الأربعاء، 30 أبريل 2025

 

معجم كُتّاب ولاية تقرّت

قراءة وعرض: بشير خلف

        لقد رحل هذه الأيام عن دنيانا، وغادرنا إلى الأبد أحدُ مثقفي ولاية تقرت الكبار؛ بل أحدُ صُنّاع مسارها الثقافي، والإبداعي، وناشري الإبداع الأدبي، وجمالية التذوّق الفنّي المرحوم: بشير قيطون، وقد دوّن اسمه، وسيرته الشاعر المبدع، والناشط الثقافي، الحركي الدكتور سعداوي محمد الأخضر في كتابه:

(معجم كُتّاب ولاية تقرت)، الذي أصدره شهر أفريل 2023، كتابٌ قيّم، نفض فيه الغبار عن المشهد الثقافي بولاية تقرت الفتيّة، وأبرز إلى العلن صُنّاع الحركة الثقافية الحديثة، والمعاصرة.

      ما قام، ويقوم به المثقف العضوي، مؤسس المقاهي الأدبية وباثّها في ربوع مدن، وبلدات الولاية الفتية" تقرت" بصنيعه هذا، وذاك يواصل مساره الثقافي الإبداعي، والتثقيفي بوعْيٍ، وعقلانية، وصبرٍ.

    إذ كنتُ محظوظًا بإهدائي الكتاب، وباعتباري أعرف عديد مثقفي، وكُتّاب منطقة وادي ريغ؛ بل منهم أصدقاء لي منذ سنوات العقود الماضية، وأعرف المنطقة، وقد عملتُ فيها مدرسا أواخر الستينات من القرن الماضي في بلدة سيدي خليل، ثم مفتشا للتعليم أواخر السبعينات في مدينة تقرت؛ فهي من محطّاتي الحياتية كربوع وادي سوف.

   الدكتور المبدع، الحركي سعداوي الأخضر، مثقّفٌ عُضويٌّ؛ وفق رؤية المفكر الإيطالي أنطونيو قرامشي، إذ لم يكتفِ بالانطواء، والاستكانة داخل شرنقة بيته؛ بل تغلغل في تمفصلات المجتمع، ومنها التمفصل المعرفة: تواجدا، تأسيسا، إبداعا شعريا، تأليفًا.

 الثقافة سلوكٌ

    الثقافة سلوك، وبغير هذا السلوك لا يمكن أن نطلق صفة المثقف على أيّ إنسان، عندما ينتفي السلوك، فالشخص المثقّفُ هو مَحْــضنٌ للمعارف. فما الفارق بين العلم، والثقافة.. إن العلم معرفة، في حين أن الثقافة سلوك، الثقافة صانعة للحياة، صانعة للفكر وصانعة للإبداع.

.. أن تبدوَ" مثقفا"؟: إليك ما قاله الأمريكي، ديفيد بروكس عالم الحاسوب، ومهندس البرمجيات في مقاله بصحيفة نيويورك تايمز:

«الأمر لم يعدْ يتعلق بـما تقرأ، وبـما تعرف، ولا بـمقدار قدرتك على فهْم ما تقرأه، وتستهلكه من مواد ثقافية؛ بل يتعلق الأمر بأن تـجد لنفسك مكانا في فضاءات الضجيج الثقافي»

 معجم كُتّاب ولاية تقرت

(تراجم ونصوص في الإبداع الأدبي)

     صدر هذا الكتاب في شهر أفريل 2023 عن دار سامي للطبع والنشر والتوزيع بالوادي لصاحبها المثقف رضا درّاجي، تصميم الغلاف، الفنان إسماعيل عبد الجواد، تأليف، وإشراف الدكتور محمد الأخضر سعداوي.  الكتاب من الحجم المتوسط، في 148 صفحة.

 لئن كان الاستهلال بالإهداء الذي توشّح بالروحانيات، وتوجّه به المؤلف إلى والديْه، وأحبّته، ثم إلى رفاق الثقافة، وأصدقاء الدرب الإبداعي، والقرّاء عشّاق المطالعة.

    أبرز المؤلف في مقدّمة الكتاب مُبرّرات تأليفه له، منها:

ـــ في ذات لقاء أدبي محلّيٍّ صدم أحدهم الحضور من اكتشافه شعراء، وكتابا من المنطقة لهم من التجارب المختلفة، إذ هو الطالب الجامعي، وقد كان يجهل ذلك.

ـــ حالة الشتات، والضياع للرصيد الثقافي الذي زخرت، وتزخر به منطقة تقرت قديما، وحديثا.

ـــ تجاهل أهمّية التدوين، والكتابة لكلّ فعْلٍ ثقافيٍّ.

ـــ منطقة تقرت عرفت، وتعرف في ماضيها، وحاضرها عددا مهمّا، معتبرًا من المبدعين في المجال الأدبي، منهم من حظي بجوائز وطنية، وأخرى دولية في الأجناس الأدبية.

     كلّ هذا الزخم، يقول الدكتور سعداوي الأخضر مؤلف الكتاب:

« يجعلنا كممارسين للنشاط الأدبي، وباحثين في الأدب الجزائري، ودارسين له، نشعر بنوعٍ من المسؤولية التي تتمثّل في ضرورة جمعه، وتدوين ما أُنجِز فيه، اعترافًا بجهْد من اجتهد، وحفظًا لِما تمّ إنجازه من عوامل النسيان، والضياع، وإنصافًا للكثير من الأسماء التي تكتفي أحيانا بممارسة العملية الإبداعية.ص01»

     بعد الإهداء، والمقدمة، وإطار البحث، والعرض التاريخي استعرض المؤلف التراجم والنصوص، فكانت لـــ: 48 كاتبًا، و08 كاتبات، من هؤلاء جميعا: 25 شاعرا وشاعرة.

     في الكتاب ترجمةٌ للكاتب، أو الكاتبة، ونماذج من إبداعه الشعري إنْ كان شاعرا، أو السردي، إنْ كان ساردًا.

      جُهْدٌ كبير في أن تتصل بهذا الكمّ المعتبر من شتات الكُتّاب المبدعين، ومن الجنسين، وأن تُدوّن حيواتهم، وحيواتهن، وأن تأخذ منهم، ومنهن نصوصهن؛ بل وأن تُقنعهم، وتقنعهن بالمشاركة، لعمري ليس بالأمر السهل.

      شخصيا، قرأت الكتاب ـــ حال صدوره ـــ، وقد أهداه إليّ المؤلف مشكورا، وها أنذا أعدتُ قراءته للمرة الثانية، عندما كنتُ أبحث عن سيرة المرحوم الكاتب، المثقف بشير قيطون بن مدينة تقرت الذي رحل عن دنيانا هذه الأيام.

     استفدتُ من قراءتي للكتاب، اطّلعتُ على الحركة الثقافية في ولاية تقرت الفتية، وتعرّفت على رصيدها الثقافي، والإبداعي، وعلى صُنّاع هذا الرصيد، فالشكر، والتقدير لكل كُتّاب، ومبدعي ولاية تقرت، وأخصّ بالذكر الدكتور الشاعر، الكاتب، الباحث، الناشط الثقافي، المثقف العضوي محمد سعداوي الأخضر.

    فيما يخصّ ترتيب الكُــتّاب، حبذا لو كانت ترجمات الكُتّاب، والمبدعين مصنفة كالآتي بدلًا من الترتيب الأبجدي:

ــــ شعراء الفصيح تراجم ونصوص

ــــ شعراء الشعبي تراجم ونصوص

ــــ مبدعو المسرح تراجم ونصوص

ــــ مبدعو السرد الروائي تراجم ونصوص

ــــ مبدعو السرد القصصي تراجم ونصوص

         إن هذا التصنيف المنهجي يساعد الباحث، والطالب في الإلمام بما يبتغيه في أسرع وقتٍ.

      وفي كلّ الحالات، ليس بالسهل جمْعُ الرصيد الثقافي لمنطقةٍ رصيدُها مشتّتٌ، ولم يسبقْ أن وُجّهتْ له الأنظارُ، فمنْ يتصدّى لهذا غيرُ المثقفين، الصبورين، الغيورين على الثقافة الوطنية، وعلى مُكوّنات هُوّيّة الأمة الجزائرية.

 

 

       

 

          

 

 

 

الجمعة، 25 أبريل 2025

 

               رواية" طلاق عاطفيٌّ"

 قراءة وعرْض بشير خلف

    الطلاق العاطفي: هو هجْـرُ الزوج لزوجته سواء كان هجرًا في العلاقة العاطفية أم هجرًا في المحادثة، وفقدان المودة، والسكن النفسي بين الزوجين مع قيام الزوج بالحقوق الزوجية الأخرى كالنفقة وتأمين السكن بحيث يظهر للناس استقامة العلاقة الزوجية ولكن في الواقع هما على خلاف.

 


رواية" طلاق عاطف

الإعلامي الكبير، والدكتور الأكاديمي القدير قعيد خليفة بحكم ثقافته الواسعة، واطلاعه على ثقافات عديد الشعوب، وهو يجيد اللغتين العربية والفرنسية، وغوْصهُ في تمفصلات حيوات الجزائريين والجزائريات، مكّنته من معرفة الكثير، الكثير عن ظاهرة " الطلاق العاطفي" المتفشّية في كل شعوب الأرض قديمًا، وحديثًا، تزيد، أو تنقص عند هذا الشعب، أو ذاك.

    الرواية من الحجم المتوسط، في 264 صفحة، في خمسة فصول،وكلّ فصل إلى أجزاء. صدرت عن دار هيبوجوريوس بعنابة في السداسي الثاني سنة 2024.

   العنوان: "طلاق عاطفي"

عتبة العنوان: تطرح أكثر من دلالة، فلو اكتفى المؤلف بـ (الطلاق العاطفي)، لفهم القارئ أن الطلاق العاطفي في حياة البشر واحدٌ، وكلّما وُجدت أسبابه يحصل، فالمؤلف يُـشعِـرُنا بأن النص الروائي الذي بين أيدينا يتحدّث عن طلاق عاطفي من بين آلاف الطلاقات العاطفية.

  الإهداء

 المؤلف بواسطة الإهداء يضع بين أيدينا مفاتيح الدخول إلى نصّ الرواية.

ـــ هل أنتما حبيبان، أم عشيقان، أم متساكنان تحت سقفٍ واحد، وحسب؟

ـــ هل أنت بعْـلٌ، أم زوْجٌ ؟

ـــ هل أنت امرأةٌ أم زوجةٌ ؟

ـــ إلى كل امرأة لها بعْلٌ وتريد تحديث نفسها لتتجنّب الوقوع في الهاوية، للوصول إلى نسختها الجديدة لتصبح زوجة لزوج بالتمام، والكمال.

ـــ إلى كل زوج نجح بالحبّ، والثقافة في تحديث نفسه، والتخلّص من  البعولة حتى يعيش كل يوم مع زوجته بنسخته الجديدة.

ـــ إلى كل زوجة نجحت بالحب والثقافة في تحديث نفسها لتعيش كل يوم مع زوجها بنسختها الجديدة..

          أُهدي هذه الرواية.. 

  النصّ الروائي الذي بين أيدينا نصٌّ ثريٌّ بالأحداث، والمواقف، والأفكار الفردية، والجماعية، والظواهر الاجتماعية، والنفسية، والاقتصادية، مُشكِّلة سلوكات منها ما هو غريب، ومنها ما هو دراميتيكي من شخوصٍ عاديين من الطبقة المتوسطة بالمجتمع الجزائري،

       الرواية تطرح قضايا عدّة في عالم معاصر، متسارع، تكتنف التغيرات والتغييرات في كل المجالات، منها:

     ـــ تطلُّعُ الطبقة المتوسّطة إلى مستوى أعلى من المعيشة، والكسب المادّي للعيش من المنزل اللائق، المؤثث بكل ما تستلزمه الحياة المعاصرة، وامتلاك السيارة، والغذاء الجيد الصحي، مع التنشئة السليمة للأبناء، وتوفير ما تستلزمه هذه التربية تأثُّرًا بما في الحياة العاصرة .

ـــ شخوص الرواية عديدون؛ لكن الشخصيتين الرئيستين في الرواية هما:( لدهم.. لويزة).

    لدْهم، الزوج أستاذ في التربية، منضبط سلوكيا، ملتزم قـيْميا، محترم اجتماعيا، يتصرّف وفق حالته المادية، ولا يهفو إلى ما أعلى؛ عكس زوجته لويزة الماكثةٌ بالبيت، صديقاتها الكثيرات تستقبلهن بمنزلها، وتكرمهن، كما أنها معهن يوميا في أفراح، وأعراس، متخلية عن زوجها، وأبنائها.

     منجذبة إلى جارتها كريمة الأرملة التي انخرطت في بزنسة بيع اللباس النسوي،الراقي، وظاهرة الربح بدأت تظهر عليها، فجرّت لويزة معها  دون علم زوجها لدهم، انغمست بدورها وبدأ زوجها لدهم يشاهد لباسها الرّاقي، والحُلي التي لم يرها، ولم يشترها لها في العرس، صارت تتهرّب منه، ومن الجلوس معه، والحديث معه، والنوم مع الأبناء، فراوده الشكّ، حتى أنه وظّف وسائل التواصل الاجتماعي، بل طلب صداقتها باسم آخر.

    ورّطتها جارتها كريمة في مرافقتها عديد المرّات إلى تونس في جلْب الملابس النسوية الراقية، مُدعّية لزوجها أنها في زيارات علاج، وأوشكت كريمة أن تضها فريسة في فم الذئب، سائق السيارة في الاعتداء على شرفها، لولا تنبُّهها إلى المكيدة في آخر لحظة.

     بعد رجوعها انكشفت الحقيقة، سارع الزوج لدهم إلى الطلاق. حصل الطلاق، لتعيد لويزة الزواج من عمّار الميكانيكي الذي عاملها بقسوة، وإهانات فخلعـته.

     لويزة عانت من الوحدة، والحرمان العاطفي، بإيعاز من ابنتها الكبرى حياة المتزوّجة، سجّلت في المدرسة القرآنية، والتعليم العام عن طريق المراسلة، ونتيجة اجتهادها سرعان ما تحصلت على شهادة الإجازة من المدرسة القرآنية، وشهادة الكفاءة في تنشيط دورات التكوين الاجتماعي، والإرشاد الأسري من مركز التكوين، عادت لها الراحة، وشعرت بالفخر، واستعادت الثقة بنفسها، وشعورها بشخصيتها الجديدة على أنها لم تبق عالّة على أحدٍ.

  لدهم في جحيم الوحدة، وابتعاد الأبناء، يجد الملاذ اليومي في المقهى المجاور، والأنس لدى صاحبه عمّي علي الذي أشار عليه بتقديم دروس الدعم للتلاميذ، فيستجيب بعد رفضٍ طال، كما يلتقي بعديد الأساتذة، والأستاذات، ويندمج تدريجيا في حركية الحياة، كما ينخرط في تعلّم عديد المهارات بمركز التعليم المهني بالحي، فيزداد معرفة، وفهِمًا لمغزى الحياة، وهو الأستاذ المثقف، والمدرّس القدير، تسترعي انتباهه السيدة لطيفة مسؤولة مكتب المحاضرات، والدورات في المركز، بدورها تتعرّف عليه عن قُــرْب، فتُعجب بكفاءته التدريسية، وثقافته الواسعة.

   أيّام قليلة ويتزوّجان، هي الأستاذة والأرملة، والأم لبنتين، اعتبرهما لدهم بنتيه، وعاملهما معاملة الأب، وقرّبهما من أبنائه من زوجته الأولى لويزة، بل أحبّهما أكثر بعد وفاة أمهما لطيفة فجأة.

     في الذكرى الأولى لرحيل السيدة لطيفة نظّم المركز ملتقى كبيرا حضره التلاميذ، والأساتذة، والعمّال، والأولياء، وقُــدّمت فيه عديد المحاضرات المتعلقة بالحفاظ على تماسك الأسرة، وطرق تنشئة الأطفال الصحيحة، والسليمة، ومن بين المحاضرين والمحاضرات: السيدة لويزة، والأستاذ لدهم، فكان اللقاء بين الزوجين المنفصلين منذ سنوات، وتحت لوعة الاشتياق، وإلحاح الأبناء عليهما تمّ الرجوع إلى البيت الزوجي الذي كان يقطنه لدهم وحيدا، عادت إليه الحياة من جديد.

 

1 ــ من سرْد الرواية:

" ها هي شمس الضحى تطل من زجاج النافذة مسلطة خيوط أشعّـتها  مباشرة على وجهه، يستشعر بعض الألم في رأسه، فيستيقظ من نومه، يقوم متكاسلا ثقيلا من مكانه لشدّة السهر وحيدا، ويتجه إلى الحمام عساه يستردّ بعض حيويته" ص127

 2 ــ من شعرية النص الروائي

" لدهم غزالي المنيع، وفارسُ أحلامي المختفي في غيوم الحياة...هل يمكنك الظهور، فتطلّ عليّ كما يطل القمر المنير على الكائنات العاشقة في ليلة مظلمة؟ فقد طارت الغيوم بالفارس الأبيض" ص: 141

  أخيرًا

      النصّ الروائي "طلاق عاطفي" للكاتب الروائي صاحب رواية" فجْر الغيطان" الدكتور قعيد خليفة نصٌّ ناضجٌ، ماتعٌ، مكتمل في مضمونه الفكري، تقنياته، فالقارئ يتفاعل معه، بل بفضل سرده السلس، وعذوبة لغته العربية الفصيحة، الرقراقة، ينقاد القارئ، معايشا تحرّكات شخوص الروايةـ وصراعاتهم، وتوافقاتهم.

 

  

 

 

   

 

 

 

    

السبت، 12 أبريل 2025

 

                                                                           الأدبُ.. وأدبُ الرّحْلةِ

كتب: بشير خلف

           نظّم مخْبرُ: " بحوث في الأدب الجزائري ونقده" التابع لمعهد الآداب واللغات بجامعة حمة لخضر بالوادي يوم الأربعاء 09 أفريل 2025 ندوة فكرية أدبية بعنوان:( الأدب وأدب الرحلة)، أشرف عليها أ.د حمزة حمادة مدير المخبر، وأ.د مشارة حسين، استضاف المخبر المفكرين، العلمين، الباحثيْن الشاعريْن الجزائرييْن: أ. د علي ملّاحي، الذي قدّم محاضرة قيّمة عن أدب الرحلة لدى المرحوم، المفكّر، المرحوم عبد المالك مرتاض.

   وأ. د بوفاتح علاق، الذي قدّم محاضرة مُميّزة في أدب الرحلة الصّوفي، الخيالي.

   هذه الندوة تندرج ضمن تكوين، وتأطير الطلبة، سيّما طلبة الدكتوراه. حضر الندوة عديد الطلبة، والطالبات، وعددٌ مُعتبرٌ من أساتذة، وأستاذات الجامعة.

   

أدبُ الرحلات جنسٌ أدبيٌّ من أجمل أنواع الآداب، لكونه يعكس، ويوثق كل ما صادفه الكاتبُ، أو الرحّالة عـبْر رحلته، أو رحلاته، حيث الكاتب، أو الرحالة يُدوّن بالقلم، أو بالصورة كل ما يراه خلال رحلاته، ويصف الأماكن التي زارها، وربما يوثّق حواراته مع بعض الأفراد، ويصف عادات تلك الشعوب، وتقاليد أهلها، وينقل كل المواقف التي تعرّض لها خلال رحلته، أو رحلاته كتابة، وتصويرا، وربّما حتى صوتًا.

      يرى بعضُ الدّارسين أنّ أدب الرّحلة من الآداب الشَّعبيّةِ، إذ أنّه وإنْ ضمّ عناصر التّراث الأدبيّ الشعبيّ، إلّا أنّه أثرى على أنه كونِه منها بما يضمُّه من أفكار إنسانية راقية، وأساليب أدبية تتسم بالجمالية، وبما يلبسه من ثوب أدبيٍّ قَشِيب، فالسَّردُ فيه غايتِه النَّقلُ والتَّعليمُ والتَّرشيدُ الثّقافيّ، ومتعة التذوّق الأدبي، والإمتاع؛ والزَّمنُ فيه بين الحَدَثِ، والكتابة، والقراءة.

     

كما الأدب الرّحلي كنزٌ من الحِكمَةِ، والتجارب، والخبرات الإنسانية المتنوعة التي يرتوي بها القارئ أينما تواجد زمكانيا.

    تُقسم الرّحلاتُ إلى حقيقيّة وخياليّة؛ الواقعيّة منها تكون رحلاتٍ فعلیّة قام بها الرّحَّالة لِغرضٍ من الأغراض، وهي ذات قیمة كبيرة لِما تُسجّله من حقائق في المجالات التّاریخیّة، والاجتماعیّة ، والاقتصادیّة، والثّقافِیّة، والجُغرافِیّة، أشهرها رحلة الحج.

 

 

 


 

 


 


الأربعاء، 5 مارس 2025

 

             النصّ المُوازي في شعر

                عثمان لوصيف 

عرض وكتابة: بشير خلف

    ضمن إصدارات وزارة الثقافة والفنون الجزائرية، صدر عن صندوق الإبداع أواخر سنة 2024 للدكتور الأستاذ الشاعر، الناقد محمودي الأزهر كتابٌ في شكل دراسة مُعمّقة، الكتاب من الحجم المتوسط في 107 صفحة بعـنوان (النصّ المُوازي في شعْــر عثمان لوصيف).

    دراسة معمّقة لشعر المرحوم عثمان لوصيف من خلال قصائد دواوين ثلاثة: 1 ــ الكتابة بالنار 2 ــ براءة 3 ــ شبق الياسمين.

  يغادر الشعراء، ويخلّفون وراءهم أتراحهم، وأفراحهم، نزواتهم وشطحات أفكارهم، يصوغونها في لغة تحمل من طاقات أنفسهم ما تحار اللغة أحيانا في كيفية حملها، وبعضهم كالفلاسفة، لا يفهمهم قومهم، ويعرضون لهم بالقول، والتأويل؛ ولعلّ المرحوم الشاعر عثمان لوصيف من هؤلاء، فكان الشاعر الناقد الأديب الأريب الدكتور محمودي الأزهر من الذين فهموا جيدا الفيلسوف عثمان فكان هذا الكتاب هديّة للمتلقّي.

   متْنُ الكتاب

    بعد المقدمة والتمهيد تناول المؤلف الدواوين الثلاث تباعًا.

  

 ممّا جاء في المقدّمة:

«النص الأدبي في حقيقته نصان: نصّ المركز، ونص الهامش، أو هو النص الأصلي، والنص الموازي؛ أو ما يُـسمى بالعتبات النصية؛ فالنص الأدبي الشفوي نصه الموازي يظهر في الأداء، ونبرة الصوت وحركات الجسد، بينما النص الأدبي المكتوب تدور في فلكه نصوص أخرى كثيرة بصرية، ولغوية، منها: حجْم الكتاب وغلافه، وتشكيلاته وصوره وألوانه، ومكان العنوان، واسم المؤلف باعتبارها علامات بصرية تساهم في تركيب النص، وتوجيه القراءة بالإيحاءات الثقافية، والتاريخية، والاجتماعية المحيطة بالنص.

     أمّا العلامات اللغوية فقد تقصر كالعـنوان، والاهداء، والتجنيس، وتاريخ الإصدار، واسم دار النشر، أو تطول ككلمة المؤلف، أو كلمة الناشر، وكل هذه العتبات تتضافر لتضع القارئ في جوّ النص.

     وفي هذا الكتاب نحاول الإلمام بالعتبات النصية في بعض من دواوين الشاعر الجزائري عثمان لوصيف باعتباره أحد الشعراء الجزائريين المعاصرين، ومن خلاله نكتـشف عينة من ظاهرة العتبات النصية في الشعـر الجزائري المعاصر، ومدى اهتمام الشاعر بها وحضورها في وعيه، وفي لا وعيه.

      ورغم أن دواوين عثمان كثيرة إلا أننا هنا اقتصرنا على ثلاثة دواوين فحسب، وهي: الكتابة بالنار، براءة، وشبق الياسمين.»

 لشاعر عثمان لوصيف

       ولد عام 1951 في طولقة ـ ولاية بسكرة. تلقى تعليمه الابتدائي , وحفظ القرآن في الكتاتيب، ثم التحق بالمعهد الإسلامي ببسكرة، وترك المعهد بعد أربع سنوات، وواصل دراسته معتمدًا على نفسه، وبعد حصوله على شهادة البكالوريا التحق بمعهد الآداب واللغة العربية بجامعة باتنة، وتخرّج 1984.

     انخرط في سلك التعليم منذ وقت مبكر. أحب منذ طفولته الموسيقى والرسم، وبدأ نظْم الشعر في سنٍّ مبكرة.

     قرأ الأدب العربي قديمه، وحديثه؛ كما قرأ الآداب العالمية.

    توفي الشاعر عثمان الوصيف بعد معاناة مريرة، طويلة مع المرض يوم 27 اجوان سنة2018 

      بعد مشوار حافل بالعطاء، حيث أصدر الشاعرأكثرمن عشرة دواوين شعرية، على مدار ثلاثة عقود، منها “الكتابة بالنّار” عام 1982، و”شبق الياسمين” عام 1986، و”أعراس الملح” عام 1988، «الإرهاصات»، «نوش وهديل» 1994، «التغابي» 1999، «كِتاب الإشارات»، «زنجبيل»، «غرداية»، “قراءة في ديوان الطبيعة1967”.

       ذلك من خلال نظرة على العناوين وقراءة النصوص:

     نكتشف ملامح جيل السبعينات، ذلك الجيل الذي تأثرت تجربته الشعرية بهزيمة السقوط المريع الذي ترك آثارا غائرة في نفسية وتجارب ذلك الجيل، بل كان منعطفا ونقطة تحول هامة في مسيرة الشعر العربي المعاصر بوجه عام، حيث كان للشعراء قيدا جديدا قوامه مرارة الهزيمة، والانكسار، والشعور بالإحباط، ما حدا بالشعراء إلى مراجعة حساباتهم.

     لقد ظل هذا الجيل يعاني من الضياع والبحث عن سبيل الخلاص متأرجحا بين الاستسلام والقبول بالهزيمة، وبين التحريض على الثورة ورفض الانهزام، وبالرغم من أن الهزيمة خلّفت ثلما غائرا في نفوس الشعراء يُشعرهم بالمرارة، إلا أن الكثير منهم تخلى عن الذات وانشغالاتها من أجل الانخراط في الهم الجماعي، مما أدى في حينها إلى انتعاش ما يُعرف بالشعر الملتزم، أو الالتزام في الشعر والذي كان شعارا لتلك المرحلة تحاشيا لسقوط أكبر، لقد راج الالتزام في الشعر ممارسة وتنظيرا، ذلك الشعر الذى يتبنى قضايا الجماعة، يصوّر آلامها، وآمالها.

     لقد انخرط أغلب شعراء هذا الجيل في ملامسة الحس الجماعي – الوطني، والقومي - ورأى أن الكتابة هي طريق للمقاومة فـــــــ ليس كفعل القلم اجتماعيا، وتاريخيا بكل ما تنطوي عليه كلمة اجتماعي من شؤون الأمة، والشعب، والقوم والوطن، والإنسانية.

       الشاعر الناقد رجل التربية الدكتور محمودي الأزهر في كتابه هذا عن المرحوم عثمان لوصيف تألّق في توظيف ثقافته العربية الواسعة، والإبداعية، الشعرية، ومعارفه النقدية الممنهجة وتوظيف لغة عربية سلسة رقراقةـ توشّحت بالجمالية، الماتعة، الجاذبة للقارئ.

     الكتاب في تقديري بقدْر ما هو مفيد للباحث، والطالب، والأستاذ؛ فهو لعمري ماتعٌ للمتلقّي الباحث عن جواهر الأدب العربي.

 

الجمعة، 21 فبراير 2025

 

لوثة الكتابة

بشير خلف

      الذين اختاروا طريق الفكر والأدب، اختاروا بالأحرى الاحتراق الداخلي، والفقر المستمرّ سيّما في عالمنا العربي. ربما لأنهم خُلقوا وهم يحملون “جرثومة” الكتابة، التي سرعان ما تتحول إلى "متلازمة " تجعل المصاب بها لا يعرف ماذا يفعل، سوى أن يكتب.

 

      يقال إن توفيق الحكيم كان يركب سيارة "مُتهالكة ..تعبانة " عندما الْتقى لأول مرة بالسيدة برلنتي عبدالحميد، راقصة شارع الهرم المعروفة. فسألته مشيرة إلى سيارته: من أين لك هذه؟ فقال:

 " من الأدب ". وسألها مشيرا إلى سيارتها “الكاديلاك”، “وأنتِ من أين لك هذه؟”، فقالت، مع ضحكة ماجنة:

"من قلة الأدب".

الجمعة، 7 فبراير 2025

                                                              دمشقُ في عــيون الشعراء

كتب: بشير خلف

      يكفي أن نعْـلم أن كِــتابًا واحدًا فقط وضعه مُحدِّثُ الشام ابن عساكر (499-571هـ)، يسْتعـرِض جزءًا من تاريخ دمشق، وقد شغـل ذلك العملُ الضَّخم 80 مجلدًا، ليعْــتبِره المؤرخون أحد أعظم المؤلفات في تاريخ الإسلام.

     يصف البُحتري، الشاعر العربي، حين دخل الخليفة ُالمُتوكِّــل دمشقَ من باب "داريا"، جمال المدينة، وروعــتها بقوله:

 

العيش في لــــــيل "داريا" إذا بردا

والراح تمزجها بالراح من (بردى)

 ويتابع مادحًا:

 «أما دمشق، فقد أبدت محاسنها



وقـــــد وفى لك مطريها بما وعدا

إذا أردت، ملأت العــــــين من بلد

مستحسنٍ، وزمان يـُــشْبه البلدا»

 

الاثنين، 27 يناير 2025

 

"الرديف"

              من المقاومة التونسية

             إلى ثورة التحرير الجزائرية

قراءة وعرْض بشير خلف

     صدر مُنتصف هذا الشهر (جانفي 20025) كتابٌ في مجال التأريخ لثورة التحرير المباركة في منطقة الحدود الجزائرية التونسية الجنوبية، وتحديدا عن أحداث الثورة، ومعاركها الشرسة التي خاضها أبطال الجنوب الشرقية الجزائري، على الحدود الجزائرية، التونسية، في منطقة (الرديْف) التونسية، المقابلة شرقا لربوع وادي سوف غربا.

     الكتاب من تأليف المجاهد الأستاذ المربي، المحامي عبد الحميد بسّر الذي كان مجاهدا، مُعايِشا  للأحداث، خائضًا للمعارك مع إخوانه الأبطال حتى انتهاء الثورة  في المنطقة.

 الكتاب من الحجم المتوسط، في 188 صفحة. صدر عن دار " سامي" للطباعة والنشر والتوزيع بالوادي لصاحبها الشابّ المثقّف رضا درّاجي.

       بعد الإهداء، والتقديم، والمقدمة، والتعريف ببلدة الرديف التونسية، وموقعها الجغرافي، جاء مضمون الكتاب الذي تضمّنته فصولٌ ستّةٌ:

1 ــ الرديف مقتطفات من تاريخها المجيد

2 ــ هجرة السوافة إلى البلاد التونسية: الرديف نموذجا

3 ــ هجرة السوافة واندماجهم مع أأبناء المغرب العربي

4 ــ جولة من خلال الصور لأماكن أثرية في مدينة الرديف

5 ــ ج1 شخصيات من الرديف

5 ــ ج2 بعض إطارات سوف الدارسين في الرديف

5 ــ ج3 نبذات تاريخية

6 ــ مهاجرو وادي سوف في الحوض المنجمي(منجم الرديف)

  ـــ الكتاب مُدعّمٌ بالملاحق، وذِكْـر المصادر والمراجع.

 

    قدّم للكتاب الشاعر، الأستاذ الجامعي المتخصص في التاريخ السعيد المثردي، تقديما وافيا زيّنته، وعبقته قصيدة شعرية رائعة من 18 بيتًا، من إبداع صاحب التقديم بعنوان: عبد الحميد بسّر السوفي :

«في هذا الكتاب يعود بنا الأستاذ عبد الحميد بسّر إلى بداياته في الحياة، ونشأته في ربوع  الحوض المنجمي ببلدة الرديف في الجنوب الغربي التونسي بولاية قفصة، فكان عنوان الكتاب " الرديف زهرة المناجم (من المقاومة التونسية إلى ثورة التحرير الجزائرية)»ص:07

 من المقدمة:

« لا لوم عنّي، ولا حيرة أن أكتب بل وبالأصحّ أن

أؤرّخ عن أرض ترعرعت بين أحضان أهلها الطيبين الشامخين شموخ الجبال المحيطة ببلدتهم، بل بلدتي أنا أيضا زهرة من زهور الحوض المنجمي الرديف الغالية، كبرت بين أولادها، وأشجارها، ومروجها الخضراء، ومقاعد مدارسها الغنّاء، حتى نضج فكري وعقلي؛ وأنا في كامل حريتي دون أن يزعجني ضجيج غنمها، ورعّاتهم، وغبار فسفاطها المستخرج من بطون جبالها .ص: 10 »

 «..لذا أفتخر بمن فتح ذراعيْه، واحتضننا في ساعة العُسْرة، ومسح الدموع عن عيوننا، وأنار درْب حياتنا :أهل الرديف، لهم منّي، ومن أحبابي كلّ المحبّة والمعزّة ص:11»

 

     الكتاب مُميّزٌ في عرضه التاريخي الثوري، في العلاقات التاريخية المتينة بين الشعبين التونسي والجزائري، في التلاحم والتضامن، والكفاح المشترك..

    الكتاب وثيقة تاريخية هامّة ناجعة للباحثين، والطلبة، والمؤرخين.

 

ملحوظة

    للكاتب المؤرخ عبد الحميد بسّر عدّة مؤلفات في عن الثورة التحريرية المباركة في منطقتي الجنوب الشرقي الجزائري بخاصة في منطقة الحدود التونسية الجزائرية، وكذا منطقة وادي سوفْ.

 

     

 

   

 

  مـذابـح الـكـتـب كتب: بشير خلف       الكُتب «خزائن» المعرفة، حفِــظت للبشرية «ذاكرتها»، وتراثها المكتوب. وما من أمة نهضت، وحلقت ـ عال...