السبت، 23 مايو 2026

 

مـذابـح الـكـتـب

كتب: بشير خلف

      الكُتب «خزائن» المعرفة، حفِــظت للبشرية «ذاكرتها»، وتراثها المكتوب. وما من أمة نهضت، وحلقت ـ عاليًا ـ إلا بجناحي العقول الراجحة، والكتب النافعة.

     ومن مفارقات التاريخ البشري احتضانه مظاهر عِشْــقِ الكلمة المكتوبة، واقتناء الكتب، وتدشين المكتبات. ومع ذلك ارتكب مدمرو الكتب «مذابح» تُـثبت عكْــس ذلك، وتمثلت في تدمير، وحرْق، وإغراق، ودفن الكتب، و«إبادتها».

    «مذابح» الكتب هي: إتلافٌ متعمدٌ من سلطة حاكمة، أو غازية، أو مجتمعية، أو فردية، أو أخلاقية، أو إيديولوجية.

      ويشمل الإتلافَ الشخصيَّ من أصحابها لأسباب علمية، أو عقدية، أو نفسية، بخلاف الإتلاف غير المقصود من كوارث طبيعية، أو نزاعات حربية.

     مذابح الكتب قد ترتكبها عائلات الشخصيات العلمية، والمؤلفين الأعلام بدافع الحفاظ على أُرْث الراحل المرحوم حتى لا تضيع، علمًا أن المرحوم في حياته لم يكن يبخل بها على أحدٍ.

    في مدينتي قمار، مدينة العلم والعلماء، مدينة الدكتور بلقاسم سعد  الله، والعلّامة الشيخ محمد الطاهر تليلي، والدكتور تجاني بوجلخة عالم الرياضيات، والشخصية الثورية الإعلامية الكاريزمية المرحوم الطاهر ابن عائشة، وابن القيّم شيخ القُرّاء في المدينة المنوّرة ابن قمار الذي ترك مكتبة زاخرة في كلّ مناحي المعرفة...وغيرهم من العلماء الراحلين.

     تركوا مكتبات ثريّة، فأغلق أهاليهم عليها الأبواب، لم يسمحوا للباحثين الولوج إليها، والاطلاع على كتبها، ومخطوطاتها حتى هذه الساعة.

      أذكُــرُ في عــقْد الثمانينات من القرن الماضي كان للمرحوم الطاهر بن عائشة برنامج تلفزي رائد رفقة فرقة تقنية شبابية، برنامج رحلاتي يدخل في إطار التعريف بمرتكزات الحضارة الإسلامية، جاب من خلاله جمهوريات الاتحاد السوفياتي سابقا المسلمة، وكذا دول الساحل جنوب الصحراء، والسنغال، وغيرها  بحثًا، وإظهارًا لمعالم الحضارة الإسلامية، ومنها المكتبات العامّة، والمكتبات العائلية، والخاصة  الفردية.

     فكانت إحدى رحلاته، يرحمه الله في سنة من سنوات ذلك العقد بمدينتي البهيّة، مدينة قمار، والتقينا، وطلب منّي مساعدته في الاتصال ببعض العائلات التي ورثت مكتبات قيّمة من أبنائها العلماء الراحلين، فـيا للحسرة، كان الرفض المطلق.

     مرّت أربعون سنة عن ذلك الحدث، وقد أكلت عوامل الطبيعة تلك الكتب، والمخطوطات، بل في بيوتات اُعيد ترميم البيوت، ونُقلت تلك الذخائر، ووُضِعت في أكياس الإسمنت، وكراتين البنان، وكُدّست فوق بعضها في القاراجات، والقبوات الأرضية.

      إنها لعمري مذابح الكتب قبل أن تكون (محارق الكتب).

        ــ السوال المطروح :

1ـــ من المسؤول الأول؟

2 ــ من المسؤول الثاني؟

3 ــ من المسؤول الثالث؟

.... من المسؤول ...؟

    

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

  مـذابـح الـكـتـب كتب: بشير خلف       الكُتب «خزائن» المعرفة، حفِــظت للبشرية «ذاكرتها»، وتراثها المكتوب. وما من أمة نهضت، وحلقت ـ عال...