الجمعة، 9 سبتمبر 2022

 أدبُ السجون أثناء ثورة التحرير المباركة

من كتابي الذي صدر أخيرَا:

( إيقاعاتٌ على الرّمْل)

الشعْرُ سجلُّ أدب السجون أثناء ثورة التحرير الجزائرية.ص:31 ـــ 32

 إنّ نظرة فاحصة لمعظم الشعر المكتوب في السجون بالجزائر أثناء الثورة التحريرية الكبرى لـخيْرُ دليلٍ على ذلك، ولأنّ الأدب كان مرافقًا دائمًا للأوضاع العامّة، فقد استطاع شعراء الجزائر من الثُوّارِ الأحرارِ، وبخاصّة السجناء المعتقلين تدْوينَ المعاناة بشتّى تفاصيلها، وصُورها في قصائدَ خلُدتْ، فكانت مواضيعُها تدور حوْل الظّلِمِ، والقهْرِ، والاضطهادِ، والحنين، والاستشراف للحرّيّة، والحياةِ الكريمة حتّى أُطلِقَ على الشاعر مفدي زكريا" شاعرُ الثورةِ" لأنه كان ثائرًا قبل أن يكون شاعرًا، وغيرُهُ في الجزائرِ كُـــــثَّرٌ. من هؤلاء الشعراء:

ــــ عُمر شكيري المجاهد، الشاعر أصيل مدينة قمار الذي أقام بأكثرَ من مُعْتقلٍð، وما كاد يتحرّر من الاعتقال حتّى فرض عليه الاستعمار الفرنسي الإقامةَ الجبْريةَ حتّى الاستقلال، وشعرهُ كلّه في فترة الثورةِ، وهو القائلُ[1]:

من شهر أفريل في العشرين حلّ بنا

 

طشّ العذاب يومًا كـــــــنّا بغافينا

وجدْتُ نـــــــفسي في الدّوزيام منزويًّا

 

خلا مـــــــــنها إلى العلياء تسامينا

في البرواقــــــــــــية ألْقـــــــــــــــــــــيْنا رواحلنا

 

وقبلنا الــــــــــخلْقُ ألْقوْها بتشْرينا

ومنهم منْ قـــــــــــــضى حوْلًا ومطْعمُه

 

من السّيّاط والتعــــــــذيبِ أفانينا

ليُخرجوا منه إقْرارًا بما اقــــــــــــــــــــترفت

 

يداهُ أو يـــــــــــــــأخذوا عنه براهينا

فما استطاعوا بشيء بعد أن عــجزوا

 

وكلّ ناقــــــــــــــــــمُهم عسْفًا وتفتينا

هنا شيوخٌ انحنتْ كالقوس أظْهُرُهم

 

والرأْسُ مشتــــــــــعلٌ شيْبًا وتخمينا

في الجسْم ضعْفٌ ولكن في عـــزيـمتهِ

 

صلابة الصّخْرِ لا تعــنو لشارينا

 



 هو عمر أبو بكر شكيري، ولد عام 1920 في بلدة قمار بوادي سوف، 


 

الأربعاء، 7 سبتمبر 2022

الكاتب القدير.. التواضع سمته

     من تجاربي الحياتية، ومن قراءاتي المتنوّعة خلصْتُ إلى أنّ الكاتب القدير، لا يزعم أنّه الأفضل، ولا يدّعي أنّ ما خرْبشه الأفضل؛ بل من سِماته التوقّف بين الفينة والأخرى لمراجعة مساره الكتابي، البحْثي، الإبداعي للتقييم، والتقويم، والتنقيح، والتعديل.

    ممّا ورد في تراثنا، وثقافتنا العربية في هذا المجال، أنّ القاضي الفاضل عبد الرحمن البيساني رحمه الله((526هـ - 596هـ) أحد الأئمة الكتَّاب، ووزير السلطان صلاح الدين الأيوبي:

«إنّي رأيتُ أنه لا يكْـتبُ أحدٌ كتابًا في يومه إلّا قال في غده:

ـــــ لو غُيّر هذا لكان أحسنَ، ولو زيدَ لكان يُسْتحْسنُ، ولو قُدِّمَ هذا لكان أفضلَ، ولو تُركَ هذا لكان أجملَ، وهذه من أعْظمِ العِبرِ؛ وهو دليلٌ على استيلاء النّقْصِ على جملة البشر.»

 

الأحد، 4 سبتمبر 2022

كلماتٌ عن الشيوخِ

     صدر منذ أيّام كتابٌ من تأليف الفقيه العلّامة المرحوم الشيخ محمد الطاهر تليلي( 1910 ـــ 2003م) بعنوان: كلماتٌ عن الشيوخ.

     دراسة وتحقيق وتعليق البروفيسور الكاتب، الباحث إبراهيم رحماني

    الكتاب من الحجم المتوسط في 156 صفحة، عن دار ومضة للنشر والتوزيع والترجمة. الكتاب بعد المقدمة في قسميْن:

1 ـــ تضمّن التعريف بالشيخ محمد الطاهر التليلي، وبالمخطوط.

2 ـــ نصّ الكلمات عن الشيوخ، شيوخ مدينة قمار، وعددهم بالكتاب: 14، كما تضمّن هذا القسم الثاني: خاتمة المحقّق، قائمة المصادر97 ، إضافة إلى المواقع.

     وممّا جاء في مقدمة الكتاب، بقلم المحقّق بروفيسور إبراهيم رحماني، أستاذ أصول  الفقه، والفقه المقارن بقسم الشريعة، جامعة الوادي:

« ...ومن الشيوخ العلماء في منطقة وادي سُوفْ: الشيخ محمد الطاهر التليلي الذي لم يكن شيخا يوقد البخور، ولا ممّنْ يعشقون البريق الخادع، والوجاهة الزائفة؛ ولكنه شقّ طريقه لأن يكون من ذوي العزم حين تفرّغ لرسالة التعليم، فكان عالِمًا، مربيا، وفقيها، مُصْلحًا، وشاعرا رساليا؛ قضى عمره المديد في ميدان التربية، والإصلاح، وخدمة القرآن الكريم، ونشْر الفقه، والفكر، والثقافة.ص:6 »

    الشيخ محمد الطاهر التليلي كتب في عديد المواضيع سيّما في التاريخ، ومن تلك المؤلفات، (مجموع مسائل تاريخية)، الذي يضمّ جملة من الأخبار التاريخية المتنوّعة، والفوائد الأدبية الرائقة، ومنها ما سجّله الشيخ من كلمات عن شيوخ مدينته، مدينة قمار، وعن بعْض آثارهم في ربوع وادي سوفْ، وفي مدينة قمار تحديدًا.

«...ولعلّ الخيط الرابط بين أولئك الشيوخ أنهم أسْهموا في وقْت عصيبٍ في صناعة المشهد الثقافي لمدينة قمار، كان هذا أواخر القرن التاسع عشر، والنصف الأول من القرن العشرين؛ كما أنهم لم ينالوا ما يستحقّون من الاهتمام بهم، وبآثارهم. ص:07

   وممّا توصّل إليه المحقِّق عند قراءة، وتتبّع حيوات أولئك الأعلام الشيوخ:

«...أنّ مشاربهم متنوِّعةٌ، فمنهم الصّوفيّ، ومنهم الإصلاحيّ، ومنهم من لا صلة له بالجانبيْن؛ كما أنّ فيهم المقرئ، والأديب، والفقيه، والقاضي، والصحفي، والمدرّس، والواعظ، والشاعر؛ وأنّ لكل واحد منهم جانبًا من المعاناة، وطَرفًا من التميّز. ص: 07»

الأعلام الشيوخ

1 ـــ أحمد دغمان القماري.

2 ـــ محمد بن البرّية القماري.

3 ـــ محمد الصالح بن الخوصي القماري.

4 ـــ عمار بن الأزعر القماري.

5 ـــ الطيب بن سي عمار القماري

6 ـــ عمر باري القماري.

7 ـــ أحمد بن القا القماري.

8 ـــ علي بن سعد القماري.

9 ـــ محمد الحفناوي هالي.

10 ـــ علي بن القِيم القماري.

11 ـــ بلقاسم بن الساسي القماري.

12 ـــ الطيب بن الزّا القماري

13 ـــ بلقاسم بن الشيخ محمد بن البُريّة.

14 ـــ أحمد بن سالم البي.

     العلّامة عمّار بن الأزعر

    وممّا سجّلع الشيخ الطاهر التليلي عن العلّمة المصلح عمّار بن الأزعر الذي هاجر إلى السعودية سنة 1937م فرارا من فرنسا، وأعوانها في قمار:

«...فالشيخ لم يغادر قمار حتى ترك فيها طابعه الإصلاحي، وترك في قلوب أهلها محبّته، وإجلاله، وتعظيمه، وإكباره ما حاشا فئة الطرقية العمياء لأنها على العكس من ذلك.ص:96»

    

 


                                      من أمْتعِ ما قرأْتُ، واستفدْتُ

الشعر ذلك الإيقاع الكوني في فطرة الإنسان..

رأي وموقف.

كتبه حبيب مونسي.

         سألني أحد المهتمين بالشعر عن موقفي من الشّعر الحديث، وعن التّحرر من الوزن والقافية، وعمّا يسمونه بالقصيدة الحرّة.. فقلت له بعد جدال قصير أنّني أرفضه جملة وتفصيلا، ولا أعده أبد الدّهر شعرا، بل أحسبه كتابة إبداعية  وإضافة نوعية لها جمالياتها الخاصة التي تنتظر من المنظرين والنقاد الجادّين أن يخطوا لها خصائصها ويحدّوا لها حدودها.. إنّنا نختلف في تحديد معنى الشّعر، ونختلف في طبيعته، ونختلف في الشّاعر الذي يبدعه.. فكيف تريد أن نتّفق حول أمور هي من الشّعر بمثابة الغريزة من الحيوان، والتي لا يلتفت إليها الشّعراء لحظة الإبداع، لأنّها إيقاعات في أنفسهم قبل أن تكون إيقاعات في الكلمات وزنا وقافيةً، فذلك لا يعدو أن يكون تجليا لها في نهاية المطاف.. فمن لم يدرك ذلك لا يمكنه أن يعي معنى الميزان لأنّه يراه آلة وحسب، مهمته وزن الأثقال، والحركات، ولا معنى للقافية، لأنّه يراها فقلا تنتهي عنده الحركات.. هذا وعي ساذج ناقص يُسيء إلى الشعر إساءة بالغة. فالوزن في ذات الشاعر غريزةٌ متأصلةٌ، رضعها مع إيقاعات الحياة من حوله، وحركة داخليةٌ مستمرةُ الإيقاع يحملها في ذاته كلّ حين. فلا يفارقها إلا وهو جثّة هامدة.. لأنّها نبضُ قلبه، ودفقُ أحاسيسه، ومجرى مشاعره.. تتعالى فيثور ويغضب، وتنبسط فيهدأ ويطمئن، وتنساب فيرضى ويطرب. فمن رآها غير ذلك، لم يعرف من شعر العرب شيئا، ولا ذاق من جناه رطبا ولا شهدا. لم يكن فيهم في جاهليتهم وبعد إسلامهم من يعرف شيئا يسمى العروض، حتى فسدت الأذواق، واضطر المتشاعرون مراجعَة أشعارهم وفق ميزان أُخرج لهم من فطرة العرب وإيقاعاتهم إخراجا، ووضع بين أيديهم ليهديهم إلى ذات التّناسق في ذواتهم، وقد اختل اختلالا.. حتى أنّهم سموا من يعتمد هذه الرّياضة اللغوية ناظما، وأبعدوه عن ساحة الشعر حتى لا يلوث فطرتها، أو يُحدث فيها من العورات ما يُحدثه المجرِّبون والمتساهلون، ثم يسمونه ضرورات شعرية، تورية لسوءات أفعالهم..

     إن الذين وقفوا عند عتبة الشعر الحر، وقالوا عنه أنّه موزون لاعتماده التفعيلة. غير أنّنا نعلم أن ليس هناك من قانون يضبط نوعها وعددها في الأسطر الشّعرية، وأن نازك الملائكة مثلا حددتها بسبع، وأن أقصرها سبب أو وتد.. وهذا الانفلات لا يصنع فنّا محترما أبدا، ولا يحدّد خصائص شعرٍ جديد مهما سلمنا بالفكرة، وسمحنا للشعراء بإجرائها فيما يكتبون. لأنّهم في كلّ الأحوال سيستسلمون للنّثرية شاءوا أم أبوا. والذي لا يلتفت إليه المشتغلون بالوزن العربي هو ما استخرجه الخليل بن أحمد الفراهيدي رحمه الله، حينما حدد الدّوائر التي عرفت بالدوائر العروضية.. وأثبت فيها الدّارسون من بعده حدود البحور المستعملة التي جرى فيها شعر العرب أنهارا متدفّقة على امتداد قرون متعاقبة. غير أنّنا حينما ندقّق في الدّائرة الواحدة التي نجدها تتوزع على أسباب وأوتاد، لا على تفعيلات، لأنّ الأسباب والأوتاد هي التي تصنع التّفعيلة. فهي المادة الإيقاعية الأولى، ومنها ينطلق الإيقاع الشعري. فهي أشبه شيء بمفتاح الخزانات المصفحة ذات الأرقام من 0 إلى 9.. ومنها يستطيع صاحب الخزانة أن يغلقها بالرقم الذي يشاء. فهناك آلاف من الأرقام هاجعة بين هاذين الرقمين. كذلك الأمر بالنسبة للسّبب والوتد في الدائرة العروضية. فإذا انتقلت من وتد إلى سبب، تشكّل على الدّائرة بحر من البحور مستعملا كان أم مهجورا.. وإذا انتقلت من سبب إلى وتد حدث الأمر عينه، ونشأ بين يديك بحر مختلف..

هذه الإمكانية العجيبة هي التي مكنت للإيقاع العربي أن يتمدّد، وأن يتعدّد إلى أشكال لا يحصيها عاد، ولا يمكن للتجارب الشّعرية عبر العصور أن تستغرقها كلّها أبدا.. فقد كان أمام المجدّدين - إن سلمت نياتهم - أن يواصلوا التّجريب في هذه الدوائر الإيقاعية الكونية. ولكنّهم انعطفوا إلى الهدم.. فقد أُريد لهم أن يُهملوا الإيقاع العربي، وأن يزيلوا بناء شامخا يحفظ اللغة ومعجمها وذاكرتها، وأن يُحدثوا فيها ما يُحدثه الزّمن في الكتابات من محو وحتّ.. هذه الدّائرة الإيقاعية التي تسكن كلّ عربي وتتمركز في توازنه الفطري هي التي تعطيه هذه القدرة على الطرب أمام جمال التّكوين العربي لغة، وأمام جمال الإنشاء العربي حكمة..

الخميس، 1 سبتمبر 2022


                             الابتسامـــة

قالوا عن الابتسامة:

ــــ الابتسامة مشروعُ ضحْــكةٍ، أو ضوءٌ يخْـفتُ ويشي بنهاية الضحك.

    الابتسامة مرحلةٌ مُبكِّرةٌ من الضحك قد تتصاعد فتتحول إلى ضحكة.

       وقد أشار بعضُ الباحثين إلى الابتسامة بأنها ضحكة ضعيفة، مُقدِّمةٌ للضحك أحياناً، وخاتمة له أيضاً خاصة عندما يبدأ الشخص في الاسترخا، والـهدوء أحياناً أخرى.

       وحدّدوا أبرز الأنواع الخاصة بالابتسامة:

1)    ابتسامة البهجة: تظهر في حالات الفرح، والاستبشار، والتفاؤل.

2)    ابتسامة مصطنعة: أشهرها ابتسامة الموناليزا.

3)    الابتسامة البائسة: تُشْعِــرُ بالتعاسة.

4)    ابتسامة الخضوع، أو الرضا.

5)    الابتسامة المرتبكة: تأتي في شكْل ابتسامة مُبْتسرة.

                 كتاب: الطرائف الظريفة والبسمات اللطيفة.ص:14

                                   د. زيد بن محمد الرماني

 

الثلاثاء، 30 أغسطس 2022


 

منْ أرْوع ما قرأْتُ اليوم

#إيدوغ العظيم#

بقلم: عبد العزيز غرمول

   في قمة جبل إيدوغ، حيث مدينة سرايدي، المدينة التي كانت تحفة، يمكنك أن تمد يدك وتقبض على ندف الغيوم المتصاعدة من البحر فجرا، أو تتمدد تحت الشمس القريبة منك لاكتساب سمرة الجبال في فترة وجيزة… هنا تفصح الطبيعة عن معجزتها الأبدية، معجزة التنوع الحيوي، لكنه التنوع الذي أضاف له الإنسان بعضا من عبقريته، فحولها إلى شهقة إعجاب يفترُّ عنها ثغر عنابة الوضيء.

إيدوغ هو القمة الوحيدة في عنابة التي ترتفع ألف متر على سطح البحر، ولكن ياللغرابة كي تصل إليها عليك أن تتسلق إثنى عشرة كلم في طريق وعر وشرس…لكنك لن تندم أبدا لأنك تصعد إلى احتفال صيفي في فندق المنتزه، حيث الحركة والألوان وصخب المصطافين، وموسيقى كي ني جي الحالمة، وصفحة المسبح التي لا تعرف إن كانت امتدادا للزرقة السماء أم لزرقة البحر المسفوحة تحت شرفتها… إنه احتفال جميل تضيئه ضحكات ناعمة وخدمات لطيفة وشرفات تطلّ على زرقة الأبد.

     دعوني أحدثكم عن هذا الجوهرة التي علاها القدم، وتركت عليها الأعوام تجاعيد مرئية، الفندق من بقايا آثار سبعينيات القرن الماضي المجيدة، بناه الرئيس الراحل هواري بومدين، وخصص له فيه جناح مطل على إبداع طبيعي رائع، متوالية هضبات غابية تطل على المتوسط، استضاف فيه بعض كبار زواره من الرؤساء العرب، ياسر عرفات وصدام حسين ومعمر القذافي وفيدال كاسترو… وآخرون.

لا يزال الفندق يحافظ على شخصيته الرصينة، معمار موريسكي ممزوج بحداثة سخية، أثاث على موضة السبعينيات الصلبة المليّنة بالانحناءات والأقواس، فضاءات خارجية مزدانة بالحدائق، وداخلية متميزة بالضوء والرحابة… وهو في ذلك منسجم مع محيطه المديني الذي أصبح امتدادا جميلا له…

الفندق الذي هو عبارة عن مركب سياحي، نصفه محفور في الجبل، ونصفه الآخر مواد مستلهمة من الطبيعة، تضيء ممراته الطويلة فتحات كلسية زادته ألقا، به أكثر من مائة غرفة لا تشبه غرفة غرفة أخرى، كلها واسعة وتطل على مناظر بحرية بديعة، بما في ذلك صالونات فخمة، وقاعات عديدة للمحاضرات والحفلات، وأجنحة VIP مثيرة للاهتمام، وكثيرا ما تجد على جدرانه صور مشاهير أو لوحات مشاهير أو حتى أشياء أثرية تزيده روعة وجلالا…

عندما وقفت في شرفة الجناح فكرت من في نهاية الأمر أعلى قامة جبل إيدوغ أم هواري بومدين، ونظرت بعيني الرئيس لأمجاده التي لا تزال بعد خمسين سنة تشهد على تحليقه في هذه الأعالي… ولا يزال الناس يذكرون اصطيافه بينهم وهو يصعد بمهابة تلك المائة متر الى ساحة القرية تحت دهشة الناس وخشيتهم وحين يصل المقهى يقول ضاحكا: واشكون يخلص قهوة… فيهبّ جميع من في المقهى لدعوته… لا يزال الرجل محبوبا حتى اليوم…

    هناك ألف شهادة على جمال وعراقة هذه المدينة الموضوعة كتاج على رأس إيدوغ. صفوف الأشجار الضخمة تنبئ عن مئات الأجيال التي مرت تحت ظلالها، بيوتها التقليدية العامرة دوما بالكرم العنابي تحدثك عن معايشتها لأجيال وأجيال، شوارعها التي تضوع فيها روائح الخبز والتوابل تكشف عن تاريخ عريق لفنون الطبخ، ثم هذا الإنسان السرايدي الذي تسبقه ابتسامته هو الدليل القوي على أن "المدنية" يمكن أن تولد على قمم الجبال.

في شوارع القيلولة تصطبغ المدينة بلون الظلال، وتسدل سكينة صيفية على منازلها. لقد دخل الناس فترة الغداء وتركوا لغتهم الخافتة على الأرصفة، هنا حذاء منسي على العتبة، وهناك سطل ماء معلق على غصن شجرة متروك للطيور، وعلى مقبض الباب الخارجي تركت إحداهن شمسيتها البيضاء، وتمتد يد في قيظ الظهيرة بصحن من بقايا طعام للحيوانات غير الأليفة، وعلى باب حانوت وضع صاحبه ماء بارد للمارة كتب فوقه "صدقة جارية"، وهناك كرسي دائم في الظل صالح لاستراحة العابرين… إنها لغة مسفوحة في أرجاء هذه المدينة الصغيرة من أناس مباركين يلتقط المارة رموزها ومعانيها وهم يجوبون مثلي قيلولة المدينة فضولا واستمتاعاً، المدينة التي كانت تحفة، المدينة الجوهرة…

     غير أن أروع المناظر يفاجئك بها البحر، ذلك البحر الذي يقع وراء هضبات غابية كثيفة من شجر الزان والفلين، حيث يمكنك أن تسبح في أجمل الشواطئ الفيروزية، لا تسبح جسديا فحسب وإنما روحيا من فرط صفائه وشفافيته… هذاالبحر نفسه وأنت تتأمله مساء من علو ألف متر ستشاهد بخاره الصاعد باتجاه الأفق كدخان غليون عظيم ينفثه رُبان سفينة اكتشف الشواطئ الآمنة للتو…

     سيكون الليل شتويا في هذا الصيف القائظ وانت على كتف إيدوغ، وعلى الأرواح الشاعرة التي تجوب غاباته في ذلك الوقت المتأخر أن لا تنسى البطانية كي لا تتجمد بردا.

                                       نصٌّ للكاتب الروائي عبد العزيز غرمول

الثلاثاء، 5 يوليو 2022

 

قد يرى البعض أن التسامح انكسار، وأن الصمت هزيمة، لكنهم لا يعرفون أن التسامح يحتاج قوة أكبر من الانتقام، وأن الصمت أقوى من أي كلام.

                                                                  من أقوال عظماء الجزائر م ن أقوال الراحل عبد الحميد مهري الشهيرة تأكيده ع...