الأحد، 22 سبتمبر 2013

كَفْكِف دموعَكَ وانسحِبْ يا عنترة

كَفْكِف دموعَكَ وانسحِبْ يا عنترة

رفضت لجنة التحكيم في مسابقة أمير الشعراء في أبو ظبي ، قصيدة ملحمية للشاعر المصري مصطفى الجزار، وعنوانها:
"
كفكف دموعك وانسحب يا عنترة!!"
         السبب الذي تعللت به لجنة التحكيم لرفض القصيدة هو "أن موضوعها لا يخدم الشعر الفصيح"..!!!
والشاعر بأسلوب رائع صوّر الأمة التي خربت أوطانها، وسلمت مفاتيحها للأمريكان واليهود .. وكيف هم الثوار العرب الجدد مجرد كلاب لأمريكا
.
         مجلة "المستقبل العربي" قررت نشر القصيدة وهنا نصها:

كَفْكِف دموعَكَ وانسحِبْ يا عنترة
فعيونُ عبلةَ أصبحَتْ مُستعمَرَة
لا ترجُ بسمةَ ثغرِها يوماً، فقدْ
سقطَت مـن العِقدِ الثمينِ الجوهرة
قبِّلْ سيوفَ الغاصبينَ.. ليصفَحوا
واخفِضْ جَنَاحَ الخِزْيِ وارجُ المعذرة
ولْتبتلع أبياتَ فخرِكَ صامتاً

فالشعرُ في عصرِ القنابلِ ثرثرة
والسيفُ في وجهِ البنادقِ عاجزٌ
فقدَ الهُويّةَ والقُوى والسيطرة
فاجمعْ مَفاخِرَكَ القديمةَ كلَّها
واجعلْ لها مِن قاعِ صدرِكَ مقبرة
وابعثْ لعبلةَ في العراقِ تأسُّفاً!
وابعثْ لها في القدسِ قبلَ الغرغرة

اكتبْ لها ما كنتَ تكتبُه لها
تحتَ الظلالِ، وفي الليالي المقمرة
يا دارَ عبلةَ بالعراقِ تكلّمي
هل أصبحَتْ جنّاتُ بابل مقفرة؟
هـل نَهْرُ عبلةَ تُستباحُ مِياهُهُ
وكلابُ أمريكا تُدنِّس كوثرَه؟
يا فارسَ البيداءِ.. صِرتَ فريسةً
عبداً ذليلاً أسوداً ما أحقرَه
متطرِّفاً.. متخلِّفاً.. ومخالِفاً

نسبوا لكَ الإرهابَ صِرتَ مُعسكَرَه
عَبْسٌ تخلّت عنكَ.. هذا دأبُهم
حُمُرٌ ـ لَعمرُكَ ـ كلُّها مستنفِرَة
في الجاهليةِ..كنتَ وحدكَ قادراً
أن تهزِمَ الجيشَ العظيمَ وتأسِرَه
لن تستطيعَ الآنَ وحدكَ قهرَهُ
فالزحفُ موجٌ..والقنابلُ ممطرة
وحصانُكَ العَرَبيُّ ضاعَ صهيلُهُ

بينَ الدويِّ وبينَ صرخةِ مُجبرَة
هلاّ سألتِ الخيلَ يا ابنةَ مالكٍ
كيفَ الصمودُ؟ وأينَ أينَ المقدرة!
هذا الحصانُ يرى المَدافعَ حولَهُ
متأهبباتٍ..والقذائفَ مُشهَرَة
لو كانَ يدري ما المحاورةُ اشتكى
ولَصاحَ في وجهِ القطيعِ وحذَّرَه
يا ويحَ عبسٍ.. أسلَمُوا أعداءَهم
مفتاحَ خيمتِهم، ومَدُّوا القنطرة

فأتى العدوُّ مُسلَّحاً، بشقاقِهم
ونفاقِهم ، وأقام فيهم مِنبرَه
ذاقوا وَبَالَ ركوعِهم وخُنوعِهم
فالعيشُ مُرٌّ.. والهزائمُ مُنكَرَة

هذِي يدُ الأوطانِ تجزي أهلَها
مَن يقترفْ في حقّها شرّا..يَرَه

ضاعت عُبَيلةُ.. والنياقُ.. ودارُها
لم يبقَ شيءٌ بَعدَها كي نخسرَه
فدَعوا ضميرَ العُربِ يرقدُ ساكناً
في قبرِهِ.. وادْعوا لهُ.. بالمغفرة

عَجَزَ الكلامُ عن الكلامِ.. وريشتي
لم تُبقِ دمعاً أو دماً في المحبرة
وعيونُ عبلةَ لا تزالُ دموعُها
تترقَّبُ الجِسْرَ البعيدَ.. لِتَعبُرَه

طبع الأعمال الإبداعية والأدبية والفكرية

طبع الأعمال  الإبداعية والأدبية والفكرية
بشير خلف
       على غرار السنوات السابقة :2010 ،2011، 2012 التي تكفّلت فيها مديرية الثقافة بالوادي بطبْع أعمال كُتّاب، ومبدعي ولاية الوادي؛ فإنها :
      تعلن مديرية الثقافة لولاية الوادي عن توفير إمكانية طبع الأعمال الإبداعية  والأدبية والفكرية من طرف القطاع الثقافي لسنة 2013
       وعليه فإن المعنيين مدعوون لتقديم أعمالهم إلى مديرية الثقافة قصد عرضها على لجنة القراءة التي أنشئت خصيصا لاختيار  الأحسن منها مع مراعاة الشروط التالية:
   1- تقديم طلب خطي موضحا فيه أهمية الموضوع .
   2- إيداع الأعمال  في أجل أقصاه 30أكتوبر2013.
   3- أن تكون الأعمال ضمن المجالات التالية:
       (التراث و الثقافات الشعبية ، التاريخ  و الأنتروبولوجيا ، فنون وآداب)
   4- التصفيف يكون على الشكل الآتي:
       * الكتابة عن طريق word .
       * نوعية الخط :Arabic Transparent .
       * حجم الخط (14) .
       * مقاس الصفحة (24/17) .
       * التهميش أوتوماتيكي .
       * أن لا يتجاوز عدد الصفحات 150صفحة.
  5- تقدم نسخة على الورق و أخرى إلكترونية على قرص مضغوط(CD) مع ملخص للعمل .

  6- نبذة عن السيرة الذاتية والأعمال التي أنجزها المعني مع تقديم نسخ منها إن أمكن .

الثلاثاء، 17 سبتمبر 2013

الحوار مع الأخر

الحوار مع الأخر


بشير خلف
الحوار بين الحضارات لا يمكن أن يُثمر إلاّ إذا رافقته، ودعّمته حوارات داخل الحضارة ذاتها بين أبنائها، ما لم يتحقّقْ ذلك فالدعوة إلى حوار الأخر مجرّد ذرّ الرماد في العيون ..نحن لم نتربّ على الحوار لا في الأسرة، ولا في المدرسة، ولا في المؤسسات التي تتولّى عملية التكوين، والتنشئة الاجتماعية.

البلدية في خدمة المواطن

البلدية في خدمة المواطن
بشير خلف
يبدو أنّ هناك بلديات كُتب عليها النحْس، ويلاحقها الشؤم من عهدة إلى أخرى ..كلّما حلّت عهدة جديدة تطلّع المواطن المسكين إلى عهْدٍ أفضل ممّا سبق، إلاّ أنه يُــفاجأ بما هو أنحس.
بعض البلديات وكأنّ الولاية حذفتها من خريطتها،
ولمّا يتساءل المواطن ويطرح السؤال التالي بعفويته:
ــ لماذا البلديات المحاذية لبلدياتنا تُمنح في كل مرّة حصّة من التنمية ؟

يُقال له:
ــ تلك بلدية فيها رجال يحسنون الاتصال، والتواصل مع المديرين التنفيذيين بالولاية.
المواطن في هذه الحالة يتساءل، ويجيب في آنٍ معًا:
ــ لماذا بلديتي في نحْسٍ مستمرٍّ.. لقد خُدعتُ هذه المرّة أيضًا.. كنتُ أحْسبُ أني أحسنت اختياري للقائمة الانتخابية هذه المرّة.
أغلبُ المواطنين في مثل هذه البلديات سلّموا أمرهم لله، وترسّخ لديهم من أن البلدية ما هي إلاّ مرفق إداري من الدرجة الثالثة تقدم وثائق يحتاجها المواطن، وترفع القمامة بنسبٍ ما، وتتكفّل بالإنارة العمومية.
يا مواطن.. يا مسكين تمتّعْ بأحلام اليقظة إلى حين عهدة قادمة ربّما، ولعلّ ، وعسسسسسسسسسسسسسسسس ؟؟؟؟

الأحد، 15 سبتمبر 2013

محمود عباس العقاد... منزله يرسم خطوات حياته

محمود عباس العقاد... منزله يرسم خطوات حياته
       مع حلول الذكرى التاسعة والأربعين لرحيل الأديب عباس محمود العقاد، لا تزال أسرته تفتح أبواب منزلة لعشاق أدبه حتى يتحسسوا بأنفسهم كيف عاش هذا الأديب.
في 13 آذار (مارس) عام 1964 رحل عنا عملاق الفكر العربي عباس محمود العقاد تاركاً منزله الكائن في العقار الرقم 13 في شارع شفيق غربال في مصر الجديدة. وهو منزل كان شاهداً على فعاليات الثقافة العربية، بما تضمنه من صالون جمع المثقفين الذين كانوا يحرصون على الحضور لتأكيد علاقتهم برجل كان وما زال من علامات الثقافة العربية.
      عند مدخل المنزل، تقبع شجرة عتيقة كانت أول ما يرحب بالعقاد عند وصوله إلى البيت وقبل أن يدلف إلى الداخل ليعد تلك السلالم التي ذكرها في كثير من كتاباته، وكتب عنها في أخريات حياته.
        قبل سنوات قليلة كان صالون العقاد لا يزال حياً، فقد حرص تلاميذه على اجتماعهم الأسبوعي يوم الجمعة وكأن العقاد لم يزل بينهم، واستمر هذا التقليد أكثر من ثلاثين سنة بعد رحيل العقاد لكنه توقف الآن تماماً.
        كان لنا موعد مع العقاد متمثلاً في أبناء أخيه الذين رحبوا بمرافقتنا في زيارة خاصة لمنزل يبدو من الخارج مهيباً بطرازه الفرنسي الأنيق وشجرة الكافور العملاقة التي تستأنس بها البوابة العتيقة والتي بجوارها كاد العقاد يفقد حياته، عندما أطلق المتظاهرون عليه الرصاص بعد مقال صاخب انتقد فيه مصطفى النحاس باشا رئيس حزب الوفد المصري وزعيم الأكثرية والشعبية الساحقة في الوقت ذاته.

البوم والرقم 13
       كان العقاد بعقله الناضج لا يترك نفسه أسيراً للتقاليد والموروثات التي تحولت إلى ثوابت في حياة كل البشر، فكان أكثر ميلاً إلى التمرد على كل ما لا يقبله عقله، فنراه لا ينفر من الرقم 13 الذي يحمله منزله والذي يتشاءم منه الناس، وكان يقول: «أفضل الرقم 13 فهو يوم أعيشه في كل شهر أصيب فيه أكثر مما يصيب غيري، وهو رقم بيتي. ولا أنفر من البومة فليس من شأنها أن خلقها الله قبيحة في عيون البشر»، بل إنه كان يضع نموذجاً للبوم فوق مكتبة، وتشاء الأقدار أن يكون الرقم 13 هو أيضاً يوم رحيله عن الدنيا.
      نعبر الواجهة الخارجية للبيت إلى حديقة صغيرة لم تمتد إليها يد العناية منذ وقت بعيد، وتعد خطواتنا درجات السلم العجوز، وفي الذهن كلمات العقاد التي سطرها في أحد كتبه عندما كان يتحدث عن هذه الدرجات نفسها فيقول: «صعدت سلالم هذا المسكن ثلاثاً ثلاثاً، ثم صعدتها اثنتين اثنتين، ثم ها أنا أصـعدها درجـة درجة على غير عجلة ولا اكتراث».
        نصل إلى الشقة في الطبقة الثانية. إلى يمين الـسلم على الـباب لـوحة نحـاسـية صـغيـرة عـليها اسم عـباس مـحـمود العقاد، وتـقـودنا الخطـوات التالية إلى صالة واسعة تنتمي إلى عصـر الـعقاد، على جدرانها لوحات وصـور متـعددة تـمـثل مراحل مـخـتلفة من حياة الأديب الكـبـير، وصـورة لإمـام عـصـر التنوير الشيخ محمد عبده وأخرى لأستاذه جمال الدين الأفغاني، وبجوار الشرفة تمثال نصفي صغير للعقاد على يساره ثلاجة صغيرة من طراز عتيق اشتراها قبل موته بسنوات قليلة وكانت آخر مظاهر التكنولوجيا الحديثة التي أضيفت إلى البيت.
       ننتقل خطوات فوق مربعات الأبيض والأسود التي تكسو بلاط الشقة العاري القديم. هكذا، كان العقاد ينظر إلى الدنيا بمنظار من لونين أبيض وأسود، كان واضحاً كالشمس صارماً كالسيف يكره ضبابية اللون الرمادي ولا يعرف أنصاف الحلول ولا أرباع المواقف، وإنما ينطق برأيه في المواقف والرجال بجرأة لا تقبل التأويل. ومن أجل هذه الصراحة الجريئة دخل العقاد السجن بجريمة العيب في الذات الملكية، عندما أبدى رأيه بصراحة في الملك فؤاد وموقفه من الدستور.
      ما زالت أعيننا تتجول بلهفة في منزل العقاد فوق الجدران المزينة بالكثير من الصور واللوحات. وبجوار الباب تسرق كل الانتباه لوحة صلاح طاهر الشهيرة «طبق العسل» التي رسمها بناء على طلب العقاد بنفـسـه بعـد قـصة حبه الفاشلة مع السيدة التي كتب حكايته معها في روايته الوحيدة «سارة»، وتمثل اللوحة: «فطيرة حلوة يشتهيها الجائع والشبعان».

        وتكسر السيدة صفية العقاد ابنة أخيه جدار الصمت، لتروي كيف جاء أحد الأثرياء العرب من هواة جمع التحف بعد وفاة العقاد بسنوات قليلة ليضع بين يدي العائلة شيكاً على بياض، في مقابل هذه اللوحة بالذات، «لكن، لم يوافق أحد بالطبع على هذه الصفقة لأننا نعتبر كل مقتنيات أستاذنا الراحل كنوزاً لا تقدر بثمن ولا يمكن التفريط بها في أي حال من الأحوال. ولكن ذلك لم يمنعنا من أن نستجيب لأحد المخرجين التلفزيونيين، عندما طلب استعارة اللوحة حتى يستخدمها في تصوير مسلسل خاص عن حياة العقاد تحت عنوان «العملاق».

الاثنين، 26 أغسطس 2013

الإسلاموفوبيا عندما تتحول إلى إيديولوجيا

الإسلاموفوبيا عندما تتحول إلى إيديولوجيا
د. أسماء بن قادة
       في أحد الشوارع المتفرعة عن ساحة بروغلي في مدينة ستراسبورغ الجميلة وعلى إثر اختتام أعمال المجلس الأوروبي، استوقفني بالأمس، مشهد لافت وغير بريئ في واجهة مكتبة “بروغلي”، حيث تم اختيار مؤلف تحت عنوان “الكتاب الأسود للإسلام” ليكون في مركز الواجهة، ومن حوله مجموعة من الكتب الدينية المسيحية واليهودية والكونفوشية ذات عناوين توحي بالحكمة والتسامح، وغيرها من المعاني الدالة على قيم مفعمة بالعمق الإنساني، في حين نجد العنوان الفرعي للكتاب الأسود ذو الغلاف الأسود الذي ينزف دما عبارات (المجازر، العبودية، الإرهاب، البربرية،الخ) أما الكتب المحيطة فأحدها يحمل عنوان أنا، كونفوشيوس طريق الرضا عن الذات، هنا أمامك وفي متناولك، وغير بعيد عنه كتابا آخر عنوانه الأب بيدرو رسول الأحياء القزديرية وآخر على اليسار، البابا فرانسوا الحب وحده سينقذنا .. الخ.
         دخلت المكتبة فضولا دون استغراب، فقد تعودت على  مثل هذه العروض التي باتت مواسم في أوروبا، ولذلك توجهت مباشرة نحو تلك الطاولات التي عادة ما تعرض عليها في مدخل المكتبة الكتب الأكثر مبيعا في الموسم، متوقعة أن يكون الكتاب من بينها، ولكني لم أجده، فسألت البائعة التي راحت تبحث عن العنوان في الكومبيوتر، لتؤكد لي بأن جميع النسخ قد نفدت، ولم يبق إلا تلك التي في الواجهة إذا كنت أرغب في ابتياعها فأخذتها وبدأت أتصفحها، لأجد الكتاب كله أفكارا سوداء كغلافه وعنوانه تماما، حيث أشارت مقدمته إلى أن الهدف منه يكمن في تسليط الضوء على المناطق المظلمة من الإسلام عبر التاريخ، ثم يمضي الكاتب في محاولة لتثبيت مغالطاته، معتبرا الإسلام مسؤولا عن التطهير العرقي للهندوس والأرمن واليونانيين والصينيين من الشيوعيين في أندونيسيا وكذا التيموريين والبنغاليين في بنغلاديش والأكراد. مؤكدا على أن الهند التي قطع فيها نهرو وأنديرا العلاقات مع إسرائيل على مدار 47 عاما، بلغ فيها عدد الهندوس الذين وقعوا ضحايا للتطهير العرقي الإسلامي 80 مليون ضحية خلال 500عام، ثم يأتي إلى جرائم الشرف والتمييز الجنسي والختان والقصور في العلم والبحث والترجمة والثقافة وتحالفات الإسلام مع الأنظمة الشمولية والكراهية للغرب. معتبرا أن ضحايا دموع الجهاد على مدار 1400 سنة بلغوا 270 مليون، ثم يختم الكتاب بجدول يصنّف فيه الدول التي تدين بالإسلام وطبيعة الأنظمة فيها وعلاقتها بالشريعة؟! 
      لم يأخذ الكتاب مني الكثير من الوقت، فقد قرأته في ليلة واحدة، وتذكرت ذلك الكتاب الذي ألّفه المؤرخ الفرنسي سيلفان غوغنهايم، تحت عنوان “أرسطو في جبل القديس ميشال: الجذور اليونانية لأوروبا المسيحية”، والذي يقضي فيه بأن الإرث اليوناني لم يصل إلى أوروبا عن طريق المسلمين كما روّج المؤرخون، بل انتقل بشكل مباشر دون أن يكون للفلاسفة العرب دور فاصل، فأوروبا بالنسبة للكاتب كانت دائمة التواصل مع العالم اليوناني بمعزل عن الوسيط العربي، الذي كان عاجزا بنيويا عن هضم التراث اليوناني، وأن الفضل في تواصل أوروبا مع جذورها اليونانية يعود إلى دور العرب النصارى من أمثال إسحاق بن حنين، وإلى ترجمات جاك البندقي ورهبان دير القديس ميشال، لتلك النصوص مباشرة من اليونانية إلى اللاتينية، وأي ادعاء في ذلك للفلاسفة العرب محض نسيج من الأكاذيب، من منطلق أن ارتباط العالم اللاتيني بالامبراطورية البيزنطية كان أقوى مما تتصوره المصادر المتاحة، وهو ما يصدقه وجود عدد كبير من اليونانيين والسريان في روما خلال العصر الوسيط، بالإضافة إلى عدد من الأديرة الشرقية فيها، يصدق ذلك حسب الكاتب ما توافر من كتب في مكتبة لاتران في روما التي عمل البابوات المتعاقبون على إثرائها بالمخطوطات التي يعترف الكاتب بضياع جلها! ثم ينتهي إلى أن أوروبا قد تماهت إلى الأبد مع المسيحية التي يعتبرها محرك امتلاك المعارف اليونانية.
      إن هذه الجهود تندرج في إطار العمل المنظم القائم على استغلال ظاهرة الإسلاموفوبيا والانتقال بها من حالة سيكولوجية عابرة عبور الأحداث والأزمات التي تسببت فيها إلى موقف إيديولوجي وعلمي من الإسلام ذاته كدين، وهو موقف نتاج لاستراتيجية قائمة على استعادة هوية أوروبا المسيحية والمحافظة عليها.
        وفي هذا السياق يندرج أيضا ذلك الخطاب البابوي الذي ألقاه في جامعة ريستنبورغ، حيث تم اختيار وسط علمي وأكاديمي على أعلى مستوى، كما تم تحديد موضوع فلسفي علمي يدور حول علاقة الدين بالعقل واللاهوت بالعلم، لتأكيد علاقة الإسلام بالسيف بدل العقل، إنه الخطاب الذي اعتبره كرادلة الفاتيكان مرجعا لكل من يريد أن يعمل على تجديد الهوية الأوروبية.
        يبدو جليا أن هذه المغالطات تنتمي إلى مشروع إيديولوجي محاوره الأساسية تقوم على تكريس هوية أوروبا المسيحية، مما يتطلب إفراغ الحضارة الغربية من أي مشاركة عربية إسلامية، ولتحقيق ذلك لابد أن يعود أرسطو إلى جبل القديس ميشال، بدل أن يمر عبر قرطبة. أما المحور الثاني، فإنه يخص فكرة تمجيد الاستعمار وإبراز دوره في تحضير البرابرة، مما يتطلب تجريد الحضارة الإسلامية من امتيازاتها العلمية لتتحول إلى كتاب أسود ينزف دما عبر نجمة وهلال أخضرين؟! 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر، يومية الخبر: الأحد 30 جوان 2013

الإسلاميون في الجزائر وأزمة القيادة

الإسلاميون في الجزائر وأزمة القيادة
البحث عن ”المهدي المنتظر”!
عبد القادر جمعة
      يطرح مشكل القيادة لدى الإسلاميين ابتداء على مستوى التصور، حيث إن النمط السائد والمطلوب داخل الجماعات والتنظيمات الإسلامية هو النمط السائد في عموم المجتمعات العربية والإسلامية، نمط القائد العظيم، القائد الملهم ”المهدي المنتظر”، وهذا النمط من القيادة يعدّ تعبيرا عن تراكمات تاريخية وثقافية معقّدة، ليس هذا مجال التطرق لها، لكن هيمنة هذا التصور للقيادة يطرح مشاكل متعددة.
     ففي حال وجود القائد العظيم (في تصور أتباعه على الأقل) تتجه الجماعة أو الحزب إلى الفردية وغياب المؤسسية، وربما تجنح الأمور إلى نوع من عبادة الشخصية (نموذج الراحل محفوظ نحناح)، وفي حال غيابه يجد القائد العادي (في نظر أتباعه دائما) نفسه محل احتجاج وانتقاد دائمين، ويواجه التمرد والعصيان وأحيانا انفضاض الناس من حول الحركة أو الجماعة (نموذج أبو جرة سلطاني).
      ويمكننا القول إنه عندما تكون درجات الذاتية والفردية مرتفعة، في أي مجتمع أو منظمة وبخاصة في جانبهما السلبي، تزداد درجة اللامؤسسية والاستعداد لانتظار القائد العظيم، ومن جهة أخرى كلما زادت درجة المؤسسية أصبحت الذاتية والفردية مقيدتين، وقلّت الحاجة لظهور الرجل العظيم، لأن العظمة تصبح للجماعة والمؤسسات والقوانين والعمليات السياسية الاجتماعية.
      المشكلة الثانية، هي في كون معظم القيادات الحالية للحركة الإسلامية تعاني عدة أزمات متقاربة، منها ما يتعلق بشرعية وصولها للقيادة، ومن ثمّ بأحقية وجدارة استمراريتها فيها، ومنها ما يتعلّق بطغيان الشعور بـ«الندّية” بين هذه القيادات، خاصة من الجيل الثاني (نموذج الشيخ عبد اللّه جاب اللّه، والانقلابات المتكررة عليه داخل الأحزاب التي أسسها وقادها، وكذلك الأزمة التي عصفت بـ«حمس” عقب وفاة الشيخ نحناح، والتي انتهت بانشقاق عبد المجيد مناصرة وتأسيسه لجبهة التغيير، قبل أن ينشق عنه رفاقه مجددا ويؤسسوا حركة البناء الوطني. دون أن ننسى الصراعات التي مزقت حركة الإصلاح، رغم أن نظامها الأساسي ينصّ صراحة على مبدأ التداول على القيادة وعلى تحديد مدة توليها!).
      ومن ناحية ثالثة: تطرح القيادة في الحركات الإسلامية معضلة أخرى تتعلق بشرعية الإنجاز الذي تحققه، وكفاءة الأداء في الأدوار التي تقوم بها، فمنذ إقرار التعددية، قبل ربع قرن، لم يحدث أن قدّمت قيادة حزب ما (من الإسلاميين أو من غيرهم!) استقالتها عقب هزيمة انتخابية أو فشل سياسي، وبطبيعة الحال تجد هذه القيادات في المحيط السياسي المغلق الذي تسيره إرادة السلطة وأجهزتها، والمواعيد الانتخابية التي طغى عليها التزوير والرشوة والعزوف الشعبي، مبررات لعجزها وقلّة حيلتها، وهو وضع يجعل من الصعب جدا إجراء تقييم موضوعي لأداء القيادات الحزبية. فتصبح الأقدمية والتواجد (La disponibilité)، وحتى القدرات الخطابية معايير للترقية القيادية في غياب الكاريزما الحقيقية.
       يضاف لكل ذلك مشكل غياب القيادات الفكرية المرجعية، وهذا مشكل مزمن وتاريخي يواجه عموم التيار الإسلامي في الجزائر، لكنه أصبح أكثـر بروزا وحدّة في السنوات الأخيرة، خاصة منذ دخول الإسلاميين زمن التعددية والمشاركة السياسية، لنجد أننا اليوم في مواجهة وضع ”قاحل” على مستوى الإنتاج الفكري والنظري مقارنة بالسبعينيات والثمانينيات (ومن الإنصاف القول هنا أيضا إنه وضع يشترك فيه الإسلاميون مع غيرهم، وربما كان حال الآخرين أكثـر سوءا في هذا المجال!)، وهو الأمر الذي عبّر عنه بعضهم، بأن الحركة الإسلامية في الجزائر جيش يضمّ جنودا وضباط صغار، لكنه بلا جنرالات! أو أنها أضحت جسدا كبيرا ليس له رأس، وبالأصح ليس له عقل فكري قائد ناضج. ونحن وإن كنا نرى أن زمن المرجعيات الفردية الفذة المجتهدة قد تراجع وتقلّص، فإن طبيعة العصر ومقتضياته تقول إنه من الممكن التصدي للعمل في هذا المجال، من خلال مؤسسات ومراكز متخصصة للبحث والتفكير والدراسات.
       تمثّل معضلة القيادة قضية محورية في رسم حاضر ومستقبل الحركة الإسلامية، وهذا ما يضعنا أمام عدد من التساؤلات تفرض نفسها، بصدد قدرة الإسلاميين على التحوّل مستقبلا من نمط ”المشيخة” إلى نمط ”الرئاسة” بأسلوب الإدارة، وعلى التحرر من سلطة الشرعية المستندة إلى ”الخبرة التاريخية”، وسبق التأسيس، والقدرة على الخطابة وحتى مجرد التواجد!! إلى الشرعية المرتبطة بـ«الإنجاز الفعلي” في مجالات العمل الفكري والتنظيمي والسياسي، والالتزام ببناء مؤسسات حقيقية، وليست شكلية وورقية على النمط الذي تقيمه الأنظمة الحاكمة في العالم العربي والإسلامي وبلدان العالم المتخلف ككل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: يومية الخبر ليوم الجمعة 23 أوت 2013

    لغة الصمت قراءة وعرض:       الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال عن فضيلة الصمت: «إذا تمّ العقل نقص الكلامُ؛ وبكثرة الصمت تك...