الثلاثاء، 8 يوليو 2025

 

 

                                                  المجلة العربية السعودية في عدد جديد لشهر جويلية 2225

    كتب: بشير خلف 

       من الافتتاحية: المحتوى الاصطناعي لِمنْ؟

« في زمن تتسارع فيه التقنية حدّ الذهول، برز الذكاء الاصطناعي كقوة قادرة على تشكيل الخطاب الثقافي والإعلامي، لا بوصفه أداة مساعدة فحسب، بل شريكاً خفيّاً في صياغة الوعي الجمعي. فها نحن نشهد محتوى يُنتج بلا يد كاتبة، وأفكاراً تُنسج بلا تأمل بشري، فتتداخل حدود الإبداع والتقليد، وينهار الخط الفاصل بين العقل والآلة.

هذه الطفرة الرقمية تطرح سؤالاً: 

ـــ هل يمكن لما لا يمتلك وعياً أن يُنتج معرفة ذات روح؟ » 

 

عدد المجلة ثريٌّ، وماتع .. بعد الافتتاحية يجد القارئ ما يلي:

1ـــ ملف العدد: المحتوى الاصطناعي لمن؟

   تستكتب المجلة العربية الكُتّاب، المثقفين، الإعلاميين في المساهمة في ملفّ وفق الأسئلة التالية:

 في صناعة المحتوى الثقافي والفكري والإعلامي، وذلك من خلال جملة من المحاور، وهي:

• كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساهم في تحسين جودة المحتوى؟

• هل يُضعف الاعتماد على الذكاء الاصطناعي المهارات البحثية والكتابية للصحفيين والكتاب؟

• من يملك الحقوق الفكرية للمحتوى المُنتج عبر الذكاء الاصطناعي؟

• الفرق بين المحتوى المُنتج بالكامل عبر الذكاء الاصطناعي والمحتوى الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي أداةً مساعدة.

• هل يمكن وضع معايير واضحة لتمييز المحتوى الأصلي عن المحتوى الاصطناعي؟

• كيف يمكن أن يؤثر انتشار المحتوى الاصطناعي على المبدعين والكتاب؟

• ما الضوابط الأخلاقية التي ينبغي وضعها عند استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى؟

• كيف تتعامل التشريعات القانونية مع قضايا الانتحال والحقوق الفكرية في هذا المجال؟

• هل سيؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تقليص دور الصحفيين والكتّاب، أم سيوفر لهم أدوات جديدة لتعزيز عملهم؟

• كيف يمكننا بناء نموذج تكاملي بين الإنسان والذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى؟

 2ـــ آداب وتراث:

 ـــ عبقرية المكان في قصص نجيب محفوظ

     وفي قصص (نجيب محفوظ) يفرض المكان وجوده عبر نماذج متعددة أثيرة تمددت في أعماله من الحارة إلى الشارع إلى الميدان، تمثل فضاء واسعاً ورحباً وشاملاً، كما تتوغل في المكان المحدود المغلق على أسراره وعلى إحداثيات وجوده، وعلى ظرفية حالة تتسق مع حقب زمنية مختلفة عاصرها وعايشها بحسه الفلسفي المؤثر، ذلك التساوق المثير لجدل حكاية تتعدى معناها اللفظي والمحكي إلى أغوار فلسفية ومعادلات قابلة للتأويل والتفسير لما لها من عمق ويسر، وذلك عبر ثلاثة نماذج قصصية تنتمي بشكل كبير إلى النوع الثاني المغلق من المكان المتقوقع على أسراره وسحريته، هي: (خمارة القط الأسود)، (تحت المظلة)، (الظلام) حيث تتصاعد وتيرة سطوة المكان وترتقي حالة من التكامل تميز هذا الواقع الموازي ورؤيته المغايرة إبداعياً.

 3ـــ ثقافة وتقارير: الترحال بالفلسفة نحوها.. ديكارت زائراً ومَزاراً:

      أن يكون الترحال فلسفةً، أو العكس، بحيث تكون الفلسفة هي ذاتها ترحالاً دائماً ومستمراً، وسفراً يبدأ كي لا ينتهي، ومساراً خُطت انطلاقته لكن من غير أن يكون للحديث عن منتهاه جدوى؛ معناه فهم دلالات أن يكون المرء فيلسوفاً وحكيماً وجوالاً، كما في حديث هايدغر عن (الطرق التي لا تؤدي إلى أين)، ضمن إشارته إلى الفلسفة في شقائها النظري الذي يميزها عن غيرها، والتي لا تصل لمرادها من خلال سلك الطرق الواضحة، وإنما هي تسافر في البدء دون أن تضع عينها على وجهتها بوضوح، تيمناً بفكرة أن المرء يسافر لا لكي يصل، بل ليجرب الترحال، أو كما في نصح (أمين معلوف)، بعدم التردد في الانطلاق والسفر بعيداً، أكان هذا السفر عبر البحار أو الأفكار أو المعتقدات، في إشارة لهذه الروح الفلسفية التي تتعانق مع فعل التجوال.

 4 ـــ  فنون: الأزمنة المفككة والاحتمالات العاطفية قراءة نقدية للفيلم الإيطالي (Four to Dinner)

      فيلم (أربعة عُــزّاب على العشاء) (Four to Dinner) يُعـدُّ تجربة سردية تنتمي إلى تيار ما بعد الحداثة، حيث يتلاعب بالزمن والأحداث لتفكيك مفهوم (توأم الروح). ويعرض الفيلم سلسلة من العلاقات المحتملة بين أربعة أصدقاء، فيطرح تساؤلات جوهرية:

ـــ هل يمكن أن يكون لكل شخص شريك مثالي؟ أم أن الحب تجربة احتمالية لا تخضع للثبات المطلق؟

ـــ هل الانجذاب والانسجام اللحظي من الممكن أن يتحول إلى حياة واقعية ومسؤولة؟

ـــ هل الحب يخضع لقسوة التجارب ويتشكّل حسب معطياتها ومفاجآتها أم أنه يتنحى من خلال المنعطفات الأكثر قسوة وواقعية؟

    إن الكثير من الاحتمالات والمشاهد المتكررة لحدث واحد تترك بعض الإجابات لهذه الأسئلة العميقة والوجودية.

      القصة الإطار للفيلم، وبطولة الأحداث

تتجاوز القصة الإطار في الفيلم مجرد كونها مقدمة سردية لتصبح نموذجاً فلسفياً يعكس أزمة الإنسان المعاصر في البحث عن الحب وسط احتمالات لا نهائية،

5ـــ إبداع: العقل والزخم المعرفي

      لقد مَرّت (بالعقل) وعبر العصور أمور معرفية كثيرة تمثل زخماً معرفياً ضخماً، ومع ذلك لم تسبب له تشويشاً مثلما هو في هذا العصر مع وسائل التواصل الحديثة، على أن هذه المرحلة الأخيرة قد سبقتها أمور سببت له قلقاً، ولكنها أشعلته، ولم تُشغِــله، فقد جعلت التفكير أمامه منطلقاً من خلال تقارب مدارس الأدب، وتعدد أدوات النقد، بحيث لم يعد متوقفاً عند تحليل وتفسير وتقييم الأعمال الفكرية وفاقاً لمناهج محدّدة، فقد ظهرت أنواع جديدة من النقد المتخصص، مثل: (النقد التاريخي)، والنفسي، والاجتماعي، والبنيوي، ونقد الأسلوب، والنقد التفكيكي، والتأويلي، والنسوي، والجمالي، والواقعي، والرمزي، والأيدلوجي، والثقافي، والإنساني، ونقد التلقي، والاستجابة، والمقارن، والبيئي، والأسطوري، والأخلاقي، والسيميائي، والظاهراتي، ونقد ما بعد الحداثة، والنقد الفوضوي، والإلكتروني، والتأريخي الجديد، والتداولي، إلخ ذلك. من الأنواع التي نقلتها العقلية المتأثرة بالغرب والشرق، ومع تعدد أنواع النقد فقد تعددت أنواع الناقد تبعاً لهذا التعدد، ناهيك عن تعدد المصطلحات التي ظهرت لقراءة النص، من مثل: الانتشار، وتشظي النص، والمراوغة، واللعب الحر، ولا نهائية الدلالة، وتناسل العبارة، والنزيف الدلالي، والتفجير الدائم للمعنى، والانزلاق الدلالي، والانزياح.. إلخ ذلك، (أما النص)، فهناك النص الظاهر، والخفي، والمغلق، والمفتوح، والمنفتح، والمتجدد، والمؤثر، والتراثي، والجامع.. إلخ

 

السبت، 5 يوليو 2025

 

قضية فلسطين في كتابات:

أحمد توفيق المدني والفضيل الورتلاني

قراءة وعرْض: بشير خلف

    بالرغم من وقوع الجزائر تحت ظُلْم وسيطرة الاحتلال الفرنسي، وسياساته الجائرة؛ إلّا أنّ قضية فلسطين ظلّت راسخة في وجدان الشعب الجزائري، وفكر، وكتابات أعلامه، وشيوخه، ورؤساء، وأعضاء الحركات الوطنية الجزائرية في النصف الأول من القرن العشرين، وفي صدارتها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من خلال آراء، ومواقف أعلامها التي ترجمتها أقلامهم في: الكتب، والمجلّات، والجرائد، والرسائل، والبرقيات، وساهمت في تدويل قضية فلسطين إسلاميا، وعالميا، ومواصلة دعْمها، ودعْم الشعب الفلسطيني الذي كان تحت وطأة الاحتلال البريطاني، ثم الصهيوني، ونصرته ماديا، وسياسيا، ومعنويا بكلّ الوسائل المتاحة آنذاك حتى يحقّق هدفه الأسمى؛ وهو استرجاع  سيادته  على كل أراضيه، وتحقيق استقلاله كاملا غير منقوص.

     وفي هذا السياق يأتي كتاب: " قضية فلسطين في كتابات

أحمد توفيق المدني والفضيل الورتلاني" للدكتور الشاب الزبير بن بردي أستاذ التاريخ بجامعة حمة لخضر بالوادي، الذي صدر أخيرًا عن دار "سامي" للطباعة والنشر والتوزيع بالوادي لصاحبها الأستاذ المثقف القدير رضا درّاجي.

 الكتاب من الحجم المتوسط في 136 صفحة، متْـنُه يتضمّن بعد الإهداء، وتقديم البروفيسور علي غنابزية، من:

ـــ مقدمة المؤلف

ـــ 1 ــ موقف أعلام جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من قضية فلسطين.

ـــ 2 ــ ترجمة موجزة للعلميْن أحمد توفيق المدني والفضيل الورتلاني

ـــ 3 ـــ قضية فلسطين في كتابات توفيق المدني قبل النكبة وبعدها.

ـــ 4 ـــ قضية فلسطين في كتابات  الفضيل الورتلاني قبل النكبة وبعدها.

ـــ الملاحق:

. صور مقالات من مجلة الشهاب

. صور مقالات من مجلة االبصائر.

. صور لأعلام الجمعية، وشخصيات عربية

 من التقديم ص:05

«... كما أن فلسطين صارت في عصرنا بالخصوص ــ القضية المركزية ــ لدى الأمة الإسلامية، فكلما عاشت فلسطين آمنة مطمئنة تبعتها الأمة، وعرفت العافية والهناء، وكلّما أصابها قرحٌ ومسّها خطْبٌ تتداعى الأخطار على الأمة الإسلامية الخالدة، فتخفت سيادتها، وتتوارى قوتها، ويذهب ريحها، وتتشتّت شذر مذر.»

 من المقدمة ص:11

«...ومن أهمّ أعلام الجزائر الذين سخّروا أقلامهم وجنّدوا أنفسهم للدفاع عن قضية فلسطين نجد أعلام جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الذين كتبوا عنها، وأرشدوا الرأي العام إلى الاهتمام بها، وأسهموا في تعميق صلة الجزائريين بالقدس، والمسجد الأقصى، كما نبّهوا، وفضحوا مبكّرًا أطماع الصهاينة، والمؤامرات الدولية لتقسيم فلسطين قبل، وبعد الحرب العالمية الثانية، ودعوْا إلى الجهاد في سبيل تحريرها، والمساهمة في دعمها، ومساعدة إخوانهم الفلسطينيين بكل الوسائل المُتاحة.»

      الكتاب كشهادة تاريخية يؤرخ موقف الشعب الجزائري، ونخبه الثقافية، وخاصة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الرائدة في نهضة الجزائر، والحفاظ على هويتها، ولا تزال.. كما الدفاع عن فلسطين، وحقوق شعبها، والقدس الشريف، والمسجد الأقصى.

    الكتاب باكورة المؤلف ككتاب مُستقلّ خاصٍّ به؛  يدخل من خلاله عالم الكتابة، والتأليف، أتمنّى له التوفيق في هذا الميدان الوطيس، والماتع معًا.  

 

الثلاثاء، 1 يوليو 2025

 

                                                              الفنان التشكيلي عامر هاشم

    حقق الفنان التشكيلي الجزائري عامر هاشمي منجزا فنيا كبيرا، استقطبته أوروبا دون تردد، لما يحمله من بعد إنساني، يتخطى كل الحدود في خارطة العالم الواسعة، تناول موضوع الهجرة غير الشرعية عبر حوض البحر الأبيض المتوسط، بقوارب الموت.

     وتُــوج المنجز الفني في معرض فني شخصي متنقل في إسبانيا تحت عنوان “غرق مأساوي في البحر الأبيض المتوسط” أُقيم في مدينة أليكانت الإسبانية  Alicante قبل أن ينتقل إلى مدينة إيبيزا Ibiza ثم مدينة مايوركا Mallorca ثم يعود إلى الجزائر، بتنظيم من الشركة الإسبانية البحرية للمسافرين “بالياريا” Balearea بالتعاون مع الديوان الوطني للمؤلف ONDA.

      يضم معرض الفنان هاشمي 40 لوحة، “اكريلك على قماش” بمقاسات مختلفة، وهي لوحات تعالج مأساة الهجرة وعواقبها على مستقبل الحياة البشرية، بأسلوب تعبيري، هو الأقرب إلى تجسيد المشهد بكل تفاصيله المرسومة على أرض الواقع.

    وقـدّم عدد من النقاد التشكيليين قراءة فنية في كتاب المعرض المصور اتفقوا فيه على عمق الرؤية البصرية التي جسدها الفنان هاشمي، وكان من بين هؤلاء النقاد الإسباني السيد بيراز ريكارد  Pérez Ricardوالجزائري علي سيلام والعراقي عبد الرحمن جعفر الكناني.

 يقف الفنان الجزائري هاشمي بــ “أناه” مبحرا مع مهاجر في “ قارب موت ”، مدونا فصول رحلة، أبعد من مديات حلم، يستدرج المنتشي به إلى الغوص في أعماق هوائها المذاب لا يمنح الروح حياة أخرى تقتفي آثار رؤيا تتجلى في الواقع “كفنا منسوجا من رمال رطبة على شاطئ بحر جنوبي”.

    التراجيديا والجمال تآلفٌ لم يضعه “عامر هاشمي” في سياق “ميثولوجيا” من سحر الغيب أو الخيال، فهو الراصد لـ “وقائع” عصر راهن، هزت ضميرا بشريا، لم ير لهزته شكلا، فدعاه إلى رؤية ما لم يره بحاسة البصر، في بناء جمالي روحي مؤثر.

      لقد تخطى عامر هاشمي مبادئ الفن التي تغازل ذوق المترفين، فاشتغاله على الموضوع الإنساني، يعد منهجا فنيا، انطلق بخطواته الأولى حين عاش عشرية الإرهاب، فوظف فن “المنمنمات” بأسلوب حديث، يحاكي ويدين مأساة عاشتها الجزائر، قبل أن تتخطاها في مصالحة الإنسان مع ذاته.

عامر هاشمي، أكاديمي تشكيلي، يعطي للتجربة عمقها، مستخرجا نظرية، اختصت في تجريدية، لها قدرة إثراء الواقع، وتشخيص انكساراته، التي تتعثر بها قيم إنسانية عالية، لم تصل مبتغاها المرتجى.

الثلاثاء، 24 يونيو 2025

 

نصّ "تيتانيكات إفريقية"

تراجيديا الهجرة.. بطعْم سواد الثلج

   كتب: بشير خلف   

      هجرات الشعوب، والأقوام قصة قديمة، مستمرة منذ بدء التاريخ، كلُّ بلد جزءٌ من شعبه من بلد آخر، أميركا مثلَا، هي "أمة مهاجرين" من كل بلاد العالم، ولا مجال للحيلولة من دون الهجرة هرباً من الظلم، والقمع بحثاً عن الحرية، أو هرباً من البؤس بحثاً عن حياة كريمة، ومستقبل أفضل.

 من رواية تيتانيكات

«كان الموج يأتي مثل جبال محتدمة تلطم المركب الذي أصبح مثل فقاعة ستنفجر آجلاً، أو عاجلاً. همس:

ـــ لماذا يوحي هذا المركب بأنه على وشك الغرق؟ وهذا الخشب الذي يئنّ ألا يعرف أنْ يصمت؟

     خلُص بعض المهاجرين إلى يقين قاطع بأن الكارثة واقعة لا محالة. وكلما رأى وتيرة الرعب المتعاظمة، خشي أن يفقد الناس الأكثر هلعاً صبرهم، ويقفزوا إلى المياه؛ لكن الخطر الحقيقي لم يكن في الموج على الرغم من شراسته، بل كان في الثقب الذي ظهر في أرضية المركب، وأخذ يتدفق عبره السيل، مهدداً بغمر المحرك. ضربات الموج العاتي وقرقعات الخشب، وانخلاع أجزاء من جسم المركب الخارجي، جميعها تكفلت بإضرام الصراخ والهذيان، وانفلات الأعصاب.»

  رواية "تيتانيكات أفريقية" للكاتب الأرتيري أبو بكر حامد كهال، هي رواية إريترية في 112 صفحة من الحجم المتوسط، تتناول قصة الهجرة غير الشرعية من أفريقيا إلى أوروبا. تدور أحداث الرواية حول مجموعة من المهاجرين من إريتريا، وإثيوبيا ،والسودان، والصومال، وغانا، وليبيريا؛ والذين يجمعهم سماسرة في قوارب غير صالحة للإبحار، ويرسلونهم إلى البحر عبر الصحراء؛ ثم إلى شواطئ أوروبا.

     تحكي تيتانيكات أفريقية قصة المهاجرين الافارقة الذين يعبرون الصحراء ثم المتوسط للوصول إلى أوروبا بحثا عن الجنة الموعودة. ومن خلال سرد رشيق، ومركز يقوم الروائي الارتري أبوبكر حامد كهال بتقديم قصة هؤلاء المهاجرين وهم يحاولون ايجاد معنى مغاير للأحداث التي يتعايشون معها، واحتكاكهم المتواصل مع الموت.

     إنها القصة التي ما تزال أحداثها مستمرة ومأساتها متواصلة.

     يصور الكاتب في الرواية الأهوال الضخمة التي يعيشها المهاجر مصورا كل الشدائد، والمخاطر، وزحف الموت، وغدر الطبيعة، والمعاناة من قهر الإنسان: بوليس، وسماسرة، ونخاسين لأخيه الإنسان.

    قال مؤلِّفُ الرواية:

« لقد قٌــدِّر لي أن أكون في المكان المناسب في ليبيا، التي يتخذها المهاجرون بلدا للعبور. اقتربت منهم كثيرا، وكان لي أكثر من تجربة فاشلة للعبور إلى أوروبا، ومن خلال تلك التجارب، وسماع قصص المهاجرين، كتبت هذه الرواية. هي محاولة لفتح نافذة على حياة هؤلاء الذين يخاطرون بحياتهم على قوارب متهالكة في سبيل حلم بعيد.»

    تسرد الرواية تفاصيل رحلة أبدار، "الشخصية الرئيسة"، الذي يبدأ مسيرته من إريتريا إلى السودان، ومن ثم إلى ليبيا، ويواجه خطر الموت من جانب عصابات تهريب البشر؛ ومع كل محطة، تتكشف تفاصيل جديدة عن معاناة المهاجرين، بين الأمل في الوصول إلى أوروبا، والحلم بحياة أفضل، وبين الواقع المرير الذي يواجهونه على أرض الواقع، بأسلوب سردي متقن،

   وتتداخل الحكايات بين الواقع والأسطورة، لتقدم صورة نابضة بالحياة عن القارة الافريقية، التي يعكس كهال من خلالها تراثها الغني، وأغانيها الضاربة في جذور الوجود. لغة الرواية حوارية ثرية، مشبعة بالصور، والتشبيهات، وتحمل مصداقية التنوع اللغوي، واللهجات المتعددة في المنطقة.

     أبدار، الذي يقاوم «سحر الهجرة» طويلا، لكنه يستيقظ ذات يوم ليجد أن جرثومة الرحيل تسربت إلى دمه؛ فيجتمع 23 شخصا؛ بينهم 3 فتيات، وينطلقون من أحد مقاهي الخرطوم على متن سيارة المهرب، بعد أن دفعوا الرشاوى لحرس الحدود.

     الطريق شاق وخطير، ويواجهون مطاردة من قطاع الطرق الصحراويين (الهمباتا)، الذين يعترضون طريقهم ويجردونهم من ممتلكاتهم. بعد عاصفة رملية شديدة، يُضيّعُ السائق الطريقن وتنفد المياه، ما يؤدي إلى خسائر في الأرواح.

     في هذه اللحظات القاسية، تتجلى شخصيات الرواية في لقطات إنسانية مؤثرة؛ إذ تظهر الفتاة الإريترية «ترحاس» كأم للجميع، تحاول إنقاذ «أسقدوم» الذي يصارع الموت بينما تستيقظ في داخله ذكريات الحرب الدامية.

      ومنذ الصفحات الأولى، يجد القارئ نفسه أمام تساؤل وجودي مؤلم:

«هل ستغدو أفريقيا مثل خشبة مجوفة تعزف فيها الريح ألحان العدم؟»

     أبوبكر كاهل روائي وكاتب إريتري عاش في ليبيا، وعمل في اتحاد الكتاب الليبيين، قبل أن ينتقل إلى مهجره النهائي في الدنمارك.

 

 

 

 

الثلاثاء، 17 يونيو 2025

 

مجلّة " ُأفُق" الثقافية في عددٍ جديدٍ

 قراءة وعرْض: بشير خلف

    صدر العدد الجديد 44 من مجلة " أفق الثقافية" بتاريخ 17 اجوان 2025، مُتضمِّنًا عديد المواضيع الفكرية الراقية، وفي صدارتها الموضوع الرئيس:( الفلسفة والأدب ما بعد الحداثة)

     منذ بدايات الفكر التأملي، كانت العلاقة بين الأدب والفلسفة وثيقة جدًا لدرجة يمكن وصفها بعلاقة أبوية.. على الرغم من أن أفلاطون أدان الأدب، فقد خصص له في سلسلته الأنطولوجية مكانة النسخة عن النسخة.

    أما أرسطو فقد أعاد التأكيد على قيمة الأدب، ونسب إليه تأثيرًا أخلاقيًا، بل ومنحه بُعدًا فلسفيًا معينًا، لكنه في الوقت نفسه أخضعه للخطاب التأملي. على مدار ما يقرب من ألفي عام، ظل هذا الحكم على الأدب موجهًا للانشغالات النظرية بشأن العلاقة بين المجالين، سواء من جانب الفلاسفة أو الأدباء، مع اختلاف التركيز عبر العصور.

     يوجد تعريف محدد ومتفق عليه لما بعد الحداثة، ومع ذلك فقد كان لها تأثير هائل على الفن، والعمارة، والموسيقى، والسينما، والأدب، والفلسفة، وعلم الاجتماع، والاتصال، والموضة، والتكنولوجيا. يمكن النظر إلى جوهر هذا العمل على أنه تقدير وإعجاب بالقيم والمثل المرتبطة بفلسفة ما بعد الحداثة وكذلك أدب ما بعد الحداثة.

     يتجلى تأثير الفلسفة في الأدب ما بعد الحداثي من خلال تبني أساليب سردية مبتكرة تُبرز تعددية المعاني، وتفكيك الأنماط في السرد. إذ يصبح النص الأدبي مسرحًا للتجريب، حيث تتداخل مستويات الواقع والخيال، وتتشابك الأصوات والوجهات النظرية المختلفة في لوحة واحدة تعكس تعقيدات العصر.

      هذه المقاربة تعكس روح التشكيك والتحرر من القيود المفروضة على التعبير الفني والفكري، مما يفتح المجال لإعادة تأويل الخبرات الإنسانية بطرق غير مسبوقة.

     من هنا، نجد أن الأدب ما بعد الحداثي ليس مجرد تعبير فني، بل هو أيضًا حوارٌ مستمر مع مفاهيم الفلسفة المعاصرة؛ حوار يتناول قضايا الوجود، واللغة، والسلطة، والهوية، ويسعى إلى تسليط الضوء على غموض الواقع.

  استخدم العديد من الكتاب الأدبَ كوسيلة لنقل الأفكار الفلسفية المعقدة بطريقة يمكن للقارئ العادي فهمها.

     استخدم مثلًا نيتشه، وسارتر.. الأجناس الأدبية (كـ”هكذا تحدث زرادشت”) لِـنشر أفكارهم، معتمدين على الصور الشعرية لتفادي جمود اللغة الفلسفية التقليدية.

  كما قام ألبر كامو في أعماله مثل “الغريب” بطرح مفاهيم العبثية، والوجودية بطريقة سردية متقنة.

 


   بهذا العدد الجديد من المجلة:

ـــ التفاعل الجدلي بين الفلسفة الغربية والفلسفة العربية الإسلامية.

ـــ سيكولوجية العقل: الأحلام

ـــ الصحوة بعد الصحوة

ـــ مناهج المحدثين: منهج الإمام البخاري

ـــ السرديات العربية والهيمنة الاستعمارية

ـــ مستقبل البشرية بعيون الذكاء الصناعي

ـــ جسور الترجمة وأعمدتها

ـــ محمد عابد الجزائري وجابر عصفور وتأسيس حداثة عربية

ـــ فقه ردّ الفيلسوف على المتكلّم..

 

سيكولوجية العقل ــ الأحلام ــ

     تمضي بك الأحداث والصور، تحملك إلى عوالم حاضرة منسية، يحلق فيها عقلك ويتحرر من قيود الواقع، ثم يبدأ رواية سرديته التي تحول الواقع إلى حكايات، وأساطير. مواقف تشعر فيها وكأنك منفصل عن ذاتك، تراقب الأحداث، وتحاول إعادة روايتها، وقد تنساها، أو لا تتذكر تفاصيلها، ولكن أثرها يبقى معك. إنها الأحلام، وما تتضمنه من صور ورموز، وأفكار وانفعالات، حيث كانت، وما زالت، مصدر إلهام، ومصدر حيرة للبشر عير قرون من الزمن، لما لها من تأثير جلي على حياة الإنسان حال يقظته. الأحلام تحدث فقط أثناء النوم، وللنوم مراحل أو دورات، تتراوح ما بين النوم الخفيف، والنوم العميق، ودورة نوم حركة العين السريعة، ويتم تحديد هذه المراحل بناءً على تحليل نشاط الدماغ أثناء النوم، والذي يظهر أنماطًا محددة تميز كل دورة. وتحدث الأحلام عادةً في مرحلة حركة العين السريعة (Rapid Eye Movement- REM)، حيث يكون الدماغ في قمة نشاطه.

 مستقبل البشرية بعيون الذكاء الصناعي

    صحيح أن للذكاء الاصطناعي فوائد جمّة وأهمية بالغة في الحياة البشرية لا يمكن لنا إنكارها، فهو يساهم في تحسين وتطوير المجالات الحياتية كافة وذلك من خلال تطوير الأنظمة الحاسوبية، لتعمل بكفاءة فائقة تشبه كفاءة الإنسان الخبير، وفي المحافظة على الخبرات البشرية المتراكمة بنقلها إلى الآلات الذكية، كما يؤدي الذكاء الاصطناعي دورًا مهمًا في كثير من الميادين الحساسة مثل: المساعدة في تشخيص الأمراض ووصف الأدوية، والاستشارات القانونية والمهنية، والتعليم التفاعلي، والمجالات الأمنية والعسكرية، بالإضافة إلى المجالات الحياتية الأخرى التي أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا فيها، ناهيك عن تخفف الآلات الذكية عن الإنسان الكثير من المخاطر والضغوطات النفسية، وتجعله يركز على أشياء أكثر أهمية وأكثر إنسانية، وذلك بتوظيف الآلات للقيام بالأعمال الشاقة والخطرة، والمشاركة في عمليات الإنقاذ في أثناء الكوارث الطبيعية، كما وسيكون لهذه الآلات دور فعال في الميادين التي تتضمن تفاصيل كثيرة تتسم بالتعقيد، والتي تحتاج الى تركيز عقلي متعب وحضور ذهني متواصل وقرارات حساسة وسريعة لا تحتمل التأخير أو الخطأ.

     وفي ميدان البحوث العلمية قد يكون الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة على إجراء تلك البحوث، حيث يسهل الوصول إلى مزيد من الاكتشافات، وبالتالي يعد عاملًا مهمًا في زيادة تسارع النمو والتطور في الميادين العلمية كافة. لكن هذا الأمر لا يعفي الذكاء الاصطناعي من وجود مجموعة من المخاطر بالغة الخطورة على مستقبل السلوك الإنساني جراء الاستخدام المتزايد لمفرزاته في شتى مجالات الحياة.

     في حقيقة الأمر باتت تقنيات الذكاء الاصطناعي تؤثر على حياتنا أكثر من أي وقت مضى، وربما تتدخل فيها أيضًا، ولذا يرى فريق من الخبراء أن الوقت قد حان لأن يتدخل مفكرو علم الاجتماع وعلم الأخلاق وفلاسفته لضبط هذا الأمر.

 محمد عابد الجابري وجابر عصفور… وتأسيس حداثة عربية

     ما هو الجامع المشترك بين محمد عابد الجابري وجابر عصفور؟ الأول مثقف مغربي تخصص في الفلسفة العربية الإسلامية، والثاني مثقف مصري تخصص في التراث النقدي والبلاغي؛ فضلًا عن مساهماته في النقد الأدبي نظريًا وعمليًا.

    هذا السؤال عن أوجه التشابه بينهما قد يفقد وجاهته أو مشروعيته على الرغم من التباين الظاهر بين ميدان اشتغالهما إذا تم النظر فيه بعناية وتدقيق. ذلك أن القراءة الفاحصة المتأنية لكتابات كل من الجابري وعصفور ستكشف أن الرابط بينهما لا يقتصر فقط على الموقف من إشكالية التراث وتأثيره على الفكر العربي المعاصر، بل يتعدى ذلك ليشمل توافقًا فكريًا وتكاملًا في مشروعيهما. وكأن كل منهما قد اشتغل في مجاله الخاص – الجابري في الفلسفة والفكر، وعصفور في النقد الأدبي – لتحقيق هدف واحد، هو تأسيس حداثة عربية من خلال تجديد، ونقد التراث من الداخل، قراءة التراث بعقل نقدي على ضوء معطيات ومكتسبات المناهج العلمية المعاصرة.

 

 

 

الجمعة، 13 يونيو 2025

 

                                            السياحة المستدامة

قراءة وعرْض بشير خلف

     السياحة ذلك القطاع النابض بالحياة، والألوان.. قوّة جبّارة، قادرة على:

ـــ تحريك الاقتصاد. ـــ بناء الجسور الثقافية.

ـــ إثراء حياة الملايين في العالم.

       لكن وراء بريقها الجذّاب، تحمل هذه القوة في طيّاتها بذور تحدّيات بيئية، واجتماعية قد تهدّد ذات الموارد التي تعتمد عليها.

    كيف يمكننا إذن الاستمتاع بفوائد السياحة دون أن نضحّي بجمال كوكبنا، وتنوّع تراثنا، هنا.. وفي قلب هذا التساؤل المحوري يبرز مفهوم (التنمية السياحية المستدامة)، كمنارة ترشدنا نحو مستقبل أكثر توازنًا، ومسؤولية.

   

      المنظمة السياحية العالمية تُعرّف التنمية السياحية المستدامة على أنها تنمية تعتمد، وتقوم على تحقيق احتياجات السيّاح، والمناطق المُضيفة لهم، وفي الوقت نفسه ترمي إلى حماية، وتعزيز الفُرص، والإمكانات المتوفّرة من أجل  المستقبل.

    أصبحت السياحة تندرج ضمن المفهوم الأوسع للتنمية المستدامة، وتُصوّرُ على أنها التنمية التي تلبّي احتياجات الحاضر دون المساس بقدرات أجيال المستقبل، لتلبية احتياجاتهم الخاصة، ولاستدامة السياحة يجب توفّر العناصر الأساسية التالية:

·     السلامة البيئية: الحفاظ على العمليات الأيكولوجية الأساسية، والمساعدة في الحفاظ على التراث الطبيعي، والتنوّع البيولوجي؛ أين يكون الاستخدام الأمثل للموارد البيئية التي تشكّل عنصرًا أساسيا.

·     العدالة الاجتماعية: احترام الأصالة الاجتماعية، والثقافية للمجتمعات المُضيفة للحفاظ على تراثها الثقفي المبني، والمعيشي وقيمته التقليدية، والمساهمة في التفاهم، والتسامح بين الثقافات.

·     الازدهار الاقتصادي: ضمان عمليات اقتصادية قابلة للاستمرار، وطويلة الأجل، وتوفير المنافع  الاجتماعية، والاقتصادية لجميع المشتغلين في المصلحة.

 

      في هذا المجال السياحي صدر هذه الأيام كتابٌ من تأليف الدكتور فتحي بن عمر، باحثٌ وأكاديمي متخصّص في العلوم التجارية والتسوّق، أستاذ بجامعة الشهيد حمه لخضر بالوادي، صدر الكتاب عن دار" سامي" للطبع والنشر بالوادي.

    الكتاب  بعنوان: ( دليل التسويق السياحي  المستدام من النظرية إلى التطبيق الناجح) من الحجم 24 سم في 16 سم، 202 صفحة:

        بعد هدف الكتاب، المقدمة تأتي الفصول:

1 ــ الفصل الأول: التنمية السياحية المستدامة

2 ــ استراتيجية التسويق السياحي

3 ــ التسويق السياحي الإلكتروني

4 ــ دراسات متقدمة حول استراتيجية التسويق السياحي

 

محتوى الكتاب:

   أكثر من وجهات نظر ماتعة، وجميلة ...سياحة مستدامة، وتسويق ذكيٍّ .

      هذا الكتاب يأخذك في رحلة عميقة لاستكشاف فنّ وعلم التسويق السياحي المستدام من فهْم أُسس التنمية المستدامة وتحدّياتها إلى إتقان استراتيجية التسويق الرقمي، والتقليدي، وتحليل دراسات حالة عالمية مُلهِمة.

     يقدّم المؤلف الدكتور فتحي بن عمر خارطة طريق عملية للمهنيين، والطُلّاب، والباحثين، مُزوِّدًا إياهم بالأدوات اللازمة لتصميم حملات تسويقية مبتكرة تحترم البيئة والمجتمع، وتُحقّقُ النجاح.

  مـذابـح الـكـتـب كتب: بشير خلف       الكُتب «خزائن» المعرفة، حفِــظت للبشرية «ذاكرتها»، وتراثها المكتوب. وما من أمة نهضت، وحلقت ـ عال...