الثلاثاء، 20 ديسمبر 2022

ديوان شعري جديد" أكتفي"

كتب: بشير خلف

ها أنذا لا زلتُ في محراب السّيْر

أبتسمُ لي أحيانًا أتلقّفُ دمْعتي حينًا آخر

لا زلتُ أسير بعقيدتي

أعتنقُ الصّمْتَ حين يلفّني الوجعُ

     صدر هذه الأيام عن دار متون للنشر والترجمة والطباعة والتوزيع بالجزائر ديوانٌ شعريٌّ بعنوان ( أكتفي بِعضِّ أطراف شفتيّ) للأديبة فوزية شنّة، وهو الإنتاج الإبداعيّ الثالث لها بعد ديوان شعريٍّ بعنوان( أخاديد عمر)، ومجموعة قصصية بعنوان (سراديب الحياة).

     الديوان الجديد من الحجم المتوسط، تتضمّن صفحاتُه 68، بعد الإهداء والتقديم 24 نصًّا شعريًّا.

      الشاعرة فوزية كانت مُحِبّة لوالدتها كثيرا، ومتعلّقة بها، وازداد هذا التعلّق بمرور الأيّام بعد وفاتها منذ سنوات، فجاء الإهداء لها:

إلى مَنْ سافرتْ في رحلةٍ أبدية

إلى منْ تركتْ ريحَها وعبْق عطرها فيَّ

إلى منْ تدفعُني ذكراها بقوّة نحْو الحياة فأُشْعِلُ شموع دربي وأسير

إلى منْ قلبي عامرٌ بنبضها وبه أستنيرُ

     إلى روح أُمّي التي استلمتْ مشْعلَ الكادحين بعد وفاة أبي رحمه الله..

      إلى روحيْكما (أمّي وأبي) أُهْدي هذا العمل .

           وممّا جاء في التقديم الرائع الذي خطّتْه الشاعرة الإعلامية نادية نواصر:

«...مثقّفة(فوزية شنة) تمثّل زبدة المجتمع، هي لا تكتب ولكنها ترسم باللغة الرومنسية الشّفّافة السّهل الممتنع، هي لا تبوح للغة الشّهيّة، ولكنها تهمس همس الأنثى المُجلّلة بعبق الورد والحياة في أسلوبٍ شيّقٍ، إنجازٌ ساحرٌ وبلاغة مغرية وصور شعرية جذّابة. ص: 07»

     من التقديم:

«...حين تكتب فوزية شنة تشعر وكأنها فيروز تغنّي، تتسلّل بلغة دافئة إلى القارئ فتعتقله برُقيّ همْسها، هي التي قالت الفصيح، والهايكو، والقصة، والقصيدة النثرية. ص: 08 »

    الشاعرة فوزية شنة في ديوانها عديد النصوص الحاملة لانكسارات في مسار حياتها مع الآخرين مثلما لها انشراحات:

      من نصّ: {حسرة قلْبٍ}

وكمْ من خِلٍّ أهديناه عمرا مديدًا

سرق العمرَ وصار للعدوّ صديقًا

في غفْلة كنّا حين جاور شريانه الوريدا

كم حلمنا وانتظرنا

صار الضّباب مَعْلَمَ طريق ص: 17

     ومن نصّ {لا زلْتُ أنتظرُ}:

عُدْتُ أدراجي أقتفي أثر خيْبتي

أُزيحُ بعْض الحيْرة بابتسامةٍ

أُقاومُ كلَّ شيء يغيّر من ملامحي

تأوّهْتُ..

أيُعْقلُ أن أكون أنا بكلّ زينتي

أيجرأُ على نقْض الموعد

عُدْتُ إليَّ ألُفُّ رأْسي في حُزْمة حريرٍ

أطلُّ على المرآة لعلّي أستيقظ من غفوتي ص: 19

     تنهض الشاعرة ثائرة على انكساراتها، مستجمعة قواها، مستمدّة عزيمتها من نخوة المرأة العربية الشرقية، وإبائها، من نصّ {لا تترقّبوا سقوطي}:

أنا امرأةٌ شرقية تخْشى أن تسقط أشياؤها إنْ هي استغْنتْ عن رباط خصْرها

أحمل زادي تحت ردائي تحسُّبًا لأيّ طارئٍ

أنا امرأة حين يغادرها النوم تغزل الحياة وتنسجها

أقول للّيل ها قد حوّلْتُكَ نهارًا في خلوتي ص: 23

      ويعود الانشراح مكلّلًا بالعزيمة، عزيمة إنارة الدروب المعتمة، من نصّ {امرأةٌ وأنا}:

أنا شمعة تُنير درْبها ودرْب الآخرين دون كلامٍ

أنا قطعة عِشْقٍ لا ينتهي في قلب الإنسانية

أنا وصْفةٌ للتائهين في دروب الحياة..للعالقين في مسالك متاهاتها

أنا بلْسمٌ مُعطّرٌ خفيف الملْمس أسكن كل مسامات الدنيا

أنا ربيعٌ مُزْهرٌ يحلّ دون أوانه بين أهله وجيرانه

أنا كلّ ما تراه العين من جمال مختبئ في ثنايا العمر

أنا الواقفة المُتدلّية حبًّا، أقطر شَهْدًا يُعيد الضالّين إلى الصّواب. ص: 59

         الشاعر(ة) ذاك المبدع (ة) الذي بمقدوره أن يبدع الجمال، والسمو بالحياة، كما يمتلك فنّ صيانة الذات، ومواجهة الظلم، والمهانة، فالشاعر الأصيل كمنْ يصوغ عقد لؤلؤ ويهديه لمحبوبته، هذا هو سرّ المتعة المنشودة في الشعر: ترنيمةٌ غنائيةٌ صادقةٌ تولّدت من شعور المبدع، ونفسيته الشّفّافة.  

      الشاعرة المبدعة فوزية شنّة واحدة من هذه الفئة التي تمتلك أسرار الشعر، ومفاتيحه، وفنّياته، وهو ما عشْتُه في نصوص ديوانها الجديد" أكتفي بعضّ أطرافي شفتيّ" الذي يمكن اعتباره ثمرة مكابدة وجـَلد استطاعت بواسطته أن تعزّز تواجدها في درب الإبداع الشعري فهي لا تكتب الشعر؛ بل ترسم لوحات  شعرية جميلة، ورائعة وتعزف ألحان أنوثتها وعفويتها بكلمات رقيقة وشفافة، وعبارات سلسة، رقراقة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الجمعة، 16 ديسمبر 2022

التبادل الثقافي البيني العربي

كتب: بشير خلف

    في السبعينيات، والثمانينيات من القرن الماضي، كان التعاون، والتبادل الثقافي بين الدول العربية، خاصة بين دول المغرب العربي مُكثّــفيْن من حيث تبادل الوفود، واستضافة الكُتّاب، والمبدعين، وتبادل الأسابيع الثقافية، والفرق المسرحية، والفرق الموسيقية، والفنّانين، وإبرام الاتفاقيات الثقافية من لدن وزارات الثقافة.

     كما وصول المجلّات الثقافية حال صدورها من العواصم العربية العريقة: القاهرة، بغداد، دمشق، بيروت، طرابلس، تونس.

     من المجلّات الثقافية الرّائدة التي كانت تصلنا بانتظام، مجلّة {الحياة الثقافية} من تونس الشقيقة التي أصدرها المفكّر محمود المسعدي لـمـّأ تولّى حقيبة وزارة الثقافة التونسية.. ولا تزال المجلّة تصدر إلى يوم الناس هذا.

        كانت العلاقات الثقافية بين تونس والجزائر متينة، مِمّا أدّى بمجلّة الحياة الثقافية في سنة 1984م إلى تخصيص العدد 32 للثقافة الجزائرية، عددٌ ثريٌّ في 317 صفحة من الحجم الكبير. شارك فيه بعض الكُتّاب التونسيين بنسبة قليلة، فالعدد خُصّص للكتّاب، والمبدعين الجزائري

 من عناوين العدد الخاص:

ـــــــ صفحات من التعاون الثقافي بين تونس والجزائر. المهدي البوعبدلي / تونس

ـــــــ المغرب العربي الكبير في شعر مفدي زكرياء.. د. محمد ناصر/الجزائر

ــــــ من تاريخ التواصل الثقافي بين تونس والجزائر..د. محمد صالح الجابري/ تونس

ــــــ الشاعر جلواح بين التمرد والانتحار.. د. عبد الله ركيبي./ الجزائر

ـــــــ أحمد رضا حوحو رائد القصة الجزائرية..أحمد منور / الجزائر

ــــــ شخصية جزائرية لا تنسى..محمد البشير الإبراهيمي/رشيد الذوادي/ تونس

ـــــــ الوعي الاجتماعي والصوت النسائي في القصة الجزائرية المعاصرة..أحمد دوغان

ــــــ سنوات الجمر في الرواية في الرواية الجزائرية المكتوبة بالفرنسية..الشاذلي الساكر/تونس

ـــــــ أحمد عمار شاعر تغزوت..محي الدين خريف/ تونس

ـــــــ التراث الموسيقي الجزائري.. د. محمد قطاك/ تونس

ـــــــ حوار مع الشاعر الكبير محمد الأخضر السائحي..عبد العزيز غرمول/ الجزائر

ـــــــ حوار مع الروائي الكبير الطاهر وطار..عبد العزيز غرمول./ الجزائر  

 

الثلاثاء، 13 ديسمبر 2022

 الحواضر الواحية في المغرب الأوسط خلال العصر الوسيط:

                                الأهمّية. التفاعل. الأدوار

كتب: بشير خلف

     انطلقت فعاليات الملتقى الدّولي الأول: الحواضر الواحية في المغرب الأوسط خلال العصر الوسيط صباح اليوم الثلاثاء 13 ديسمبر 2022 بقاعة المحاضرات الكبرى بجامعة الشهيد حمّة لخضر بالوادي.

      ملتقى يشارك فيه أساتذة من أغلب جامعات الوطن، وضيوف من الشقيقة تونس، كلّ الأساتذة المشاركين متخصصون في التاريخ. انطلق الملتقى بحضور كل هؤلاء الأساتذة وطلبة، وطالبات التاريخ، وكذا الضيوف في قاعة المحاضرات المكتظّة بحضور وسائل الإعلام، يدوم الملتقى يوميّن: 13 . 14 ديسمبر 2022 لتقديم ثمانين محاضرة في ستّ جلسات علميّة، وستّ ورشات علمية.

     من مواضيع المحاضرات:

ــــــ الأوضاع الاجتماعية، والاقتصادية، والاجتماعية في واحات توات خلال القرن 19 م

ــــــ حاضرة وادي سوف في العهد الحفصي إثر التحوّلات الاجتماعية، والاقتصادية في تجديد المجتمع.

ــــــ بسكرة قاعدة الزاب: الموقع. الأهمية خلال الفترة الوسيطة

ــــــ العلاقة بين المجال والإنسان في عمارة الحواضر الواحية.

ــــــ الحسّ الوقائي المعماري في الواحات الصحراوية لبلاد المغرب الأوسط.

ملاحظة:

      حظيت بحضور الافتتاح من بدايته إلى نهايته، كما حضرت الجلسات العلمية الصباحية لليوم الأول ... سعدتُ كثيرا ا أيّما سعادة بلقاء عديد الأساتذة الأصدقا، كان الزاد والحمد لله في هذا اليوم معرفيا، تواصليا، اتّصاليا، إنسانيًّا.

   

 

الجمعة، 9 ديسمبر 2022

محطّاتٌ لها رمْزيتُها في مسار حياتي

كتب: بشير خلف

     مسارُنا الحياتيُّ قد نجتهد لتحديده نسبيًّا في مرحلة، أو مراحل؛ لكن إرادة الله تتجاوز تحديدنا، وتخطيطنا. في مسار حياتي، أحداثٌ وقعت لي لم يكنْ لي يدٌ في تحديد تآريخها:

1 ــــ منتصف يوم 20 أوت 1960 أُلقي القبض عليّ من طرف الاستعمار الفرنسي في مدخل مدينة عنّابة الشرقي، في اتّجاه مدينتي قسنطينة، ومدينة سكيكدة..كان عمري حينذاك 19 سنة، كعنصر ثوري( فدائي) داخل مدينة عنابة ضمْن خليّة فدائية متكوِّنة من أكثر من عشرة رجال، وثلاثة نسوة، أُلقي عليهم القبض جميعا في شهر أكتوبر من نفس  السنة.

2 ـــــ عندما كان الشعب الجزائري في مظاهراته الأسطورية التي هزّت أركان الاستعمار الفرنسي أيّام: 10 . 11 . 12 ديسمبر 1960م، كـــنّا أعضاء الخليّة جميعًا داخل المحكمة العسكرية الفرنسية بمدينة عنابة، نُحاكم بصفتنا مجرمين، متمرّدين على فرنسا، وكان الحكم في يوم 12 ديسمبر:

الإعدام لــــ 04، السجن بــــ 15 عاما لإثنيّن أنا أحدهما، السجن لــــلبقية بـــــ 10 سنوات سجنا، و3 سنوات سجنا لــــ 03 نساء .

       نُـــقل المحكوم عليهم بالإعدام إلى فرنسا، ونُقلنا نحن إلى سجن " لامبيس بتازولت، قْرب مدينة باتنة، في جانفي 1961م

3 ـــــ أطلق  سراحي من السجن بعد مفاوضات إيفيان، ووقْف إطلاق النار يوم 19 مارس 1962م، أُطلق سراحي يوم 08 ماي 1962م.

 

ملاحظة:

ـــــ أيام: 20 أوت

ــــــ  10، 11، 12 ديسمبر 1960 ـ

ــــــ  08 ماي. لها رمزيتها في تاريخ الجزائر المعاصر.

 

 

    

 

الأربعاء، 7 ديسمبر 2022

 

رحْلةُ تندوفْ في زمن الكورونا

كتب: بشير خلف

  الرحلات، والأسفار مبعثُ التأمّل والدهشة، والرغبة في مُـتْـعة الاكتشاف؛ ممّا يؤدي بالضرورة إلى توسّع الأفق المعرفي، وتعدّد الرؤى، واتساع حدقة الوعي، ومرونة الفهم.. وكلها ملزِمات لا يمكن للمثقّف، والكاتب الجادّ، الواعي برسالته أن يكون في غِــنًى عنها. فما بالك بأن لقاء الآخرين مكانيا، حضاريا، حياتيا، مجتمعيا هي بـمنزلة معرضٍ واسعٍ لِـمئات الأفكار التي لا تفتأُ تتوالدُ عبر رحلة السّفر.

      الترويح عن النفس، والتخفّف من الأعباء التي تفرضها الحياة على الإنسان من أهم مستلزمات الحياة. ليس الترفيه هو الهدف الوحيد من وراء الرحلات، فالرحلات إجمالاً أنواع عديدة، ولها العديد من الغايات، هي نشاط واسع جداً، وضروري في الآن ذاته لكل شخص، وقد اشتهرت العديد من الشخصيات العربية، والإسلامية، والعالمية عبر عهود التاريخ بهذا النشاط، حتى صار يُـطلق عليها لقب الرحّالة من كثرة تجوالها في أصقاع الأرض المختلفة.

 رحْلةُ تندوفْ في زمن الكورونا

    أهداني خلال زيارته في شهر نوفمبر 2022 إلى الوادي، ومشاركته في الملتقى الدولي: الأدب السياحي ودوره في الاستثمار الثقافي بجامعة خمة لخضر، أهداني الدكتور عبد القادر مسكي نسخة من كتابه: رحلة تندوف في زمن الكورونا.

    الكتاب من الحجم الصغير في 119 صفحة، صدر الكتاب عن دار خيال للطباعة والنشر والتوزيع ببرج بوعرريج . قسّمه الكاتب عبد القادر مسكي إلى تسعة أقسام، ويقصد بها المحطّات التسع من مدينة وهران إلى مدينة تندوف:

1ــ نعتوني بالجنون. 2 ــ همسات ركّابٍ.3 ـــ  في محطّات بشّار.4 ــــ  ليلة نحو تندوف. 5 ـــــ ومن هنا انطلقْتُ. 6 ـــــ وصدْمةٌ تعقبها صدمة.7 ـــــ  وأيّ مفاجأة. 8 ــــ وصمة فعودةٌ. 9 ـــــ رحلة في رحلة.

      يحدّثنا الكاتب في بداية الكتاب، ووباء كوفيد 19 ، الوباء الخطير الذي انتشر في العالم ابتداء من سنة 2020 ، وفتك بالملايين، وتغلغل في كل شبرٍ من المعمورة، وتوقّفت حركية الحياة بما في ذلك النقل في الجزائر ما بين المدن، في ذلك المنع، وذاك الحذر والخوف قرّر المؤلف عبد القادر السفر إلى تندوف مواصلة لبرنامجه الرحلاتي الذي شرع فيه منذ سنوات، وهو المهووس بالرحلات، والكتابة عنها. رحلته التندوفية وهو يتهيّأ للانطلاق فيها في وضْع وباء صحّيٍّ خطير حذّره أصدقاؤه منها، لكنه صمّم، وانطلق فيها حتّى أنهم نعتوه بالجنون:

« في مطلع سنة ألفين وعشرين ظهر بالعالم وباءٌ غريبٌ خطير، وباء حصد ملايين البشر فاضطرّت دول العالم إلى فرْض الحجر الصحّي.ص:7 »

« ...وأغلقت المساجد، والمطارات، وأوقفت جميع الرحلات، واشتدّت الأزمات فأغلقت المدارس، والجامعات، ومع حلول فصل الربيع  وطقسه البديع؛ وعلى الرغم من ذلك كله كنتُ أفكِّرُ بالقيام برحلة جنونية؛ فلسْتُ من يصبر على البقاء في المنزل.ص:07»

     في ثنايا الكتاب حوارات عديدة بين الركاب، والكاتب من بينهم في سفريتهم ذات المسافة البعيدة، والخوف من مفاجآت الطريق، والخوف الأكبر لدى الكاتب من عدم إيجاد وسيلة النقل بين المحطّة والأخرى كما الرعب لدى الركاب من الوباء حتّى في بعض الحالات من بعضهم، فقد يكون أحدهم مصابا ولا يعلمون به، بل لا يعلم هو بأنه مصابٌ.

    ويصل المؤلف عبد القادر إلى تندوف، ويجد في استقباله صديقه التندوفي حفظ الله الذي رحّب به واحتفى ، ثم شرع في التجوّل معه في أزقّة المدينة قديمها، وحديثها لتكون المحطّة الموالية لدى أحد الشيوخ، الأعيان العارفين، فكان الحوار ماتعًا عن مدينة تندوف، وتاريخها، وتركيبتها السكانية، وموقعها الحدودي:

« إنّ تندوف مدينة عريقة جدًّا سكنتها عدّة قبائل معروفة تفرّعت منها عائلات مختلفة منها قبيلتا الرقيبات وتجكانت، وهي مدينة تجارية بامتياز. كون تندوف منطقة حدودية لثلاث دول إسلامية: المغرب، الصحراء الغربية، موريطانيا،  من كلمة الموري وهي تسمية أمازيغية قديمة تعود إلى الشعب الموري الذي استقرّ بمنطقة شمال غرب إفريقيا منذ عشرات القرون؛ فإن موقعها الاستراتيجي جعلها قبلة للتجارة من كل حدب وصوب، وكان يُطلق عليها ( تنطوف).ص:39 »

      رِفْـــقتُــــنا للمؤلف عبد القادر مسكي في جولته بمدينة تندوف ماتعةٌ:

« في حيّ موساني العريق يوجد قصْرٌ أعرقُ ترتفع به مئذنة شامخة، يقع على طرف الوادي الفاصل بينه، وبين حيّ الرماضين، وكلاهما من قبيلة تجكانة، يبدو أنني في قلْب تندوف، نعم قلب تندوف النابض، حيث تموقعت القبيلة المؤسِّسة لمدينة تندوف كما أوردنا سالفا. في هذا التأمّل الرهيب للقصر ظهر لنا رجلان لا أعرفهما، لكنهما رحّبا بي أشدّ ترحابٍ، وكانت المفاجأة أكبر أنّ أحدهما كان الأستاذ أمنة الله بلعمش أحد أحفاد الشيخ العلّامة المختار بلعمش مؤسس مدينة تندوف، وشيخ زاويتها...وأيّ مفاجأة لم أتوقّعْها، لم أكدْ أصدّقُ أنني في مهْد تأسيس المدينة في عمق التاريخ، والذّاكرة. ص:66 »

      في حضرة هذا الحكي الجذّاب، والأسلوب الراقي الماتع يجول بنا عبد القادر أزقّة وشوارع المدينة، ويتوقّف بنا عند أسواقها، وما تعجّ به من حركة تجارية، وما تعرضه متاجرها من بهارات تتميّز بها ممّا يُحفّز المتسوّق على اقتنائها تحضيرً لشهر رمضان الفضيل، كما يقف بنا عند المعالم التاريخية والدينية، معه نحاور التاريخ، ونوقظ الذاكرة.

      مضمون الكتاب معرفيّ، ثقافيٌّ، سيّاحيٌّ؛ يرصد بلغة سردية عذبة جميلة، وأسلوب لغويٍّ شفّاف، رقراق يسحر القارئ، فيتماهى مع الكاتب في مرافقته، ومشاركته رحلته السياحية، الجميلة، الكاميراتية، والبحثية.

    

  

 

    

 


الاثنين، 5 ديسمبر 2022

                         التراث الثقافي المادّي واللامادّي

كتب: بشير خلف     

      يُعرّفُ التراث الثقافي بأنه كل ما ينتقل من عادات، وتقاليد، وعلوم، وآداب، ومختلف أنواع الفنون ونحوها من جيل إلى آخر، ويشمل كلّ الفنون الشعبية من شعر، وغناء، ورقْصٍ، وموسيقى، ومعتقدات شعبية، وقصص، وحكايات، وأمثال تجري على ألسنة العامة، كما يشمل عادات الزواج، والمناسبات المختلفة، وما تتضمنه من طرق موروثة في الأداء، والأشكال، ومن ألوان الرقص، والألعاب، وأساليب العيش من طبْخٍ، ولباسٍ، وغيرها.

 التراث الثقافي السّوفي  

      في هذا الإطار صدر للباحثة في الموروث الثقافي السّوفي الأستاذ آمال علّالي كتابٌ بعنوان: " الموروث الثقافي المادّي، واللّامادّي.. المرأة السوفية"، في شهر نوفمبر الماضي 2022 عن دار سامي للطباعة والنشر والتوزيع بالوادي.

      الكتاب من الحجم المتوسط A5 في 112 صفحة، بعد الإهداء، والمقدمة:

1 ــــ الفصل الأول: الموروث المادّي في منطقة وادي سُوف:

الدّوح، المنسج، إبر النسيج، أدوات المطبخ، الملابس، الحلي، موادّ التجميل.

2 ـــــ الفصل الثاني: الموروث اللامادّي في منطقة وادي سوفْ:

طرق: تخزين الموادّ الغذائية، تحضير التّوابل، تحضير المشروبات، صناعة العطور.

الأمثال الشعبية والألغاز، الحكايات، الشعر، الأغاني، الأهازيج، الرباج.

       كلّ عناصر الكتاب أدرجت الباحثة صورها الحقيقية من خلال تصويرها في مكان تواجدها، لأن هذه العناصر لا يزال أغلبها مستعملًا في المنزل السوفي، رغم تطوّر حياة سكّان ربوع وادي سوفْ أسوة بكل مناطق الوطن الجزائري. حيث قامت الباحثة بالتنقّل، والمشاهدة، والمعايشة، والتحاور، والاستعمال، ثم التصوير الكاميراتي.

      مضمون الكتاب ليس متأتّيا من مصادر أكاديمية، أو كتب؛ بل هو معايشة يومية، باعتبارها أصيلة المنطقة، وبحثٌ ميداني لعديد المنازل، وأمكنة تواجد مكوّنات التراث الثقافي السوفي.

   

من مقدّمة الكتاب:

« من التراث المادّي للحضارات القديمة ما هو منقولٌ كالعملة، والجواهر، والأواني؛ وما غيرُ منقولٍ مثل المباني، والمسارح، والقصور؛ ومن التراث غير المادّي: مهارات عديدة كصناعة الزرابي، ونسْج الأفرشة، وطرق تجفيف الموادّ الغذائية، وتخزينها، وطرق اللبس، وغيرها؛ وأحيانًا تتداخل بعض الأشياء في تصنيفها ضمْن الموروث المادّي، واللامادّي. ص: 07»

       ومن مقدّمة الطبعة الأولى:

« تميّزت المرأة السوفية عبْر التاريخ في الحياة الأسرية، ونقشتْ على صفحاته اهتمامها بأطفالها، وجمالها، وبيتها، وأسرتها، ولم تدّخرْ أيّ جُهْدٍ لذلك؛ فتفنّنتْ في تحضير الأطباق الشهيّة، والعطور، وموادّ الزينة، وانتقت الحُلي بأنواعها، واهتمّتْ بالنسيج فحاكت البرنوس، والقشّابية، والأفرشة، والزرابي.

وتكريمًا لجدّاتنا، وأمّهاتنا، وحُبًّا في التأريخ لبصمة المرأة السوفية في الحياة الأسرية، والاجتماعية؛ وحفاظًا على مهاراتنا، وعاداتنا، وتقاليدنا قصْد تمريرها للأجيال القادمة، قرّرْتُ( الكاتبة) تأليف هذا الكتاب للحفاظ على الذاكرة الوطنية، والمحلّية للموروث المادّي، واللامادّي للمرأة في منطقة وادي سوفْ في القرن العشرين. ص: 09»

 «..وقد استعنْتُ ( الكاتبة) في بحثي هذا بأمي أطال الله في عمرها، فأمدتْني ببعض ما غاب عنّي من تراثٍ ، وأسماء للأشياء المستخدمة آنذاك، واستذْكرْتُ ما عشْتُ في الماضي، واستمْتعْتُ وأنا أسجّلُ مهارات المرأة السوفية، ودورها في الحياة الأسرية، والاجتماعية، وقيمتها، ووقارها، وذكائها، وحُسْن تدبيرها. ص  10 »


 

 

الأدب السياحي

كتب: بشير خلف

      السياحة الأدبية هي نوعٌ من السياحة الثقافية التي تتعامل مع الأماكن، والأحداث من النصوص الخيالية، وكذلك حياة مؤلفيها؛ ويشمل ذلك اتّباع الطريق الذي سلكته شخصية خيالية، أو زيارة مكان معين مرتبط برواية، أو روائي، مثل منزله، أو زيارة قبْر شاعر، روائي، مسرحيّ، فنّان تشكيلي، موسيقيٍّ...

        يعــتبر بعض الباحثين السياحة الأدبية كنوع معاصر من الحجّ المعرفيّ، العلمي. يهتم السياح الأدبيون على وجه التحديد بالكيفية التي أثرت بها الأماكن على الكتابة، وفي نفس الوقت كيف أن الكتابة قد خلقت المكان. من أجل أن تُــصبح فضاءً أدبيًا، تحتاج فقط إلى موهبة الكتابة، وصياغة النصّ الأدبي السّردي، والزّاد اللغوي الثريّ، والقدرة على توظيف اللغة، والتعبير بها بوضوح، وعقلية فضوليّة. فالأدب السياحي يتناول مسارات حيوات المبدعين في شتّى الفنون والآداب، وظروف نشأتهم، والمؤثرات الجغرافية، والبيئية، والاجتماعية، والتاريخية، والثقافية التي تأثّروا بها، وأثّرت فيهم، ممّا ولّد فيهم دافعية الكتابة، والإبداع، ومدى مساهمتهم في بثّ الوعي الفكري والمعرفي في بيئتهم المحلية والوطنية، والعالمية.

      وقد يكون الأدب في كل أجناسه مُساهمًا فعّالًا في نشْر الثقافة السياحية، والترويج لها، والاستثمار فيها من خلال زيارات الأفراد، والجماعات في إطار فرديٍّ من الكتاب والمفكرين، والمثقفين، والمؤرخين، أو جماعي من وفود الأساتذة والطلبة الجامعيين، وتلاميذ الثانويات، والمعاهد العليا، والوفود المشاركة في الملتقيات الوطنية، والدولية للتعريف بعلماء الأمة، ومفكريها الذين لهم باعٌ في ترسيخ هويّة الأمة، والحفاظ على قيمها، وأصالتها من خلال زياراتهم، واللقاء بهم، ومحاورتهم، والتعرّف على نتاجاتهم، واستثمارها، والترويج لها.

       إنّ الأدب السياحي يتجلّى في النصوص الأدبية بكلّ أجناسها، وخاصّة التي تتحوّل إلى مسلسلات، وأفلام، وروايات، فقد تكون الرواية نصًّأ سرديًّا ماتعا، وتتماهى سياحيا عندما يكون فضاؤها المكاني مدينة من الوطن، أو ربْعًا صحراويا، أو منطقة ساحلية يلتقي فيها البحر اللازوردي بالشاطئ الرملي الذهبي، والجبال الخضراء تحتضن الكل.

      أذكر من الروايات الجميلة التي قرأتها بمتعة تماهى فيها الأدب الرفيع مع السياحة، رواية ( تاغيت)للدكتور باديس فوغالي، وهو الكاتب السارد، حيث أثّرت فيه تلك المنطقة الصحراوية الساحرة جنوب مدينة بشار، وصلها في رحلة سياحية مكونة من طلبة جزائريين، وبعض طلبة أوروبيين، في روايته رصد مسار الرحلة، وما كان من تفاعل، وانبهار، وإعجاب بما يُشاهد، ويُعاش، ثم الوصف والتحليل بالأسلوب الأدبي الماتع لمنطقة تاغيت: جغرافية، تاريخا، سكانًا، عيشا، تفاعلا مع مجريات الحياة اليومية في منطقة جنوبية حدودية من الجزائر.

       القارئ للرواية إنْ لم يحزمْ متاعه في الحين، وينطلق إلى تاغيت، فإنه تأكيدا سيعزم على زيارتها مستقبلًا.

 الأدب السياحي ودوره في الاستثمار الثقافي

      في إطار الأدب السياحي، والاستثمار فيه نظّمت جامعة حمّ الأخضر بالوادي ملتقًى وطنيا يومي 15، 16 نوفمبر 2022 م تميّز بالإعداد الجيّد، والتنظيم المحكم، عدد المحاضرين من داخل الوطن ما يقارب الثمانين، والخارجيين العرب، أربع مشاركات عن بعد.

     كنتُ من الحضور في هذا الملتقى الرائع لمستوى المحاضرات، والزُّخْم المعرفي الذي تفاعل معه الحضور المكثف أساتذة، وطلّابًا، وطالبات بقاعة المحاضرات الكبرى.

 أهداف الملتقى:

1 ــــ إعادة الاعتبار إلى دوْر الأدب كفاعلٍ في البنيات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

2 ــــــ محاولة لفْت الانتباه إلى دوْر الأدب السياحي في الاستثمار الثقافي.

3 ــــــ تفعيل حضور كلّيات وأقسام الأدب العربي في الحركة الثقافية في الجزائر وفي العالم العربي.

4 ـــــ محاولة طرْح وخطط استراتيجيات للاهتمام بالأدب السياحي، وتحديد أيّ الأنواع الأدبية أكثر جذْبًا، وفاعلية في الاستثمار الثقافي.

5 ـــــ التأكيد على العلاقة الوطيدة بين الأدب والثقافة.

  

 

 

                                                                  من أقوال عظماء الجزائر م ن أقوال الراحل عبد الحميد مهري الشهيرة تأكيده ع...