لتتحوّل إلى مطالعة واعية تثقيفية، مُـنطلقها الأول، والأسرة الجزائرية بالرغم من تحسّن مستوى الدخل لديها، ولدى الطبقة الوسطى من المجتمع الجزائري، فإنها تُــنفق على الكماليات، واقتناء الأجهزة المنزلية، وآخر صيحات الأثاث ،ولا تنفق على الكتاب، والنظام التربوي يؤكد على الأعمال التربوية التكوينية المكملة، والمدعّمة للعملية التعليمية كالأنشطة الجمالية، والترفيهية، والمطالعة المخصصة لها أسبوعيا حصصا زمنية، والكتب بالمؤسسات متوفرة بما فيه الكفاية؛ إلاّ أن الأساتذة والمدرّسين يهملونها، أو يعوضونها بمواد رئيسة.
http://www.elhayat.net/article9520.html

الجمعة، 17 أكتوبر، 2014

بشير خلف عطاء فكري متواصل

                 فضيلة معيرش ..... بشير خلف عطاء فكري متواصل
يومية الوطن الجزائري:12/10/2014
بقلم: فضيلة معيرش
       شغفه بالأدب ضارب في القدم .. أحلامه سامقة .. نضاله متواصـل ..إصراره على خلق التميز فتح في وجهه عوالم التفرد ؛ فهو عصامي التكوين ، لم ينتسب إلى أي معهد...
إرادته وطموحه جعلا منه تلميذا في بداية مشواره يتفوق على أقرانه .. انتمى إلى سلك التربية والتعليم كمعلم سنة 1964 م ثم مكونٍ بعدها ... كاتب شقّ مجاري الدمع العصيّ بثقة ومثابرة . نبعه الإبداعي يخرج من بين صخور عمره المثخن بالمرارة، والقسوة وخاصة أثناء مشاركته في الثورة التحريرية وسنه لم يتجاوز التاسعة عشر.. الثورة التي سجن لأجلها .
      كان متقدا ومحبا للعلم والتحصيل ، تلقّى القسط الوافر منه على يدي علماء أجلاء في سجن " لامبيس " بباتنة كسجين سياسي...قبض على المعاني وقد خبر مضامينها ودلالتها وسبر الناس والأماكن والأزمنة ، وإنْ كان الأدب الموجه للعقل يحمل رسالة ويحقق كذلك التوازن بين الفرد والبيئة
        الكاتب بشير خلف نشأ ببيئة صحراوية بولاية الوادي وبالتحديد بقمار ، ويظل مفتخرا بالصحراء وهو القائل فيها : « الصحراء ذلك السحر الأسطوري الكامن في المخيال الجمعي للإنسانية عامة ، وفي الذاكرة العربية بشكل خاص ، حيث تبرز الصحراء في الوعي ، والمُخيّلة مَـجْمَعًا للنقائض، منسجمة مع طبيعتها المتقلِّبة ، فهي لا تسكن حينًا حتَّى تثور، ولا ترضى لحظة حتَّى تغضب، تفرح فيتحوَّل الكون إلى مسرح شعريّ رائع، وتغضب ، فيكون في غضبها الهلاك والشقاء. » .
       ...وإنْ كان بدأ في ملازمــــــة الإبداع السردي منذ سنة 1972 م . يقول عن السرد وارتباطه بالصحراء : « إن للصحراء سردَها، وسرد العرب في جذوره سردٌ صحراوي إجمالا، إذا كان يخيّـل إلينا أن الشعر هو فـــنّ الصحـــــراء الأثير، أو الوحيد فإن ذلك الوهم سببه ثبات الشعــــــر أكثر من النثر ، والمرويات السردية؛ أن الشفاهية هي مفتاح الصحراء وعنوانها، وهي مفتاح السرد الصحراوي حتى بصيغة المعاصرة المتأثرة بالكتابة والكتابية.. إنها الكتابة بلغة الرمل.. " .
       بشير خلف كاتب غزير في كمه وعطائه ...تغريك غزارته تجوب مدنه الإبداعية دون أن تستطيع الإلمام بها. تعنيك قوة حجته ، تماهيه المتقن في التنقل السليم بين الماضي ، ومجاراته للحاضر ، وتأمله في المستقبل .. حتى عتباته - عناوين مقالاته تبدو غاية في الانتقاء، وهو القائل :
« عتبة النص العنوان إنها أولى العتبات، أو العلامات التي يتلقاها القارئ لفك مفاتيح النص ومعرفة فحواه وهو المفتاح التقني ، والعتبة الأولى للنص بما يؤديه من وظائف انتباهية و إغوائية وتسويقية وجمالية، ومن هنا تأتي أهميته في شدّ الانتباه ، وتوجيه مسار القراءة بما يحقق غايته ومرماه. »
ويقول أيضا الدكتور الطيب بودربالة في العنوان باعتباره عند السميائيين:
« العلامة الدالة والشيفرة المتوجة للعمل الإبداعي ، ويعتبر العنوان أيضا عندهم التاج وقمة النتاج الإبداعي والكاتب المقتدر هو الـــذي يستطيع المواءمة الواقعية بين العنوان وعمله الإبداعي »
      ويقول أيضا: « العنوان نصٌّ مختزل ومكثف ومختصر ، إنه نظام دلالي رامز له بنيته الدلالية السطحية، وبنيته الدلالية العميقـــــــــة مثل النص . ولا يخفى على أحدٍ وجود شبه كبير بين العنوان وتسمية المولود الجديد ، فالتسمية تؤسس لنسب الطفل واندماجه في الجماعة ، وكذلك الحال بالنسبة للعنوان الذي يؤسس لانتماء النص الأدبي والثقافي والإيديولوجي والحضاري » .
        ونستشفّ ذلك من خلال ارتباط عناوينه بالنصـــــوص باعتبار العنوان أيضا مرتبط بعدة وظائف احتوائية وتناصية والمرجعية والتأثيرية والجمالية وغيرها ... في مجموعته القصصية الخامسة " ظلال بلا أجساد " وقد تضمنت 12 قصة عكس من خلالها الظروف الصعبة أثناء العشرية الحمراء التي رسخت في ذاكرته؛ لذا نجد قصصه تستشف مضامينها من الواقع نظرا لاختياره العميق الضارب في الدقة فهو يتمتع بالسلاسة والأسلوب الشيق والجذاب يقول في مقطع من قصة " الرحيل" :
ــ يا إلهي.. شابٌّ مثلك في ريعان الشباب متحصّلٌ على إجازات جامعية عالية.. دبلوم الدراسات العليا في الفيزياء يتسوّل منصب عملٍ، كمدرّس في التعليم، وفي أيّ مستوى…؟!
        فيردّ عليه الشابّ بنوعٍ من التحدّي:
ــ التسوّل قد يكون مقبولا في وقت ما، وفي ظروف ما يا سيّد.
وبينما هو يتحاور مع الشاب رنّ الهاتف فينشغل رئيس المصلحة بالردّ على المكالمة، وأثناءها راح الشاب يسترجع ذكرياته.. فيتذكّر أيام الدراسة بالخارج، وتعرُّفه على زميلة له في الجامعة، فتنشأ علاقةُ حبٍّ وطيدة بينهما، فهي من أسرة ثريّة، لكنها أحبّت فيه نزعته الإنسانية، وقلبه الكبير.. كما وجدت فيه الهمّة العالية، والإرادة القوية ؛ وأحبّها هو لتواضعها، وصدقها، وتحلّيها بالقيم الأخلاقية النبيلة ؛ ولكن حبّه لوطنه، وشوقه لأمه المريضة أجبره على ترْك هذه البلدة الأجنبية، والعودة إلى الوطن، وكانت المفاجأة أن الوطن الذي أحبّه.. سوقُ العمل فيه أغلقت أبوابها في وجهه.
      يقول له الموظف :
ــ لو كنتُ في سنّكَ لساعدني دبلومٌ كهذا على عبور الحدود، واجتياز الموانع بطاقة الفتوّة، ولزرعتُ جسدي في كلّ مُــدُن العالم.» ص 28
يردّ الشابّ على الموظف قائلا:
ــ هذا نكرانٌ للأوطان، ولا يغفره التاريخ، ولا الأجيال الآتية.»ص29
      يبرز الكاتب الظروف النفسية، والاجتماعية للبطل، والبحث عن وظيفة .
يكشف الكاتب من خلال هذه القصة عن دوافع الشاب الذاتية، والاجتماعية والمهنية تارة بالإشارات وتارة بالتلميحات ، وحبه البارز للوطن والانتماء رغم المغريات والمتاحات عكس الموظف الذي ينعدم لديه الوفاء، وحب الانتماء ويغلب عليه الطمع ...هذه الآليات السردية التي تطبع رؤى وأساليب بشير خلف تجعله يخرج من نمطية التكرار ...وينحو منحى الاستقلالية والتفرد .
         فقصصه صادقة مرتبطة بالواقع، ومنخرطة فيه لذلك تبقي محافظة على خصوصيتها مهتمة بالوضع والوعي الاجتماعي ...والواقعية مرتكزة على جماليات الإبداع .
       بشير خلف وضع نفسه في مكان يقدم فيه لغيره العطاء الوافر.. حبه لغيره جعله يشكل توليفة موسومة بالعطاء . ينتج حبكاته ببراعة العارف المتمرس ...فالحياة كما يقال قصص أجملها ما يُــكتب بالدماء .
بتواضعه وتمكنه ولج مجالات إبداعية تؤسس لمملكته الخاصة؛ لأن الإبداع المتميز اختصاصه ... أفكاره تستلهم من واقعـــــــــــــه .
     الرجل مع كل نص جديد يزداد ثبوتا وبروزا ..ويبرز هذا في الدراسات، والمقالات العديدة في مختلف المجالات.
        يقول في انتقائه لمواضيعه : « سعيت من خلال كتاباتي في الجمال والفنون إلى التذكير بهذه المبادئ السماوية ، كما أني ذكرت أن الشعور بالجمال هو شعور فطري لدى الإنسان و القبح مكتسب ....»
      نصوصه لها علاقة وطيدة بالبعد الإيحائي ، نصوص تمنح له حق الإقامة الدائمة في مملكة الإبداع .
يقول في هذا الفيلسوف الفرنسي فولتير : « كلمة واحدة رقيقة أسمعها وأنا حي، خير عندي من صفحة كاملة في جريدة كبرى ، حينما أكون قد مت ودفنت » .
       بشير خلف حمل للكلمة معنى ، عزف على أوتار التغيير والفكر ، بحث عن عالم جديد للحياة ، لامس بريشته المحبة ونحت ملامح للتأمل ...هدفه منح القارئ عالما مختلفا .. رؤية جمالية ، لجأ فيها إلى الوضوح مع صبغة من الألوان ..فهو لم ينظر للحياة من جانب الضعف والخنوع .. بل استطاع مصاحبة الأخر ، وترجم أفكار تأمله ، وفك رمـــــــوز صعوبات واقعه .فاستطاع نشر بعد إنساني من خلال نصوصه التي لم تشابه غيرها.. هي نصوص متجددة وجديدة .
        تلك الكتابات التي كتبها في فترة السبعينات من القرن الماضي ما تزال تسطع من بين جنبات رؤاها ، ما تزال تنثر عبير التوجيه والتقويم بحقول البيان والواقع. يقول في دراسة بعنوان " ......" : "
تلك الكتابات التي أزاحت الأوجاع ...انبجست فاستحقت شرف الاستمرار – لفتت النظر إليها بقوة – استطاع من خلالها الوصول للهدف الذي كانت تصبو إليه .
       إن كان الجرح النازف لا يستطيع تضميده إلا أمهر الأطباء ...كــــذلك الواقع المزري لا يستطيع تحريره وتضميده بعد نفض غبار الاستعمار: أولا إلا الحرف النازف بقوة لتضمده الكتابة الهادفة ....ففي الجرح تتسع الكتابة ...
         بشير خلف دلّــل كتاباته من خلال خمس مجموعات قصصية، ومازال وفيا لهذا الفن المدلل ...منها
" أخاديد على شريط الزمن " صدرت سنة 1977 م
" القرص الأحمر " صدرت سنة 1986 م
" الشموخ " صدرت سنة 1999 م
" الدفء المفقود " صدرت سنة 1999 م
" ظلال بلا أجساد " صدرت سنة 2007 م
        يقول الكاتب والناقد الجزائري جيلاني شرادة في تلك المجموعات القصصية : « بشير خلف الذي عهدناه أديبا وقاصا مبدعا؛ بل وممن تطوَّر على أيديهم الفن القصصي الجزائري في مراحله الأولى، فهو من الجيل المثابر لفترة السبعينات من القرن الماضي .
قدم بشير خلف للمكتبة السردية في الجزائر خمس مجموعات قصصية كان لها تأثيرها على الساحة الإبداعية وبها عُـــرف كاتبنا »
       وقد طرق أيضا باب الكتابة للطفل التي تعـــد من أصعب الكتابات وهو القائل : « الكتابة لا تُمنح مثل الحرية هي موهبة.. ممارسة ، وشعور بالمسؤولية ...هي سعي مستمر للإمساك بزمامها ، ليس لها وصفة ،
كما ليس لها دواء ،القدرة على الكتابة للطفل تنبع من الذات أولا ، ثم من العيش بين الأطفال والتعرف عليهم     ومعرفة مراحل نموهم وخصائص كل مرحلة ...القراءة الكثيرة لعالم الطفل..» .
        أدرك بشير خلف أن الأدب الموجه للطفل يلبي شغفه ويكمل إعداده إعدادا صحيحا للحياة العملية من خلال المعارف المقدمة له في كثير من المجالات ...التاريخ الجغرافيا الدين والحقائق العلمية .»
ويقـــرّ مرة أخرى بصعوبة الكتابة للطفل ليقول :
« الكتابة للطفل عصية.. أغلب الكتاب الكبار في العالم أقروا بصعوبتها ، وعجزهم عن ممارستها ، وهذا ما وقع للكاتب - أوران هاريس – الذي كلما أراد أن يكتب للأطفال كان لابد أن يعيش معهم ...الأمر الذي اضطره بداية إلى العمل في مدرسة أطفال حيث عاش معهم بدرجة من الصدق يلعب معهم ، ويضحك معهم ..... وأيضا متابعة نشاطاتهم والانتباه والإصغاء لما يتعلق بهم .»
       وهو القائل : « الكتابة في حقيقتها فعْــــل ثوري ، وهي إنْ لم تكن كذلك ...يجب أن تكون » .
متواضع حدّ التأثير في الآخر لأنه يكتب بروحه وليس بقلمه ، يكتب بوجدانه وليس بنبضه .يكتب أيضا بإحساسه وليس بفكره يكتب لعشقه للحرف والصدق ...رجل لم تغلبه الظروف ، إمكانياته الفكرية عظيمة، يتمتع بقدْر كاف من التأثير ، قصة حبه لوطنه الجزائر وطن تفاني في حبه رعاه في قلبه .وصانه بعمق نضاله .
        فإن كانت الكتابة كما أشيع عنها مهنة الفقراء ، عند بشير خلف مهنة موسومة بالأوجاع ، لم يعبث بأوجاع غيره ...قد اقتحم مناحي الفكر الإنساني ، وأعترف له بالفضل بالعطاء ، ووضع لبنات في صـــــــرح الأدب من خلال التكريمات التي نالها وهو القائل : « إن الكتابة عند أي كاتب هي نوع من إثبات الذات وصورة لكينونته كمفكر ، وفضاء للترويج ...هي كلها ترسخ لفعل جميل يولد نوعا من الإدمان ...فالكاتب الموهوب والمتسائل لا تنطفئ لديه جذوة التساؤل » .
       هو كذلك يؤمن بأن الكتابة نوعٌ من التمرد الإيجابي الهادف للبناء، وليس الهدم وهذا ما نستشفه من خلال قوله : « خليق بالكاتب أي كانت نحلته ومذهبه أن يحمل في أحشائه بذور التمرد الإيجابي الذي يسعى باستمرار إلى أن يكون تمرده بنائيا وليس تهديميا ، بل وضع لبنات جديدة من أجل التنوير والتجديد وإبعاد كاد يعيق الإنسان في سيرته » .
        فالكاتب في نظر بشير خلف هو رسول المحبة والداعي المخول بنشر الخير والجمال ، والمخول أيضا بالدفاع عن الإنسان المقهور ، والوقوف بجانب القضايا العادلة التي يريدها أن تسود ، ويرى أيضا أقصد - الكاتب - بمثابة الموسيقار الذي يملأ الآفاق بأنغامه الإبداعيــــة الساحرة؛ لأنه سيتخذ من نغمه المناسب حلة مناسبة ليلبسها الحرف المناسب .. بلمسة جمالية مناسبة ، صادرة كسنفونية تعزفها الحروف والكلمات الهادفة فينتشي بها قلب المتلقي وتجد لأذنه القبول الكافي ...
       الكتابة عند بشير خلف هي رسالة مستمرة، ولا تتوقف عند مرحلــــة عمرية ، فهي تضمن التواصل مع الغير وكذا التعايش مـــــع الإنسان؛ لهذا نجده عضوا نشيطا وفاعلا في اتحاد الكتاب الجزائرييـــــن منـــذ
سنة 1973 م وعضو مؤسس مع طاهر وطار للجمعيـــــــــة الثقافيــة الجاحظية. يرأس حاليا الجمعية الثقافية الولائية بالوادي " رابطة الفكر والإبداع " .
       لغته بسيطة معبرة عن غايته الأدبية.. بعيدا عن لغة التداخل والغموض والإيغال في المتاهات .
ففي قصصه نجد الرسم الواضح للهدف والمطاردة الجادة للفكـــــرة والمعنى ومضامين تلك القصص فإنها تتوزع بين الذات والموضوع؛ حيث يعالج من خلال مخزونه الروحي الفكري والخيالي ...وغالبا ما يعني بقضايا المجتمع والناس التي كرس لها وقتـــه وجهده . وطارد فيها آليات أبعاد الحكمة والقيم ، وعكس مظاهر الحياة وسلوك الناس، وهذا على وجه العموم يبدو أنه يميز بالعموم الكتابات الصحراوية ...التي ترتبط أكثر بالبيئة وجانبها الجمالي والخيالي والعقلي والروحي، وعلاقة الأفراد المتماسكة والحميمية المتوارثة، والضاربة في العقل الصحراوي بقوة يقول في قصة ( التشظّي)، حيث نلمس فلسفة الكاتب واهتماماته بما يدور من حوله ، وطبائع الناس المختلفة، والتناقضات والتحديات وتمسك الكاتب بالفكرة المطروحة في كل عمل قصصي سردي باعتماده التكثيف الذي يطالعنا في العديد من الجمل والمونولوج الداخلي، والحالات النفسية ومهارته وشفافـــيته ليتمكن من النسج المكتمل للقصة كـــــــما يصوّر في هذا المقطع :
« تداخلت أصوات المعقّبين، أجمعت على تهدئة المتكلّم، وطمْأنته، وتثمين دوره منذ أن حلّ بالمنطقة. ابتسم بدوره، وبدا عليه الارتياح. مباشرة أخذ بضمّ الأوراق، وكأنه يُوحي إلى الحاضرين أن الجلسة انتهت .... . ويتدخّل أحدُ الحاضرين طالبا وجوب تكوين لجنة تحصر القضايا الهامّة للمدينة ؛ بينما كان هذا يطرح وجهة نظره همس أحدهم: « لقد أضعْنا وقتنا الثمين هذا الصباح.. إذا أردتَ قتْلَ مشروعٍ كــوّنْ له لجنة....»
فمضمون هذه القصة تمثل الوضعية الصعبة للمواطن وعدم وجود الكثير من الضروريات كالكهرباء والمياه الصالحة للشرب و السكن .
        الكاتب بشير خلف مازال ينثر فيض الود في نصوصه ممزوجة بشيمه النبيلة ، وغزارة معرفته ...وكم استطار فكري فرحا وأنا أتنقل بين نصوصه " في مجلة الحوار المتمدن " وهي تستقبلني بحفاوة ، وتحاورني لوقت متأخر من الليل ، وتكللني بمشاعر إنسانية فياضة.. تلك الرحلة مع منتجه تجعل القارئ يقر بروعته ، فيلامس أرضه الأدبية العامرة ويصاحب أفكاره المطروحة بموضوعية .
      هويته الفكرية أكدها من خلال نصوصه ، وتصالحه مع فكره ودفاعه عن رأيه ، ويحاور نصوصه ليخرج منها مواقف مؤيدة ورافضة تارة أخرى ...كل هذا وذاك عكس فلسفته ورؤاه الذاتية المغتربة داخل وخارج وطنه.. يقول في إحدى مقالاته بعنوان " الكتابة النسوية في الجزائر.. تحدٍّ لقيود، وتطلّع إلى إثبات الذات...
« شخصيا ومن خلال تجربتي الإبداعية، وخبرتي ..وقراءاتي الكثيرة للنصوص الذكورية والأنثوية أرى أن الملامح الأنثوية المنتِجة للنص الأدبي لا تنتقص من قيمته الفنية البتّة، ويجب في رأيي ألاّ تكون مقياسًا يُصنّف الأدب بسببه إلى أدب نسوي، وأدب ذكوري لأن ذلك عمليا لا يخدم القيمة الفنية للنص الأدبي المنتج، بل هو تصنيف نظري أكثر»
        لذلك نجد مقالاته تارة ناقمـــــة، وتارة مقوِّمة لاعوجاج ما ، كيف لا وهو الذي خبر ظلمات السجون في الفترة الاستعمارية ...؟
        حمل فكره وجابه به الكل فانتصر ، هو كاتب أراد أن يقول ما يشاء وقت ما يشاء وبالطريقة الراقية المثلى التي يشاء ...أثبت خصوصيته الفكرية ، خلق مواقف مؤثرة ، سلك دروب هموم بلده لينعش الأرواح العطشى لمنبع الكلمة العذبة .يأخذك في رحلته الكتابية لتكون شغوفا بها ، مبعثرا بين خلجات تعابيره.. مترنّما بأسلوبه المتماهي الأخاذ .. متناغما مع لغته الراقية..من أول سطر إلى آخره
إنْ كانت الثورة التحريرية ساهمت في شدّ عوده في مجال النضال، وفي مجال الحرف فأضحى فارسا من فرسان الحرف.
        يقول الكاتب والناقد الجزائري جيلاني شرادة : « ومنذ مطلع القرن الحالي قد توجه نحو الدراسات الفكرية، والبحوث الثقافية ذات الطابع العلمي التأملي والثقافي؛ منها خمس دراسات تتمحور حول العلم والأدب والفنون والجمال، وثلاث وقفات تأملية حاور فيها الكاتب الفكر والثقافة، وهي الكتب الأخيرة التي تحمل العناوين التالية : "وقفات فكرية" ، "مرايا" ،" مؤانسات ثقافية ».
      ويقول نفس الكاتب أيضا عن كتابه الأخير: " كتاب "مؤانسات ثقافية" للمبدع والمفكر بشير خلف هو أكثر من مؤانسات ، فحتى وإن عكست التسمية الحسّ الأدبي للكاتب، فهي في حقيقتها نقرات فكرية، وثقافية مُوقظة لمخيال المثقف، فارزة لتشابك خيوط الفكر المحلي والعربي، ومصححة لمواقف فكرية وقضايا ثقافية مختلفة .... .

      هي إذن أفكار ومفاهيم خاض فيها الكاتب بكل جرأة وجدية ، نافضا الغبار على العديد من التصورات والرؤى في الغرب الأوربي أو في الشرق العربي ، ليحط الرحال دائما عند الفرد والمجتمع الجزائري ، محللا لثقافته، وهويته ببعديهما العربي المتوسطي والإفريقي. مركزا على السلوك التربوي، والشعور الإنساني الراقي في تجلياته الحضارية أملا وطموحا لمعانقة كل ما هو سامٍٍ بنّاء، وراقٍ تنموي، يأخذ بنا نحو الأفضل من حلم الأجيال نحو التسلق السليم لسلم الحضارة .»
http://www.elwatandz.com/r_ation/etude/14969.html