الجمعة، 26 يناير 2024


                النصّ الأدبي النسوي الجزائري في الريادة

بقلم: بشير خلف

       إن المُتـتبع للحركة الأدبية في الجزائر قـبل الثورة التحريرية يلاحظ غياب مساهمة المرأة في الحركة الثقافية، ويعود ذلك في رأْي أكثر النقّاد والمتابعين للموضوع إلى أسباب عـدّة منها ظُـلْمُ سلطات الاحتلال الفرنسي الذي انتهج سياسة مناهضة لهُوّيّة الأمة الجزائرية من بينها محاربة اللغة العربية، حيث وضع الثقافة الوطنية في وضْعٍ شلّ فاعليتها وحركتها، ممّا نتج عنه تأخّر الأدب الجزائري عن مثيله في المشرق العربي، بل وحتى في تونس والمغرب؛ ومن ثمّ تأخر ظهور الحركة الأدبية النسائية نتيجة الحصار المضروب على الثقافة والأدب العربيّيْن، في حين شجّع لغـته الفرنسية، الأمر الذي سمح لكثير من الأسماء  النسائية التي اتخذت من اللغة الفرنسية وسيلة للكتابة بالظهور في الساحة الأدبية خارج الجزائر.

       كما يعود تأخر الكتابة النسوية بالجزائر إلى التقاليد الاجتماعية التي كانت تنظر إلى المرأة نظرة دونية، ولا تزال إلى أيامنا هذه في بعضٍ من مناطق الوطن.. نظرة دونية تنطوي على كثير من الاحتقار، وترى أن تواجدها في الحركة الاجتماعية، والثقافية، والأدبية يثير الفتنة، ويشجع الانحلال، ممّا كبّلها وفرض عليها ظروف العزلة، والتجميد لطاقاتها الإبداعية، بل ومحاربتها حتى وإنْ حاولت ذلك. 

     والملاحظ لدى الباحث أن الكتب التي تناولت الأدب الجزائري العربي الحديث لم تذكر اسم شاعرة أو أديبة سوى "السيدة زهور ونيسي"، وكان ذلك مروراً عابراً، وإن كانت هناك كُـتـبٌ تناولت الأدب الجزائري بالفرنسية، وتعرضت للأديبات الجزائريات اللواتي كتبن بالفرنسية، وهن لسن أكثر ممن كتبن بالعربية..‏

     الحديث عن التجربة الإبداعية النسائية في الجزائر حديث يشوبه الارتباك، لأنه مرتبط بحقيقة المجتمع الجزائري قبل كل شيء، فالإبداع فـنٌّ.. ومن أهمّ ركائز الفن بعـد الموهبة:

الحرية، والحرية عنصرٌ غير واضح الملامح في الأجواء الجزائرية خاصة فيما يتعـلق بحرية المرأة؛ ولأن الكتابة قبل أن تكون تركيبا لغويا فهي تعبير وبوْحٌ فإن الأمر يـتعـقّـدُ أكثر حين تأخذ الكتابة منحى البحث عن الخلاص من الوضع الاجتماعي الذي تعاني منه. ذلك أن المُخْتـلف بالنسبة للمرأة الكاتبة هو أنها تحارب من أجل قضيتها التي هي قضية نصف المجتمع.. 

        إن وضْع المرأة الكاتبة في مجمله متشابه من شرق الوطن إلى غربه ؛ وهذا يعني أن المشكلة الأولى لدى الكاتبات هي أنوثتهن لا كعقبة جسدية، ولكن كعقبة تعبير فقد بلغنا مستوى ثقافيا، معرفيا، تعليميا لا بأس به سمح للمرأة عموما بإدراك لغة جسدها: طبيعة الجسد.. متطلباته.. تغيراته....إلخ. لكنها لم تستطع إيجاد جسدٍ كتابي يُــترجم كل ما أدركته بعـقـلها وحواسها كامرأة، ولعل المتـتبع للمادة الإعلامية الأدبية يلاحظ أن الكتابات النسائية كثيرة ولكنها تـتسم بعدد من الصفات التي تُـقـلِّـل من وزنها.

       في تقديري الشخصي: الأدب هو واحد لدى الإنسان أكان ذكرًا أو أنثى. ولكن قـضية الاختلاف موجودة. فإذا عـدنا إلى ما تكتبه المرأة فإننا نجد الخصوصية تكمن في التكوين الفكري لا في الشكل الفني . وهذا يتطلب منا أن نقرأ نتاج المرأة بشكل جيد حتى نقـف على معاناتها وليس على شكْـل الكتابة؛ فالمبدع فنياً لا علاقة له بالذكورة أو الأنوثة.. أي أن المرأة ليست ناقـصة إبداع بدليل أن عدداً كبيراً من اللواتي أبدعن في السياسة، والأدب والثقافة ليس على مستوى الوطن العربي فحسب؛ إنما على المستوى العالمي، لأن الأدب وقْــعٌ إنسانيٌّ، أما الاختلاف فيتعلق بالمضمون الفكري لكل جنس.

        إن النص الأدبي النسوي المعاصر في الجزائر أخذ مكانه في المشهد الثقافي العربي، وانتـزع الجوائز، والمراتب الأولى سواء من خلال جيل السبعينات، وما بعده كالروائية والقاصة زهور ونيسي، المرحومة زليخة السعودي، مبروكة بوساحة، المرحومة صفيّة كتّو، آسيا جبار، أحلام مستغانمي، زنير جميلة، فضيلة الفاروق، ياسمينة صالح، ربيعة جلطي، زينب الأعوج، راوية يحياوي، الإعلامي الثقافية جميلة طلباوي، نفيسة الأحرش، الإعلامية الثقافية الشاعرة نوارة الأحرش، حسيبة موساوي، مليكة مقدم، لطيفة عثماني، جبالي، زهرة ديك، آمال بشير، الإعلامية الثقافية  الشاعرة علياء بوخاري، أحلام الأحمدي، عائشة بنور، شنة فوزية، حنكة حوّاء،هاجر قويدر، آمال بن عبد الله، آسيا رحاحلية،

     لكن في كل الحالات وفي مجتمع عربي إسلامي يحفظ للمرأة كرامتها وحقوقها، ويصونها كأنثى وكسيدة مجتمع، وكأم، وكمربية ..

       لا أقول: هناك خطوطٌ حمراءُ، إنما هناك قيمٌ وتوجهات.. المرأة الحكيمة الواعية بدورها الحقيقي من تلقاء نفسها تلتزم بها، ولا تتعدّاها، وحتى وإنْ أُعطيت حريات بدون حدود فقـد تكتفي ببعضها.. إن الادعاء بأن المرأة لا تزال حقوقُها مهضومة، وخاصة في عالم الكتابة والإبداع بزعم أن الرجل يقـف في طريقها، نقول: إن هذا الزعم باطل من أساسه..

      في السرد العربي أيامنا هذه.. المبدعات العربيات وحتى المسلمات في غير بلاد العرب فـقْن الرجل، وبلغن مستوى عاليا سيّما في الرواية العربية، وتحصّل بعضهن على أحسن الجوائز، واحتلال الرُّتب الأولى.. إنما ما يُعاب على بعضهن أن يسعيْن وبإصرار على الاشتغال بالأدب الإيروتيكي، وتكسير الطابوهات بدعوى ممارسة الحرية في الكتابة، لأن الكتابة تنطلق من حرية الكاتب في قوْل ما يؤمن به، وما يدعو في إطار القيم.

     الجدل لا يزال مستمرّا، وسيبقى حول وجود أدب نسائي، وأدب رجالي لأن العديد من المبدعات العربيات والجزائريات يريْـن أن النص النسوي له خصوصياته، والنص الرجولي له خصوصياته.. والقارئ الذكي وحده يميّز ما بين النصّيْن حتى وإنْ قُــدِّم له النص الإبداعي خلوا من اسم كاتبه. ولا يمكن أبدا التوحيد بين ما تؤمن به وتفكر به المرأة وما يفكر به الرجل ويدعو إليه، وكأن هؤلاء يتماهين مع ما قالته الكاتبة جيني هيربكورت قبل مئة عام:« سادتي لا أستطيع أن أكتب إلا كامرأة بما أن لي شرفٌ كوني امرأة »

        شخصيا ومن خلال تجربتي الإبداعية، وخبرتي ..وقراءاتي الكثيرة للنصوص الذكورية والأنثوية أرى أن الملامح الأنثوية المنتِجة للنص الأدبي لا تنتقص من قيمته الفنية ، ويجب في رأيي ألاّ تكون مقياسًا يُصنّف الأدب بسببه إلى أدب نسوي، وأدب ذكوري لأن ذلك عمليا لا يخدم القيمة الفنية للنص الأدبي المنتج، بل هو تصنيف نظري أكثر، ولعلّنا إنْ أخفيْنا في بعض الإبداعات هُــوية منتجة النص الأدبي تمامًا، أو استبدلنا اسم الأنثى باسم ذكر لما تنبّه المتلقّي لذلك، فالنص المميّز ذو المقومات الإبداعية الراقية يفرض نفسه بغـضّ النظر عن جنس منتِجه..

     الاختلاف فقط يكمن في أن الرجل في نصوصه يغوص في الفضاءات المعرفية المتـنوعة يوظفها لخدمة نصّه كالتاريخ، والأنـــثروبولوجيا، وعلم النفس، والاقتصاد، والمعلوماتية، والحروب، وعلم النفس وتفرعاته.. بينما الأنثى غالبا ما تنكفئ في عالمها الخاص، وتطلعها إلى الحرية، ومقاومتها للرجل، وتنديدها بالحدود الحمراء التي فرضها، ويفرضها المجتمع عليها، وعلى بنات جنسها.

الاثنين، 15 يناير 2024

 

ما أحْــوجنا إلى تفْعيل ثقافة الحوار !!؟

كتب: بشير خلف

      يُــعدُّ الحوارُ من أهمّ أسُـس الحياة الاجتماعية، وضرورةٌ من ضروراتها، فهو وسيلةُ الإنسان للتعبير عن حاجاته، ورغـباته، وميوله، وأحاسيسه، ومواقـفه، ومشكلاته، وطريقه إلى تصريف شئون حياته المختلفة؛ كما أن الحوار وسيلةُ الإنسان إلى تـنمية أفكاره، وتجاربه وتهيئتها للعطاء، والإبداع، والمشاركة في تحقـيق حياة متحـضِّرة، إذ من خلال الحوار يتم ّالتواصل مع الآخرين، والتفاعل معهم.

      ويكتسب الحوار أهميته في كـوْن الوجود الاجتماعي الإنساني لا يتحقّق إلا بوجود الآخر المُختـلف، ومن أن الإنسان لا يحقـق ذاته الإنسانية، ولا يُـنتج المعرفة إلا بالالتقاء، والحوار مع الإنسان الآخر، والتفاعل الخلاق معه، إذ به تتولد الأفكار الجديدة في ذهـن المُتكلم، وبه تـتّـضح المعاني، وتُغْـنى المفاهيم.

    لأن الحوار في مستوياته العليا هو إنتاج المعرفة الراقية التي تتحاور مع كافة ضروب المعرفة الإنسانية.


{ من كتابي: (بحْثًا عن ثقافة الحوار).ص:03

  الصادر سنة 2018} 

الخميس، 4 يناير 2024

 


في مهبِّ الرّيح

صدر لي هذه الأيّام كتابٌ جديدٌ في صنْف " السّيرذاتية" عن دار (سامي) للطباعة والنشر والتوزيع بالوادي، صمّم الغلاف:الفنّان التشكيلي المبدع:كمال خزّان. الكتاب بعنوان: {في مهبّ الرّيح} في 480 صفحة، في 21 موضوعًا رئيسيًّا.

 

الجمعة، 22 ديسمبر 2023

 

كلامٌ عن الفــــنِّ

كتب: بشير خلف

قيل عن:

الفنّ هو بأنه إبداعٌ حُــرٌّ من وِجْهةِ نظرِ المُبدع، والفـنّان وقُـدرتهما الشخصية في التعبير عن شيءٍ بشكْـل جماليٍّ، وجديدٍ أكان صوتيُّا، أو حركيًّا، أو بصريًّا.

    

هناك أنواعٌ كثيرة من الفــنّ: فنّ الرّسم. فن العمارة. الفن التشكيلي. فن النّحت. فن الموسيقى. فنّ التعبير بالكلمات: الشعر، السرد، المسرح. فن السينما. فن الإيكوغرافي والكثير من الفنون الجميلة والابداعية الرائعة جدا التي ابتكرها، ويبتكرها الإنسان دون توقف، ولا يزال.

 


الثلاثاء، 21 نوفمبر 2023

 

 

 

طوفان الأقصى استئنافٌ جديدٌ

للحضارة وانبعاث للأمة

      الفيلسوف والمفكر طه عبد الرحمن، في آخر حوارٍ له بتاريخ

13/11/2023 لقناة الجزيرة.

      ي


رى الفيلسوف طه عبد الرحمن أن عملية "طوفان الأقصى"، التي نفّــذتها الفصائل الفلسطينية، تُعـدُّ "استئنافا جديدا للحضارة، وانبعاثا جديد للأمة".

     ووصف أستاذ المنطق وفلسفة اللغة والأخلاق الحدثَ بأنه "ميلاد" جديد للإنسان، من خلال قيم جديدة يكتشف فيها المرء ذاته، ومفاهيم جديدة يتلّمس فيها حريته في ظل شيوع قـيم (التعبيد) للإرادة الإسرائيلية، وشروط جديدة يستعيد فيها فطرته في واقع شاعت فيه قيم الضلال".

      وأوضح الفيلسوف -في حديثه مع محاوره الأكاديمي محمود النفار- أن "المقاومة الفلسطينية تكتب اليوم تاريخ الأمة، وتقود الإنسانية نحو النور بما ينفـتح بصنيعها من عـقول، وما يقع وسيقع جرّاء فعلها المُبهر من مراجعات ذاتية:

 فردية وجماعية"، معتبرا أنها "استئناف راشد للعطاء المتواصل، وتوريث إبداعي للطاقة المتجددة في مسارات التاريخ الإسلامي والإنساني

الأحد، 22 أكتوبر 2023

النصّ الأدبي الجزائري النسوي يتألق

بقلم: بشير خلف

       إن المتتبع للحركة الأدبية في الجزائر قبل الثورة يلاحظ غياب مساهمة المرأة في الحركة الثقافية، ويعود ذلك في رأي أكثر النقّاد، والمتابعين للموضوع إلى أسباب عدّة منها:

ـــ  ظروف الاحتلال الذي انتهج سياسة مناهضة للغة العربية، حيث وضع الثقافة الوطنية في وضْعٍ شلّ فاعليتها، وحركتها، ممّا نتج عنه تأخّر الأدب الجزائري عن مثيله في المشرق العربي؛ بل وحتى في تونس والمغرب؛ ومن ثمّ تأخر ظهور الحركة الأدبية النسائية نتيجة الحصار المضروب على الثقافة، والأدب العربيّيْن، في حين شجّع لغته؛ الأمر الذي سمح لكثير من الأسماء  النسائية اللائي اتخذن من اللغة الفرنسية وسيلة للكتابة بالظهور في الساحة الأدبية خارج الجزائر.

ـــ كما يعود تأخر الكتابة النسوية بالجزائر إلى التقاليد الاجتماعية التي كانت تنظر إلى المرأة نظرة دونية، ولا تزال إلى أيامنا هذه في كثير من مناطق الوطن.. نظرة دونية تنطوي على كثير من الاحتقار، وترى أن تواجدها في الحركة الاجتماعية، والثقافية، والأدبية يثير الفتنة، ويشجع الانحلال، ممّا كبّلها وفرض عليها ظروف العزلة، والتجميد لطاقاتها الإبداعية، بل ومحاربتها حتى وإنْ حاولت ذلك.

      والملاحظ لدى الباحث أن الكتب التي تناولت الأدب الجزائري المعاصر لم تذكر اسم شاعرة أو أديبة سوى "زهور ونيسي"، وكان ذلك مروراً عابراً، وإن كانت هناك كُــتُـبٌ تناولت الأدب الجزائري بالفرنسية، وتعرضت للأديبات الجزائريات اللواتي يكتبن بالفرنسية، وهن لسن أكثر ممن كتبن بالعربية..‏

     الحديث عن التجربة الإبداعية النسائية في الجزائر حديث يشوبه الارتباك، لأنه مرتبط بحقيقة المجتمع الجزائري قبل كل شيء، فالإبداع فنٌّ.. ومن أهم ركائز الفن بعد الموهبة: الحرية، وعنصر الحرية يبدو عنصرا غير واضح الملامح في الأجواء الجزائرية خاصة ما يتعلق بحرية المرأة.

     الكتابة قبل أن تكون تركيبا لغويا فهي تعبير وبوْحٌ، فإن المسألة تتعقد أكثر حين تأخذ الكتابة منحى البحث عن الخلاص من الوضع الاجتماعي الذي تعاني منه؛ ذلك أن المختلف بالنسبة للمرأة الكاتبة هو أنها تحارب من أجل قضيتها التي هي قضية نصف المجتمع..

     وعلى هذا الأساس جاءت التجربة الإبداعية النسائية في الجزائر عموما شحيحة سواء من حيث الكم، أو من حيث الكيف.. خاصة منها ما هو مكتوب باللغة العربية، واتصفت تقريبا بما اتصفت به التجربة الإبداعية في الوطن العربي.. وحيث ظهرت للمرأة أصوات جاءت قليلة وضعيفة، وجاءت على استحياء ووجل، أو لعلها تعرضت لعمليات مسخ وتحريف وتحويل، وهذا هو الأقرب.

        إن وضع المرأة الكاتبة في مجمله متشابه من شرقه إلى غربه؛ وهذا يعني أن المشكلة الأولى لدى الكاتبات هي أنوثتهن لا كعـقبة جسدية، ولكن كعقبة تعبير فقد بلغنا مستوى ثقافيا لا بأس به سمح للمرأة عموما بإدراك لغة جسدها: طبيعة الجسد.. متطلباته.. تغيراته....إلخ. لكنها لم تستطع إيجاد جسد كتابي يترجم كل ما أدركته بعقلها وحواسها كامرأة ولعل المتتبع للمادة الإعلامية الأدبية يلاحظ أن الكتابات النسائية كثيرة، ولكنها تـتّـسم بعدد من الصفات التي تقلل من وزنها.

       في تقديري الشخصي، الأدب هو واحدٌ لدى الإنسان مذكراً كان، أو مؤنثاً. ولكن قضية الاختلاف موجودة. فإذا عدنا إلى ما تكتبه المرأة فإننا نجد الخصوصية تكمن في التكوين الفكري لا في الشكل الفني؛ وهذا يتطلب منا أن نقرأ نتاج المرأة بشكل جيد حتى نقف على معاناتها وليس على شكل الكتابة؛ فالمبدع فنياً لا علاقة له بالذكورة، أو الأنوثة.. أي أن المرأة ليست ناقصة إبداع بدليل أن عدداً كبيراً من اللواتي أبدعن في السياسة، والأدب، والثقافة ليس على مستوى الوطن العربي حسب؛ إنما على المستوى العالمي، لأن الأدب وقْعٌ إنساني، أما الاختلاف كما قلتُ سابقاً فيتعلق بالمضمون الفكري لكل جنس.

        إن النص الأدبي النسوي المعاصر في الجزائر أخذ مكانه في المشهد الثقافي العربي، وانتزع الجوائز، والمراتب الأولى سواء من خلال جيل السبعينات، وما بعده كالروائية والقاصة زهور ونيسي، المرحومة زليخة السعودي، مبروكة بوساحة، المرحومة صفيّة كتّو، آسيا جبار، أحلام مستغانمي، زنير جميلة، فضيلة الفاروق، ياسمينة صالح، ربيعة جلطي، جميلة طلباوي، نفيسة الأحرش، نوارة الأحرش، حسيبة موساوي، مليكة مقدم، لطيفة عثماني، جبالي، زهرة ديك، آمال بشير، زينب الأعوج التي فازت بمسابقة نازك الملائكة للإبداع الأدبي النسوي الشعري في دورتها الرابعة بالعراق، والشابة الإعلامية الروائية هاجر قويدر التي فازت بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي عن روايتها "نورس باشا" وهي واحدة من أهمّ جوائز الرواية في العالم...لكن في كل الحالات وفي مجتمع عربي إسلامي يحفظ للمرأة كرامتها، وحقوقها، ويصونها كأنثى وكسيدة مجتمع، وكأم، وكمربية ..

       لا أقول : هناك خطوط حمراء، إنما هناك قيمٌ وتوجهات ..المرأة الحكيمة الواعية بدورها الحقيقي من تلقاء نفسها تلتزم بها، ولا تتعدّاها، وحتى وإنْ أُعطِيت حريات بدون حدود فقد تكتفي ببعضها..

    إن الادعاء بأن المرأة لا تزال حقوقها مهضومة، وخاصة في عالم الكتابة والإبداع بزعم أن الرجل يقف في طريقها، نقول: إن هذا الزعم باطل من أساسه..

      في السرد العربي أيامنا هذه.. المبدعات العربيات وحتى المسلمات في غير بلاد العرب فــقْـن الرجل، وبلغن مستوى عاليا سيّما في الرواية العربية، وتحصّل بعضهن على أحسن الجوائز، واحتلال الرتب الأولى.. إنما ما يُعاب على بعضهن أن يسعيْن وبإصرار على الاشتغال بالأدب الإيروتيكي، وتكسير الطابوهات بدعوى ممارسة الحرية في الكتابة، لأن الكتابة تنطلق من حرية الكاتب في قوْل ما يؤمن به، وما يدعو إليه دون رقيب.

    الجدل لا يزال مستمرّا، وسيبقى حول وجود أدب نسائي، وأدب رجالي لأن العديد من المبدعات العربيات، والجزائريات يريْـن أن النص النسوي له خصوصياته، والنص الرجولي له خصوصياته.. والقارئ الذكي وحده يميّز ما بين النصّيْن حتى وإنْ قُـدِّم له النص الإبداعي خُلوا من اسم كاتبه. ولا يمكن أبدا التوحيد بين ما تؤمن به، وتفطر به المرأة؛ وما يفكر به الرجل ويدعو إليه، وكأن هؤلاء يتماهين مع ما قالته الكاتبة جيني هيربكورت قبل مئة عام:

« سادتي لا أستطيع أن أكتب إلا كامرأة بما أن لي شرفٌ كوني امرأة »

        شخصيا ومن خلال تجربتي الإبداعية، وخبرتي ..وقراءاتي الكثيرة للنصوص الذكورية والأنثوية أرى أن الملامح الأنثوية المنتِجة للنص الأدبي لا تنتقص من قيمته الفنية البتّة، ويجب في رأيي ألاّ تكون مقياسًا يُصنّف الأدب بسببه إلى أدب نسوي، وأدب ذكوري لأن ذلك عمليا لا يخدم القيمة الفنية للنص الأدبي المنتج، بل هو تصنيف نظري أكثر، ولعلّنا إنْ أخفيْنا في بعض الإبداعات هُــوية منتجة النص الأدبي تمامًا، أو استبدلنا اسم الأنثى باسم ذكر لما تنبّه المتلقّي لذلك، فالنص المميّز ذو المقومات الإبداعية الراقية يفرض نفسه بغضّ النظر عن جنس منتِجه.. الاختلاف فقط يكمن في أن الرجل في نصوصه يغوص في الفضاءات المعرفية المتنوعة يوظفها لخدمة نصّه كالتاريخ، والأنـــثروبولوجيا، وعلم النفس، والاقتصاد، والمعلوماتية، والحروب، وعلم النفس وتفرعاته.. بينما الأنثى غالبا ما تنكفئ في عالمها الخاص، وتطلعها إلى الحرية، ومقاومتها للرجل، وتنديدها بالحدود الحمراء التي فرضها، ويفرضها المجتمع عليها، وعلى بنات جنسه عندنا.

 

 

  مجلة فكر المجلة الثقافية الفصلية في عددها الجديد قراءة وعرْض بشير خلف     صدر العدد الجديد من مجلة " فكر" الثقافية، الفصلية ...