الخميس، 1 يناير 2026

 

                                الأمثال الشعبية بميزان العصر:

                            لماذا تَخلُد "حكمة الأجداد" وتسقُط "أمثال الخنوع"؟

      الأمثال بين الماضي والحاضر .. الأمثال التي تدعو للصبر والوفاء ظلت صامدة لكونها تعزز الفضيلة

      الأمثال الشعبية هي بمثابة الدستور غير المكتوب بين الشعوب، فهي خلاصة تجارب، وعصارة خبرات طويلة مما جعلها مُكوِّنا أساسيا من مكونات الثقافة، تبنى عليها قرارات وتتخذ على إثرها مواقف، تبدأ مع الإنسان منذ طفولته وربما ترتيبه بين إخوته إذا كان الأول، أو الأخير فقد يكون "حظه كبيرا" أو العكس.

      في ظل التغيرات المتسارعة في القرن الأخير بقي عدد من الأمثال صامدا لعقود، بينما تراجع استخدام أمثال أخرى على ألسنة الشعوب، ومنها العربية، فما الذي يحدد عمر المثل الشعبي؟ وكيف ينتقي الوعي الحديث هذا الموروث؟

 سرُّ الخلود

      تلفت الباحثة الجزائرية نورية سوالمية في ورقة بحثية نشرتها عام 2018، عن "دور الأمثال الشعبية في التنشئة الاجتماعية" إلى أن سرّ بقاء بعض الأمثال لسنوات طويلة يكمن في قدرتها على التعبير عن "الحقيقة الكلية" والظرف الإنساني المستمر، أو استنادها إلى موروث عقائدي وحضاري صلب.

  وهي ترى أن الأمثال التي تردد خلاصة التجربة اليومية تعد ملكا للمجموعة لأنها تريح النفس وتواسيها بحكمة وفلسفة عملية، مشيرة إلى أن المثل يظل حيا إذا نبع من صميم التركيبة الاقتصادية والاجتماعية.

الاثنين، 29 ديسمبر 2025

 

       

الكتابة قيمة إنسانية ساميةٌ

كتب: بشير خلف

        الكتابة رسالة حضارية نبيلة. أنْ تبدعَ فأنت فنانٌ ..أن تكتبَ فأنت تؤدي رسالة سامية وتمارس وجودك بوعي، وتتجاوز ذاتك لتلتحم بالآخر أفقيا وعموديا وزمكانيا.

     الكتابة فعل إنساني قيْمي يمارسه المثقف، الكاتب الحر، الناقد لمسيرة مجتمعه، نقْدًا صادقًا بنّاءً، غايته التغيير إلى ما هو أصلح ..الكتابة الحرّة تنقد الخطأ باعتباره سلوكا مُضرّا بالذات والغير كيفما كان الخطأ، ومهما كانت قيمة ومرتبة فاعله ..الكتابة الحرة تبشر بالخير، وتزرع الفرح والمحبة، وتفضح الظلم والتحيّز والقهر والعدوان .

       ولمّا كانت الكتابة تحتل هذه المكانة قديما، وازدادت حديثا، وصارت هي قِوامُ الحضارة المعاصرة، ثم هي وسيلة التدوين والتواصل الزمكاني وملْء الكتب والدفاتر والوثائق بالعلوم والمعارف وشتى مناحي الفكر والبحوث، وهي وسيلة حفْظ الوثائق والأسرار، وسجلات العمل في التجارة والمعاملات والوظائف وسيْر الإدارات وطلب العلم في المدارس والمعاهد والجامعات.. فإن حياتنا لا تستقيم ولا تتيسّر أمورها بدون هذه الوسيلة الحضارية. فقد جاء في القرآن الكريم على سبيل التكريم والتقدير، حيث نسب الله سبحانه وتعالى الكتابة إلى ملائكته المُكرّمين إذْ قال:

{وإنّ عليكم لحافظين . .كرامًا كاتبين} ـ سورة الانفطارـ

 

 

الخميس، 25 ديسمبر 2025

 

 

معجم الدوحة التاريخي للغة العربية

كتب: بشير خلف

      صدر هذه الأيام معجم الدوحة للغة العربية، المعجم الذي شارك في إعداد عشرات الأساتذة، والكُتّاب، والباحثين من البلدان العربية بما فيها الجزائر، أُلن عن صدوره في احتفائىة كبيرة بمدينة الدوحة عاصمة قطر.

    معجم الدوحة التاريخي للغة العربية سجلٌّ حضاري حافل، وتوثيق زمني لتكوّن العقل العربي في قيمه ومفاهيمه وأدوات تفكيره. وهو    يقدم عبر مداخله المعرّفة، وشواهده الموثقة، ومدوناته النصية الهائلة، إمكانات غير محدودة للإسهام في نهضة الأمة

     فاق الاستثمار من أوجه استعمال المعجم أنه يمكن استغلال ما يزخر به من ثروة مصطلحية وفيرة -أصيلة ومقترضة- تغطي جل العلوم والمعارف والفنون، في مجالات حيوية كالترجمة والبحث العلمي والتعليم وغيرها، بدل اللجوء إلى الاجتهاد الشخصي والتعريب الذي لا يخضع للمواضعات القارة.

     معجم الدوحة التاريخي للغة العربية سجل حضاري حافل، وتوثيق زمني لتكوّن العقل العربي في قيمه ومفاهيمه وأدوات تفكيره. وهو -إضافة إلى ذلك- يقدم عبر مداخله المعرّفة، وشواهده الموثقة، ومدوناته النصية الهائلة، إمكانات غير محدودة للإسهام في نهضة الأمة: فكريا وتربويا وعلميا، ولا سيما حين يستثمر في مجالات كالمصطلحات ومحركات البحث ونماذج الذكاء الاصطناعي.

    وفي السياق نفسه، يمكن أن تستخلص من المعجم معاجم "قطاعية" متخصصة، مثل: معجم مصطلحات الطب والصيدلة، معجم مصطلحات الفيزياء، معجم المصطلحات الفلسفية.. ومن سمات تلك المعاجم الاصطلاحية أن مصطلحاتها -أسوة بمداخل الألفاظ العامة في المعجم- مؤرخة، وأن لها شواهد سياقية تداولية موثقة، وهو ما يعز نظيره في المعاجم القطاعية التي تكتفي غالبا بإيراد المداخل المصطلحية معرفة دون تعضيدها بشواهد حية.

الخميس، 18 ديسمبر 2025

 

الجمال آخر ما تبقّى من إنسانيتنا

كتب بشير خلف

     الإنسان عندما يشعر بخطر الفناء يلاحقه أينما تواجد، وتخلّى عنه القريب، والصديق، وتآمر عليه الكلّ، ترتفع آهاته.

 الكاتبة الفلسطينية طه وداد من مقال لها بعنوان:

(الجمال آخر ما تبقّى من إنسانيتنا)

 «الجمال ربما لا يُنقذ العالم كما حلم دوستويفسكي، لكنه بالتأكيد يمنع العالم من أن يفقد معناه الحقيقي.

     ربما الفكرة الأساسية لهذا المقال هي محاولة النجاة من شعوري الخاص بالخطر: خطر العدم، وخطر الحضور.

       الخطر الأول يأتي من حرب المعدات العسكرية المثالية، والخطر الثاني من الصور الفوتوغرافية المثالية.

      عرف هذا العام قسوة لا نظير لها، فلم نكن مستعدين لما شهدته حواسنا، وانسلّ إلى وعينا ولا  وعينا من مشاهد ومواقف وتجارب جعلتنا على تماس مباشر مع خطر التشوه، لا الموت فحسب.

     فهل نجونا تماما؟ وهل خطر الإبادة، أو الحرب التي لا تعرف رحمة هو الخطر الوحيد الذي يهدد شعورنا الإنساني بالحاجة إلى ركن جميل لنحيا فيه؟

     وهل للجمال علاقة بالسياسة ؟

      تقول مِرْآتي إنني جميلة، وتقول صور الحسناوات إنني خارج الزمن. ما معنى الجمال؟ وهل هو قادر على مواجهة هذا العالم؟

الاثنين، 10 نوفمبر 2025

 

صانعو الأدب ورافضو الأوسمة..

حين يصبح رفضُ الجائزة موقفا

كتب: بشير خلف

       في عالم الأدب، يمكن تمييز صنفين من الكُــتّاب:

1 ــ صنفٌ تلمع عيناه كلما رأى بريق الأوسمة.

2 ــ صنفٌ آخر يرفع حاجبيه بتأفف، وكأنه يقول:

«احتفظوا بذهبكم، أنا أكتفي بالقهوة والورق».

      وفي الوقت الذي يتهافت فيه الكثيرون على صيد الجوائز في محافلها العالمية، حتى باتت أسماءُ بعضهم ملازمة لصخب النجومية، والحضور الإعلامي، تُحسَبُ لأقلية أخرى نزعتها المضادة؛ فمنهم من رفض الجائزة بعد التتويج، ومنهم من قاطعها طوال حياته الإبداعية، لأسباب تتنوع بين السياسي، والأخلاقي، والإنساني، والوجودي، أو الأدبي الخالص.

      منذ عديد الأيام، رحل عن دنيانا الكاتب الروائي المصري صنع الله إبراهيم عن عمر ناهز 88 عاما، وهو أحد الذين تبوّؤوا مقعدهم بجدارة في نخبة رافضي الجوائز.

 


مبادئ تتحدى بريق الذهب

      لم تحظ الجوائز الأدبية بإجماع بين الكُــتاب منذ نشأتها. ففي عام 1925، رفض الكاتب الأيرلندي جورج برنارد شو جائزة نوبل للآداب، ساخرا من مؤسِّسها بالقول:

«قد أغــفرُ له اختراعه للديناميت، لكنني لا أغفر له اختراع جائزة نوبل».

     وفي عام 1926، رفض الروائي الأميركي سنكلير لويس جائزة "بوليتزر" المرموقة احتجاجا على قرارات تحكيم سابقة، قبل أن يقبل "نوبل" بعد 4 سنوات.

     وعلى المنوال ذاته، رفض ويليام سارويان جائزة "بوليتزر" عام 1940 لأسباب مبدئية، بينما وصفها إدوارد ألبي عام 1967 بأنها "شرفٌ في حالة انحدار".

      أمّا الموقف الأكثر تشددا فكان للفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، الذي رفض جائزة نوبل عام 1964 والوسام الفرنسي عام 1945، تحاشيا لما اعتبره " فخ السلطة الرمزية ".

    

الجائزة ساحة احتجاج سياسي

     بعد نصف قرن من مواقف سارتر، وشو، دخل الأدب العالمي فصلا جديدا من (جوائز بلا فائزين)، حيث أخذت المواقف المناهضة للجوائز بُــعدا سياسيا أكثر وضوحا، خصوصا في ظل الحرب الإسرائيلية على غزة.

      في الولايات المتحدة، انسحب 9 كتاب من جوائز "القلم" الأميركي عام 2023، وفي عام 2024، ارتفع العدد إلى 29 كاتبا، مما أدى إلى اختفاء الجائزة من الرزنامة، احتجاجا على موقف المؤسسة الذي اعتبروه مُطبِّــعًا مع إسرائيل.

 

       رفضت الكاتبة الأميركية من أصل هندي، الحائزة على جائزة بوليتزر، جومبا لاهيري، جائزة "إيسامو نوغوتشي" بنيويورك لعام 2024، بسبب فصْل موظفين ارتدوا الكوفية تضامنا مع الشعب الفلسطيني.

      أعادت الكاتبة من جنوب أفريقيا، زوكيسوا وانر، ميدالية معهد غوته التي فازت بها عام 2020، لأن ألمانيا، حسب وصفها،" تتواطؤ في الإبادة " وتصدّر الأسلحة لإسرائيل، وكأنها تقول:

"ا حتفظوا بزخارفكم، أنتم على الجانب الخطإ من التاريخ ".

"أعتذر عن عدم قبولها"

     

      عربيا، شكّـل موقف صنع الله إبراهيم عام 2003 حدثا بارزا، حين رفض جائزة ملتقى القاهرة للرواية العربية، احتجاجا على سياسات نظام الرئيس الراحل حسني مبارك، وَصمْت الحكومة المصرية إزاء ما يجري في العراق، وفلسطين.

     عندنا من الأدباء، والمبدعين وبخاصّة كُتّاب الرواية متلهّفون، وأفئدتهم محروقة على جوائز البترو خليج دولار، وصاروا شبه متأكدين على أّن الشرعية تُمنح من هناك.

الخميس، 30 أكتوبر 2025

 

رواية: " حفنة وجعٍ"

.. قلْبٌ على مجمر الحُبّ يتلظّى..

 قراءة وعرْض: بشير خلف

     بكلّ غبطة وسعادة تلقّيتُ منذ أيام هدية من الأديبة المبدعة الساردة، الدكتورة فضيلة بهيليل .. الهدية تتمثّل في روايتها التي صدرت أواخر سنة 2024 تحت عنوان "حفنة وجَعٍ" من الحجم الصغير في 105 صفحات، تصميم الغلاف دليلة حسناوي.. لوحة للفنان التشكيلي الجزائري: محمد جرديني.

     لئن كان السّرد الصحراوي لا يعْني الوصف الخارجي لجغرافية الصحراء بطريقة وثائقية، وإنما يعني نقْل روح الصحراء من خلال تفاعل الإنسان مع المكان، والتعبير عنها بشكل عميق بعيدا عن النظرة الانبهارية، الغرائيبية، فالسرد الصحراوي يكون صادقًا، مُبهٍرًا، ماتعًا لمّا يكون الأديب، المبدع، السّارد أصيل الصحراء.

      النصّ الروائي الذي بين أيدينا من إبداع الأديبة فضيلة بهيليل أصيلة الجنوب الصحراوي الغربي، أصيلة عين الصفراء، نصٌّ مكوّناته البيئية، الشخوصية، الحياتية صحراوية، تشبّع بروح القيم الجزائرية، عُجِن النصُّ، وعبق بلغة عربية رقراقة، ثريّة بما يكشف عن بيئة تلك المنطقة الصحراوية، وحركية أهلها، ومسار حيواتهم اليومية، وعلاقاتهم المحلية، والجوارية.

 عِشْقُ الكاتبة لمدينتها عين الصفراء يشي بعلاقة روحية تشبّعت بها (كلّ طُرُق المحبّة تؤدّي إليك)، منذ بداية القارئ للنصّ الروائي يجد نفسه في سحرية البيئة الصحراوية الجميلة:

«قطرات مطرٍ تمتصّها الطريق في سرعة مدهشة، طريق صهدتها حرارة الصيف، وجفّفتها رياح العناصر التي عصرت قلوبنا، وذرّتها اشتياقًا وحنينا لِما بين جبلي مكثر، وعيسى حشاشة..إنها بداية الخريف تُبشّر بها هاته القطرات التي كثيرا ما ركضنا تحتها ببراءة مردّدين أهازيج المطر:

"ياالنو صبّي..صبّي حتى يجي حمّو خويا يغطّيني بالزربية" ص07


   النص الروائي هذا ثريّ بالقيم من تعلّق بالمكان، وبمرارة الغربة في حال الابتعاد والترحال طلبا للرزق في بيئات أخرى:

"الغربة ياولدي ليست غربة الجسد، إنما الغربة الحقيقية هي غربة الروح حتى وإن ظلّ بمحلّه الجسدُ" ص08

     الروائية فطيمة بهيليل من عشقها وتعلّقها بالقصر الصحراوي ذي المكوّنات البنائية الصحراوية الذي تقطنه عشرات العائلات منذ أزمنة أب عن جدٍّ، وأجيال جديدة تصفه وصفا وكأنها تمسك ريشة، والألوان أمامهأ تبدع لوحة بديعة، رائعة، ماتعة:

"...رحتُ أضمّها كأنّما أفتّش من خلالها عن عبق القصر، وأهالي الديار بمدينتي التي أبدع الرحمن في تشكيل تضاريسها ، وترك لعُشّاقها إبداع وصفها بالقلم، والريشة، والعود.. مع الكثير من المحبّة" ص08

     مبدعة هذا النص السردي باعتبارها أكاديمية تتكئ على المنهجية، فجزّأتْ مسار متْن روايتها إلى عتبات مُعنونة:

ــ كل طرق المحبة تؤدي إليك.

ــ حفنة وجع تدروها الرياح

ــ قلب على مجمر الحنين يتلظى.. يحترق

ــ الهزات العنيفة لا تسقط، إنها فقط تشبثنا بمن نحب.

ــ الفراشات برغم ضعفها لا تنحني.. إنها فقط تحلق.. تطير

ــ لا حاجة لمزيد من النور فقد انكسر ظلك بمرآتي.

ــ للغرباء أيضا أوجاع

ــ ملح الشوق يفتح الجراحــ وفي أرض توات.. موعد الفرح.

      الشخصيات الفاعلة في النص منها ما هو رئيسي، ومنها ما هو ثانوي، الشخصيات الرئيسة: زينب، صالح، الجدّة، زوجة العم، العم، الأم أم زينب الغائبة جسدا، وحضورا، الحاضرة في الذاكرة. ثم شخصيات ثانوية: أم الخير، مسعود، عيسى، زاهية، أم الخير…وغيرها من شخصيات عابرة.

     جميعها تمثل شرائح وأطياف المجتمع وفئاته فمنهم الفلاح الوفي صالح ابن العم الذي لازمته منذ الصغر، وعانا حرمان اليتم، ومنهم العمّ العنيف المتسلط، المتشدّد دينيا عن جهْل، ومنهم الدجال المشعوذ، والحركي الخائن ذو العينين الخضراوين، والمرأة الخادم (أم الخير)، أم زينب.

       عالم الشخصيات في الرواية صورة لمجتمع تقليدي متمسك بجملة من الأعراف بعضها حميد يتم توارثه (الألبسة، الغناء، الأعراس) وبعضها وليد جهْـل وتفسير خرافي لظواهر الطبيعة وقضايا المجتمع.

    من خلال قراءتي المعمّقة لهذ النص الروائي الماتع، أشعر وكأن فضاء عين الصفراء هو نفس فضاء الجنوب الشرقي الجزائري، وتحديدا ربوع وادي سوف، نفس البيئة الصحراوية، نفس المناخ المتحكّم في حيوات الساكنة، نفس العادات والتقاليد، والأعراف.. عنوان الرواية " حفنة وجعٍ"..لفظة ( حفنة) كلمة لها علاقة بالتعامل التجاري في زمن ما قبل استقلال البلاد، وكان التعامل بالمقايضة، وبمعايير الكيل قبل أن تظهر الموازين الحديثة، فالحفنة هي امتلاء اليدين معًا، وتنطبق على الحبوب، والثمار الجافة: حفنة تمْرٍ، حفنة قمح، حفنة شعير، حفنة فرماس، حفنة لوبية، حفنة جلبانة، حفنة عدس،...

    الروائية مبدعة النص أسقطت بذكاء لفظة "حفنة" التي تعني كل ما يتغذّى به الإنسان الصحراوي في بيئته القاحلة، الطاردة للحياة الميسورة، الإنسان الصبور، المقاوم للقساوة، حتى معيشته الغذائية، ومراحل حياته إلى لحظة رحيله، حفنات من وجعٍ.

     الإبداع السردي عن الصحراء لا يعنيْني الوصف الخارجي لجغرافيا الصحراء بطريقة وثائقية، وإنما يعني نقْل روح الصحراء من خلال تفاعل الإنسان مع المكان، والتعبير عنه بشكل عميق بعيدا عن النظرة العجائبية.

      في رأيي الشخصي النصّ السّردي الصحراوي، ليس فقط ما يتّكئ على الصحراء مصدرًا للأحداثِ فحسبُ، وإنّما تلكم أيضًا الروائح، والأساطير، والذكرياتٍ التي سكنت الصحراء، وآثار الإنسان من عمارة، وأساليب حياة فردية، وجماعية، وتقاليد، وعادات، ونشاطات اقتصادية، وتلاحم، ممّا يُكسبُ النصّ السّرديَّ المتعة.

      نصُّ رواية " حفنة وجعٍ " للدكتورة المبدعة الساردة في رأيي الشخصي لعمري جديرٌ بالتميّز، إضافة مائزة للمتن الروائي الجزائري المعاصر.

 

 

الأحد، 26 أكتوبر 2025

 

تلمسان البهيّة..  وملتقى القصة القصيرة

للذكرى حتى لا ننسى

بقلم: بشير خلف

       القصة هي إبداع سردي استثنائي، يكون القاص في مواجهة مباشرة مع الآخر المتلقّي، باعتباره يمارس الحكي، فيشترط أن يتقن صنعته جيدا. القصة الناجحة هي التي تصل إلى الناس دون حواجز، وعقبات؛ إضافة إلى توفّــر شروط نجاحها الفنية الأخرى ..

       القصة القصيرة حالة من المتعة، تأخذ من القصيدة شعريتها، وموسيقاها، وتكثيفها، وقوتها، وتأخذ من الرواية الحدث والشخصيات، ومن المسرح الحوار والصراع السريع الخاطف. 

     القصة القصيرة فــنُّ اللحظات المِفصلية في الحياة، فلا تتناول الحدث من خلال مساحته الواسعة، وزمانه المطلق؛ بل تختطف اللحظة كومضة، أو كسهم ينطلق سريعا إلى هدفه وبكل قوة.

 لِـــما لهذه الأهميّة المُتْعــية، والجمالية للقصة القصيرة، وتوجّه الكل متلقيا، وناقدًا للرواية في السنوات الأخيرة، والإعراض عن القصة القصيرة ( ديوان العرب الحديث)، ارتأت مديرية الثقافة ـ مشكورة ـ بتلمسان أن تعيد إليها مكانتها، ووهجها من خلال تنظيم الملتقى الوطني الأول للقصة القصيرة يوم الثلاثاء 16 ماي 2017 الذي احتضنه قصر الثقافة عبد الكريم دالي بإمامة تلمسان البهيّة.. 

حضر الملتقى مبدعون ومبدعات من عدّة ولايات متمرّسون في هذا الفن السردي الماتع.

                                      المجلة العربية الثقافية السعودية صدر العدد الجديد 600 لشهر أوت 2026 من المجلة الثقافية الشهرية السعودي...