الأحد، 4 أكتوبر 2026

 

 

لغة الصمت

قراءة وعرض:

      الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال عن فضيلة الصمت:

«إذا تمّ العقل نقص الكلامُ؛ وبكثرة الصمت تكون الهيبة».

    وقال الأديب المرحوم الشهيد غسان كنفاني:

«الصمت أفضل من النقاش مع شخصٍ تدرك جيداً أنه سيتخذ من الاختلاف معك حرباً، لا محاولة فهْمٍ.»

     

       الكلمة كالطلقة، لحظة تخرجُ لا عودة، لذا تتداول شعوب كثيرة في العالم، وبأشكال متعددة، حكمة راسخة:

« ما ندِم ابن آدم من صمت ».

     ويندر وجود شخص لم يندم على كلمة، أو جملة تفوّه بها، بقصدٍ أو دون قصد، فانعطفت به نحو موقف أثّر فيه، وأخذه إلى وضْعٍ لم يكن يخطر بباله.

     من هنا، لمّا ظهر في الساحة الثقافية كتاب المفكّر الفرنسي دافيد لوبروتون - David Le Breton، المولود عام 1953، «الصمت لغة المعنى والوجود -Du silence»، الصادر في باريس عام 2015، الكتاب الذي قام المركز الثقافي للكتاب بترجمته الأستاذ فريد الزاهي، وصدر بطبعته الأولى عام 2019.

   


      الإنسان كائنٌ ناطقٌ، يترجم أفكاره، وقناعاته، ومشاعره عبر الكلام. ومن هنا قد يتبادر إلى الذهن أن الكلام وحده، هو وصْلُ البشر.

     لكن الكتاب، في ستة أجزاء، وعبر 353 صفحة، يقول غير ذلك، ويدلّل على مقولته الأساسية بالرجوع إلى التاريخ الإنساني، وإلى مسيرة الإنسان عبر الأديان، والممارسة البشرية المتغيّرة عــبْر الزمن:

«الصمت، والكلام ليسا ضدّين، فكلاهما نشيطٌ ودالذٌّ، والخطاب لا وجود له من دون علاقتهما المتبادلة». (ص22)

 

      هكذا يؤكّد الكتاب أن الصمت ليس غياباً للكلام، بل هو حضورٌ من نوع آخر، يُحيط بكل ما هو مكتوب، وما هو منطوق، وما هو مسكوت عنه، وبما يُظهر أن الإنسان، في الأساس، موجودٌ داخل سديم من الصمت، وأن الكلام والأصوات ما هما إلا لحظات عابرة في سكون يحتلُّ الكون، من هنا جاءت إشارة الفيلسوف السويسري ماكس بيكار - Max Picard بالغةَ العمق:

«لا يمكننا تصوّر عالم ليس فيه إلا اللغة، لكن يمكننا تصوّر عالم ليس فيه غير الصمت».

     حين نأخذ بالحسبان الواقع الراكض، الذي بات يعيشه الإنسان اليوم، متنفّساً ما تنقله إليه وسائل التواصل الاجتماعي لحظةً بلحظة، ومنصّات الذكاء الاصطناعي التي لا تهدأ، فإن ضوضاء الكلام، وتلاحق صور الفيديو أمرٌ يكاد يحتل لحظته بكاملها، ويبعده عن لحظات صمتٍ، وصفاء بات أحوج ما يكون إليها.

     يصف لوبروتون هذا الواقع بجملة تشبه المرآة:

«أنتَ موجودٌ لأنك تسمعني، وأنا موجود لأني أتكلم. أما فحوى الخطاب فهو أمر ثانوي.. مجتمع يتواصل بقوة، ويتلاقى بشكل ضعيف. إن الوفرة التقنية للكلام تجعله غير مسموع، ومُتبادلاً، وتنزع القيمة عن رسالته». (ص 18)

      ثمّة حقيقة يعرفها كل من خاض حواراً حقيقياً في حياته:

عقل الإنسان لا يستطيع في آنٍ واحدٍ أن يستمع، وأن يُعِدّ ردّه، فحين ينشغل بالرد، يتوقف عن الإنصات، ويتحوّل الحوار إلى مواجهة بين صوتين لا يسمع أيٌّ منهما الآخر.

     الصمت هنا ليس ضعفاً، بل هو الفضاء الذي يجعل الكلام ممكناً وذا معنى. ومثلما يندسّ الصمت في لحظات الموسيقى الأجمل ليمنحها لحنها الأعذب، كذلك يكون الصمت، ولغة العيون هما اللحظة الأهم في أي حوار حقيقي بين شخصين:

«حين ينبع الصمت من العمق في خطاب ما، فإنه يضيء شرايين معنى يُغذّي الكلام ويجعله معقولاً وقابلاً للتبليغ، إنه يمنح الحياة للغة». (ص 53)

       لقد بتنا نعيش في لحظة زمنية متسارعة، مليئة بضوضائها وصخبها وكذبها، ومعاركها، مما يحتّم علينا الالتفات إلى الصمت: صمت أرواحنا، وصمت الطبيعة الأجمل. ذلك أن السرّ، كما يقول لوبروتون:

«يجد تربته الخصبة في الصمت، وعدوّه اللدود في الكلام».

     ربما لهذا السبب وحده يبدو الصمت اليوم أكثر الأشياء ثمناً، وأشدّها ندرة، في عالم لا يتوقف عن الكلام، أن تصمت فهذا فعلٌ من أفعال العيش، وربما أعمق تعبيرٍ عن الوجود.

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

    لغة الصمت قراءة وعرض:       الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال عن فضيلة الصمت: «إذا تمّ العقل نقص الكلامُ؛ وبكثرة الصمت تك...