الأربعاء، 10 يوليو 2024

 

ثقافة الحوار

كتب: بشير خلف

     جاء في مقدّمة كتابي: (بحْثًا عن ثقافة الحوار مع الذّات ومع الاخر) الذي طُـبع، ونُشِــرْ سنة 2019

 {ما دفعني إلى تخصيص هذا الكتاب لِــثقافة الحوار ما لاحظـتُه، وألاحظه في واقعـنا الجزائري والعربي من فقدانها، وما انجرّ، وينجرّ عن ذلك من عُنْفٍ بشتّى صوره، وظلْمٍ، وحيْفٍ، وانتهاك لحقوق الإنسان والجماعات، وإقصاء، وعدم تقبّل الاختلا


ف، هذا ما بين الأفراد كما هو بين مكوّنات المجتمع الواحد، وما بين البلدان العربية؛ ولعلّني كنتُ محظوظًا لمّـا عشتُ بعضًا من سنوات العمر، وأنا أتخطّى منتصف العقد السابع من عمري بسنتيْن، أثناء فترة الاستعمار لهذا البلد، ورأيتُ بأمّ عيني القهر والظلم والإذلال للفرد الجزائري الذي كان معه الحوار إلاّ بالقتل، والرصاص، والسجن. ص:05}

السبت، 6 يوليو 2024

 

خواطر على هامش مذكرات الأديب بشير خلف

بقلم : الأستاذ. د مولود عويمر

( صدر المقال في صحيفة " البصائر" الأسبوعية العدد

 1224، بتاريخ 30 اجوان ـــ 06 جويلية 2024)

   

 لقد تطرقت في مقال سابق لظاهرة المذكرات الأدبية في الجزائر في العشرين سنة الأخيرة، فقد عادت بعد أن صمت الأدباء والعلماء لمدة طويلة، وغادر الكثير منهم الحياة دون أن يدوّنوا مذكراتهم. وكان من الأدباء الذين نطقوا الكاتب الأستاذ بشير خلف الذي بادر منذ 3 سنوات لنشر مذكراته بعنوان: ""حياتي في دائرة الضوء".

     صدر هذا الكتاب في طبعته الأولى في عام 2021  ، وبمجرد خروج الكتاب من المطبعة أرسل بشير خلف العشرات من النسخ عن طريق البريد على حسابه الخاص إلى كل من يتوسّم فيه حب القراءة والاهتمام بالثقافة وحفظ عهد الصداقة.

     وقد ذكرني كل هذا ب "كتاب الجزائر" لأحمد توفيق المدني، فلم يترك صاحبه شخصية علمية أو سياسية مؤثرة في الجزائر أو في العالم العربي إلا وأرسل لها نسخة من هذا الكتاب بسرعة فائقة قبل أن تتدارك ذلك سلطة الاحتلال الفرنسية وتحجزه وتعطّل عملية توزيعه عبر البريد في غفلة مراصد المراقبة الاستعمارية.

     وهكذا، وصلني الكتاب يحمله ساعي البريد الذي لا يظهر في حيّنا الشعبي إلا كما يظهر الهلال مرة واحدة في الشهر. فتحت الظرف الكبير الذي يضم أيضا كتابين آخرين: "المجتمع المدني وحقوق الإنسان" و"بحثا عن ثقافة الحوار مع الذات والآخر". وقد اكتشفت في الرجل بعدا آخر كنت أجهله. فبعد قراءة الكتابين محللا نبيها يغوص في القضايا الفكرية كما كان يغوص في النفس البشرية ويعبر عن عواطفها وآمالها وأفراحها وهواجسها في قصص ممتعة.

وشرعت في تقليب الصفحات وقراءة المقدمة وبعض الفصول. وعدت إلى قراءته مرات عديدة، وقضيت في صحبته ساعات ممتعة؛ فصفحات أضحكتني، وصفحات أحزنتني وصفحات تركتني أفكر وأتأمل. وقرأته كله في جلسات خاصة خلال عطلة الصيف حيث كنت أقضي شهرين الراحة في مسقط الرأس بمنطقة جرجرة. وفي ذلك البيت أحتفظ إلى اليوم  بكل المجلات القديمة التي كنت أشتريها أيام الشباب والتحصيل الدراسي المتوسطي والثانوي.

    وقد وجدت في هذه المذكرات ذكريات جميلة للأستاذ خلف مع الجرائد والمجلات العربية مثل: "العربي" الكويتية، و"الهلال" المصرية، "الآداب" اللبنانية، "الموقف الأدبي" السورية، "الفيصل" السعودية، و"أقلام" العراقية و"الفكر" التونسية... تشبه كثيرا ذكرياتي معها، فأنا عشتها تلميذا في بلدتي بينما هو عاشها معلما بعيدا عن مسقط رأسه قمار، عاشها في مدينة عنابة على الساحل الشرقي الجزائري حيث وصلها أول مرة في عام 1957 في رحلة أسطورية كما وصفها، مرة في الحافلة، ومرة في قطار البضائع،  ثم عاد إليها في عام 1964 ليدرّس في مدارس قراها.

     وكل المثقفين الجزائريين يشاركون حُــزن الأستاذ خلف على انقطاع كل هذه المجلات العربية عن الجزائر، فلم تبق منها إلا مجلة "العربي" التي تدخل باستحياء من حين إلى آخر إلى بلادنا. صحيح أن عددًا من المجلات لها مواقع إلكترونية وتضع أعدادها في متناول القراء المهتمين، إلا أن جيل الأستاذ خلف وجيلنا تعوّد على المجلة الورقية ولمسها وطي صفحاتها.

    وغواية الصحافة استهوته مبكرا حيث نشر مقاله الأول في مجلة "المجاهد الأسبوعي" في عام 1970 حول "مشكلة المواصلات في الواحات"، ولعله استلهمها من رحلته الأولى بين قمار وعنابة. ولم يجف حبره بعد ذلك فكتب في جرائد ومجلات كثيرة لم يحتفظ بأصولها كلها. ولا شك أن حلم كل صحافي أن يكون يوما رئيس تحرير: "مجلة الطموح" التي كانت تصدرها الجمعية الثقافية للشبيبة بقمار.

      غير أن أحلام الشاب بشير لا تتوقف عند أبواب قمار، وطموحاته لا تنتهي عند رئيس لمجلة محلية مهما بلغت أصداؤها حدود ولاية الوادي.

     وهكذا، بعد عام يصبح رئيس تحرير مجلة "المنبر الثقافي" الموجهة إلى كل قراء الجزائر، لكن هذه التجربة لم تدمْ طويلا في زمن يسيطر فيه الحزب الواحد على كل النشاطات الثقافية، ولا يقبل بمجلة خارج السرب.

      غير أنه لم يرفع قلمه ولم يجف حبره فواصل الكتابة في الجرائد الوطنية المعروفة والمجلات الثقافية العريقة ك "النصر" و"الشعب" و"المجاهد الأسبوعي"، و"آمال"، "الثقافية"...

     كانت مقالاته تعالج القضايا التربوية، والاجتماعية، وعرض الكتب القيمة، ونشر الأقصوصة... وينطلق من خبرته سنين في التعليم فكان معلما أحب مهنته وتفانى في رسالته التربوية، وارتقى إلى مرتبة مفتش ليكوّن الإطارات التربوية بمتابعاته، ومرافقاته، وتوجيهاته للمعلمين والمسئولين الإداريين لفترة طويلة.

 

     ولم يكن شديدا في معاملتهم إلا مرة واحدة عندما استضاف الدكتور سعد الله في المركز الثقافي بقمار ليقدم محاضرة، ولكن وجد القاعة شبه فارغة فقصد نادي المعلمين فوجده ممتلئا عن آخره، فأجبرهم على الحضور تحت تهديدهم بعقاب إداري، فحضروا محاضرة الدكتور سعد الله الذي أثنى على حضورهم واهتمامهم وهو لم يعلم بما أقدم عليه المفتش بشير خلف. 

     كان عاشقا للإذاعة، يتابع أخبارها وحصصها الثقافية. لذلك لم يتردد في الانضمام إلى المثقفين والإعلاميين الذين التحقوا بإذاعة الوادي الجديدة. فأعد وقدم برنامجين، الأول بعنوان: الموعد التربوي موجها للأسرة التعليمية مستلهما من خبرته الطويلة في التعليم وتجربته في التفتيش التربوي الذي مارسه عدة سنوات، والثاني : "النادي الثقافي" مفتوح على الإبداعات الأدبية والثقافية، واستضاف في حصته العديد من الأسماء المعروفة والمغمورة في عالم الأدب والفن ليعرّف بأعمالهم ويروّج لإنجازاتهم.

     من أجمل الفصول التي استهوتني في هذا الكتاب، فصل: "كتب أرست مساري المعرفي والإبداعي". الأستاذ بشير يفتح صندوقه الأسود للقراء. ذكر عناوين كثيرة تدل على اهتماماته المتعددة بين الأدب الذي أغواه للأبد والفلسفة التي أحبها وتقدم لدراستها في جامعة قسنطينة لكنه تركها بعد ليلة بيضاء قضاها في فندق قديم في حي شعبي لهذه المدينة العريقة.

      لقد قرأ روائع الأدب العالمي من الشرق: جبران خليل جبران، والمنفلوطي، ونجيب محفوظ، ومن الأدب العالمي الغربي: وليم شكسبير، فيكتور هيغو، ألبرتو مورافيا، أرنست همنغواي...وطالع كتب الفكر كأعمال عباس محمود العقاد، طه حسين، زكي نجيب محمود، مالك بن نبي، عبد  الله شريط، وعبد المجيد مزيان...

     كل الأدباء يحبون السفر إلا القليل منهم يفضلون الاستقرار في مكان واحد أمثال الفيلسوف إيمانويل كانط الذي عاش ومات في برلين، والأديب المصري نجيب محفوظ الذي لم يغير عاداته إلّا مرة واحدة للذهاب إلى أستكهولهم في رحلة مدفوعة الأجر لتسلم جائزة نوبل في الآداب من أيادي ملك السويد ورئيس أكاديميتها الوطنية.

     أما الأستاذ خلف فقد كان رحالة يسافر في داخل الوطن وخارجه ليكتشف الأماكن ويقيّد الأسماء ويتعرف على التقاليد والعادات والثقافات؛ فسافر إلى تونس فزار ساحلها كتونس والمنستير، وزار جنوبها كالقيروان، وزار تركيا مصر والمغرب والمملكة العربية السعودية لأداء فريضة الحج وسُنة العمرة عدة مرات. وقد توقف عندها ووصف هذه الرحلة الروحية التي لا تنسى.

    قد ذكرتني مشاهداته وخواطره في الحج برحلة المفكر المسلم النمساوي محمد أسد  ورحلة المفكر الألماني مراد هوفمان، وقبلهما قصة "لبيك" لمالك بن نبي.

     أما الرحلات نحو العالم الغربي فقد زار فرنسا على مضض ثم لما جال فيها وصال أعجبته مدنها وحدائقها الخضراء وشوارعها الواسعة وساحاتها النظيفة وخاصة الحي اللاتيني الذي يُعتبر قلب الثقافة في عاصمة باريس سحَر عقول وقلوب رفاعة الطهطاوي، وقاسم أمين، وزكي مبارك، وتوفيق الحكيم، مالك بن نبي، وسهيل إدريس..

     كما زار مهد الفلسفة اليونانية في عام 1993 ورومانيا في عز بؤسها... تمنيت لو كتب لنا الأستاذ بشير خلف كتابا عن رحلاته في المشرق والمغرب مثل ما فعل هؤلاء الأدباء والمثقفين العرب.

     اهتم الصحافيون والكُتاب بهذا الكتاب وقدموه للقُراء، وقد كان ختام الاحتفاء بهذا في جامعة الوادي حيث أنجز حوله الطلبة مذكرات الماستر، وقد حرص على حضور جلسات المناقشة. ما أجمل هذا التكريم، وخاصة أنه تزامن مع ذكرى 83 لميلاده.

     


وما زال الأستاذ خلف يملك ذاكرة قوية وإرادة صلبة وهِـمّة كبيرة لمواصلة العطاء الأدبي والفكري كما لمست منه ذلك في زيارتي الأخيرة إلى وادي سوف، ّ على موادعتي في مطار قمار إلى آخر لحظة.

      تحية محبة وتقدير إليه وإلى كل الأدباء من جيله الذي ساهم في تحرير الوطن وبناء الجزائر. 

 

 

الاثنين، 1 يوليو 2024

 

 مجلة العربي.. البوّابة الثقافية العربية

كتب: بشير خلف

     بين يديّ العدد" الورقي" من مجلة العربي الكويتية لشهر اجوان 2024.

      العدد كالعادة ثريٌّ بالزاد المعرفي، المتنوّع الذي يُشبع نهم القارئ المتعطّش للمعرفة في عديد المجالات.

 

     في بداية العدد، كالعادة " حديث الشهر" لرئيس التحرير:

{ الذكاء الاصطناعي.. رهانات ضخمة، وتحدّيات جادّة

    إنه حُلْمٌ قديم من أحلام البشرية، أن يوجد اختراع يمكنه موازاة العقل البشري في طريقته للتفكير والتعامل مع المشكلات التي تواجهه، فأحيانًا يكون العقل في حاجة إلى نوع من الذكاء غير نابع من رأس الإنسان ولكنه اصطناعي، يأتي بواسطة إحدى الآلات.

     مجرد خيال علمي لم يغادر أقلام المفكرين والكتاب، كلها تبحث عن طاقة إضافية من الذكاء تضاف لتزيد من قدرة العقل البشري، ولكن في ثنايا هذا الحلم المثالي كانت هناك مخاوف من أن يستـفحل خطر هذه الآلة المتخيلة وتفرض سيطرتها على الإنسان، من هنا جاءت فكرة الذكاء الاصطناعي الذي أصبح واقعًا في حياتنا المعاصرة.}

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قضايا وأفكار:ابن سيناء في الفكر الإسلامي

      ابن سينا (Avicenne أو Avicenna) بالأجنبية صاحب الألقاب المتعددة: الشيخ الرئيس، مصدر التأسيس، الصاحب الأجلّ الحكيم، شرف الملك، أفضل المتأخرين، حجة الحق، الدستور، أرسطو الإسلام وأبقراطه، الفيلسوف الوزير وفيلسوف الدهر سينا - الشيخ .

     تعدد هذه الألقاب يشير إلى مكانة ابن سينا في الفكر الإسلامي، وما نحن بصدده في مقالتنا هذه يشهد بذلك.   ورد في كتاب «ثلاثة حكماء مسلمين» لمؤلفه سيد حسين نصر أن تلميذ ابن سينا أبو عبيد الجوزجاني «كان يرى فيه أعظم علماء زمانه، سأله يومًا: لماذا لا يدعي النبوة وينادي بدين جديد؟! فتبسم ابن سينا ولم يَحِرْ جوابًا».

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

معنى النقد السينمائي

«السينما كتابة حديثة حِــبْرها الضوء» (جان كوكتو) لم يعد بإمكان السينما سوى أن تصبح فلسفة للصورة ومدرسة للذوق، لأن الذوق سمة عامة لتجليات الفن في الروح مما يساعدها على بناء فن الحياة، وكم هي الحياة جميلة في السينما، فما يجري على الشاشة أفضل مما يجري في الوجود، ولذلك فإن مهمة النقد السينمائي هي تفسير وتفكيك معنى السينما في الفيلم، وليس سرد أحداث الفيلم وتكرار كلمات: جميل، مدهش، رائع... فبأي معنى الفيلم مدهش سينمائيًا، وبعبارة أخرى كيف يستطيع الفيلم أن يكون بمنزلة سؤال:

ــ ما السينما؟ وما معنى الحكي بالصورة بدلاً من الحكي بالكلمات؟ وما علاقة السينما بالفنون التي استعمرتها؟ هل تحول إلى امبراطورية الفنون؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سفراء الكلمة في الخارج.. مبدعون عرب بدرجة" أديب" و" دبلوماسي"

      تتعاقب أجيال العرب، ومن نوابغهم دبلوماسيون وأدباء مرتحلون ومهاجرون، تحملوا أمانة الكلمة، وصاروا سفراء لها، سواء بعملهم الرسمي الذي كُــلّفوا به، أو من خلال الإبداع الذي أفـنوا فيه ذواتهم، تعبيرًا عن كينونتهم، وهويتهم العربية، وانشغالاتهم الذاتية، وقضاياهم الوطنية، والإنسانية. ولا تخفى على متابع للحراك الثقافي، العربي والعالمي، قوى التأثير التي أحدثـتها وشكّلتها ارتحالات القامات العربية، الثقافية والدبلوماسية، إلى العالم الغربي، خصوصًا في أوروبا والولايات المتحدة، على مدى أجيال وقرون خلت، منذ بداية ظهور ما سُمّي «أدب المهجر»، في بشائره الأولى، حتى لحظتنا الراهنة، الأمر الذي انعكس إيجابيًّا في الكثير من الأحوال لصالح القضايا العربية، وصورة العرب لدى الغرب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملفّ العدد: مؤسسة " البابطين"

      منذ إحداثها في الثمانينيات من القرن الماضي، وضعت مؤسسة البابطين لنفسها هدفًا رئيسًا تمثل في جعل الثقافة لبنة داعمة لنشر قيم السلام والوئام في جميع أنحاء العالم. وقد اختار رئيسها، الشاعر عبد العزيز سعود البابطين، رفْعَ هذا التحدي على أساس ثلاث مرتكزات تسمح بالانفتاح على الآخر والاعتراف باختلافه وهي: الشعر، وحوار الحضارات، وتعزيز مقومات التداخل والتفاعل الثقافي. 

     إن عودة العنف إلى العالم، الذي شجع الكثير على الانغلاق واعتماد مواقف وطنية متصلبة، لم يقلل من إيمانه بمشروعه ومصداقية مراميه. لذا بادر إلى ريادته بعزيمة لا تلين، انطلاقًا من قناعة راسخة تستـند إلى الثقافة باعتبارها السبيل الناجع لضمان السلم عبر العالم.  

« فبقدر ما جعلنا منها جسرًا للتواصل والتآلف بقدر ما استطعنا تعزيز المساهمة في بناء نظام حضاري عالمي متوازن.»

ــــــــــــــــــــــــــ

العدد حافلٌ بالمواضيع الجديد، والأبواب الثابتة

ـــ استطلاعات

ـــ وجهًا لوجه

ـــ تاريخ وتراث وشخصيات

ـــ مكتبة العربي

ـــ البيت العربي

ـــ قصصٌ على الهواء

الخميس، 13 يونيو 2024

 

حوارٌ ثقافيٌّ من الأرشيف قبل 44 سنة

كتب: بشير خلف

    في يوم الإثنين 17 أوت 1981م، في إطا


ر قدومي إلى الجزائر العاصمة زائرًأ عاديا، أجرى معي حينذاك الإعلامي القدير بجريدة الشعب، بمقرّها القديم  تحت بناية شركة الخطوط الجزائرية، قُرْب جامعة الجزائر المركزية:

       باديس قدادرة، حوارا عن المشهد الثقافي الجزائري، وجرّني الحديث عن انعدام مشروع ثقافي وطني، والرّكود الثقافي الشامل .. حوارًا به عديد الأسئلة، والأجوبة تلخّصت في: ( الثقافة في بلادنا مسؤولية الجميع).

    حينذاك برزت إلى الساحة الثقافية الجزائرية: الهيئة الجديدة لاتحاد الكُتّاب الجزائريين التي انتظر الجميع منها الكثير.

      من الأسئلة التي طرحها عليّ حينذاك الأستاذ باديس قدادرة:

( ألا ترى أن هذا الركود سيُقْضى عليه بفضل الهيئة الجديدة لاتحاد الكُتّاب الجزائريين ؟)

     جوابي، كان يومها17 أوت 1981:

( إنّ الثقافة لا تخصّ اتحاد الكُتّاب فقط، بل تشترك فيها هيئات أخرى؛ إنما مسؤولية الاتحاد أخطرُ بكثير لأنه يضمّ تحت لوائه رجالات الفكر، والأدب ببلادنا ، ولكن لا هيئة اتحاد الكتاب السابقة قامت، ولا الهيئة الجديدة ستقوم بأعمال عظيمة يمكن الإشادة بها.)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   الحاصول:

ماذا تغير في (اتحاد الكُتّاب) بعد هذا الحوار الذي مرّ عليه 44 سنة ؟؟

 

الأحد، 2 يونيو 2024

 

عجوز تطهو البيض

كتب: بشير خلف


      لوحة للفنان الإسباني دييغو فيلاسكيز 1619

أمامنا مشهدٌ تدور أحداثه في مطبخ يمزج بشكل متناسق بين الظل، والنور حيث تظهر شخصيات اللوحة (العجوز، والطفل ) في المستوى الأول بشكل، ويُسلّط ُعليهم ضوء قوي ينبثق من جهة اليسار .

    

     بطلة اللوحة هي السيدة العجوز أمامها قِــدْر من الفخار تطهو فيه البيض يحتل مركز اللوحة، تحمل في يدها اليمنى ملعقة من الخشب تقلب بها البيض ، أما في اليد اليسرى تحمل بيضة أخرى ومن المفترض أنها ستحطمها بواسطة حافة إناء الطهي ، بالجوار يظهر طفل ( بطل المشهد الثاني ) ويبدو أنه أتى توا من الخارج منتظرا إعداد الطعام ، يحمل الفتى في يده اليمنى ثمرة شمام وقارورة من الزجاج في يده اليسرى .

      في اللوحة تتنوع العديد من عناصر المطبخ

الجمعة، 31 مايو 2024

" كــنْزة " نصُّ تراجيديا الإبادة الجماعية.. وجهاد، ومقاومة " الكنْــزات" 
كتب: بشير خلف 
 وصلتْني هديّةٌ جميلةٌ، ماتعة من الكاتبة الكبيرة، والروائية المُبدعة القديرة، والإعلامية الثقافية المُتميّزة، والناشطة الثقافية المُتألّقة: جميلة طلباوي..وصلتني روايتها التي صدرت أخيرا، الموسومة بــ :" كــنزة" نصٌّ روائيٌّ من الحجم المتوسّط في: 126 صفحة. صدر عن دار " خيال، المرافقة، والرفيقة للأدباء الجزائريين. 
 رواية بقـدْر ما هي ماتعةٌ لروائية قديرة لها من النصوص الروائية الصادرة قــبْــلُ؛ فإن الرواية الجديدة صادمةٌ للقارئ الـنّـبِه، الباحث عن الأحداث، والوقائع التاريخية لتاريخ الجزائر المعاصر، خاصّة ما ارتكبه الاستعمار الفرنسي من إبادات جماعية، ومجازر، وتجارب كيميائية، في صحرائنا الجزائرية، قضت على الأخضر، واليابس، وعلى كل المخلوقات: إنسانٍ، حيوانٍ، نباتاتٍ.. ولا يزال الضحايا من الأبناء، والأحفاد يعانون إلى أيامنا هذه. النصّ الذي بين أيدينا وثيقة تاريخية تُشخّص بشاعة سلوك الاستعمار الفرنسي، قبل الثورة التحريرية، وأثناءها في منطقة الساورة، خاصّة حينذاك في وادي الناموس،وبلدتي: "بني ونّيف.. والقنادسة." 
 النصّ الروائي فــنِّــيًّا وجماليا قدّمته الروائية جميلة طلباوي للمتلقّي، في: عشْر رسائل من خلالها تُحادث عبْر هذه الرسائل ولدها، فتكشف له عمّا يجهله من تاريخ بلاده الجزائر: تارات تُقدّم له معارف ومعلومات عن تاريخ منطقته، وبلاده، وما قام به الاستعمار الفرنسي في قالب حميميّ، مُشوّقٍ، وتارات أخرى تتساءل بحْثًا عن إجابات تُؤرقها: « ــ تسألني يا ولدي: ـــ لِمَ تغيبُ الشمسُ؟ ولِمَ يحُلُّ الظلام؟ ..وأنا واجمةٌ أمامك لا أملك إجابة.. فأغرقُ في ظلام السؤال، والإجابة في شمسٍ تسطعُ من فكركَ، تتوهّجُ في عيّنيّك الواسعتيّن، كأنّي بهما تعيدان السؤال بشكْلٍ مُختلف: ــ لماذا يحُلّ الظلام بعالمنا، لماذا يُقتل الصغار؟ ص: 15» ـــ « روت لي كنزة كيف قتل جنودُ الاحتلال الفرنسي زوجها أمام عــيْـنيْها، وكيف سحبوها من شعْـرها، وأخذوها بعيدًا عن خيمتها ، اغتصبوها، ثمّ رموْها في حمادة لا يحُدُّها البصر. ص: 15 » تراجيديا الإبادة الجماعية: ورد في نصٍّ كتبه جنديٌّ فرنسيٌّ حارب في الجزائر في خمسينيات الفرن الماضي، ما يلي: «كان أكبر مركزٍ للاختبار للأسلحة الكيميائية في العالم، باستثناء روسيا: اختبار المضلع كما يقول الخبراء 100كم طولًا يسيطر عليها الجيش الفرنسي، وكان في الصحراء الشمالية للجزائر بالقرب من مدينة "بني ونيف"، هذه القاعدة فائقة السرّيّة. ص: 07» «كان يُسمّى" عام الشكاير" لأنّ الأموات كانوا بالمئات، فكانوا يوضعون في أكياس لدفـنهم، كلّ هذا نتيجة التجربة الكيميائية التي قامت بها فرنسا الاستعمارية في مدينة الأغواط عام 1852 فأبادت ثلاثة أرباع السكّان، وهي الأولى في العالم قبل هيروشيما، ونغازاكي. ص: 07 » تـتحدّث الرواية عن الضحايا الأبناء، والأحفاد الذين يعانون من الإصابات الجسدية، والمعاناة المتواصلة محرومين من الحياة الطبيعية حتى الآن في بيئة صحراوية نتيجة التجارب على أرض يبابٍ فقدت فيها التربةُ مُسبّبات الحياة للإنسان، والحيوان، والنبات: « أفتحُ النوافذ لتصفعنا زوابع الرمل ملتهبة ببقايا تجارب أسلحة كيميائية لا يتحدّث عنها العالَمُ، سكنت رحِم وادي الناموس في بلدتنا الصغيرة بني ونيف الواقعة في الجنوب الغربي الجزائري، ونفايات سموم خلّفها الاحتلال الفرنسي، وطواها النسيان كما طوى ذكريات أجدادنا، كانوا هنا ينصبون الخِـيَم من حولهم، قطعان الأغنام تجعل لحياتهم معنى آخر، وفي البراري كانت الغزلان الشاردة تصنع جمال المكان، لكنها لا يمكنها أن تطوي ذكرى" كنزة لالّة البنات" أجمل بنات القبيلة، وغصّة في حلْق التاريخ. ص:12» « كما حزن سكانُ القرية للثعبان الكيميائي الذي استوطن أرضهم، وراح ينخرها في صمْتٍ. مات الزّرعُ، ماتت الغزلان وحتّى الثعالبُ، لم يبق لها أثرٌ في تلك الربوع؛ وما هي إلّا سنواتٌ قليلة حتى ظهرت أعراض السرطان عند خالتي الخادم، وعند زوجة أخيها، وعند ابنتها الصغرى؛ تساءل سكّان البلدة: ـــ هل يكون الثعبان الكيميائي ينفثُ سُمّه ؟. ص:32 » {شرَفُ جهاد ومُقاومة الكـنزات، والشُّرفاء}: ــ كنزة الأمّ: الشهيدة، كنزة بنت الشهيد عمار المجذوبي. ــ كنزة الابنة، كنزة بنت المجاهد السي عبد السلام. ــ كنزة الحفيدة، كنزة بنت قـدّور البيّاع، الخائن العميل لفرنسا. لئن حـفرت الروائية جميلة طلباوي عميقًا في الذاكرة التاريخية، وعرّت بشاعة الاستعمار الفرنسي، وتجرّده من الشعور الإنساني في منطقة وادي الناموس، ومدينتي بني ونيف، والقنادسة فـفي نصّها تحـدّثت بحماسٍ عن بطولات خارقة للمجاهدين، والمجاهدات أثناء الثورة التحريرية، والوقوف في وجْه الفساد، والفاسدين بعد الثورة. (جمالية السّرد، وتقنية الأسلوب): الاشتغال في الإبداع السّردي يُحتّم في بعض الحالات على الكاتب المبدع الخوض في دقائقَ حياتية إنسانية عميقة، ومواضيع راهنة حارقة، أو ماضية فــلـتت من أصابع الزمان غابت، وتغيب عن عيني الإنسان العادي في وعاء لغوي جذّاب.. في شعرية لغوية مُمتعة، وأداء تشكيلي جمالي.. فيعيد لها الكاتبُ المبدع ألقها، وحياتها، وقد تـتماهى هذه المنفلتة بما هو راهنٌ في النصّ.. فلكي نبدع سرديا، وشعريا، فإننا نُـنشئُ حدثًا أسلوبيا يتخطّى المعيار الكلاميّ السائد. وهذا ما يلمسه القارئ في هذا النصّ السردي الروائي للمبدعة جميلة طلباوي الموسوم بــ " كنزة" القارئ الخبير بفن السرد يتّضح له منذ بداية هذا النص، أن الفضاء الشعري الرّحْب للكاتبة جميلة لغةٌ، وأسلوبٌ، وبناءٌ فنيٌّ، كان مُتمدّدًا في النصّ.. صحيح أن الرواية لم تُكْـتب بتقنيات الشعر؛ لكنها في بعض المواقـف سُردت بلغة شعرية كـثيفة، جميلة، وبمفردات مثيرة تُحيل إلى أحداث جسيمة مُرعبة ارتكبها الاستعمار الفرنسي في الجزائر، لا يزال الشعب الجزائري الضحية يعاني منها، خاصة ضحايا التجارب الكيميائية. كما أن التخـييل الخصب في رواية" كنزة" يجعل القارئ ينزاح إلى فـضاءات أخرى مُهمة لم تقُـلها الرواية مباشرة، وهي فضاءات حرية الإنسان المُقـدّسة أينما تواجد، ومتى تواجد. وقد نجحت الكاتبة في سرْد الأحداث المأساوية، وجهاد، ومقاومة الشعب الجزائري أثناء الثورة التحريرية في مدينتي:" بني ونيف، والقنادسة، وبناء مشهدية روائية درامية تُحفّـزُ خيال المتلقّي ليستدعي كل مقومات الصمود، والتحدي، والمواجهة من خلال اللغة الرقراقة، والأسلوب المُشوّق، والعبارات التصويرية المُحفـِّزة للخيال. {من جمالية الحكي في الرواية}: «من قـصْر الطين العتيق العبق بالذكريات تلوح لك مدينة بني ونيف مُلْتفّة بهدوء يبعـث في النفس الطمأنينة، تبدو كما عجوزٌ متكـتّمة على أسرار، وحكايات يُـدمى لها الفؤادُ. في أحد أزقّته يقع بيتُ جدّكَ القديم، ألوذ إليه في لحظات انكساري، أو كُلّما غلبني الحنينُ. يتعالى صياحُ الدّيك، فتدُبّ الحياة في الأزقّة، والدُّروب، تفوحُ رائحة الخبز الشّهيّ من فُرْن الطين، ينضج مع الصباح.» ص:11 « وتسألني يا ولدي: ما الوطن؟ ما الوجع؟ ما الفجر؟ وما الشهيد؟ تنفجرُ الأسئلة في أزقّة الدبدابة، في الشعبة، وفي القنادسة نضالُ شعْبٍ يتوق للحرية، تقفز ذكرى شهيد المقصلة قيصري جيلالي. {من شعرية النصّ}: « وتسألني يا ولدي: لماذا الفراشاتُ أعمارهُنّ قصيرة، ولماذا لا تذوب ألوانهنّ على يدك الصغيرة حين تُمسكُ قبضتك عليها، وأنت تضحكُ ضحكتك البريئة. الفراشات يا ولدي كائنات جميلة، تُـزيّنُ عالمنا، ولا تنتبه لعمرها وهي تحلِّقُ. تقترب من النور، وتبتعد، وقد تحترق. تُحلّقُ في الفضاء عاليا، تكون في كامل أناقتها، وهي تُداعب الأزهار، تنافسها عرش الرياض البديعة، ثم ترحلُ قبل أن يفتُر جمالُها.» ص:35 «الموْجُ يتلوّى يفلُتُ من قلْب البحر، يُعانِقُ الغيْمة المُتعبة من قيظ الوجع، يركل يومًا آخر، يفلُتُ من حلمي، ويُبْقي الغصّة تتدحرج في فنجان قهوتي، تُذيبُ السّكّر، وتُبقي لي بِضْعَ وهْمٍ يُربّتُ على خيْبتي.» ص: 09 
«الموْجُ صاعِقٌ، يصعقُ لذّة الانتظار في قلبي، يصعق الدقائق في ساعةٍ فضّية توهِمُ مِعْصمي بامتلاك الزمن. الموجُ يُوشْوِشُ لي بأُهْزوجةٍ قديمة، أمتطي الكلمات، وأجتاحُ اللّحْن الجسور، تــتْرى، تـتْبعُني أسرابُ النوتات، تسْتحِمُّ في شمس الصوت المحموم.. لا صوْتَ للموْجِ حين تُغـنّي الشمسُ .»ص: 09 المُحصِّلة نصٌّ جميل ينضاف إلى مسار جميلة طلباوي الإبداعي المتشح بالإبداعية والجمال الفـنّي، الذي تألّقت فيه في مجموعة من الإصدارات الشعرية، والقصصية، والروائية.. مسارٌ نيّـرٌ في المشهد الثقافي الجزائري، والعربي؛ كما الإعلام الثقافي في إذاعة بشار منذ عقود.. ليباركها ربُّنا، ويوفّقها.
" كــنْزة " نصُّ تراجيديا الإبادة الجماعية.. وجهاد، ومقاومة " الكنْــزات" كتب: بشير خلف وصلتْني هديّةٌ جميلةٌ، ماتعة من الكاتبة الكبيرة، والروائية المُبدعة القديرة، والإعلامية الثقافية المُتميّزة، والناشطة الثقافية المُتألّقة: جميلة طلباوي..وصلتني روايتها التي صدرت أخيرا، الموسومة بــ :" كــنزة" نصٌّ روائيٌّ من الحجم المتوسّط في: 126 صفحة. صدر عن دار " خيال، المرافقة، والرفيقة للأدباء الجزائريين. رواية بقـدْر ما هي ماتعةٌ لروائية قديرة لها من النصوص الروائية الصادرة قــبْــلُ؛ فإن الرواية الجديدة صادمةٌ للقارئ الـنّـبِه، الباحث عن الأحداث، والوقائع التاريخية لتاريخ الجزائر المعاصر، خاصّة ما ارتكبه الاستعمار الفرنسي من إبادات جماعية، ومجازر، وتجارب كيميائية، في صحرائنا الجزائرية، قضت على الأخضر، واليابس، وعلى كل المخلوقات: إنسانٍ، حيوانٍ، نباتاتٍ.. ولا يزال الضحايا من الأبناء، والأحفاد يعانون إلى أيامنا هذه. النصّ الذي بين أيدينا وثيقة تاريخية تُشخّص بشاعة سلوك الاستعمار الفرنسي، قبل الثورة التحريرية، وأثناءها في منطقة الساورة، خاصّة حينذاك في وادي الناموس،وبلدتي: "بني ونّيف.. والقنادسة." النصّ الروائي فــنِّــيًّا وجماليا قدّمته الروائية جميلة طلباوي للمتلقّي، في: عشْر رسائل من خلالها تُحادث عبْر هذه الرسائل ولدها، فتكشف له عمّا يجهله من تاريخ بلاده الجزائر: تارات تُقدّم له معارف ومعلومات عن تاريخ منطقته، وبلاده، وما قام به الاستعمار الفرنسي في قالب حميميّ، مُشوّقٍ، وتارات أخرى تتساءل بحْثًا عن إجابات تُؤرقها: « ــ تسألني يا ولدي: ـــ لِمَ تغيبُ الشمسُ؟ ولِمَ يحُلُّ الظلام؟ ..وأنا واجمةٌ أمامك لا أملك إجابة.. فأغرقُ في ظلام السؤال، والإجابة في شمسٍ تسطعُ من فكركَ، تتوهّجُ في عيّنيّك الواسعتيّن، كأنّي بهما تعيدان السؤال بشكْلٍ مُختلف: ــ لماذا يحُلّ الظلام بعالمنا، لماذا يُقتل الصغار؟ ص: 15» ـــ « روت لي كنزة كيف قتل جنودُ الاحتلال الفرنسي زوجها أمام عــيْـنيْها، وكيف سحبوها من شعْـرها، وأخذوها بعيدًا عن خيمتها ، اغتصبوها، ثمّ رموْها في حمادة لا يحُدُّها البصر. ص: 15 » تراجيديا الإبادة الجماعية: ورد في نصٍّ كتبه جنديٌّ فرنسيٌّ حارب في الجزائر في خمسينيات الفرن الماضي، ما يلي: «كان أكبر مركزٍ للاختبار للأسلحة الكيميائية في العالم، باستثناء روسيا: اختبار المضلع كما يقول الخبراء 100كم طولًا يسيطر عليها الجيش الفرنسي، وكان في الصحراء الشمالية للجزائر بالقرب من مدينة "بني ونيف"، هذه القاعدة فائقة السرّيّة. ص: 07» «كان يُسمّى" عام الشكاير" لأنّ الأموات كانوا بالمئات، فكانوا يوضعون في أكياس لدفـنهم، كلّ هذا نتيجة التجربة الكيميائية التي قامت بها فرنسا الاستعمارية في مدينة الأغواط عام 1852 فأبادت ثلاثة أرباع السكّان، وهي الأولى في العالم قبل هيروشيما، ونغازاكي. ص: 07 » تـتحدّث الرواية عن الضحايا الأبناء، والأحفاد الذين يعانون من الإصابات الجسدية، والمعاناة المتواصلة محرومين من الحياة الطبيعية حتى الآن في بيئة صحراوية نتيجة التجارب على أرض يبابٍ فقدت فيها التربةُ مُسبّبات الحياة للإنسان، والحيوان، والنبات: « أفتحُ النوافذ لتصفعنا زوابع الرمل ملتهبة ببقايا تجارب أسلحة كيميائية لا يتحدّث عنها العالَمُ، سكنت رحِم وادي الناموس في بلدتنا الصغيرة بني ونيف الواقعة في الجنوب الغربي الجزائري، ونفايات سموم خلّفها الاحتلال الفرنسي، وطواها النسيان كما طوى ذكريات أجدادنا، كانوا هنا ينصبون الخِـيَم من حولهم، قطعان الأغنام تجعل لحياتهم معنى آخر، وفي البراري كانت الغزلان الشاردة تصنع جمال المكان، لكنها لا يمكنها أن تطوي ذكرى" كنزة لالّة البنات" أجمل بنات القبيلة، وغصّة في حلْق التاريخ. ص:12» « كما حزن سكانُ القرية للثعبان الكيميائي الذي استوطن أرضهم، وراح ينخرها في صمْتٍ. مات الزّرعُ، ماتت الغزلان وحتّى الثعالبُ، لم يبق لها أثرٌ في تلك الربوع؛ وما هي إلّا سنواتٌ قليلة حتى ظهرت أعراض السرطان عند خالتي الخادم، وعند زوجة أخيها، وعند ابنتها الصغرى؛ تساءل سكّان البلدة: ـــ هل يكون الثعبان الكيميائي ينفثُ سُمّه ؟. ص:32 » {شرَفُ جهاد ومُقاومة الكـنزات، والشُّرفاء}: ــ كنزة الأمّ: الشهيدة، كنزة بنت الشهيد عمار المجذوبي. ــ كنزة الابنة، كنزة بنت المجاهد السي عبد السلام. ــ كنزة الحفيدة، كنزة بنت قـدّور البيّاع، الخائن العميل لفرنسا. لئن حـفرت الروائية جميلة طلباوي عميقًا في الذاكرة التاريخية، وعرّت بشاعة الاستعمار الفرنسي، وتجرّده من الشعور الإنساني في منطقة وادي الناموس، ومدينتي بني ونيف، والقنادسة فـفي نصّها تحـدّثت بحماسٍ عن بطولات خارقة للمجاهدين، والمجاهدات أثناء الثورة التحريرية، والوقوف في وجْه الفساد، والفاسدين بعد الثورة. (جمالية السّرد، وتقنية الأسلوب): الاشتغال في الإبداع السّردي يُحتّم في بعض الحالات على الكاتب المبدع الخوض في دقائقَ حياتية إنسانية عميقة، ومواضيع راهنة حارقة، أو ماضية فــلـتت من أصابع الزمان غابت، وتغيب عن عيني الإنسان العادي في وعاء لغوي جذّاب.. في شعرية لغوية مُمتعة، وأداء تشكيلي جمالي.. فيعيد لها الكاتبُ المبدع ألقها، وحياتها، وقد تـتماهى هذه المنفلتة بما هو راهنٌ في النصّ.. فلكي نبدع سرديا، وشعريا، فإننا نُـنشئُ حدثًا أسلوبيا يتخطّى المعيار الكلاميّ السائد. وهذا ما يلمسه القارئ في هذا النصّ السردي الروائي للمبدعة جميلة طلباوي الموسوم بــ " كنزة" القارئ الخبير بفن السرد يتّضح له منذ بداية هذا النص، أن الفضاء الشعري الرّحْب للكاتبة جميلة لغةٌ، وأسلوبٌ، وبناءٌ فنيٌّ، كان مُتمدّدًا في النصّ.. صحيح أن الرواية لم تُكْـتب بتقنيات الشعر؛ لكنها في بعض المواقـف سُردت بلغة شعرية كـثيفة، جميلة، وبمفردات مثيرة تُحيل إلى أحداث جسيمة مُرعبة ارتكبها الاستعمار الفرنسي في الجزائر، لا يزال الشعب الجزائري الضحية يعاني منها، خاصة ضحايا التجارب الكيميائية. كما أن التخـييل الخصب في رواية" كنزة" يجعل القارئ ينزاح إلى فـضاءات أخرى مُهمة لم تقُـلها الرواية مباشرة، وهي فضاءات حرية الإنسان المُقـدّسة أينما تواجد، ومتى تواجد. وقد نجحت الكاتبة في سرْد الأحداث المأساوية، وجهاد، ومقاومة الشعب الجزائري أثناء الثورة التحريرية في مدينتي:" بني ونيف، والقنادسة، وبناء مشهدية روائية درامية تُحفّـزُ خيال المتلقّي ليستدعي كل مقومات الصمود، والتحدي، والمواجهة من خلال اللغة الرقراقة، والأسلوب المُشوّق، والعبارات التصويرية المُحفـِّزة للخيال. {من جمالية الحكي في الرواية}: «من قـصْر الطين العتيق العبق بالذكريات تلوح لك مدينة بني ونيف مُلْتفّة بهدوء يبعـث في النفس الطمأنينة، تبدو كما عجوزٌ متكـتّمة على أسرار، وحكايات يُـدمى لها الفؤادُ. في أحد أزقّته يقع بيتُ جدّكَ القديم، ألوذ إليه في لحظات انكساري، أو كُلّما غلبني الحنينُ. يتعالى صياحُ الدّيك، فتدُبّ الحياة في الأزقّة، والدُّروب، تفوحُ رائحة الخبز الشّهيّ من فُرْن الطين، ينضج مع الصباح.» ص:11 « وتسألني يا ولدي: ما الوطن؟ ما الوجع؟ ما الفجر؟ وما الشهيد؟ تنفجرُ الأسئلة في أزقّة الدبدابة، في الشعبة، وفي القنادسة نضالُ شعْبٍ يتوق للحرية، تقفز ذكرى شهيد المقصلة قيصري جيلالي. {من شعرية النصّ}: « وتسألني يا ولدي: لماذا الفراشاتُ أعمارهُنّ قصيرة، ولماذا لا تذوب ألوانهنّ على يدك الصغيرة حين تُمسكُ قبضتك عليها، وأنت تضحكُ ضحكتك البريئة. الفراشات يا ولدي كائنات جميلة، تُـزيّنُ عالمنا، ولا تنتبه لعمرها وهي تحلِّقُ. تقترب من النور، وتبتعد، وقد تحترق. تُحلّقُ في الفضاء عاليا، تكون في كامل أناقتها، وهي تُداعب الأزهار، تنافسها عرش الرياض البديعة، ثم ترحلُ قبل أن يفتُر جمالُها.» ص:35 «الموْجُ يتلوّى يفلُتُ من قلْب البحر، يُعانِقُ الغيْمة المُتعبة من قيظ الوجع، يركل يومًا آخر، يفلُتُ من حلمي، ويُبْقي الغصّة تتدحرج في فنجان قهوتي، تُذيبُ السّكّر، وتُبقي لي بِضْعَ وهْمٍ يُربّتُ على خيْبتي.» ص: 09 «الموْجُ صاعِقٌ، يصعقُ لذّة الانتظار في قلبي، يصعق الدقائق في ساعةٍ فضّية توهِمُ مِعْصمي بامتلاك الزمن. الموجُ يُوشْوِشُ لي بأُهْزوجةٍ قديمة، أمتطي الكلمات، وأجتاحُ اللّحْن الجسور، تــتْرى، تـتْبعُني أسرابُ النوتات، تسْتحِمُّ في شمس الصوت المحموم.. لا صوْتَ للموْجِ حين تُغـنّي الشمسُ .»ص: 09 المُحصِّلة نصٌّ جميل ينضاف إلى مسار جميلة طلباوي الإبداعي المتشح بالإبداعية والجمال الفـنّي، الذي تألّقت فيه في مجموعة من الإصدارات الشعرية، والقصصية، والروائية.. مسارٌ نيّـرٌ في المشهد الثقافي الجزائري، والعربي؛ كما الإعلام الثقافي في إذاعة بشار منذ عقود.. ليباركها ربُّنا، ويوفّقها.

                                      المجلة العربية الثقافية السعودية صدر العدد الجديد 600 لشهر أوت 2026 من المجلة الثقافية الشهرية السعودي...