الأربعاء، 6 أبريل 2022


   ما بعد المونقار

عرض: بشير خلف

        صدرت هذه الأيام ترجمة كتاب:" ما بعد المنقار" للرحالة الصحفية، الكاتبة الأديبة (إيزابيل إبراهاردت.. 17 فبراير 1877 - 21 أكتوبر 1904)، ترجمة الكاتب المترجم ميهي عبد القادر، صدر الكتاب  عن دار سامي للطباعة والنشر والتوزيع بالوادي. صمّم الغلاف كالعادة الفنان التشكيلي، المبدع القدير: كمال خزّان.

      الكتاب من الحجم المتوسط A5 في 156 صفحة تضمّنت مجتمعة: 33 مقالة، بعد التقديم، والتمهيد.

      الرحّالة كاتبة هذه المقالات الصحفية بعد أن انتقلت من ربوع وادي سُوفْ نحو الجنوب الغربي الجزائري، وتحديدً إلى عين الصفراء؛ كُــلّفت من طرف جريدة (الأخبار) لصاحبها فكتور باروكان بالجزائر العاصمة، في آخر سبتمبر 1903 توجّهت إلى عين الصفراء لتغطية أحداث الاضطرابات في تلك المنطقة، فكانت هذه المقالات الصحفية التي تضمّنها الكتاب. إذْ نقرأ في مذكّراتها:

« فجأة، اندلع قتال المنقار( منطقة جغرافية)، ومعه إمكانية أن أرى من جديد مناطق الجنوب، حيث يصعب العيش. ذهبتُ إذن إلى الجنوب الوهراني بصفتي مراسلة صحفية.»

      إيزابيل إبراهاردت حينذاك هي مراسلة صحفية أيضًا لجريدة " لاديباش ألجريان"، كتبت سلسلة من المقالات عن الاضطرابات السائدة على الحدود الجزائرية الجنوبية  المغربية، تختلف هذه المقالات الصحفية عن نصوص السرد،  والقصص القصيرة  التي كانت تنشرها عادة في صحُفٍ جزائرية أخرى أثناء عهْد الاستعمار. هي مقالات تُــبْرِزُ فيها إيزابيل( التوسّع الاستعماريّ الفرنسي في واحات الصحراء الجزائرية الجنوبية الغربية.)

     استــفادت إيزابيل من صداقة الجنرال ليوتي قائد الحملة العسكرية على الجنوب الغربي، واحترامه لها، ممّا سهّل لها حياتها اليومية، وخاصة تنــقّلاتها، بدورها لم تتردّد في الدفاع عن سياسة الأسواق التي هي أساس نظرية الحماية التي دافع عنها ذلك الضابط صاحب الرؤيا المستقبلية لتلك السياسة، وقد ارتآها بديلا عن الاستعمار الكلاسيكي.

      هل آمنت إيزابيل إبراهاردت بصدْق الجنرال ليوتي العسكري؟ فكّرت حينها" بأن الحلّ الذي اقترحه هو الأقلّ سوءًا بعْـد أن رأتْ البؤس، والعذاب الذي يكابده حينذاك السكان في الجنوب الوهراني.

     قــدّم للكتاب بشير خلف:

« ...  بالكاد أغلبُ مقالات الكتاب تتميّز بهذا الدّفق الأدبي الإبداعيّ الماتع، فالنصّ الأدبيّ لِما يتّسم به من خصوصية، منها الأحاسيس، والمشاعر، والتخييل، يَحْـتمل عديد الترجمات التي قـد تختلف من مترجم إلى آخر؛ فالمترجم القدير ميهي عبد القادر باعتباره ترجم عديد الأعمال الأدبية للرحالة إيزابيل إبراهاردت، شكّـل من خلالها في رأيي مدرسة ترجمية "مِيهيّة " بامتياز تجذب المتلقّي مع النصّ المتُرجَم، بحيث يتماهى معه، ويتصوّر أنْ لا نصٌّ أصليٌّ البتّة.     

       وهذا ما تراءى لي بعد قراءتي لمقالات هذا الكتاب أن الأستاذ ميهي عبد القادر، كما في كلِّ ترجماته للأعمال الإبداعية للرحّالة الأديبة إيزابيل إبراهاردت، أنه مُبدع مقتدر آخر لنصوصها، ومقالاتها الأدبية، وغير الأدبية.» ص:04

إبداع ترجمي ماتع

      القارئ المتلقّي لهذه النصوص المُترجمة من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية من قِبل المترجم ميهي عبد القادر، من سحْر النصّ، وروعة الترجمة، دون شعور من هذا المتلقّي قد يشعر أنه يقرأ للمترجم، وليس لكاتبة المقالات:

«... تنساب أيّام الصيف الأخيرة رتيبة. تنام مدينة الجزائر تحْــت سماءٍ مرْهقة، خالية من السُّحُب. تبدو الشوارع، حيث المارّة قليلون أكثر اتّساعًا، وتطُـــنُّ أسرابُ الذباب في ظلّ المنازل العابر. يغشى هضابَ مصطفى غبارٌ خفيفٌ، فينطفئ بياضُ مرتفعاتِ المدينة اللّبني. هنا في الأزقّة المختنقة تستمرّ الحياة، رغْم ذلك عنيفةً، ثملةً بالنور، والألوان، تتزيّن بالفواكه، والأقمشة المعروضة، وتشدو بغِـــناء العنادل السجينة في الأقـفاص أمام المقاهي العربية.» ص:08

 سوق عين الصفراء

      من مقال بعنوان" سوق عين الصفراء"

«... منذ مساء يوم الأحد يتوافد البدو عبْر المسالك، والكثبان يركبون الأحصنة، والبغال، أو هم راجلون يدفعون أمامهم حميرهم الصغيرة، الصبورة، وجمالهم الكبيرة البطيئة التي تمدّ رقابها المرنة، ومناخرها الشرهة نحو باقات الحلفاء الخضراء...أولاد عمّور، وبنو غيل شعْبٌ بكامله في هجرة مستمرّة، يتجمّع في عين الصفراء، ليحضر سوق صباح الإثنين.» ص: 114

      من مقال بعنوان "وجدة":

«... حين تغْــرب الشمس، وعندما يبعث المؤذن نداء الصلاة تغلق" وجدة" أبوابها التي تَصِرُّ على مفاصلها الحديدية. تذهب المفاتيح إلى القصبة، إلى العامل حيث تبقى" وجدة" هكذا معزولة عن باقي مناطق الأرض، ولن يتمكّن أيّ بشرٍ من دخولها، أو الخروج منها. ما أنْ تجاوزنا القوس حتى خُـنقْـتـنا الرائحة عنيفة.. رائحة القاذورات، والمسك، والجيف، والزيتون المنقوع.

      ثم إننا دخلنا في الوحْل، العـفن بين البِركِ الراكدة، المُخْــضرّة، حيث يَسِنُ البراز، والدواب الميتة، والقمامة النجسة، والخِرق البالية.

       عوض صمْتُ التأمّل في مُدُن الإسلام الأخرى، هنا إنه حشْدٌ كثيف، وصاخبٌ؛ رعاع يتخبّط، ويتدحرج في وحــل الشارع، كأنّ ريحًا من الحُمّى مرّت على " وجدة""» ص: 132

      كـلّ مقالات الكتاب بهذه الترجمة الإبداعية الرائعة والمضامين الماتعة: تاريخا، أدبًا تماهت فيه عذوبة اللغة، وسلاسة التراكيب، وتوظيف الكلمات، والتعابير في إطارها السليم.

 

 

السبت، 19 مارس 2022


 وباء الطاعون

      خرج أميرُ المؤمنين، خليفة رسول الله(ص)، عمر بن الخطاب (ض)، ذاهبا إلى بلاد الشام، وكان معه بعضُ الصحابة. وفي الطريق علم أنّ مرض الطاعون قد انتشر في الشام، وقتل كثيرا من الناس، فــقرّر الرجوع، ومنع مَنْ معه من دخول الشام. فقال له الصحابي الجليل أبو عبيدة بن الجراح:

ــــ أفــــرارا من قـــدر الله يا أمير المؤمنين؟

       فـــردّ عليه أميرُ المؤمنين:

ـــــ  لو غيرك قالها يا أبا عبيدة!

        ثم أضاف قائلاً:

ـــــ نعم نفــــرُّ من قــدر الله إلى قـــدر الله؛ أرأيتَ لو أن لك إبلا هبطت واديا له جهتان: إحداهما خصيبة، (أي بها زرع وحشائش تصلح لأن ترعى فيها الإبل)، والأخرى جديبة (أي لا زرع فيها، ولا تصلح لأن ترعى فيها الإبل)، أليس لو رعيتْ في الخصيبة رعيتها بقــدر الله، ولو رعيت في الجديبة رعيتها بقــدر الله؟

الأربعاء، 16 مارس 2022


 الفيلسوف نجيب محمود، ونظرتُه إلى القراءة الهادفة

«اقْــرأْ لـِـمنْ يضيف إلى خبْــراتك، وأفكارك إضافة توسُّعٍ من آفاق دنياك، فما كل قراءة ككلّ قراءةٍ؛ وإنما القراءة التي نعنيها هي قراءة الأفذاذ في كل ميدان، فهل يعقل في ميدان الفلسفة مثلًا أن أترك أفلاطون، وأرسطو، وبن سينا، وبن رشد، وديكارت، وهيجل لِأقْــرأَ فلانًا، وعلانًا؟! وفي الشعر هل يعقل أن أترك البحتري، والمتنبي، وأبا العلاء لأقرأ فلانًا، وعلانًا؟!

    نعم قد نقرأُ للأواسط؛ بل وللصغار أحيانًا لنتسلّى.

    إنني أذكر سؤالاً وجّــهْتُــه لأستاذٍ كبيرٍ في الفلسفة في انجلترا، وكنت أزوره لأودعه، إذْ سألته:

ــــ  كيف ترى جان بول سارتر؟

      فنظر إليّ نظره الذاهل للسؤال، وقال:

ـــــ  سارتر؟!

        ثم أشار بيده نحْــو رفوف مكتبته، وقال:

ــــــ وهل فرغتُ من هؤلاء السادة القادة لأنفق ساعاتي في قراءة سارتر؟»

" زكي نجيب محمود, كتاب: قيمٌ من التراث"

 

الثلاثاء، 15 مارس 2022

 

إسْداء الجميل

      صديقي الذي بلغ من العمر عتيًّا، وخبر الحياة، ذكّرني:

«إذا أسديْنا جميلاً إلى الآخرين فحذار أن نذْكره، وإنْ أسدوْا إليْنا إليك جميلًا، فحذار أن ننْساه.»

الاثنين، 14 مارس 2022


 رسْمُ الكاريكاتير، فنّ تعرية الحياة

        ناجي سليم حسين العلي (1937 إلى 29 اغسطس 1987)، الرسام الكاريكاتيري الفلسطيني، رؤيته الشخصية إلى فنّ الكاريكاتير، وهو من أعلامه:  

« مهمة الكاريكاتور تعرية الحياة بكل معنى الكلمة.. الكاريكاتور ينشر الحياة دائماً على الحبال، وفي الهواء الطلق، وفي الشوارع العامة، إنه يقبض على الحياة أينما وجدها لينقلها إلى أسطح الدنيا حيث لا مجال لترميم فجواتها، ولا مجال لتستير عوراتها ..

      هذا الفن يجب أن يكون عدوانياً على موضوعاته على وجه الخصوص، قد يكون صديقاً حميماً على منْ يتعاملون معه، لكنه صديق مشاكس.. صديق لا يؤمن جانبه.»

" ناجي العلي"

الخميس، 3 مارس 2022

 

الدّنيا لا تساوي جناحَ بعوضةٍ  

مالِكُ العقارات، وتاجر الحاويات القادمة من هنا وهناك بحماس،وبصوْتٍ مرتفع كي يسمعه منْ هو قريبٌ:

ـــ الدّنيا لا تساوي جناحَ بعوضةٍ، العاقل منْ لا تغـــرّه، ولا ينساق في اللهث وراءها.

       إبراهيم الفقّي رائد التنمية البشرية يرى الآتي:   

  « هناك أوقاتٌ نشعر فيها أنها النهاية، ثم نكتشف أنها البداية، وهناك أبوابٌ نشعر بأنها مغلقة، ثم نكتشف أنها المدْخلُ الحقيقيُّ.

       عشْ كلَّ لحظة كأنها آخرُ لحظةٍ في حياتك، عشْ بالإيمان، عشْ بالأمل، عشْ بالحُــبّ، عشْ بالكفاح، وقـــدِّرْ قيمةَ الحياةِ.»

الثلاثاء، 1 مارس 2022


 ثقافة الوهم الأبوية، واللغة، والتواصل في مجتمعات التفكك

       يحتوي هذا العدد الجديد الصادر اليوم من شهر مارس 2022  من مجلة “الجديد اللندنية” على مقالات فكرية وأخرى نقدية، ودراسات، وسجال نقدي، ويوميات، وقصص، وقصائد وعروض كتب، ورسائل ثقافية. وفي العدد ملفان، الأول فكري، والثاني أدبي.

1 ـــ الملف الفكري حمل عنوان: “ثقافة الوهم”

(الوهم فلسفيا هي حالة عقلية مضطربة، إذ يُصبح العقل غير قادرٍ على التمييز بين ما هو حقيقي ومنطقي، وبين التخيلات والأوهام، لدرجة مساواة جميع الظواهر الوهمية والإداركية في وجودها، وهي حالة متناقضة بين وعْي المرء، والمثيراث الخارجية..الوهم مرض نفسي.)

      يرى أحمد برقاوي أحد المشاركين في الملف: أن “قوة الوهم عاصفة؛ أي أن قوة الضعف قوة تتجاوز حدود المعقول، فهي من طبيعة الوهم ذاته، لأنها قوة عمياء. فحين تصبح سلطة الوهم سلطة تتحكم بالقطيع، فإن القطيع الخالي من قدرة التساؤل، والتفكر يتحول إلى قوة ساحقة، وعمياء بامتياز”.

2 ــــ الملف الأدبي حمل عنوان: “أهل القصص”، ممّن شاركوا في هذا الملف كتب الروائي الجزائري سعيد خطيبي عن رحلته إلى كييف أثناء ثورة 2014،  ففي نظره أن “ما يجري في كييف، هذه الأيام، ليس حدثاً عابراً، بل تعود أصوله إلى شتاء 2014، “يومها كنت في «الميدان»، في قلب العاصمة الأوكرانية، ودوّنت يوميّاتي فيها، إن العودة إليها تتيح لنا فهْم خلفيات ما يدور على الأرض الأكرانية هذه الأيام.

      في زاوية “سجال” كتب ممدوح فراج النابي تحت عنوان: “ثقافة المونولوج والتقوقع وثقافة السؤال والحوار: “حالة العزوف عن الحوار والسِّجال، قد تكون نتيجة طبيعيّة لتأزم الوضع السياسي، وانسداد أفق وطاقات التعبير، وهو ما كان له مردوده على مستوى الفكر والأدب، فما غرسته السياسة، وفعلها القبيح، أثمرته الثقافة خوفًا وريبة وعدم ثقة في الآخرين، ومن ثم فلا مناص إلا الارتداد إلى دائرة الذات، والانغلاق في بوتقتها، وهو الأمر الذي يحتاج إلى ممارسات جديدة تعيد إلى الذات ثقتها في نفسها أولاً، وفي الآخر”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

https://aljadeedmagazine.com.آذار مارس 2022 العدد 86

 

 

  مجلة فكر المجلة الثقافية الفصلية في عددها الجديد قراءة وعرْض بشير خلف     صدر العدد الجديد من مجلة " فكر" الثقافية، الفصلية ...