السفر:
الانكشاف والتجلي
يقدم السفر كل الوعود بالتجديد»، واكتشاف
الآخر»، وتغيير الجو والمناظر الطبيعية حيث تلتقي المتعة بالأمل في تعميق الشخصية،
حاضرًا أصبح السفر ديمقراطيًّا بفضل الرحلات الجوية منخفضة التكلفة، وأصبح عُـرفًا
اجتماعيًّا.
ولكن في الوقت نفسه، لم يسبق أن واجه السفر
تحديًا كهذا؛ سماءٌ تتقاطع فيها الطائرات، ودول استبدادية يمنحها السيّاح نوعًا من
الشرعية، وأماكن مشوّهة، ووضعٌ استعماري يُخدَم فيه المصطاف، وشعور بالغثيان من
المساهمة في صناعة الزيف، في وقتٍ اختفت فيه الأصالة.
قد يكون السفر
أمرًا يسيرًا، لكنه، في الوقت ذاته وبشكلٍ مفارِق، مستحيل. فهل علينا أن نظل في
بيوتنا، محكومين بالألفة؟ وهل هذا هو الوقت المناسب للتوقف عن السعي نحو المجهول؟
علاقتنا
بالسفر تبدو مرآة دقيقة لعصرنا.
تفكك جولييت موريس نرجسيتنا: لا جديد تحت
الشمس، فالسفر كان مشكلة لمدة طويلة. ويميز كتابها على نحو خاص بين سؤالين
متكررين: تحت أي ظروف يكون السفر وسيلة لمعرفة العالم؟ وهل هناك رحلة جيدة وأخرى
سيئة؟
يستند رفض
الفلاسفة للسفر إلى نقد طريقة المعرفة التي تكمن وراءه. إن السفر يعني أن تثق في
حواسك، وفي المقام الأول في نظرك، حيث يكتسب المسافر المعرفة من خلال عملية
الاستقراء التي لا تحتاج إلى أدوات نظرية.
لقد
أوصى مونتين بالتدريب القوي للمسافر الشاب، ولكن عندما يواجه المسافر المجهول،
فإنه يمضي دائمًا بطريقة المحاولة والخطأ في كل الاتجاهات، وأحيانًا بلا منهج.
يقول كانط: «شكرًا جزيلًا للمسافر التجريبي البحت وقصصه، وبخاصة عندما يتعلق الأمر
بالوصول إلى معرفة متماسكة يجب أن يستعين بها العقل لتأكيد نظرية ما!» لماذا تسافر
بينما يمكنك، مثل الرجل الذي لم يغادر كونيغسبيرغ قطُّ، قراءة قصص السفر؟ إذا كان هدف
الرحلة هو معرفة العالم، فإن التأمل في قصص الآخرين يبدو أكثر عقلانية، وأقل
خطورة؛ لهذا لا يزال من الضروري أن يكون هناك مسافرون. تطور المؤلفة «المفارقة
الكانطية التي جعلت ممارسة السفر ضرورية ويمكن الاستغناء عنها. إن قراءة قصص
السفر، واستخلاص معرفة المرء بالعالم من مؤلفين آخرين، يعني تصور إمكانية تجربة
غير مباشرة للعالم، أي سفر عبر وساطة الآخرين».
السفر
الحقيقي والسفر الكاذب
إن
إدانة فائدة السفر تتداخل مع سؤال أخلاقي: سيكون هناك سفر جيد وآخر سيئ. هل يتمتع
المسافر الذي يسير ببطء، وبالتدريج، أكثر من ذاك الذي يسافر على متن الطائرات في
لحظات سريعة؟ تستكشف الباحثة، من منظور ظاهراتي، السفر سيرًا على الأقدام،
بالقطار، بالسيارة، وبالدراجة… ومن خلال هذه الدراسة لطرائق تحرك الجسد، ينخرط
العمل في نقد كامل للدوكسا «البديلة» أو «المضاد للثقافة» التي بموجبها تكون بعض
الأسفار أكثر «أصالة» من غيرها. إنه سؤال تقليدي في المحادثات بين الرحالة في
الأراضي البعيدة (…) حيث كان أحد الأشخاص يسافر سيرًا على الأقدام لمدة عامين،
وآخر كان محظوظًا بما فيه الكفاية ليختطفه مزارعون لبضعة أيام، بينما آخر تناول
«البَيُّوت» مع الأميركيين الأصليين الحقيقيين… إلخ. في هذا المعرض العظيم من
الزخارف والأناقة المغايرة، هناك دائمًا مسافر أفضل منك. ونظرًا لكون جولييت موريس
باحثة جادة، فقد امتنعت عن الاستشهاد بدليل السفر «مولفانيا»، وهو الكتاب الذي
يمكننا أن نقرأ فيه الجملة التالية: «إذا لم تنم بين صندوقي قمامة في شارع سيئ في
لوتنبلاغ (العاصمة)، فأنت لم ترَ مولفانيا». وباختصار، كلما اقتربت الرحلة من
المغامرة، وبالتالي من المخاطر، وبخاصة خطر الموت؛ اقتربنا من السفر الحقيقي.
لنتأمل
كتابات كل من أندريه جيد أو بانايت إستراتي، اللذين تكشف قصص سفرهما الوجه الآخر
للواقع. وفي المدة نفسها، كتب جورج دوهاميل رواية يشيد فيها بروسيا السوفييتية
«رحلة موسكو»، (1927م)، بينما نشرت إيلا مايلرت رواية «بين الشباب الروسي»،
(1932م) عن رحلاتها في منطقة القوقاز التي يسكنها البروليتاريون الودودون… أربع
رحلات إلى الأماكن نفسها وفي الوقت نفسه. أربع قصص كتبت بلا شك بإخلاص متماثل. قال
الأولان الحقيقة، فيما الآخران جانَبَاها. ونضيف أن جيد وإستراتي، اللذين لم يتبعا
أي أسلوب آخر غير الأدبي، عرفا كيف يصلان إلى جوهر الأمور بدقة. ولنضف إلى ذلك أن
جيد وإستراتي، وقد تجردا من أي أسلوب غير الأسلوب الأدبي، عرفا كيف يصلان إلى
حقيقة الأشياء وبكل دقة.





